← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

٨٢) وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الأذان والإقامة للمنفرد ؟ فأجاب بقوله: الأذان والإقامة للمنفرد سنة، وليسا بواجب؛ لأنه ليس لديه من يناديه بالأذان، ولكن نظراً لأن الأذان ذكراً لله ، وتعظيماً، ودعوة لنفسه إلى الصلاة وإلى الفلاح، وكذلك الإقامة كان سنة، ويدل على استحباب الأذان ما جاء في حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يعجب ربك من راعي غنم على رأس الشظية للجبل يؤذن للصلاة، فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم للصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة " (١) . * * * ٨٣) وسئل: إذا جمع الإنسان الظهر والعصر فهل لكل واحدة منهما إقامة؟ وهل للنوافل إقامة ؟ فأجاب قائلاً: لكل واحدة إقامة، كما في حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ ، حيث ذكر جمعه في مزدلفة قال: " أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء ولم يسبح بينهما " (٢) . وأما النوافل فليس لها إقامة. * * * ٨٤) وسئل قضيلة الشيخ: هل الأذان واجب على المنفرد؟ وما

стр. 4447

صحة الاستدلال بحديث: " إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم " على وجوب الأذان والإقامة على المنفرد؟ فأجاب قائلاً: الأذان للمنفرد إذا كان في مكان ليس فيه مؤذنون مشروع، إما وجوباً، وإما استحباباً على قولين في ذلك هما روايتان عن الإمام أحمد. وأما الاستدلال بحديث: " فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم " فيحتمل أن المراد بالتشهد ما يقال بعد الوضوء، والله أعلم. * * * ٨٥) وسئل فضيلة الشيخ: عن مسجد في مزرعة قريبة من البلد ويسمعون أذان البلد فهل يؤذنون ؟ فأجاب بقوله: إذا كان للمسجد مؤذن معين من قبل الأوقاف فلا بأس به وإن كانوا يسمعون أذان البلد. * * * ٨٦) سئل فضيلة الشيخ: عن إمام دخل المسجد وقد أذن المؤذنون في البلد ولم يؤذن في مسجده فهل يؤذن أن يقيم مباشرة ؟ فأجاب قائلاً: إذا دخل الإمام مسجداً لم يؤذن فيه فلا حرج أن يقيم الصلاة بدون أذان، لأن الأذان فرض كفاية، وقد حصل بأذان الآخرين في المساجد المجاورة. أما إذا دخل الإمام مسجداً ليس حوله مؤذنون فإنه يؤذن، مثل رجل مسافر وكان حال الأذان في البر ولا يسمع النداء فدخل هو وأصحابه المسجد ليصلوا، ورأو الناس قد صلوا فإنه يحسن أن يؤذنوا ثم يقيموا، ولكن يكون الأذان بقدر ما يسمعون هم أنفسهم دون أن

стр. 4448

يكون فيه مكبر صوت أو بصوت عال، لئلا يشوش على الناس. * * * ٨٧) وسئل فضيلة الشيخ: هل يجب الأذان للصلاة المقضية ؟ فأجاب بقوله: إذا كان الإنسان في بلد قد أذن فيه للصلاة كما لو نام جماعة في البلد ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس فلا يجب عليهم الأذان اكتفاءً بالأذان العام في البلد؛ لأن الأذان العام في البلد حصل به الكفاية وسقطت به الفريضة. أما إذا كان في مكان لم يؤذن فيه فالأذان واجب؛ لأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر في سفره ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس أمر بلالاً أن يؤذن (١) وأن يقيم وهذا يدل على وجوبه، ولعموم قوله ﷺ : " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (٢) . فإنه يشمل حضورها بعد الوقت وفي الوقت. * * * ٨٨) وسئل فضيلته عن حكم أخذ الأجرة على الأذان ؟ فأجاب قائلاً: لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان لأنه قربة من القرب وعبادة من العبادات، والعبادات لا يجوز أخذ الأجرة عليها لقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٣) . ولأنه إذا أراد بالأذان

стр. 4449

الدنيا بطل عمله، فلم يكن أذانه صحيحاً، وقد قال النبي ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (١) إلا الرزق فلا يحرم أن يعطى المؤذن والمقيم عطاء من بيت المال وهو ما يعرف في وقتنا الحاضر بالراتب؛ لأن بيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين. * * * ٨٩) وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته -: عن حكم أخذ المال على فعل الطاعات ؟ فأجاب بقوله: العوض الذي يعطاه من قام بطاعة من الطاعات ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون ذلك بعقد أجرة مثل أن يتفق هذا العامل القائم بهذه الطاعة مع غيره على عقد إجازة ملزمة يكون فيها كل من العوضين مقصوداً، فالصحيح أن ذلك لا يصح كما لو قام أحد بالإمامة والأذان بأجرة، وذلك لأن عمل الآخرة لا يصح أن يكون وسيلة للدنيا؛ لأن عمل الآخرة أشرف وأعلى من أن يكون وسيلة لعمل الدنيا الذي هو أدنى، قال تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى *إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (٢) . القسم الثاني: أن يأخذ عوضاً على هذا العمل على سبيل الجعالة مثل أن يقول قائل: من قام بالأذان في هذا المسجد فله كذا وكذا، أو من قام بالإمامة في هذا المسجد فله كذا وكذا فالصحيح من أقوال أهل

стр. 4450

العلم في هذه المسألة أن ذلك جائزاً؛ لأن هذا العمل ليس أجرة وليس ملزماً. القسم الثالث: أن يكون العوض من بيت المال تبذله الدولة لمن قام بهذا العمل فهذا جائز ولا شك فيه؛ لأنه من المصارف الشرعية لبيت المال، وأنت مستحق له بمقتضى هذا العمل فإذا أخذته فلا حرج عليك، ولكن ينبغي أن يعلم أن هذه الأموال التي تباح لمن قام بهذه الوظائف لا ينبغي أن تكون هي مقصود العبد، فإنه إذا كانت مقصودة حرم الأجر، وأما إذا أخذها ليستعين بها على طاعة الله، وعلى القيام بهذا العمل فإنها لا تضره. * * * ٩٠) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن ؟ فأجاب بقوله: قراءة القرآن بالأجرة حرام، لأن قراءة القرآن عمل صالح، والعمل الصالح لا يجوز أن يتخذ وسيلة للدنيا، فإن اتخذ وسيلة لها بطل ثوابه لقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (١) . وقال النبي ﷺ : " من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (٢) . فقاريء القرآن لأخذ الأجرة ليس له ثواب عند الله

