← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

والنسيان: مثل أن يكون الإنسان اشتغل بشغل عظيم أشغله وألهاه حتى خرج الوقت فإن هذا يصليها ولو بعد خروج الوقت. النوم كذلك: فلو أن شخصاً نام على أنه سيقوم عند الآذان ولكن صار نومه ثقيلاً فلم يسمع الأذان ولا المنبه الذي وضعه عند رأسه حتى خرج الوقت فإنه يصلي إذا استيقظ لقول الرسول ﵊: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " (١) . الحال الثانية: أن يؤخر الصلاة عن وقتها عنداً من غير عذر فاتفق العلماء على أنه آثم وعاصي لله ورسوله. وقال بعض العلماء: أنه يكفر بذلك كفراً مخرجاً عن الملة نسأل الله العافية. ولكن الصحيح أنه لا يكفر وهذا قول الجمهور، ولكن اختلفوا فيما لو صلاها في هذه الحال، أي بعد أن أخرجها عن وقتها عمداً بلا عذر ثم صلى: فمنهم من قال: أنها تقبل صلاته لأنه عاد إلي رشده وصوابه، ولأنه إذا كان الناسي تقبل منه الصلاة بعد الوقت فالمتعمد كذلك. ولكن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة أنها لا تقبل منه إذا أخرها عن وقتها عمداً ولو صلى ألف مرة وذلك لقول النبي ﵊: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (٢) . يعني مردود غير مقبول عند الله، وإذا كان مردوداً فلن يقبل، وهذا الذي أخرج الصلاة عن وقتها عمداً إذا صلاها على غير أمر الله ورسوله.

стр. 4517

وأما المعذور فهو معذور، ولهذا أمره الشارع أن يصليها إذا زال عذره، أما من ليس بمعذور فإنه لو بقي يصلي كل دهره فإنها لا تقبل منه هذه الصلاة التي أخرجها عن وقتها بلا عذر فعليه أن يتوب إلي الله، ويستقيم ويكثر من العمل الصالح والاستغفار ومن تاب تاب الله عليه. والحمد لله رب العالمين، وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين. * * *

стр. 4518

رسالة في مواقيت الصلاة أن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله. صلي الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً. أما بعد: فإن الله تعالى فرض على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة موقتة بأوقات اقتضتها حكمة الله تعالي ليكون العبد على صلة بربه تعالي في هذه الصلوات مدة الأوقات كلها، فهي للقلب بمنزلة الماء للشجرة تسقى به وقتاً فوقتاً لا دفعة واحدة ثم يقطع عنها. ومن الحكمة في تفريق هذه الصلوات في تلك الأوقات أن لا يحصل الملل والثقل على العبد إذا أداها كلها في وقت واحد، فتبارك الله تعالي أحكم الحاكمين. وهذه رسالة موجزة نتكلم فيها على أوقات الصلوات في الفصول التالية: الفصل الأول: في بيات المواقيت. الفصل الثاني: في بيان وجوب فعل الصلاة في وقتها، وحكم تقديمها في أوله أو تأخيرها عنه. الفصل الثالث: فيما يدرك به الوقت وما يترتب على ذلك. الفصل الرابع: في حكم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما.

стр. 4519

وقد مشينا فيها على ما تقضيه دلالة الكتاب والسنة، وأسندنا المسائل إلي أدلتها ليكون المؤمن سائراً على بصيرة ويزداد ثقة وطمأنينة. والله المسئول المرجو الإجابة أن يثبتا على ذلك وأن يجعل فيه الخير والبركة للمسلمين، أنه جواد كريم.

