قلنا: بلى، وقول " الله أكبر " صدق وقول " لا إله إلا الله " صدق فهل تقول إذا قال الله أكبر صدقت وبررت؟ ما تقول هذا، إذاً إذا قال " الصلاة خير من النوم " فقل كما يقول هكذا عموم أمر النبي ﷺ .
* * *
١٢٠) سئل فضيلة الشيخ: عن الأذان في المذياع أو التلفاز هل يُجاب ؟
فأجاب قائلاً: الأذان لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون على الهواء أي أن الأذان كان لوقت الصلاة من المؤذن فهذا يجاب لعموم امر النبي ﷺ : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن ". إلا أن الفقهاء ﵏ قالوا: إذا كان قد أدى الصلاة التي يؤذن لها فلا يجيب.
الحال الثانية: إذا كان الأذان مسجلاً وليس أذاناً على الوقت فإنه لا يجيبه لأن هذا ليس أذاناً حقيقياً أي أن الرجل لم يرفعها حين أمر برفعه وإنما هو شيء مسموع لأذان سابق. وإن كان لنا تحفظ على كلمة يرفع الأذان ولذا نرى أن يقال أذن فلان لا رفع الأذان (١) .
* * *
١٢١) سئل فضيلة الشيخ - رعاه الله - هل يلزم متابعة كل مؤذن في البلد أو يكتفي بالأول ؟
فأجاب بقوله: إجابة المؤذن ليست بلازمة لا في أول مؤذن ولا في آخر مؤذن.
لكن هل يشرع ويستحب فأنا أقول: الفقهاء ﵏
стр. 4482
يقولون: إنه يجيب المؤذن كلما سمعوا واستدلوا بعموم قول الرسول ﵊: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن " (١) . وهذا عام إلا أنهم استثنوا إذا صلى فإنه لا يجيب المؤذن، يعني لو فرضنا أن أحد من المؤذنين تأخر ولم يؤذن إلا بعد أن صليت قالوا: فهنا لا يجيب المؤذن وعللوا ذلك بأنه غير مدعو بهذا الأذان، لأن المؤذن هذا يقول حي على الصلاة وأنت قد صليت. فلا تجيبه في هذه الحال، ولكن لو أجبته فأنت على خير أخذاً بالعموم " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن ".
* * *
١٢٢) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الزيادة في الأذان ؟
فأجاب قائلاً: الأذان عبادة مشروعة بأذكار مخصوصة بينها النبي ﷺ لأمته بإقراره لها، فلا يجوز للإنسان أن يتعدى حدود الله تعالى فيها، أو يزيد فيها شيئاً من عنده لم يثبت به النص، فإن فعل كان ذلك مردوداً عليه لأن النبي ﷺ يقول: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (٢) . وفي لفظ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (٣) . وإذا زاد الإنسان في الأذان شيئاً لم يثبت به النص كان خارجاً عن ما عليه النبي ﷺ والمسلمون فيما زاده، والشرع كما يعلم جميع المسلمين توقيفي يتلقى من الشارع، فما جاء به الشرع وجب علينا التعبد به
стр. 4483
استحباباً في المستحبات، وإلزاماً في الواجبات، وما لم يرد به الشرع فليس لنا أن نتقدم بين يدي الله ورسوله بزيادة فيه أو نقص.
* * *
١٢٣) وسئل فضيلة الشيخ: إذا أذن المؤذن بدون مكبر الصوت لانقطاع التيار الكهربائي، ثم بعد أذانه مباشرة جاء التيار، فهل يعيد الأذان في مكبر الصوت أو يكتفي بأذانه الأول ؟
فأجاب بقوله: يكفي اذانه الأول ولا حاجة للإعادة؛ لأن هناك مساجد أخرى حوله قد سمع الناس التأذين منها، أما لو كان مسجداً منفرداً ليس هناك غيره فهنا يعيد؛ حتى يعلم الناس بدخول وقت الصلاة.
* * *
١٢٤) وسئل فضيلته: إذا أتى المؤذن بالدعاء الوارد بعد الأذان بصوت مرتفع في مكبر الصوت هل في ذلك شيء أم لا ؟
فأجاب بقوله: نعم في هذا شيء؛ لأن المؤذن إذا أتى بهذا الدعاء المشروع بعد الأذان في مكبر الصوت صار كأنه من الأذان، ثم إن هذا الأمر لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين فهو من البدع التي نهي عنها، حتى لو قلت مثلاً إنني أقصد التعليم بهذا ليعرف الناس مشروعية هذا الذكر نقول: إن التعليم يمكن بعد أن تفرغ من الصلاة ويحضر الناس تنبههم إلى هذا ولو عن طريق مكبر الصوت وتقول إنه ينبغي للإنسان إذا فرغ من الأذان أن يقول كذا وكذا، ولا تظهره في الأذان بحيث يظن الظان أنه منه فهذا من البدع.
* * *
стр. 4484
١٢٥) وسئل فضيلته: عن زيادة " إنك لا تخلف الميعاد " في الذكر الذي بعد الأذان ؟
فأجاب قائلاً: هذه الزيادة محل خلاف بين علماء الحديث:
فمنهم من قال: إنها غير ثابته لشذوذها، لأن أكثر الذين رووا الحديث لم يرووا هذه الكلمة، والمقام يقتضي ألا تحذف، لأنه مقام دعاء وثناء وما كان على هذا السبيل فإنه لا يجوز حذفه لأنه متعبد به.
ومن العلماء من قال: إن سندها صحيح وأنها تقال ولا تنافي غيرها، وممن ذهب إلى تصحيحها الشيخ عبد العزيز بن باز وقال: إن سندها صحيح حيث أخرجها البيهقي بسند صحيح (١) .
* * *
١٢٦) سئل فضيلة الشيخ: يزيد بعض المؤذنين بعد الأذان بصوت مرتفع مثل قولهم: " صلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد " أو " الصلاة الصلاة يرحمكم الله " أو يقول أثناء الأذان: " الله أكبرَ " بفتحها، أو " الله آكبر " أو " الله أكبار " أو " الله إكبر " فما جوابكم على ذلك ؟
فأجاب قائلاً: كل ذكر أو دعوة يلحق بالأذان فإنه بدعة، والأذان كاف عن كل شيء، ومن ذلك قوله " الصلاة الصلاة يرحمكم الله " إذا انتهى من الأذان فهذا من البدع، وحقيقته أن هذا الذي يقول ذلك كأنه غير مقتنع بالأذان الذي جعله الشارع علامة على دخول الوقت.
وأما اللحن الذي ذكره السائل فهو مختلف فإن قول " الله أكبرَ " لا
стр. 4485
يحيل المعنى فلا يكون محرماً ولا مبطلاً للأذان، وأما " الله آكبر " فهو لحن مغير للمعنى فلا يجوز، وأما " أكبار " فهو لفظ محيل للمعنى فلا يجوز، وأما " إكبر " فهو لحن لكن لا أعلم أنه يحيل المعنى ولكن كلما كان أصح فهو أفضل.