стр. 4451

وعلى هذا فلا ينتفع الميت بقراءته. * * * ٩١) وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز أذان حالق اللحية إذا كان حسن الصوت ؟ فأجاب قائلاً: نقول في هذا: إن أذان حالق اللحية صحيح؛ لأنه أداه على الوجه الذي جاء به الشرع، فإذا كان يؤدي الأذان أداءً صحيحاً سليماً فلا بأس. وإنني بهذه المناسبة أحب أن أنبه على بعض الأخطاء في الأذان: ١ - فمن ذلك: لو قال المؤذن: " آلله أكبر " بمد الهمزة، فأذانه غير صحيح؛ لأنه إذا مد الهمزة فهو يستفهم قال الله: (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (١) . فهذا الأذان لا يصح من أي إنسان. ٢ - ولو قال مؤذن: " الله أكبار " لم يصح أذانه؛ لأن أكبار جمع كبر والكبرالطبل ٣ - ولو قال: " أشهد أنِ لا إله إلا الله " قلنا الصواب أن تقول " أنْ لا إله إلا الله " بسكون النون مدغمة، ف (أنْ) هنا مخففة من الثقيلة، وإذا خففت وهي ساكنة ووليتها اللام فإنها تدغم في اللام فيقال أشهد ألاإله إلا الله. ٤ - وإذا استمعنا إلى أذان كثير من الناس نجدهم يقولون " أشهد أن محمداً رسولَ الله " بفتح اللام. فإذا قيل: هل هناك مخرج يمكن أن نتخرج به، حتى لا نبطل أذان كثير من المؤذنين؟

стр. 4452

قلنا: نعم اللغة العربية - والحمد لله - واسعة ففيه لغة عربية صحيحة تنصب الجزئين مع " أن " و" إن " تنصب المبتدأ والخبر فتقول إن زيداً قائماً، ومنه قول الشاعر عمر بن أبي ربيعة: إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافاً إن حراسنا أسدا ولو جاء على اللغة المشهورة لقال: " أن حراسنا أسدٌ " بضم أُسد، فما دمنا وجدنا مخرجاً في اللغة العربية لتصحيح أذان المؤذنين فنصححه. على أن المؤذن لو سألته: ماذا تعني بقول أشهد أن محمداً رسولَ الله؟ لقال أعني أن محمداً رسول الله. ٥ - وإذا قال المؤذن " الله وكبر " أي يجعل الهمزة واواً فنقول هذا جائز في اللغة العربية، فإذا وقعت الهمزة بعد ضم جائز قلبها واواً وعلى هذا فالذين يقولون " الله وكبر " أذانهم صحيح، على أن الأولى أن يقولوا " الله أكبر " بتحقيق الهمزة. والمهم أن أذان حالق اللحية، وشارب الدخان وما أشبههم ممن يصرون على المعاصي أذانهم صحيح ما داموا يأتون به على الوجه السليم الذي لا يتغير به المعنى. * * * ٩٢) وسئل فضيلته: إذا حضرت الصلاة في حال الحرب فهل يرفع المؤذن صوته علماً بأن العدو إذا سمع الأذان اكتشف الموقع ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأذان يكفي أن يسمعه من أُذن له، فإذا رفع صوته بقدر ما يسمعه الحاضرون فقد أجزأ. ولا يجوز أن يرفع صوته بالأذان ليدل العدو على مكانه؛ لأن هذا

стр. 4453

من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة. * * * ٩٣) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم وضع مكبر الصوت في المنارة للتأذين به ؟ فأجاب جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً بقوله: لا نرى بأساً بوضع مكبر الصوت الذي يسمى (الميكرفون) في المنارة للتأذين به، وذلك لما يشتمل عليه من المصالح الكثيرة، وسلامته من المحذور، ويدل على ذلك أمور: الأول: أنه مما خلق الله تعالى لنا في هذه الأرض، وقد قال الله تعالى ممتناً على عباده بإباحته لهم جميع ما في الأرض، وتسخيره لهم ما في السماوات والأرض (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) (١) . وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) (٢) . ولا ينبغي للعبد أن يرد نعمة الله عليه فيحرم نفسه منها بغير موجب شرعي فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (٣) ويقول راداً على من يحللون ويحرمون بأهوائهم: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (٤) . ويقول ناهياً عن ذلك: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ

стр. 4454

عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (١) . وإذا كان النبي ﷺ قال كما ثبت عنه في صحيح مسلم في شأن البصل والكراث " إنه ليس لي تحريم ما أحل الله " (٢) ، فكيف يجوز لغيره أن يحرم ما أحل الله؟! فإن قال قائل: إن الميكرفون حرام. قلنا له: ليس لك أن تحرم شيئاً إلا بدليل، ولا دليل لك على تحريمه، بل الدليل كما أثبتنا يدل على حله لأنه مما خلق الله لنا في الأرض وقد أحله لنا كما تفيده الآية السابقة (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) (٣) . الثاني: أن من القواعد المقررة عند أهل العلم أن " الأصل في الأعيان والمنافع الحل والإباحة إلا ما قام الدليل على تحريمه "، وهذه القاعدة مستمدة من نصوص الكتاب، والسنة. أما الكتاب: فمن قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعا) (٤) . وأما السنة فمن قوله ﷺ : " إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها " (٥) وأخبر أن " ما سكت عنه فهو عفو " (٦) .

стр. 4455

والميكرفون مما خلق الله تعالى في الأرض، وسكت عنه فيكون عفواً مباحاً. الثالث: أن قاعدة الشرع الأساسية جلب المصالح ودفع المفاسد والميكرفون يشتمل على مصالح كالمبالغة برفع الصوت بتكبير الله تعالى وتوحيده، والشهادة لرسوله ﷺ بالرسالة، والدعوة إلى الله خصوصاً، وإلى الفلاح عموماً، ومن مصالحه تنبيه الغافلين، وإيقاظ النائمين، ومع هذه المصالح ليس فيه مفسدة تقابل أو تقارب هذه المصالح بل ليس فيه مفسدة مطلقاً فيما نعلم. الرابع: أن من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية أن الوسائل لها أحكام المقاصد، والميكرفون وسيلة ظاهرة إلى إسماع الناس الأذان والدعوة إلى الصلاة، وإبلاغهم ما يلقى فيه من خطب ومواعظ، وإسماع الناس الأذان، والدعوة إلى الصلاة، وإبلاغهم المواعظ والخطب من الأمور المأمور بها بإجماع أهل العلم، فما كان وسيلة إلى تعميمها وإيصالها إلى الناس كان مأموراً بها أيضاً. الخامس: أن أهل العلم قالوا: ينبغي أن يكون المؤذن صيتاً أي: رفيع الصوت ليكون أشمل لإبلاغ الأذان، وقد روي أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي رأي في المنام من يعلمه الأذان: " أذهب فألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً " (١) . فدل هذا على طلب علو الصوت في الأذان، والميكرفون من وسائله بلا شك فيكون مطلوباً.

стр. 4456

السادس: أن النبي ﷺ كان يتحرى من كان عالي الصوت في إبلاغ الناس كما أمر أبي طلحة أن ينادي عام خيبر: " إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس " (١) ، وكما أمر العباس أن ينادي في الناس بأعلى صوته حين انصرفوا في حنين يقول مستحثاً لهم على الرجوع: " يا أصحاب السمرة، يا أصحاب صورة البقرة، أو يا أهل " (٢) . وهذا يدل على التماس ما هو أبلغ في إيصال الأحكام الشرعية والدعوة إلى الله تعالى. ولقد كان النبي ﷺ يخطب الناس على راحلته ليكون أبلغ في إيصال صوته. السابع: أن الميكرفون آلة لتكبير الصوت وتقويته فكيف نقول إنه محرم ولا نقول إن نظارة العين التي تقوي النظر وتكبر الحرف إنها محرمة؟! هذه تكبر الحرف وتقوي نظر العين، وذاك يقوي الصوت ويضخم الكلمات ولا فرق بين الأمرين. وأما توهم بعض الناس أن الميكرفون لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ . فنقول: ما أكثر الأشياء التي وجدت بعد عهد النبي ﷺ وأجمع المسلمون على جوازها، فإن تدوين السنة وتصنيفها في الكتب لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ولم يعارض في جواز ذلك إلا نفر قليل من الصدر الأول خوفاً من اختلاطها بالقرآن، ثم انعقد الإجماع على الجواز بعد ذلك، وبناء المدارس لم يكن معروفاً على عهد النبي ﷺ وقد أجمع المسلمون على جوازه، وتصنيف الكتب في علم التوحيد

стр. 4457

والفقه وغيرها لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ، وقد أجمع المسلمون على جوازه، والمطابع التى تطبع الكتب لم تكن معروفة في عهد النبي ﷺ وقد أجمع المسلمون من بعد حدوثها على جواز طباعة كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وكلام أهل العلم في التفسير وشرح السنة، وعلم التوحيد، والفقه وغيرها بهذه المطابع، ولم يقل أحد إنا لا نطبع بها لأنها لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ . الثامن: أن الميكروفون يستعمل في أفضل المساجد المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ وما علمنا أن أحداً ممن يقتدي به من أهل العلم عارض ذلك أو أنكر على ولاة الأمور، وهذا أمر واضح ولله الحمد، ولا حرج عليكم في استعمال الميكروفون في المنارة للتأذين به، وإذا كان أحد من الإخوان يكرهه فلا ينبغي أن يحرمه على غيره كما قال البراء بن عازب ﵁ لمن قال إنه يكره أن يكون في أذن الأضحية أو قرنها نقص فقال له البراء: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على غيرك. والله الموفق. في ١٣/٦/١٣٩٩ هـ. * * *

стр. 4458

فائدة (١) صفات الأذان والإقامة عند العلماء: قال الإمام أحمد: الأذان خمس عشرة جملة، أربع تكبيرات في أوله، وشهادة الوحدانية لله تعالى، والرسالة لمحمد ﷺ ، مثنى مثنى، بدون ترجيع وحيعلة الصلاة مرتين، وحيعلة الفلاح مرتين، وتكبيرتان ولا إله إلا الله. ومذهب الشافعي كمذهب أحمد، لكن يرجع الشهادتين في الأذان خاصة بأن يأتي بهما خافضاً صوته جميعاً ثم يعيدهما رافعاً صوته، وليس كما نقل عنه يخفض شهادة التوحيد أولاً ثم يأتي بها رافعاً صوته ثم يأتي بشهادة الرسالة كذلك. وعلى هذا يكون الأذان تسع عشرة جملة. ومذهب مالك كمذهب الشافعي في الأذان إلا أن التكبير في أوله مرتان فقط، فيكون الأذان سبع عشرة جملة. أما الإقامة فهي وتر في جميع جملها ما عدا التكبير فمثنى فتكون عشر جمل، الله أكبر مرتين، الشهادتان والحيعلتان وقد قامت الصلاة مرة مرة الله أكبر مرتين لا إله إلا الله. ومذهب أبي حنيفة كمذهب أحمد في الأذان فيكون خمس عشرة جملة غير مرجع. وأما الإقامة فهي كالأذان عنده بزيادة قد قامت الصلاة مرتين فتكون سبع عشرة جملة. وذكر في شرح المهذب ص١٠٠ ج ٣ أقوالاً للشافعية في الإقامة:

стр. 4459

منها: أن يكون تسع جمل بإفراد كل جملها ما عدا التكبير في أولها فمرتين. ومنها: أن تكون ثماني جمل بإفراد جميع جملها. قلت: وحديث أنس " أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة " (١) . يدل على أن الأذان مثنى مثنى في تكبيره، وتشهده وحيعلته ما عدا التوحيد في آخره فهو مرة ليقطع على وتر، وأن الإقامة مرة مرة ما عدا قد قامت الصلاة. ويؤيده ما ذكره في شرح المهذب ص١٠٢ ج٣ عن ابن عمر ﵄ قال: " إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة " (٢) . رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح فإن كان أحد من أهل العلم قال بذلك فهو أقرب الأقوال إلى الصواب وإلا فلا يمكن الخروج عما أجمعت عليه الأمة. والله أعلم. * * * ٩٤) وسئل فضيلته: عن حكم من قدم (حي على الفلاح) على (حي على الصلاة) في الأذان مع الدليل ؟ فأجاب قائلاً: يجب عليه إذا قدم (حي على الفلاح) على (حي على الصلاة) أن يعيد (حي على الفلاح) بعد (حي على الصلاة) لأنه

стр. 4460

يشترط في الأذان الترتيب، فإن الأذان ورد على هذه الصفة مرتباً فإذا نكسه الإنسان فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، وقد قال النبي ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (١) . * * * ٩٥) وسئل فضيلته: هل يلتفت المؤذن يميناً ل (حي على الصلاة) في المرة الأولى، وشمالاً للمرة الثانية، ويميناً ل (حي على الفلاح) في المرة الأولى وشمالاً للمرة الثانية، أو يلتفت يميناً لحي على الصلاة، وشمالاً ل (حي على الفلاح) ؟ فأجاب بقوله: قيل: إنه يلتفت يميناً ل (حي على الصلاة) في المرتين جميعاً، وشمالاً ل (حي على الفلاح) للمرتين جميعاً. وقال بعضهم: يلتفت يميناً ل (حي على الصلاة) في المرة الأولى، وشمالاً للمرة الثانية، و (حي على الفلاح) يميناً للمرة الأولى وشمالاً للمرة الثانية ليعطي كل جهة حظها من (حي على الصلاة) و (حي على الفلاح) ، ولكن المشهور وهو ظاهر السنة أنه يلتفت يميناً ل (حي على الصلاة) في المرتين جميعاً وشمالاً ل (حي على الفلاح) في المرتين جميعاً، ولكن يلتفت في كل الجملة وما يفعل بعض المؤذنين أنه يقول: حي على ثم يلتفت لا أصل له. * * * ٩٦) سئل فضيلته: إذا كان المؤذن يؤذن عبر مكبر صوت فهل يلتفت عند حي على الصلاة، حي على الفلاح ؟

стр. 4461

فأجاب بقوله: إذا كان المؤذن يؤذن عبر مكبر الصوت فإنه لا يلتفت لحي على الصلاة، وحي على الفلاح، لأنه يضعف الصوت. * * * ٩٧) وسئل فضيلة الشيخ: إذا نسي المؤذن قول " الصلاة خير من النوم " فما الحكم ؟ فأجاب قائلاً: إذا نسي المؤذن قول " الصلاة خير من النوم " فإن المعروف عند أهل العلم أن أذانه صحيح لأن قول " الصلاة خير من النوم " في أذان الفجر سنة وليس بواجب بدليل أن عبد الله بن زيد ﵁ لما رأى الأذان في المنام لم تكن فيه هذه الجملة " الصلاة خير من النوم " فيكون قولها ليس بشرط إن قالها الإنسان في أذان الفجر الذي يكون بعد طلوع الفجر فهو أفضل، وإن لم يقلها فلا حرج. * * * ٩٨) وسئل فضيلته: كلمة (الصلاة خير من النوم) هل هي في الأذان الأول أو في الأذان الثاني ؟ فأجاب بقوله: كلمة (الصلاة خير من النوم) في الأذان الأول كما جاء في الحديث: " فإذا أذنت أذان الصبح الأول فقل: (الصلاة خير من النوم) " (١) . فهي في الأذان الأول، لا الثاني. ولكن يجب أن يُعلم ما هو الأذان الأول في هذا الحديث؟ هو الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت، والأذان الثاني هو الإقامة؛ لأن الإقامة تسمى (أذاناً) قال النبي ﷺ : " بين كل أذانين صلاة " (٢) .