* * *
١٢٧) سئل فضيلة الشيخ جزاه الله خيراً: عن حكم الخروج من المسجد بعد الأذان ؟
فأجاب بقوله: رأى أبو هريرة رجلاً خرج بعد الأذان من المسجد فقال: " أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ " (١) ، والمعصية في الأصل للتحريم، قال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (٢) .
فلهذا قال أهل العلم: إنه لا يجوز للإنسان أن يخرج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر مثل أن يخرج ليتوضأ ويرجع، إلا أنه إذا كان يخشى أن تفوته الجماعة فإنه لا يخرج ما لم يكن مدافعاً للبول أو الغائط، فإن كان مدافعاً للبول أو الغائط فليخرج ولو فاتت الصلاة لقول النبي ﷺ : " لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان " (٣) . فإذا فرضنا أن أحداً ينتظر الصلاة ثم حصر ببول أو غائط أو بريح أيضاً؛ لأن بعض الناس قد يكون عنده غازات تشغله فلا حرج عليه أن يخرج ويقضي حاجته، ثم يرجع إن أدرك الجماعة فبها ونعمت، وإن لم يدركها فلا حرج عليه.
* * *
стр. 4486
١٢٨) وسئل فضيلته: عن الخروج من المسجد بعد الأذان لأمر واجب كإيقاظ نائم؟ وما حكم اتخاذ المسجد ممراً ؟
فأجاب بقوله: الخروج بعد الأذان لعذر لا بأس به كإيقاظ نائم ونحوه بشرط أن يرجع قبل الإقامة، ومثل ذلك إذا أمره والده بالخروج لحاجة وهو يمكن أن يرجع قبل فوات الجماعة.
واتخاذ المسجد ممراً لا ينبغي إلا لحاجة؛ لأن المساجد إنما بنيت للصلاة والقرآن والذكر، لكن مع الحاجة يجوز المرور لقوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) (١) .
* * *
١٢٩) وسئل فضيلته: عن المتابعة في الإقامة ؟
فأجاب قائلاً: المتابعة في الإقامة فيها حديث أخرجه أبو داود (٢) ، لكنه ضعيف لا تقوم به الحجة، والراجح أنه لا يتابع.
* * *
١٣٠) وسئل فضيلة الشيخ: نسمع من بعض الناس بعد إقامة الصلاة قولهم: أقامها الله وأدامها، فما حكم ذلك ؟
فأجاب بقوله: ورد في هذا الحديث عن الرسول ﵊ أنه كان إذا قال المؤذن: " قد قامت الصلاة " قال " أقامها الله وأدامها " (٣) ، لكن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة.
стр. 4487
١٣١) سئل فضيلة الشيخ: عن الرجل إذا جاء المسجد يوم الجمعة والمؤذن يؤذن الأذان الثاني فهل يتابعه أو يصلي تحية المسجد ؟
فأجاب قائلاً: ذكر أهل العلم أن الرجل إذا دخل المسجد وهو يسمع الأذان الثاني فإنه يصلي تحية المسجد ولا يشتغل بمتابعة المؤذن وإجابته، وذلك ليتفرغ لاستماع الخطبة لأن استماعها واجب، وإجابة المؤذن سنة، والسنة لا تزاحم الواجب.
* * *
١٣٢) وسئل فضيلة الشيخ: إذا أذن المؤذن للصلاة والمرأة شعرها مكشوف وهي في بيتها أو بيت أهلها أو عند الجيران ولا يراها غير المحارم أو النساء، فهل هذا حرام؟ وأن الملائكة تلعنها طوال مدة الأذان ؟
فأجاب بقوله: هذا ليس بصحيح، فللمرأة أن تكشف شعرها ولو كان المؤذن يؤذن، إذا لم يرها أحد من الأجانب، ولكنها إذا أرادت أن تصلي فعليها أن تستر جميع بدنها إلا وجهها، مع أن كثير من أهل العلم رخص لها في كشف كفيها وقدميها أيضاً، ولكن الاحتياط سترهما إلا الوجه فلا حرج عليها من كشفه، هذا إذا لم يكن حولها رجال أجانب، فإن كانوا فلابد من ستره؛ لأنها لا يجوز لها كشفه إلا لزوجها ومحارمها.
* * *
стр. 4488
المواقيت
стр. 4489
١٣٣) سئل فضيلة الشيخ: هل يسن الإبراد بالظهر لمن يصلي وحده وللنساء ؟
فأجاب بقوله: الإبراد بالظهر عام للجميع، لأن النبي ﷺ يقول: " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة " (١) . والخطاب للجميع ولم يعلل ﷺ ذلك بمشقة الذهاب إلى الصلاة بل قال:" فإن شدة الحر من فيح جهنم ". وهذا يحصل لمن يصلي جماعة، ولمن يصلي وحده، ويدخل في ذلك النساء فيسن لهن الإبراد بالظهر في شدة الحر.
* * *
١٣٤) وسئل فضيلته: إذا تأخر الحاج في الخروج من عرفة لشدة الزحام وخاف أن يخرج وقت العشاء قبل أن يصل إلى مزدلفة فماذا يصنع ؟
فأجاب قائلاً: إذا خاف خروج الوقت وجب عليه أن ينزل فيصلي، وبعض الحجاج لا يصلي المغرب والعشاء حتى يصل إلى مزدلفة ولو خرج وقت صلاة العشاء، وهذا لا يجوز وهو حرام من كبائر الذنوب؛ لأن تأخير الصلاة عن وقتها محرم بمقتضى دلالة الكتاب، والسنة، قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (٢) وبين النبي ﷺ هذا الوقت وحدده قال الله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (٣) وقال: (وَمَنْ
стр. 4490
يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (١) .
* * *
١٣٥) وسئل فضيلة الشيخ: قلتم في الفتوى السابقة بأن الحاج إذا خاف خروج الوقت وجب عليه أن ينزل فإن كان لا يتمكن من النزول للزحام وحركة السيارات ؟
فأجاب قائلاً: إذا لم يتمكن من النزول صلى ولو على راحلته لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (٢) ، وإن كان عدم تمكنه من النزول في هذه الحال أمراً بعيداً، لأنه بإمكان كل إنسان أن ينزل ويقف على جانب الخط ويصلي، وعلى كل حال فإنه لا يجوز لأحد أن يؤخر صلاة المغرب والعشاء حتى يخرج وقت العشاء بحجة أنه يريد أن يطبق السنة فلا يصلي إلا في مزدلفة فإن تأخيره هذا مخالف للسنة، فإن الرسول ﷺ أخر لكنه صلى الصلاة في وقتها.
* * *
١٣٦) وسئل فضيلة الشيخ: عن بلاد يتأخر فيها مغيب الشفق الأحمر الذي به يدخل وقت العشاء ويشق عليهم انتظاره ؟
فأجاب بقوله: إن كان الشفق لا يغيب حتى يطلع الفجر، أو يغيب في زمن لا يتسع لصلاة العشاء قبل طلوع الفجر فهؤلاء في حكم من لا وقت للعشاء عندهم فيقدرون وقته بأقرب البلاد إليهم ممن لهم وقت عشاء معتبر، وقيل يعتبر بوقته في مكة لأنها أم القرى.