стр. 4462

والمراد: الأذان والإقامة. وفي صحيح البخاري أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان زاد الأذان الثالث في الجمعة. إذن الأذان الأول الذي أمر فيه بلال أن يقول: (الصلاة خير من النوم) هو الأذان لصلاة الفجر. أما الأذان الذي قبل طلوع الفجر، فليس أذاناً للفجر، فالناس يسمون أذان آخر الليل الأذان الأول لصلاة الفجر، والحقيقة أنه ليس لصلاة الفجر، لأن النبي ﷺ قال: " إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم " (١) . أي لأجل النائم يقوم ويتسحر، والقائم يرجع ويتسحر. وقال النبي ﷺ أيضاً لمالك بن الحويرث: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (٢) . ومعلوم أن الصلاة لا تحضر إلا بعد طلوع الفجر. إذن الأذان الذي قبل طلوع الفجر ليس أذاناً للفجر. وعليه فعمل الناس اليوم وقولهم (الصلاة خير من النوم) في الأذان الذي للفجر هذا هو الصواب. وأما من توهم بأن المراد بالأذان الأول في الحديث هو الأذان الذي قبل طلوع الفجر، فليس له حظ من النظر. قال بعض الناس: الدليل أن المراد به الأذان الذي يكون في آخر الليل لأجل صلاة النافلة أنه يقال: (الصلاة خير من النوم) وكلمة (خير)

стр. 4463

تدل على الأفضل. فنقول: إن كلمة (خير) تكون في الشيء الواجب الذي هو من أوجب الواجبات، مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١) . مع أنه إيمان. وقال تعالى في صلاة الجمعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) (٢) . فالخيرية تكون في الواجب وتكون في المستحب. * * * ٩٩) سئل فضيلته: هل يكتفى بالأذان الأول لصلاة الفجر ؟ فأجاب بقوله: لا يكتفى بالأذان الأول لصلاة الفجر؛ لأن أذان الصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها؛ لأن النبي ﷺ قال: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (٣) . والصلاة لا تحضر قبل دخول وقتها. * * * ١٠٠) وسئل فضيلة الشيخ: عن قول المؤذن في أذان الفجر: " الصلاة خير من النوم " هل هو مشروع ؟ فأجاب قائلاً: قول المؤذن " الصلاة خير من النوم " في أذان الفجر يقال له (التثويب) وقد اختلف أهل العلم في مشروعيته: فمنهم من قال: إنه مشروع. ومنهم من قال إنه بدعة.

стр. 4464

والصواب: أنه مشروع في الأذان لصلاة الفجر لكثرة الأحاديث الواردة فيه وهي وإن كانت لا تخلو من مقال فمجموعها يلحق الحديث بالحجة والاستدلال، وقد ورد التثويب في أذان بلال، وأذان أبي محذورة:فأما حديث بلال فرواه الإمام أحمد من حديث سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه وفيه أن بلالاً دعا رسول الله ﷺ ذات غداة إلى الفجر فقيل: إن رسول الله ﷺ نائم قال: فصرخ بلال بأعلى صوته:" الصلاة خير من النوم " قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر " (١) ، وأما حديث أبي محذورة فرواه أبو داود عنه أنه قال: يا رسول الله! علمني الأذان فذكر الحديث، وفيه بعد ذكر حي على الفلاح " فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم " (٢) ، وفي رواية في هذا الحديث: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح " وفي أخرى: "فإذا أذنت بالأول من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم " (٣) ، وعن أنس بن مالك – ﵁ – قال: " من السنة إذا قال المؤذن في الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم ". فهذه الأحاديث تبين أن التثويب مشروع في الأذان لصلاة الفجر والأذان لصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها وحضورها لقول النبي ﷺ لمالك بن الحويرث: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم

стр. 4465

أحدكم " (١) . وعلى هذا فالأذان لصلاة الصبح لا يكون إلا بعد دخول وقتها، أما الأذان قبل الفجر الذي حصل من بلال – ﵁ – أيام الصيام فليس أذاناً لصلاة الفجر بل هو كما قال النبي ﷺ : " لا يمنعن أحدكم أو أحد منكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن، أو ينادي بليل ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم ". رواه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود (٢) – ﵁ – فبين ﷺ بنصه الصريح أن الأذان قبل الفجر ليس لصلاة الفجر وإنما هو لإرجاع القائم وتنبيه النائم، فلا ينبغي أن ينسب لصلاة الفجر، وعلى هذا فالتثويب في أذان صلاة الفجر إنما يكون في الأذان الذي بعد دخول الوقت؛ لأنه هو أذان صلاة الفجر، أما ما كان قبل وقتها فليس أذاناً لها وإن سماه بعض الناس الأذان الأول للفجر، وأما تقييد الأذان بالأول أو بالأولي في بعض روايات حديث أبي محذورة – ﵁ – فلا يتعين أن المراد به ما قبل الفجر؛ لأنه يحتمل أنه وصف بكونه أولاً بالنسبة إلى الإقامة فإن الإقامة يطلق عليها اسم الأذان إطلاقاً تغليبياً كما في قوله ﷺ : " بين كل أذانين صلاة " (٣) . أي بين كل أذان وإقامة. أو إطلاقاً مجازياً أو حقيقياً باعتبار معنى الأذان العام لغة كما في صحيح البخاري عن السائب بن يزيد – ﵁ – قال: " إن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان – ﵁ – حين كثر أهل المدينة ". الحديث. وليس في الجمعة سوى أذانين وإقامة، فسمى الإقامة أذاناً إما تسمية مجازية أو حقيقية باعتبار معنى الأذان العام لغة، فإن الأذان في اللغة الإعلام، والإقامة إعلام

стр. 4466

بالقيام إلى الصلاة. ويؤيد هذا الاحتمال أنه لم ينقل أن أبا محذورة كان يؤذن للفجر مرتين مرة قبله ومرة بعده. ثم رأيت في صحيح البخاري في (باب من انتظر الإقامة) حديث عائشة – ﵂ – رقم ٦٢٦ / ١٠٩ فتح أن النبي ﷺ كان إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر. ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة (١) وهذا يؤيد ما ذكرته من الاحتمال. وفي صحيح مسلم في (باب صلاة الفجر) عنها – ﵂ – قالت: كان ينام أول الليل ويحيي آخره. وفيه: فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلى الركعتين (٢) ، صحيح مسلم ١/ ٥١٠، والمراد بالنداء الأول أذان الفجر كما دلت عليه روايات أخرى لمسلم ١/٥٠٨ –٥٠٩. وبسلوك هذا الاحتمال تجتمع الأدلة ويحصل الائتلاف بينها حيث يكون حديث أبي محذورة موافقاً لحديث مالك بن الحويرث الدال على أنه لا يؤذن للصلاة إلا عند حضورها بدخول وقتها، ولحديث ابن مسعود الدال على الأذان قبل الفجر ليس أذاناً لصلاة الفجر، ولظاهر حديث عبد الله بن زيد بن عبدربه في أذان بلال ودعائه النبي ﷺ لصلاة الغداة حيث لا يكون دعاؤه لها إلا بعد دخول وقتها، وعلى هذا فتكون السنة دالة على أن التثويب في أذان الفجر، وأذان

стр. 4467

الفجر لا يكون إلا بعد دخول وقت صلاة الفجر، فالأذان قبل الفجر لا تثويب فيه وهو عمل الناس عندنا من قديم، وأما كلام فقهائنا ﵏ فظاهره أن التثويب في أذان الفجر سواء أذن بعذ الفجر أم قبله ولكن ما دلت عليه السنة أولى. وأما استنباط بعض الناس كون التثويب في الأذان الذي قبل الفجر بقول المثوب " الصلاة خير من النوم " والخيرية ترغيب في الشيء ولا تقتضي الإلزام به، وهذا إنما يكون في النداء الذي قبل الفجر؛ لأن النداء بعد الفجر ملزم بصلاة الفجر. فليس هذا الاستنباط بشيء، وذلك لأن الخير في الواجب الملزم به أبلغ منه في المندوب إليه من غير إلزام؛ لأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: " ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه " (١) . وخيرية الشيء وردت في القرآن في الأمور الواجبة والمندوب إليها من غير إيجاب فقال تعالى في سورة الصف: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٢) . فقد وردت الخيرية في أوجب الأمور وهي العقيدة وحمايتها، وقال تعالى في سورة الجمعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٣) . والسعي إلى الجمعة وترك البيع بعد ندائها واجب، وقال تعالى: (إِنْ تُبْدُوا

стр. 4468

الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (١) . والخيرية هنا واردة فيما هو مندوب وليس بواجب. وبهذا تبين أن الاستنباط المذكور ليس بشيء والله أعلم. * * * ١٠١) وسئل فضيلته: عن الأحاديث الواردة في التثويب في أذان الفجر ؟ فأجاب بقوله: الأحاديث الواردة في التثويب في أذان الفجر ليس فيها حديث صحيح لذاته، لكن فيها أحاديث كثيرة لا تخلو من مقال، إلا أنها بمجموعها ترتقي إلى درجة الصحة لكثرتها وشهرتها وعمل المسلمين بها، وقد وردت في أذان بلال، وأذان أبي محذورة، فأما حديث بلال فظاهره أنه يقال في الأذان الثاني فإن فيه أن بلالاً دعا رسول الله ﷺ ذات غداة لصلاة الفجر فقيل إنه نائم فنادى بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب فأدخلت هذه في التأذين إلى صلاة الفجر (٢) ، وأما حديث أبي محذورة فظاهره أنه يقال في الأذان الأول فإن فيه أن النبي ﷺ قال له: " فإذا أذنت بالأول من الصبح فقل الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم " (٣) ، وفي رواية: " في الأولى من الصبح "، وفي رواية: " فإن كانت صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم " (٤) ، ولم تقيد بالأذان الأول. وعن

стр. 4469

أنس بن مالك ﵁ قال: " من السنة إذا قال المؤذن في الفجر: حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم ". ولم يقيده بالأذان الأول. وتقييد الأذان بالأول في حديث أبي محذورة لا يتعين أن يكون المراد به الأذان الذي يكون في آخر الليل قبل الفجر، بل يحتمل أن يكون المراد بالأذان الذي بعد الفجر وسمي أولاً بالنسبة للإقامة حيث يصح إطلاق اسم الأذان عليها كما في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ : " بين كل أذانين صلاة " (١) . والمراد بالأذانين الأذان والإقامة، وسميت الإقامة أذاناً لأن الأذان في اللغة الإعلام وهي إعلام بالقيام إلى الصلاة فصح إطلاق الأذان عليها لغة. وفي صحيح البخاري عن السائب بن يزيد ﵁ قال: " إن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان ﵁ حين كثر أهل المدينة ". الحديث. وليس في يوم الجمعة سوى أذانين وإقامة فسماها أذاناً، ويؤيد هذا الاحتمال أنه لم ينقل أن أبا محذورة كان يؤذن للفجر مرة قبل طلوعه ومرة بعده، ويؤيده أيضاً أن الأذان قبل الفجر ليس لصلاة الفجر بل قد بين النبي ﷺ الغرض منه حيث قال فيما ثبت عنه في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: " لا يمنعن أحدكم أو أحداً منكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم " (٢) فبين النبي ﷺ سبب هذا الأذان وأنه ليس لصلاة الصبح. والأذان للصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها لقول النبي ﷺ لمالك بن الحويرث والوفد الذين معه: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن

стр. 4470

لكم أحدكم " (١) ، وحضور الصلاة إنما يكون بعد دخول وقتها، فإذا أضيف الأذان إلى الصبح أو صلاة الصبح تعين أن يحمل على الأذان الذي يكون لها عند دخول وقتها. ويدل على تعيينه أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه في (باب صلاة الليل) عن عائشة ﵂ قالت:" كان النبي ﷺ ينام أول الليل، ويحي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلى الركعتين " (٢) . يعني سنة الفجر. فإن قيل: إن قوله ﷺ : " إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم" (٣) يدل على أنه لا تثويب في الأذان بعد الفجر إذ لو كان كذلك لم يحصل اشتباه بين الأذانين حتى يحتاج الناس للتنبيه عليه. فالجواب: أن التثويب لا يكون من أول الأذان حتى يزول الاشتباه به، والإمساك معلق بسماع أول الأذان فكان لابد من التنبيه لئلا يمسكوا من حين أن يسمعوا أول الأذان. هذا ما تبين لي من السنة أن التثويب إنما يكون في أذان صلاة الفجر وهو ما كان بعد دخول الوقت، أما كلام فقهائنا فظاهره أن التثويب يكون في أذان صلاة الفجر سواء كان قبل الوقت أم بعده ولكن اتباع السنة أولى، والله الموفق.