وإن كان الشفق يغيب قبل الفجر بوقت طويل يتسع لصلاة العشاء
стр. 4491
فإنه يلزمهم الانتظار حتى يغيب إلا أن يشق عليهم الانتظار فحينئذ يجوز لهم جمع العشاء إلى المغرب جمع تقديم دفعاً للحرج والمشقة لقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (١) ،ولقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (٢) . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄،" أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر"،قالوا: ما أراد إلى ذلك؟ قال: " أراد أن لا يحرج أمته " (٣) ، أي لا يلحقها الحرج بترك الجمع. وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح. حرر في ٢٥/١١/١٤١١ هـ.
* * *
١٣٧) وسئل فضيلته: عن الفرق بين الفجر الأول والفجر الثاني ؟
فأجاب قائلاً: ذكر العلماء أن بينهما ثلاثة فروق:
الأول: أن الفجر الأول ممتد لا معترض، أي ممتد طولاً من الشرق إلى الغرب، والثاني معترض من الشمال إلى الجنوب.
الثاني: أن الفجر الأول يظلم أي يكون هذا النور لمدة قصيرة ثم يظلم، والفجر الثاني لا يظلم بل يزداد نوراً وإضاءة.
الثالث: أن الفجر الثاني متصل بالأفق ليس بينه وبين الأفق ظلمة، والفجر الأول منقطع عن الأفق بينه وبين الأفق ظلمة.
* * *
стр. 4492
١٣٨) وسئل فضيلة الشيخ: عن نهاية وقت صلاة العشاء، وهل يمتد وقتها إلى طلوع الفجر ؟
فأجاب بقوله: وقت العشاء إلى نصف الليل ولا يمتد وقتها إلى طلوع الفجر؛ لأنه خلاف ظاهر القرآن وصريح السنة حيث قال الله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل) (١) ولم يقل (إلى طلوع الفجر) ، وصرحت السنة بأن وقت صلاة العشاء ينتهي بنصف الليل كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: " وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط " وفي رواية: " ووقت العشاء إلى نصف الليل " (٢) . ولم يقيده بالأوسط فوقت العشاء ينتهي عند نصف الليل.
* * *
١٣٩) وسئل: هل الأفضل تأخير العشاء إلى ثلث الليل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا سهل فالأفضل تأخيرها إلى ثلث الليل لحديث أبي برزة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يستحب أن يؤخر من العشاء (٣) ، ولحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ تأخر ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل فقام إليه عمر فقال: يا رسول الله رقد النساء
стр. 4493
والصبيان، فخرج ورأسه يقطر وقال: " إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي " (١) . لكن ذلك إن سهل، وإن صلى بالناس نقول الأفضل مراعاة الناس إذا اجتمعوا صلى، وإن تأخروا أخر لحديث جابر ﵁: " إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا اجتمعوا صلى، وإن تأخروا أخر لحديث جابر ﵁: " إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤوا أخر " (٢) .
* * *
١٤٠) وسئل فضيلته: هل يجوز تأخير صلاة العشاء أم الأفضل أداؤها في وقتها ؟
فأجاب قائلاً: إذا تأخرت صلاة العشاء عن وقتها فإن ذلك حرام، ولا يحل لأحد أن يؤخر صلاة العشاء أو غيرها عن وقتها، فإن أخرها عن وقتها بدون عذر فهي صلاة باطلة غير مقبولة ولو صلاها ألف مرة.
وأما تأخير صلاة العشاء إلى آخر وقتها فإن ذلك أفضل؛ لأن النبي ﷺ خرج ذات ليلة وقد ذهب عامة الليل فقال: " إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي " (٣) . فإذا كانت المرأة في المنزل مشغولة وأخرت صلاة العشاء إلى آخر وقتها فإن ذلك أفضل، وكذلك لو كانوا جماعة في مكان وليس حولهم مسجد، أو هم أهل المسجد أنفسهم، فإن الأفضل لهم التأخير إذا لم يشق عليهم إلى أن يمضي ثلث الليل، فما بين الثلث إلى النصف فهذا أفضل وقت للعشاء، وأما تأخيرها إلى ما بعد النصف فإنه
стр. 4494
محرم؛ لأن آخر صلاة العشاء هو نصف الليل.
والتأخير لا يمتد إلى طلوع الفجر؛ لأن الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ تدل على أن وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل فقط، وما بين نصف الليل إلى طلوع الفجر فليس وقتاً للصلاة المفروضة، كما أن ما بين طلوع الشمس إلى زوالها ليس وقتاً لصلاة مفروضة، ولهذا قال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (١) . فقال: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي: زوالها، وغسق الليل نصفه، وهو الذي يتم به الغسق وهو الظلمة. فمن الزوال إلى نصف الليل كله أوقات صلوات متوالية: فيدخل وقت الظهر بالزوال، ثم ينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله، ثم يدخل وقت العصر مباشرة، ثم ينتهي بغروب الشمس، ثم يدخل وقت المغرب مباشرة ثم ينتهي بمغيب الشفق الأحمر، ثم يدخل وقت العشاء وينتهي بنصف الليل، ولهذا فصل الله صلاة الفجر وحدها فقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) لأنها لا يتصل بها وقت قبلها، ولا يتصل بها وقت بعدها.
وقولنا إن صلاة العصر إلى غروب الشمس ذلك أن وقتها يمتد إلى الغروب لقوله ﷺ : " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (٢) . وليس المعنى أنه يجوز تأخيرها إلى الغروب، فإنه لا يجوز تأخيرها إلى ما بعد اصفرار الشمس، والله الموفق.
* * *
стр. 4495
١٤١) سئل فضيلة الشيخ: ما حكم تأخير صلاة العشاء إلى وقت متأخر ؟
فأجاب بقوله: الأفضل في صلاة العشاء أن تؤخر إلى آخر وقتها وكلما أخرت كان أفضل، إلا أن يكون رجلاً فإن الرجل إذا أخرها فاتته صلاة الجماعة فلا يجوز له أن يؤخرها وتفوته الجماعة، أما النساء في البيت فإنهن كلما أخرن صلاة العشاء كان ذلك أفضل لهن، لكن لا يؤخرنها عن منتصف الليل.
* * *
١٤٢) وسئل فضيلته: أيهما أفضل تعجيل الفجر أم تأخيرها ؟
فأجاب بقوله: تعجيلها أفضل لقوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات) (١) وهذا يحصل بالمبادرة بفعل الطاعة، ولأن النبي ﷺ كان يعجل بصلاة الفجر ويصليها بغلس وينصرف منها حين يعرف الرجل جليسه وكان يقرأ بالستين إلى المئة (٢) ، وقراءة النبي ﷺ مرتلة يقف عند كل آية مع الركوع والسجود وبقية أفعال الصلاة فدل ذلك على أنه كان يبادر بها جدا.
فإن قيل: جاء في الحديث: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم لأجوركم " (٣) .