стр. 4471

١٠٢) وسئل فضيلته: متى يقول المؤذن " الصلاة خير من النوم " في الأذان الأول أو الثاني ؟ فأجاب قائلاً: قول المؤذن " الصلاة خير من النوم " يكون في الأذان لصلاة الصبح، وهو الأذان الذي يكون بعد طلوع الفجر الذي تحل به صلاة الفجر ويحرم به الأكل على الصائم، ولا يكون في الأذان الذي قبل الفجر، لأن الأذان الذي قبل الفجر ليس أذاناً لصلاة الفجر لقول النبي ﷺ : " إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم " (١) وأذان الفجر لا يكون إلا بعد طلوع الفجر لقول النبي ﷺ لمالك بن الحويرث: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (٢) ، وحضور الصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها. وقد توهم بعض الناس فظن أنها تقال في الأذان الذي قبل الفجر لقوله في الحديث:إذا أذنت الأول لصلاة الصبح " (٣) فظن أن الأول الذي يكون قبل الفجر، ولكن ليس الأمر كما ظن، لأن ما قبل الفجر ليس أذاناً لصلاة الصبح كما علمت مما سبق وإنما المراد به ما بعد الفجر لكن سماه أذاناً أول باعتبارالإقامة فإن الإقامة تسمى أذاناً لقوله ﷺ : " بين كل أذانين صلاة " (٤) أي بين كل أذان وإقامة صلاة، ولأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة، والإٌعلام بالشيء يسمى أذاناً لقوله تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

стр. 4472

وَرَسُولُهُ) (١) ، أي إعلام من الله ورسوله. وقوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) (٢) ، وعلى هذا يكون الأذان لصلاة الصبح بعد طلوع الفجر أذاناً أول باعتبار الإقامة التي هي الأذان الثاني. وفي صحيح مسلم ص٥١٠ ج١ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن عائشة ﵂ في صلاة النبي ﷺ في الليل قالت: " كان ينام أول الليل ويحيي آخره ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول قالت وثب (ولا والله ما قالت قام) فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلى الركعتين " (٣) . فأنت ترى أنها أطلقت النداء الأول على أذان الصبح الذي بعد طلوع الفجر لقولها " ثم صلى الركعتين " وهما سنة الفجر ولا تكون صلاتهما إلا بعد طلوعه. هذا وقد تعلل بعض القائلين بأن قول الصلاة خير من النوم في الأذان الذي في آخر الليل بأن قوله خير من النوم يدل على أن الصلاة نافلة وهذا قبل الفجر، لكن هذه علة عليلة، فإن الخيرية تكون في النوافل والواجبات كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِه) إلى قوله: (ْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم) (٤) وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح. * * *

стр. 4473

١٠٣) وسئل فضيلة الشيخ: بعض الناس عندما يريد الإقامة للصلاة يقول قد أقامت الصلاة فهل يصح ذلك ؟ فأجاب بقوله: لا يصح أن يقول: أقامت بدل قامت؛ لأن المعنى يتغير فإن أقام فعل رباعي مُعَدَ للغير، وأما قام فهو فعل ثلاثي لازم، فكما أنه لا يصح أن يقول القائل: أقام زيد بمعنى قام زيد فلا يصح أن يقول أقامت الصلاة بمعنى قامت الصلاة. * * * ١٠٤) وسئل فضيلته: إذا نسي المؤذن قول (الصلاة خير من النوم) فماذا يلزمه ؟ فأجاب قائلاً: إذا نسي المؤذن قوله (الصلاة خير من النوم) فإن المعروف عند أهل العلم أن أذانه صحيح؛ لأن قول (الصلاة خير من النوم) في أذان الفجر سنة وليست واجباً، فإن قالها الإنسان في صلاة الفجر الذي يكون بعد طلوع الفجر فهو أفضل، وإن لم يقلها فلا حرج. * * * ١٠٥) وسئل فضيلة الشيخ: هل يصح الأذان بالمسجل ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأذان بالمسجل غير صحيح؛ لأن الأذان عبادة، والعبادة لابد لها من نية. * * * ١٠٦) وسئل فضيلة الشيخ: عن الأذان إذا كان مُلَحناً أو مَلْحُوناً ؟ فأجاب بقوله: الأذان الملحن أي المطرب به يجزيء لكنه مكروه.

стр. 4474

وأما الملحون فإن كان اللحن يتغير به المعنى فإن الأذان لا يصح كما لو قال المؤذن " الله أكبار " فهذا لا يصح، لأنه يحيل المعنى فإن أكبار جمع كبر وهو الطبل. وأما إذا كان اللحن لا يتغير به المعنى فإن الأذان يصح مع الكراهة. * * * ١٠٧) وسئل فضيلة الشيخ: هل يجزيء الأذان قبل الوقت ؟ فأجاب بقوله: الأذان قبل الوقت لا يجزيء لقوله ﷺ :"إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (١) والصلاة لا تحضر إلا بدخول الوقت والحديث عام لا يستثنى منه شيء ولا يعارض حديث " إن بلالاً يؤذن بليل " (٢) لأننا نقول إن أذان بلال ليس لصلاة الفجر لقوله ﷺ : " ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم ". * * * ١٠٨) سئل فضيلة الشيخ: ما رأي فضيلتكم في كلمة " رفع الأذان " أو " يرفع الأذان فلان "؟ فأجاب قائلاً: الأولى أن يعبر بالأذان دون رفع الأذان؛ لأن التعبير بالأذان هو التعبير الشرعي، ولأنه أوضح للناس. * * * ١٠٩) وسئل فضيلته: عن حكم تأخير الأذان عن أول الوقت ؟

стр. 4475

فأجاب بقوله: إذا كان الإنسان في بلد فلا ينبغي أن يتأخر عن أول الوقت؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفوضى واختلاف المؤذنين والاشتباه على الناس أيهما أصوب هذا المتقدم أو المتأخر. أما إذا كان في غير البلد فالأمر إليهم، لكن الأفضل أن يؤذنوا في أول الوقت ويصلوا؛ لأن تقديم الصلاة في أول وقتها أفضل، إلا ما شرع تأخيره، فما شرع تأخيره فإنه يؤخر فيه الأذان ولهذا ثبت في صحيح البخاري أن الرسول ﷺ كان في سفر فقام المؤذن ليؤذن فقال النبي ﷺ : " أبرد " ثم أراد أن يقوم فقال: " أبرد " ثم أراد أن يقوم فقال: " أبرد " (١) حتى ساوى التل ظله ثم أذن، وهذا يدل على أن الأذان مشروع حيث تشرع الصلاة، فإذا كانت الصلاة مما ينبغي تأخيره كصلاة الظهر في شدة الحر، وصلاة العشاء فإنه يؤخر هذا في غير المدن والقرى التي فيها مؤذنون وإلا فلا ينبغي للإنسان أن يتخلف عن الوقت الذي يؤذن فيه الناس. * * * ١١٠) سئل فضيلة الشيخ: هل كان الرسول ﷺ يحدد وقتاً بين الأذان والإقامة ؟ فأجاب قائلاً: كان النبي ﷺ يصلي الصلاة في أول الوقت إلا العشاء الآخرة فإنه كان ينظر إلى اجتماع الناس إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر (٢) ، وكان يبقى في البيت حتى يأتيه المؤذن فيعلمه

стр. 4476

بحضور الصلاة وربما خرج إليها بدون إعلام. فالسنة تعجيل جميع الصلوات إلا العشاء وإلا الظهر عند اشتداد الحر، ولكن الصلوات التي لها نوافل راتبة كالفجر والظهر ينبغي للإنسان أن يراعي حال الناس بحيث يتمكنون من الوضوء بعد الأذان ومن صلاة هذه الراتبة. * * * ١١١) وسئل فضيلته: عن إمام مسجد يتأخر عن الجماعة في صلاتي الفجر والظهر، ويؤخر أحياناً الصلاة حوالي ساعة، بم تنصحونه ؟ فأجاب بقوله: يجب على الإمام ألا يتأخر عن الصلاة لا في صلاة الظهر ولا الفجر، ولا في غيرهما من الأوقات؛ لأنه ملزم بذلك، وأما تأخره في الإقامة فإنه لا ينبغي إلا في صلاة العشاء، فإن النبي ﷺ كان إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا تأخر (١) ، وأما في بقية الصلوات فالتقديم أفضل لكن يراعي في الصلوات التي يكون لها راتبة قبلها، فيمهل الناس حتى يتمكنوا من أداء الراتبة والوضوء والله الموفق. * * * ١١٢) وسئل فضيلته: مؤذن يقول: عند صلاة الصبح كلما أريد أن أقيم الصلاة لضيق الوقت يطلب مني المصلون أن أجلس حتى يأذن لي الإمام ويقولون أنه لا يجوز أن أقيم الصلاة حتى