стр. 4496
فالجواب: أن المراد لا تتعجلوا بها حتى يتبين لكم الإسفار وتتحققوا منه، وبهذا نجمع بين هدي النبي ﷺ الراتب الذي كان لا يدعه وهو التغليس بالفجر وبين هذا الحديث والله أعلم.
* * *
١٤٣) وسئل فضيلته: بما تدرك الصلاة ؟
فأجاب بقوله: الصحيح أن الصلاة لا تدرك إلا بإدراك ركعة لقول النبي ﷺ : " من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة " (١) . ومفهومه أن من أدرك دون ركعة فإنه لم يدرك، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
* * *
١٤٤) وسئل فضيلته: عن أفضل وقت تؤدى فيه الصلاة؟ وهل أول الوقت هو الأفضل ؟
فأجاب قائلاً: الأكمل أن تكون على وقتها المطلوب شرعاً، ولهذا قال النبي ﷺ في جواب من سأله أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: " الصلاة على وقتها " (٢) ولم يقل (الصلاة في أول وقتها) وذلك لأن الصلوات منها ما يسن تقديمه، ومنها ما يسن تأخيره، فصلاة
стр. 4497
العشاء مثلاً يسن تأخيرها إلى ثلث الليل، ولهذا لو كانت امرأة في البيت وقالت أيهما أفضل لي أن أصلي صلاة العشاء من حين أذان العشاء أو أؤخرها إلى ثلث الليل؟
قلنا: الأفضل أن تؤخرها إلى ثلث الليل؛ لأن النبي ﷺ تأخر ذات ليلة حتى قالوا: يا رسول الله رقد النساء والصبيان. فخرج وصلى بهم وقال: " إن هذا لوقتها لولا أن أشق على أمتي " (١) . فالأفضل للمرأة إذا كانت في بيتها أن تؤخرها.وكذلك لو فرض أن رجالاً محصورين، يعني رجالاً معينين في سفر فقالوا: نؤخر الصلاة أو نقدم؟ فنقول: الأفضل أن تؤخروا. وكذلك لو أن جماعة خرجوا في نزهة وحان وقت العشاء فهل الأفضل أن يقدموا العشاء أو يؤخروها؟ نقول: الأفضل أن يؤخروها إلا إذا كان في ذلك مشقة.
وبقية الصلوات الأفضل فيها التقديم إلا لسبب، فالفجر تقدم، والظهر تقدم، والعصر تقدم، والمغرب تقدم، إلا إذا كان هناك سبب. فمن الأسباب: إذا اشتد الحر فإن الأفضل تأخير صلاة الظهر إلى أن يبرد الوقت، يعني إلى قرب صلاة العصر؛ لأنه يبرد الوقت إذا قرب وقت العصر، فإذا اشتد الحر فإن الأفضل الإبراد لقول النبي ﷺ : " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " (٢) . وكان ﷺ في سفر فقام بلال ليؤذن فقال: " أبرد " ثم قام ليؤذن فقال: " أبرد " (٣) ثم قام ليؤذن، فأذن له.
...
стр. 4498
ومن الأسباب أيضاً أن يكون في آخر الوقت جماعة لا تحصل في أول الوقت، فهنا التأخير أفضل، كرجل أدركه الوقت وهو في البر وهو يعلم أنه سيصل إلى البلد ويدرك الجماعة في آخر الوقت، فهل الأفضل أن يصلي من حين أن يدركه الوقت، أو أن يؤخر حتى يدرك الجماعة؟
نقول: إن الأفضل أن تؤخر حتى تدرك الجماعة، بل قد نقول بوجوب التأخير هنا تحصيلاً للجماعة.
* * *
١٤٥) وسئل فضيلته: هل تأدية الصلوات الخمس في أول الوقت أفضل أم في آخره ؟
فأجاب بقوله: أما تأدية الصلوات في أول الوقت فهو أفضل إلا في العشاء الآخرة، فإن تأخيرها إلى ثلث الليل أفضل ما لم يشق على المأمومين، وإن كان يشق عليهم أو على بعضهم فتقديمها أفضل؛ لأن النبي ﷺ أخر صلاة العشاء حتى ذهب عامة الليل، فقال:"إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي " (١) . قال جابر ﵁: " كان الرسول ﷺ في صلاة العشاء أحياناً وأحياناً؛ إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤوا أخر " (٢) .
وكذلك يستثنى صلاة الظهر في شدة الحر لقول النبي ﷺ : " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " (٣) . والله الموفق.
стр. 4499
١٤٦) وسئل فضيلة الشيخ: عن جماعة لا يعرفون وقت الفجر ويصلون بخبر من يثقون به ولكن بعضهم لديه شك ؟
فأجاب قائلاً: ما داموا واثقين منه، ويعرفون أن هذا الرجل عنده علم بدخول الوقت فلا شيء عليهم؛ لأنهم لم يتبينوا أنهم صلوا قبل الوقت، فإذا لم يتبينوا وأخذوا بقول هذا الرجل الذي يثقون به، فلا حرج، لكن ينبغي للإنسان أن يحتاط ما دام شاكاً، فلا يصلي حتى يغلب على ظنه أو يتيقن، وعليه أن ينبه الجماعة على ذلك، يشير عليهم ويقول: انتظروا خمس دقائق أو عشر دقائق ولا يضرهم ذلك؛ لأن انتظار الإنسان عشر دقائق أو ربع ساعة خير من كونه يتقدم بدقيقة واحدة.
* * *
١٤٧) وسئل فضيلة الشيخ: إذا صلى الإنسان قبل الوقت جهلاً فما الحكم ؟
فأجاب بقوله: صلاة الإنسان قبل الوقت لا تجزئه عن الفريضة لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (١) ، وبين النبي ﷺ هذه الأوقات في قوله: " وقت الظهر إذا زالت الشمس " (٢) الخ الحديث. وعلى هذا فمن صلى الصلاة قبل وقتها فإن صلاته لا تجزئه عن الفريضة لكنها تقع نفلاً بمعنى أنه يثاب عليها ثواب نفل، وعليه أن يعيد الصلاة بعد دخول الوقت. والله أعلم.
* * *
стр. 4500
١٤٨) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة قبل وقتها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة قبل وقتها لا تجزيء حتى ولو كانت قبل الوقت بدقيقة واحدة، فلو كبر الإنسان للإحرام قبل الوقت فإنها لا تصح الصلاة، لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (١) أي مؤقتة محددة فلا تصح الصلاة قبل وقتها ويجب إعادة تلك الصلاة التي صليت قبل وقتها والله الموفق.
* * *
١٤٩) وسئل فضيلة الشيخ: عن امرأة صلت بعد سماع أول مؤذن في البلد وعندما شرعت في الركعة الأخيرة سمعت أذاناً من مؤذنين أُخر فما حكم صلاتها ؟
فأجاب قائلاً: على المرء المسلم أن يحتاط لدينه فلا يصلي قبل الوقت؛ لأن بعض المؤذنين قد يؤذن قبل الوقت، فلا ينبغي أن يغتر بهم المصلي، وأنتِ إذا كان المؤذن الذي أذن ليس بينه وبين المؤذنين إلا دقيقة أو دقيقتان فليس عليك إعادة الصلاة، ولكن عليك مستقبلاً أن تصبري حتى يكثر أذان المؤذنين، لأن الاحتياط أولى وافضل، والله الموفق.