стр. 4477

يأذن لي الإمام فهل هذا صحيح؟ فأجاب قائلاً: المؤذن أملك بالأذان فإليه يرجع الأذان، وأما الإقامة فإن الإمام أملك بها فلا يقيم المؤذن إلا بحضور الإمام وإذنه. وأما قوله: لضيق الوقت فنعم إذا تأخر الإمام حتى كادت الشمس تطلع وضاق الوقت فحينئذ يصلون ولا ينتظرونه، أما ما دام الوقت باقياً فإنهم لا يصلون حتى يحضر الإمام، لكن ينبغي للإمام أن يحدد وقتاً معيناً للناس فيقول مثلاً: إذا تأخرت عن هذا الوقت فصلوا ليكون في هذا الحال أيسر لهم وأصلح له هو أيضاً ولا يقع الناس في حرج أو ضيق. * * * ١١٣) وسئل فضيلة الشيخ: إذا جمع الإنسان الصلاة فهل يؤذن ويقيم لكل صلاة ؟ فأجاب بقوله: إذا جمع الإنسان أذن للأولى وأقام لكل فريضة إلا إذا كان في البلد فإن أذان البلد يكفي وحينئذ يقيم لكل فريضة؛ لأن النبي ﷺ يوم عرفة أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، وكذلك في مزدلفة حيث أذن وأقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء (١) . * * * ١١٤) وسئل فضيلته: إذا دخل الإنسان المسجد والمؤذن يؤذن فما الأفضل له ؟

стр. 4478

فأجاب قائلاً: الأفضل أن يجيب المؤذن ثم يدعو بعد ذلك بما ورد، ثم يدخل في تحية المسجد، إلا أن بعض العلماء استثنوا من ذلك من دخل المسجد والمؤذن يؤذن يوم الجمعة الأذان الثاني فإنه يصلي تحية المسجد لأجل أن يستمع الخطبة، وعللوا ذلك بأن استماع الخطبة واجب وإجابة المؤذن ليست واجبة، والمحافظة على الواجب أولى من المحافظة على غير الواجب. * * * ١١٥) وسئل فضيلته: عن حكم أداء تحية المسجد والمؤذن يؤذن مع العلم أنه لا يوجد فترة بين الأذان والإقامة تكفي لأداء التحية ؟ فأجاب بقوله: الأولى الإنتظار للإجابة، ثم يقول: " اللهم رب هذه الدعوة التامة." إلا في صلاة الجمعة فالأولى السنة. * * * ١١٦) وسئل فضيلته: إذا سمع الإنسان مؤذناً ثم سمع آخر فهل يجيب ؟ فأجاب فضيلته بقوله: يجيب الأول ويجيب الثاني لعموم قوله ﷺ : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن " (١) . ولكن لو صلى ثم سمع مؤذناً بعد الصلاة فظاهر الحديث أنه يجيب لعمومه. وقال بعض العلماء: إنه لا يجيب لأنه غير مدعو بهذا الأذان فلا

стр. 4479

يتابعه، ولا يمكن أن يؤذن آخر بعد أن تؤدى الصلاة فيحمل الحديث على المعهود في عهد النبي ﷺ وأنه لا تكرار في الأذان، ولكن لو أخذ أحد بعموم الحديث وقال إنه ذكر وما دام الحديث عاماً فلا مانع من أن أذكر الله فهو على خير. * * * ١١٧) وسئل فضيلته: هل المقام المحمود الذي وعده الله لرسوله ﷺ خاص بالشفاعة ؟ فأجاب قائلاً: الصحيح أن المقام المحمود عام؛ كل مقام يحمده الناس فيه، ومن ذلك الشفاعة العظمى، حين يتدافع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الشفاعة، حتى تصل إليه ﷺ فيشفع فيشفعه الله ، فالصحيح أنه عام. * * * ١١٨) وسئل فضيلته: ورد في الحديث أن الإنسان يقول عند متابعته للمؤذن " رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً " فمتى يقول هذا ؟ فأجاب بقوله: ظاهر الحديث أن المؤذن إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله واجبته تقول بعد ذلك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، لأن الحديث جاء فيه: " من قال حين يسمع النداء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً " (١) ، وفي رواية: " من قال وأنا أشهد " وفي قوله: " وأنا أشهد " دليل على أنه يقولها عقب قول

стр. 4480

المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله لأن الواو حرف عطف فيعطف قوله على قول المؤذن. * * * ١١٩) سئل فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى: بماذا يجاب المؤذن عندما يقول: "الصلاة خير من النوم "؟ فأجاب فضيلته قائلاً: يجيبه بمثل ما قال فيقول: " الصلاة خير من النوم " لأن المؤذن إذا قال " الله أكبر " قال المجيب " الله أكبر "، وإذا قال: " أشهد أن لا إله إلا الله " قال: " أشهد أن لا إله إلا الله "، وإذا قال: " أشهد أن محمداً رسول الله " قال: " أشهد أن محمداً رسول الله "، ثم يقول المجيب بعد الشهادتين: " رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً "، فإذا قال: " حي على الصلاة " قال المجيب " لا حول ولا قوة إلا بالله " وهكذا حي على الفلاح فإذا قال: " الله أكبر " قال " الله أكبر "، وإذا قال: " لا إله إلا الله "، قال: " لا إله إلا الله "، وإذا قال: " الصلاة خير من النوم " قال المجيب: " الصلاة خير من النوم ". وقيل: يقول: " صدقت وبررت ". وقيل: يقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". والصحيح الأول، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن " (١) . وهذا لم يستثن منه في السنة إلا حي على الصلاة، وحي على الفلاح، فيقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيكون العموم باقياً فيما عدا هاتين الجملتين. فإذا قال قائل: أليس قول " الصلاة خير من النوم " صدقاً؟ ...