* * *
١٥٠) سئل فضيلة الشيخ: إذا دخلت الطالبة الحصة الدراسية مع دخول وقت الظهر وتستمر الحصة لمدة ساعتين فكيف تصنع ؟
стр. 4501
فأجاب بقوله: إن الساعتين لا يخرج بهما وقت الظهر فإن وقت الظهر يمتد من زوال الشمس إلى دخول وقت العصر، وهذا زمن يزيد على الساعتين فبالإمكان أن تصلي صلاة الظهر إذا انتهت الحصة لأنه سيبقى معها زمن، هذا إذا لم يتيسر أن تصلي أثناء وقت الحصة فإن تيسر فهو أحوط، وإذا قدر أن الحصة لا تخرج إلا بدخول وقت العصر، وكان يلحقها ضرر أو مشقة في الخروج عن الدرس ففي هذه الحال يجوز لها أن تجمع بين الظهر والعصر فتؤخر الظهر إلى العصر لحديث بن عباس ﵄ قال: " جمع النبي ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر "، فقيل له في ذلك. فقال ﵁: " أراد - يعني النبي ﷺ أن لا يحرج أمته " (١) . فدل هذا الكلام من بن عباس ﵄ على أن ما فيه حرج ومشقة على الإنسان يحل له أن يجمع الصلاتين اللتين يجمع بعضهما إلى بعض في وقت أحدهما، وهذا داخل في تيسير الله لهذه الأمة دينه وأساس هذا قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (٢) ، وقوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) (٣) وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٤) . وقول النبي ﷺ : " إن الدين يسر " (٥)
إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على يسر هذه الشريعة، ولكن هذه القاعدة العظيمة ليست تبعاً لهوى الإنسان
стр. 4502
ومزاجه، ولكنها تبع لما جاء به الشرع فليس كل ما يعتقده الإنسان سهلاً ويسراً يكون من الشريعة؛ لأن المتهاونين الذين لا يهتمون بدينهم كثيراً ربما يستصعبون ما هو سهل فيدعونه إلى ما تهواه نفوسهم بناء على هذه القاعدة، ولكن هذا فهم خاطىء، فالدين يسر في جميع تشريعاته وليس يسراً باعتبار أهواء الناس، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.
* * *
١٥١) وسئل فضيلته: عن المرأة إذا حاضت أو طهرت وقد أدركت من وقت الصلاة مقدار ركعة فهل تجب عليها تلك الصلاة ؟
فأجاب بقوله: المرأة إذا حاضت بعد دخول وقت الصلاة فإنه يجب عليها إذا طهرت أن تقضي تلك الصلاة التي حاضت في وقتها إذا لم تصلها قبل أن يأتيها الحيض وذلك لقول النبي ﷺ :" من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (١) . فإذا أدركت المرأة من وقت الصلاة مقدار ركعة ثم حاضت قبل أن تصلي فإنها إذا طهرت لزمها القضاء.
وكذلك إذا طهرت من الحيض قبل خروج وقت الصلاة فإنه يجب عليها قضاء تلك الصلاة فلو طهرت قبل أن تطلع الشمس بمقدار ركعة وجب عليها قضاء صلاة الفجر، ولو طهرت قبل غروب الشمس بمقدار ركعة وجب عليها قضاء صلاة العصر لقول النبي ﷺ : " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (٢) .
стр. 4503
* * *
١٥٢) سئل فضيلة الشيخ: استيقظت امرأة لصلاة الفجر بعد الإشراق ورأت الدم عليها فماذا عليها ؟
فأجاب بقوله: عليها قضاء صلاة الفجر؛ لأن الأصل أن الدم لم يخرج، وإذا كان الأصل عدم خروجه فمقتضى ذلك أنه صادفها الوقت قبل أن تحيض، ولكن يؤسفني أن تكون لم تستيقظ لصلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس؛ لأن الواجب على الإنسان أن يحتاط لنفسه وأن يتخذ الوسائل اللازمة لكي يستيقظ ويصلي في الوقت. والله الموفق.
* * *
١٥٣) وسئل فضيلته: عن إمام لم يصلي العصر ناسياً، ودخل في صلاة المغرب، وفي أثناء الصلاة تذكر أنه لم يصل العصر فماذا يفعل في هذه الحالة ؟
فأجاب قائلاً: هذا الإمام الذي نسي صلاة العصر ودخل في صلاة المغرب وتذكر في أثناء الصلاة أنه لم يصل العصر يستمر في صلاة المغرب فإذا أتمها أتى بصلاة العصر وتصح منه صلاة العصر حينئذ ولا يلزمه أن يقطع صلاته ولا يجوز له أيضاً؛ وذلك لأنه شرع في فريضة والفريضة إذا شرع فيها الإنسان لزمه إتمامها إلا بعذر شرعي.
* * *
١٥٤) وسئل فضيلته: إذا فاتت الإنسان صلاة الفجر بسبب النوم فمتى يقضيها ؟
فأجاب بقوله: يقضيها فور قيامه لقول النبي ﷺ : " من نام عن
стр. 4504
صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (١) . فقوله: " إذا ذكرها " يدل على أنها تقضى فور الذكر وفور الاستيقاظ؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب والفورية.
فإن قيل: أليس النبي ﷺ لما استيقظ أمرهم أن يرتحلوا من مكانهم إلى مكان آخر؟
فالجواب: بلى ولكنه ﵊ علل ذلك بأنه " مكان حضر فيه الشيطان " (٢) ، فلا ينبغي أن يصلي في أماكن حضور الشياطين.
* * *
١٥٥) وسئل فضيلة الشيخ: عن إنسان صلى بعد انتهاء مدة المسح ولم يذكر إلا بعد حضور الصلاة التي بعدها بحيث لو قام لقضاء الصلاة الأولى لفاتته الثانية مع الجماعة فهل يقضي الصلاة الأولى ولو فاتته الجماعة في الثانية، أو يصلي الثانية مع الجماعة ويقضي الأولى بعدها ؟
فأجاب بقوله: المشهور من المذهب أنه يلزمه قضاء الفائتة وإن فاتته الجماعة، والصحيح أنه يصلي الحاضرة مع الجماعة ويقضي الفائتة بعد ذلك، وإن شاء صلى مع الجماعة ونواها الفائتة ثم يصلي الحاضرة بعد ذلك.
стр. 4505
١٥٦) وسئل فضيلته: هل يسقط الترتيب بين الصلوات المقضية بسبب النسيان والجهل ؟
فأجاب حفظه الله بقوله: هذه المسألة محل خلاف، والصواب أنه يسقط والدليل عموم قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (١) ، وقال ﵊: " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (٢) .
* * *
١٥٧) وسئل: عن حكم من نام عن صلاة العشاء ثم قام لصلاة الفجر وصلاها ولكن تذكر صلاة العشاء وهو يصلي الفجر؟ هل يكمل صلاة الفجر أم ماذا يفعل ؟
فأجاب فضيلة الشيخ بقوله: نعم، يكمل صلاة الفجر ثم يصلي صلاة العشاء.
* * *
١٥٨) سئل فضيلة الشيخ: عن شخص دخل المسجد لصلاة العشاء ثم تذكر أنه لم يصل المغرب فماذا يعمل ؟
فأجاب بقوله: إذا دخلت المسجد وصلاة العشاء مقامة ثم تذكرت أنك لم تصل المغرب فتدخل مع الجماعة بنية صلاة المغرب، وإذا قام الإمام إلى الركعة الرابعة، فتجلس أنت في الثالثة وتنتظر الإمام ثم تسلم معه، ولك أن تسلم ثم تدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة
стр. 4506
العشاء، ولا يضر اختلاف النية بين الإمام والمأموم على الصحيح من أقوال أهل العلم، وإن صليت المغرب وحدك ثم صليت مع الجماعة فيما أدركت من صلاة العشاء فلا بأس.
* * *
١٥٩) سئل فضيلة الشيخ: كيف تقضي الفوائت ؟
فأجاب قائلاً: الفوائت من الفرائض تقضى بكل حال في الوقت الذي يزول فيه العذر ولابد من الترتيب، وكذلك صلاة النوافل المؤقتة بوقت كالوتر والرواتب.
وأما النوافل المطلقة فلا تقضى لأنه لا وقت لها، وإنما يصلي نفلاً متى شاء في غير وقت النهي، وأما النوافل ذوات الأسباب فإنه إذا فاتت أسبابها لا تقضى لأنها مربوطة بسببها فإذا تأخرت عنه لم تكن فعلت من أجله فلا تقضى.
* * *
١٦٠) وسئل فضيلته عن مريض أجرى عملية جراحية ففاتته عدة فروض من الصلوات، فهل يصليها مجتمعة بعد شفائه؟ أم يصليها كل وقت مع وقته كالظهر مع الظهر وهكذا ؟
فأجاب بقوله: عليه أن يصليها جميعاً في آن واحد، لأن النبي ﷺ لما فاتته صلاة العصر في غزوة الخندق صلاها قبل المغرب (١) وعلى الإنسان إذا فاتته بعض فروض الصلاة أن يصليها جميعاً ولا يؤخرها.
* * *
стр. 4507
١٦١) وسئل: عن جماعة فاتتهم صلاة العصر نسياناً ولم يتذكروا إلا عند سماع أذان المغرب فصلوا المغرب ثم العصر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا نسي الإنسان صلاة أو نام عنها وليس عنده من يوقظه أو يذكره حتى خرج وقتها، فإنه كما قال النبي ﷺ : ((يصليها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) (١) .
وفي هذه الحالة التي وقعت للسائل فإنه ينبغي عليه أن يبدأ أولاً بصلاة العصر ثم المغرب حتى يكون الترتيب على حسب ما فرض الله ، لأن النبي ﷺ لما فاتته الصلوات في أحد الأيام في غزوة الخندق قضاها مرتبة. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٢) . وبناء على هذا فلو أنكم حينما جئتم إلى المسجد وهم يصلون المغرب دخلتم معهم بنية العصر، ثم إذا سلم الإمام من صلاة المغرب تأتون ببقية صلاة العصر فتكون الصلاة مغرباً للجماعة، وتكون لكم عصراً، وهذا لا يضر - أعني اختلاف نية الإمام والمأموم - لأن الأفعال واحدة، والذي نهى النبي ﵊ عن الاختلاف في على الإمام وهي الأفعال دون النية. وما وقع منكم على سبيل الجهل، حيث قدمتم المغرب على العصرفإنه لا حرج عليكم في ذلك
* * *
١٦٢) وسئل فضيلته: إذا فاتت الإنسان الصلاة لعذر فهل يجوز تأخيرها بعد زوال العذر ؟
стр. 4508
فأجاب قائلاً: لا يجوز لك أن تؤخر الصلاة عن وقتها إذا زال العذر، لقوله ﷺ : ((فليصلها إذا ذكرها)) (١) . فجعل وقت قضائها وقت الذكر، فإن أخرت فأنت آثم.
* * *
١٦٣) سئل فضيلة الشيخ: إذا فاتني فرض أو أكثر لنوم أو نسيان، فكيف أقضي الصلاة الفائتة؟ وهل أصليها أولاً ثم الصلاة الحاضرة أم العكس .
فأجاب بقوله: تصلها أولاً، ثم تصل الصلاة الحاضرة، ولا يجوز لك التأخير، وقد شاع عند الناس أن الإنسان إذا فاته فرض فإنه يقضيه مع الفرض الموافق له من اليوم الثاني، فمثلاً لو أنه لم يصل الفجر يوماً فإنه لا يصليه إلا مع الفجر في اليوم الثاني، وهذا غلط، وهو مخالف لهدي النبي ﷺ القولي والفعلي، أما القولي: فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) (٢) . ولم يقل: فليصلها من اليوم الثاني إذا جاء وقتها، بل قال: ((فليصلها إذا ذكرها)) .
وأما الفعلي: فحين فاتته الصلوات في يوم من أيام الخندق صلها قبل الصلاة الحاضرة، فدل هذا على أن الإنسان يصلي الفائتة ثم يصلي الحاضرة، لكن لو نسي فقدم الحاضرة على الفائتة، أو كان جاهلاً لا يعلم فإن صلاته صحيحة، لأن هذا عذر له.وبهذه المناسبة أود أن أقول: إن الصلوات بالنسبة للقضاء على
стр. 4509
ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يقضي متى زال العذر، أي عذر التأخير وهي الصلوات الخمس، فإنه متى زال العذر بالتأخير وجب قضاؤها.
القسم الثاني: إذا فات لا يقضى وإنما يقضى بدله، وهو صلاة الجمعة، إذا جاء بعد رفع الإمام من الركعة الثانية فإنه في هذه الحال يصلي ظهراً، فيدخل مع الإمام بنية الظهر، وكذلك من جاء بعد تسليم الإمام فإنه يصلي ظهراً، وأما من أدرك الركوع من الركعة الثانية فإنه يصلي جمعة، أي يصلي ركعة بعدها إذا سلم الإمام، وهذه يجهلها كثير من الناس، فإن بعض الناس يأتي يوم الجمعة والإمام قد رفع من الركعة الثانية، ثم يصلي ركعتين على أنها جمعة وهذا خطأ، بل إذا جاء بعد رفعه من الركعة الثانية فإنه لم يدرك من الجمعة شيئاً فعليه أن يصلي ظهراً، لقول النبي ﷺ : ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (١) . ومفهومه أن من أدرك أقل فإنه لم يدرك الصلاة، والجمعة تقضى ظهراً، ولهذا يجب على النساء في البيوت وعلى المرضى الذين لا يأتون الجمعة، يجب عليهم أن يصلوا ظهراً ولا يصلوا جمعة، فإن صلوا جمعة في هذه الحال فإن صلاتهم باطلة ومردودة.