стр. 4481

قلنا: بلى، وقول " الله أكبر " صدق وقول " لا إله إلا الله " صدق فهل تقول إذا قال الله أكبر صدقت وبررت؟ ما تقول هذا، إذاً إذا قال " الصلاة خير من النوم " فقل كما يقول هكذا عموم أمر النبي ﷺ . * * * ١٢٠) سئل فضيلة الشيخ: عن الأذان في المذياع أو التلفاز هل يُجاب ؟ فأجاب قائلاً: الأذان لا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن يكون على الهواء أي أن الأذان كان لوقت الصلاة من المؤذن فهذا يجاب لعموم امر النبي ﷺ : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن ". إلا أن الفقهاء ﵏ قالوا: إذا كان قد أدى الصلاة التي يؤذن لها فلا يجيب. الحال الثانية: إذا كان الأذان مسجلاً وليس أذاناً على الوقت فإنه لا يجيبه لأن هذا ليس أذاناً حقيقياً أي أن الرجل لم يرفعها حين أمر برفعه وإنما هو شيء مسموع لأذان سابق. وإن كان لنا تحفظ على كلمة يرفع الأذان ولذا نرى أن يقال أذن فلان لا رفع الأذان (١) . * * * ١٢١) سئل فضيلة الشيخ - رعاه الله - هل يلزم متابعة كل مؤذن في البلد أو يكتفي بالأول ؟ فأجاب بقوله: إجابة المؤذن ليست بلازمة لا في أول مؤذن ولا في آخر مؤذن. لكن هل يشرع ويستحب فأنا أقول: الفقهاء ﵏

стр. 4482

يقولون: إنه يجيب المؤذن كلما سمعوا واستدلوا بعموم قول الرسول ﵊: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن " (١) . وهذا عام إلا أنهم استثنوا إذا صلى فإنه لا يجيب المؤذن، يعني لو فرضنا أن أحد من المؤذنين تأخر ولم يؤذن إلا بعد أن صليت قالوا: فهنا لا يجيب المؤذن وعللوا ذلك بأنه غير مدعو بهذا الأذان، لأن المؤذن هذا يقول حي على الصلاة وأنت قد صليت. فلا تجيبه في هذه الحال، ولكن لو أجبته فأنت على خير أخذاً بالعموم " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن ". * * * ١٢٢) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الزيادة في الأذان ؟ فأجاب قائلاً: الأذان عبادة مشروعة بأذكار مخصوصة بينها النبي ﷺ لأمته بإقراره لها، فلا يجوز للإنسان أن يتعدى حدود الله تعالى فيها، أو يزيد فيها شيئاً من عنده لم يثبت به النص، فإن فعل كان ذلك مردوداً عليه لأن النبي ﷺ يقول: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (٢) . وفي لفظ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (٣) . وإذا زاد الإنسان في الأذان شيئاً لم يثبت به النص كان خارجاً عن ما عليه النبي ﷺ والمسلمون فيما زاده، والشرع كما يعلم جميع المسلمين توقيفي يتلقى من الشارع، فما جاء به الشرع وجب علينا التعبد به

стр. 4483

استحباباً في المستحبات، وإلزاماً في الواجبات، وما لم يرد به الشرع فليس لنا أن نتقدم بين يدي الله ورسوله بزيادة فيه أو نقص. * * * ١٢٣) وسئل فضيلة الشيخ: إذا أذن المؤذن بدون مكبر الصوت لانقطاع التيار الكهربائي، ثم بعد أذانه مباشرة جاء التيار، فهل يعيد الأذان في مكبر الصوت أو يكتفي بأذانه الأول ؟ فأجاب بقوله: يكفي اذانه الأول ولا حاجة للإعادة؛ لأن هناك مساجد أخرى حوله قد سمع الناس التأذين منها، أما لو كان مسجداً منفرداً ليس هناك غيره فهنا يعيد؛ حتى يعلم الناس بدخول وقت الصلاة. * * * ١٢٤) وسئل فضيلته: إذا أتى المؤذن بالدعاء الوارد بعد الأذان بصوت مرتفع في مكبر الصوت هل في ذلك شيء أم لا ؟ فأجاب بقوله: نعم في هذا شيء؛ لأن المؤذن إذا أتى بهذا الدعاء المشروع بعد الأذان في مكبر الصوت صار كأنه من الأذان، ثم إن هذا الأمر لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين فهو من البدع التي نهي عنها، حتى لو قلت مثلاً إنني أقصد التعليم بهذا ليعرف الناس مشروعية هذا الذكر نقول: إن التعليم يمكن بعد أن تفرغ من الصلاة ويحضر الناس تنبههم إلى هذا ولو عن طريق مكبر الصوت وتقول إنه ينبغي للإنسان إذا فرغ من الأذان أن يقول كذا وكذا، ولا تظهره في الأذان بحيث يظن الظان أنه منه فهذا من البدع. * * *

стр. 4484

١٢٥) وسئل فضيلته: عن زيادة " إنك لا تخلف الميعاد " في الذكر الذي بعد الأذان ؟ فأجاب قائلاً: هذه الزيادة محل خلاف بين علماء الحديث: فمنهم من قال: إنها غير ثابته لشذوذها، لأن أكثر الذين رووا الحديث لم يرووا هذه الكلمة، والمقام يقتضي ألا تحذف، لأنه مقام دعاء وثناء وما كان على هذا السبيل فإنه لا يجوز حذفه لأنه متعبد به. ومن العلماء من قال: إن سندها صحيح وأنها تقال ولا تنافي غيرها، وممن ذهب إلى تصحيحها الشيخ عبد العزيز بن باز وقال: إن سندها صحيح حيث أخرجها البيهقي بسند صحيح (١) . * * * ١٢٦) سئل فضيلة الشيخ: يزيد بعض المؤذنين بعد الأذان بصوت مرتفع مثل قولهم: " صلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد " أو " الصلاة الصلاة يرحمكم الله " أو يقول أثناء الأذان: " الله أكبرَ " بفتحها، أو " الله آكبر " أو " الله أكبار " أو " الله إكبر " فما جوابكم على ذلك ؟ فأجاب قائلاً: كل ذكر أو دعوة يلحق بالأذان فإنه بدعة، والأذان كاف عن كل شيء، ومن ذلك قوله " الصلاة الصلاة يرحمكم الله " إذا انتهى من الأذان فهذا من البدع، وحقيقته أن هذا الذي يقول ذلك كأنه غير مقتنع بالأذان الذي جعله الشارع علامة على دخول الوقت. وأما اللحن الذي ذكره السائل فهو مختلف فإن قول " الله أكبرَ " لا

стр. 4485

يحيل المعنى فلا يكون محرماً ولا مبطلاً للأذان، وأما " الله آكبر " فهو لحن مغير للمعنى فلا يجوز، وأما " أكبار " فهو لفظ محيل للمعنى فلا يجوز، وأما " إكبر " فهو لحن لكن لا أعلم أنه يحيل المعنى ولكن كلما كان أصح فهو أفضل. * * * ١٢٧) سئل فضيلة الشيخ جزاه الله خيراً: عن حكم الخروج من المسجد بعد الأذان ؟ فأجاب بقوله: رأى أبو هريرة رجلاً خرج بعد الأذان من المسجد فقال: " أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ " (١) ، والمعصية في الأصل للتحريم، قال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (٢) . فلهذا قال أهل العلم: إنه لا يجوز للإنسان أن يخرج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر مثل أن يخرج ليتوضأ ويرجع، إلا أنه إذا كان يخشى أن تفوته الجماعة فإنه لا يخرج ما لم يكن مدافعاً للبول أو الغائط، فإن كان مدافعاً للبول أو الغائط فليخرج ولو فاتت الصلاة لقول النبي ﷺ : " لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان " (٣) . فإذا فرضنا أن أحداً ينتظر الصلاة ثم حصر ببول أو غائط أو بريح أيضاً؛ لأن بعض الناس قد يكون عنده غازات تشغله فلا حرج عليه أن يخرج ويقضي حاجته، ثم يرجع إن أدرك الجماعة فبها ونعمت، وإن لم يدركها فلا حرج عليه. * * *
следующие страницы →