القسم الثالث:صلاة إذا فاتت لا تقضى إلا في نظير وقتها وهي صلاة العيد إذا لم يعلم بها إلا بعد زوال الشمس، فإن أهل العلم يقولون: يصلونها من اليوم التالي من نظير وقتها.
إذن فالقضاء على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يقضى من حين زوال العذر، وهي الصلوات الخمس.
стр. 4510
كذلك الوتر، وشبهه من السنن المؤقتة.
الثاني: ما يقضى بدله وهي صلاة الجمعة فإذا فاتت تقضى ظهراً.
الثالث: ما يقضى هو نفسه ولكن في نظير وقته من اليوم التالي، وهو صلاة العيد إذا فاتت بالزوال فإنها تصلى في نظير وقتها من اليوم التالي. والله الموفق.
* * *
١٦٤) وسئل فضيلته: عن رجل فاتته صلاة الفجر لعذر شرعي ونسى أن يصليها وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم تذكر، فماذا يفعل؟ وهل صلاته للظهر والعصر والمغرب والعشاء صحيحة ؟
فأجاب بقوله: إذا فاتت الإنسان صلاة الصبح لعذر شرعي ونسى أن يصليها، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم ذكر أنه لم يصل صلاة الفجر، فإنه يؤدي صلاة الصبح ولا حرج عليه، وصلاته للظهر والعصر والمغرب والعشاء صحيحة، لأنه ترك الترتيب ناسياً، والإنسان إذا ترك الترتيب ناسياً فصلاته صحيحة.
* * *
١٦٥) سئل فضيلة الشيخ: أعلى الله درجته - عمن نسي صلاة أو نام عنها ولم يذكر أو يستيقظ إلا بعد صلاة الفجر أو بعد العصر فهل يقضيها في هذين الوقتين ؟
الجواب: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإذا نام الإنسان عن الفريضة أو صلى محدثاً ناسياً أو جاهلاً ثم ذكر ذلك بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر فإنه يقضيها لعموم الحديث الآنف الذكر.
стр. 4511
أما إذا تركها متعمداً حتى خرج وقتها فإن القول الراجح أنها لا تقضي لأن ذلك لا يفيد.
وليعلم أن العلماء اختلفوا فيما إذا وجد سبب صلاة النافلة في وقت النهي هل يجوز فعلها أم لا؟ والصحيح أنه يجوز فعل ذوات الأسباب في الأسباب في أوقات النهي، فإذا دخلت المسجد بعد صلاة الفجر فصل ركعتين، وإذا دخلت المسجد بعد صلاة العصر فصل ركعتين، وهكذا كل نفل وجد سببه في أوقات النهي فإنه يفعل ولا نهي عنه، هذا هو القول الراجح من؟ أقوال أهل العلم، ويكون النهي عن الصلاة في أوقات النهي مخصوصاً بالنوافل المطلقة التي ليس لها سبب، ووجه ترجيح هذا القول أن صلاة ذوات الأسباب جاءت عامة مقيدة بأسبابها فمتي وجد السبب مخصصة لعموم النهي، كما أن في بعض أحاديث النهي ما يدل على أن ذوات الأسباب لا تدخل فيه حيث جاء في بعض ألفاظه: " لا تتحروا الصلاة " (١) . وهذا يدل على أن ما فعل لسبب فلا بأس به لأن ذلك ليس تحرياً للصلاة في هذه الأوقات.
* * *
١٦٦) سئل الشيخ حفظه الله تعالى: هناك جماعة من الناس عندهم عادة في رمضان وهي صلاتهم الفروض الخمسة بعد صلاة آخر جمعة ويقولون إنهاء قضاء عن أي فرض من هذه الفروض لم يصله الإنسان أو نسيه في رمضان فما حكم هذه الصلاة ؟
стр. 4512
أفتونا مأجورين.
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم في هذه الصلاة أنها من البدع، وليس لها أصل في الشريعة الإسلامية، وهي لا تزيد الإنسان من ربه إلا بعداً، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار " (١) . فالبدع وإن استحسنها مبتدعوها ورأوها حسنة في نفوسهم فإنها سيئة عند الله لأن نبيه صلي الله عليه وسلم يقول: " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ". وهذه الصلوات الخمس التي يقضيها الإنسان في آخر جمعة من رمضان لا أصل لها في الشرع، ثم إننا نقول هل لم يخل هذا الإنسان إلا في خمس صلوات فقط ربما أنه أخل في عدة أيام لا في عدة صلوات، والنهم أن الإنسان ما علم أنه مخل فيه فعليه قضاءه متي علم ذلك لقوله صلي الله عليه وسلم " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (٢) . وأما أن الإنسان يفعل هذه الصلوات الخمس احتياطاً - كما يزعمون - فإن هذا منكر ولا يجوز.
* * *
فصل
قال فضيلة لشيخ - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير جزاء -:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي نبينا محمد صلي الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فأن الوقت من أهم شروط الصلاة، لقول الله سبحانه:
(
стр. 4513
إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (١٠٣)(١) . وإذا كانت الصلوات خمساً فأوقاتها خمسة أو ثلاثة، خمسة لغير أهل الأعذار، وثلاثة لأهل الأعذار، الذين يجوز لهم الجمع، فالظهر والعصر يكون وقتهما وقتاً واحداً إذا جاز الجمع، والمغرب والعشاء يكون وقتهما وقتاً واحداً إذا جاز الجمع.
والفجر وقت واحد ولهذا فصلها الله :) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) (٢) ولم يقل لدلوك الشمس إلي طلوع الشمس، بل قال إلي (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) وغسق الليل يكون عند منتصفه، لأن أشد ما يكون ظلمة في الليل منتصف الليل، لأن منتصف الليل هو أبعد ما تكون الشمس عن النقطة التي فيها هذا المنتصف.
ولهذا كان القول الراجح أن الأوقات خمسة كما يلي:
أولاً: الفجر من طلوع الفجر الثاني وهو البياض المعترض في الأفق إلي أن تطلع الشمس.
وهنا أنبه فأقول إن التقويم – تقويم أم القرى- فيه تقديم خمس دقائق في آذان الفجر على مدار السنة، فالذي يصلي أول ما يؤذن يعتبر صلى قبل الوقت، وهذا شئ اختبرناه في الحساب الفلكي، واختبرناه أيضاً في الرؤية.
فلذلك لا يعتمد هذا بالنسبة لأذان الفجر لأنه مقدم وهذه مسألة خطرة جداً، لو تكبر للإحرام فقط قبل أن يدخل الوقت ما صحت صلاتك فريضة، لكن التقاويم الأخرى الفلكية التي بالحساب بينها
стр. 4514
وبين هذا التقويم خمس دقائق.
وعلى كل حال وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني إلي طلوع الشمس.
ثانياً: الظهر من زوال الشمس إلي أن يصير ظل كل شئ مثله لكن بعد أن تخصم ظل الزوال، لأن الشمس خصوصاً في أيام الشتاء يكون لها ظل نحو الشمال، هذا ليس بعبرة بل العبرة أنك تنظر الظل ما دام ينقص فالشمس لم تزل، فإذا بدأ يزيد أدني زيادة فإن الشمس قد زالت،
واجعل علامة على ابتداء زيادة الظل فإذا صار ظل الشيء كطوله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر
ثالثاً: وقت العصر إلي أن تصفر الشمس والضرورة إلي غروبها.
رابعاً: وقت المغرب من غروب الشمس إلي مغيب الشفق الأحمر وهو يختلف أحياناً يكون بين الغروب وبين مغيب الشفق ساعة وربع وأحياناً يكون ساعة واثنان وثلاثون دقيقة.
خامساً: وقت العشاء من خروج وقت المغرب إلي منتصف الليل، والمعني: أنك تقدر ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ثم تنصفه، فالنصف هو منتهى صلاة العشاء.
ويترتب على هذا فائدة عظيمة:
لو طهرت المرأة في الثلث الأخير من الليل فليس عليها صلاة العشاء ولا المغرب لأنها طهرت بعد الوقت.
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﵊ قال: " وقت العشاء إلي نصف
стр. 4515
الليل " (١) ، ولم يثبت عن رسول الله ﷺ حديث يدل على أن وقت العشاء يمتد إلي طلوع الفجر أبداً.
ولهذا كان القول الراجح أن وقت العشاء إلي نصف الليل، والآية الكريمة تدل على هذا لأنه فصل الفجر عن الأوقات الأربعة: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي زوالها (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) جمع الله بينها لأنه ليس هناك بينها فاصل أما الفجر فقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (٧٨)) (٢) فالفجر لا
تتصل بصلاة لا قبلها ولا بعدها، لأن بينها وبين الظهر نصف النهار الأول، وبينها وبين صلاة العشاء نصف الليل الآخر.
واعلم أن الصلاة قبل دخول الوقت لا تقبل حتى لو كبر تكبيرة الإحرام ثم دخل الوقت بعد التكبيرة مباشرة فإنها لا تقبل على أنها فريضة، لأن الشيء المؤقت بوقت لا يصح قبل وقته، كما لو أراد الإنسان أن يصوم قبل رمضان بيوم واحد فإنه لا يجزئه عن رمضان، كذلك الصلاة لكن إن كان جاهلاً لا يدري صارت نافلة ووجب عليه إعادتها فريضة.
أما إذا صلاها بعد الوقت فلا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون معذوراً بجهل أو نسيان أو نوم فهذا تقبل منه.
الجهل: مثل أن لا يعرف أن الوقت قد دخل وقد خرج، فهذا لا شئ عليه، متي علم فإنه يصلي الصلاة وتقبل منه لأنه معذور.
стр. 4516
والنسيان: مثل أن يكون الإنسان اشتغل بشغل عظيم أشغله وألهاه حتى خرج الوقت فإن هذا يصليها ولو بعد خروج الوقت.
النوم كذلك: فلو أن شخصاً نام على أنه سيقوم عند الآذان ولكن صار نومه ثقيلاً فلم يسمع الأذان ولا المنبه الذي وضعه عند رأسه حتى خرج الوقت فإنه يصلي إذا استيقظ لقول الرسول ﵊: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " (١) .
الحال الثانية: أن يؤخر الصلاة عن وقتها عنداً من غير عذر فاتفق العلماء على أنه آثم وعاصي لله ورسوله.
وقال بعض العلماء: أنه يكفر بذلك كفراً مخرجاً عن الملة نسأل الله العافية.
ولكن الصحيح أنه لا يكفر وهذا قول الجمهور، ولكن اختلفوا فيما لو صلاها في هذه الحال، أي بعد أن أخرجها عن وقتها عمداً بلا عذر ثم صلى:
فمنهم من قال: أنها تقبل صلاته لأنه عاد إلي رشده وصوابه، ولأنه إذا كان الناسي تقبل منه الصلاة بعد الوقت فالمتعمد كذلك.
ولكن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة أنها لا تقبل منه إذا أخرها عن وقتها عمداً ولو صلى ألف مرة وذلك لقول النبي ﵊: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (٢) . يعني مردود غير مقبول عند الله، وإذا كان مردوداً فلن يقبل، وهذا الذي أخرج الصلاة عن وقتها عمداً إذا صلاها على غير أمر الله ورسوله.
стр. 4517
وأما المعذور فهو معذور، ولهذا أمره الشارع أن يصليها إذا زال عذره، أما من ليس بمعذور فإنه لو بقي يصلي كل دهره فإنها لا تقبل منه هذه الصلاة التي أخرجها عن وقتها بلا عذر فعليه أن يتوب إلي الله، ويستقيم ويكثر من العمل الصالح والاستغفار ومن تاب تاب الله عليه.
والحمد لله رب العالمين، وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين.
* * *
стр. 4518
رسالة في مواقيت الصلاة
أن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله. صلي الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً.
أما بعد: فإن الله تعالى فرض على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة موقتة بأوقات اقتضتها حكمة الله تعالي ليكون العبد على صلة بربه تعالي في هذه الصلوات مدة الأوقات كلها، فهي للقلب بمنزلة الماء للشجرة تسقى به وقتاً فوقتاً لا دفعة واحدة ثم يقطع عنها.
ومن الحكمة في تفريق هذه الصلوات في تلك الأوقات أن لا يحصل الملل والثقل على العبد إذا أداها كلها في وقت واحد، فتبارك الله تعالي أحكم الحاكمين.
وهذه رسالة موجزة نتكلم فيها على أوقات الصلوات في الفصول التالية:
الفصل الأول: في بيات المواقيت.
الفصل الثاني: في بيان وجوب فعل الصلاة في وقتها، وحكم تقديمها في أوله أو تأخيرها عنه.
الفصل الثالث: فيما يدرك به الوقت وما يترتب على ذلك.
الفصل الرابع: في حكم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما.
стр. 4519
وقد مشينا فيها على ما تقضيه دلالة الكتاب والسنة، وأسندنا المسائل إلي أدلتها ليكون المؤمن سائراً على بصيرة ويزداد ثقة وطمأنينة.
والله المسئول المرجو الإجابة أن يثبتا على ذلك وأن يجعل فيه الخير والبركة للمسلمين، أنه جواد كريم.
стр. 4520
الفصل الأول
في بيان المواقيت
قال الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤) (١) .
وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (٨٩)(٢) .
فما من شئ يحتاج العباد في دينهم أو دنياهم إلي معرفة حكمه إلا بينه الله تعالى في كتابه أو سنة رسوله صلي الله عليه وسلم، فإن السنة تبين القرآن وتفسره وتخصص عمومه وتقيد مطلقه، كما أن القرآن يبين لعضه بعضاً ويفسره ويخص عمومه ويقيد مطلقه، والكل عند الله تعالى، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " (٣) . رواه أحمد وأبو داود وسنده صحيح.
ومن أفراد هذه القاعدة الكلية العامة بيان أوقات الصلوات الخمس أوكد الأعمال البدنية فرضية وأحبها إلي الله ، فقد بين الله تعالى هذه الأوقات في كتابه وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم بياناً شافياً ولله الحمد.
أما في كتاب الله فقد قال الله تعالى:) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (٧٨)(٤) .