стр. 4520

الفصل الأول في بيان المواقيت قال الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤) (١) . وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (٨٩) (٢) . فما من شئ يحتاج العباد في دينهم أو دنياهم إلي معرفة حكمه إلا بينه الله تعالى في كتابه أو سنة رسوله صلي الله عليه وسلم، فإن السنة تبين القرآن وتفسره وتخصص عمومه وتقيد مطلقه، كما أن القرآن يبين لعضه بعضاً ويفسره ويخص عمومه ويقيد مطلقه، والكل عند الله تعالى، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " (٣) . رواه أحمد وأبو داود وسنده صحيح. ومن أفراد هذه القاعدة الكلية العامة بيان أوقات الصلوات الخمس أوكد الأعمال البدنية فرضية وأحبها إلي الله ، فقد بين الله تعالى هذه الأوقات في كتابه وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم بياناً شافياً ولله الحمد. أما في كتاب الله فقد قال الله تعالى:) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (٧٨) (٤) .

стр. 4521

فأمر الله تعالى نبيه صلي الله عليه وسلم – والأمر له أمر لأمته معه – أن يقيم الصلاة لدلوك الشمس أي من زوالها عند منتصف النهار إلي غسق الليل وهو اشتداد ظلمته، وذلك عند منتصفه ثم فصل فقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) أي صلاة الفجر وعبر عنها بالقرآن لأنه يطول فيها. واشتمل قوله تعالى: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) . أوقات صلوات أربع هي: الظهر والعصر، وهما صلاتان نهاريتان في النصف الأخير من النهار. والمغرب والعشاء، وهما صلاتان ليليتان في النصف الأول من الليل. أما وقت الفجر ففصله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) وعلم تعيين الوقت من إضافته إلي الفجر وهو تبين ضوء الشمس في الأفق. وإنما جمع الله تعالى الأوقات الأربع دون فصل لأن أوقاتها متصل بعضها ببعض فلا يخرج وقت الصلاة منها إلا بدخول التالية، وفصل وقت الفجر لأنه لا يتصل بوقت قبله ولا بعده فإن بينه وبين وقت صلاة العشاء نصف الليل الأخير، وبينه وبين صلاة الظهر نصف النهار الأول كما يتبين ذلك من السنة إن شاء الله تعالى. وأما في سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص – ﵄ – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لن يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس،ووقت صلاة المغرب ما لم يغيب الشفق، ووقت العشاء إلي نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس " (١) وفي رواية: وقت العشاء إلي نصف

стр. 4522

الليل " ولم يقيده بالأوسط. وله من حديث أبي موسى الأشعري- ﵁ – عن الرسول صلي الله عليه وسلم أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئاً قال: فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً ثم أمره (يعني أمر بلال كما في رواية النسائي) فأقام بالظهر حين زالت الشمس. والقائل يقول: قد انتصف النهار وهو كان أعلم منهم ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت (وفي رواية النسائي غربت) ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت. ثم أخر الظهر حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس ثم أخر المغرب حتى سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل فقال: " الوقت بين هذين " (١) فاتضح بهذه الآية الكريمة والسنة النبوية القولية والفعلية بيان أوقات الصلوات الخمس بياناً كافياً على النحو التالي: وقت صلاة الظهر من زوال الشمس- وهو تجاوزها وسط السماء إلي أن يصير ظل كل شئ مثله ابتداء من الظل الذي زالت عليه الشمس. وقت صلاة العصر من كون ظل الشيء مثله إلي أن تصفر الشمس أو تحمر. ويمتد وقت الضرورة إلي الغروب لحديث إبي هريرة – رضي الله

стр. 4523

عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (١) .متفق عليه وقت صلاة المغرب من غروب الشمس إلي مغيب الشفق وهو الحمرة. وقت صلاة العشاء الآخرة من مغيب الشفق إلي نصف الليل. ولا يمتد وقتها ألي طلوع الفجر لنه خلاف ظاهر القرآن وصريح السنة حيث قال الله تعالي (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) (٢) ولم يقل إلي طلوع الفجر. وصرحت السنة بأن وقت صلاة العشاء ينتهي بنصف الليل كما رأيت في حديث عبد الله بن عمرو ﵄. وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني- وهو البياض المعترض في الأفق الشرقي الذي ليس بعده ظلمة – إلي طلوع الشمس. وهذه المواقيت المحددة إنما تكون في مكان يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة سواء تساوى الليل والنهار أم زاد أحدهما على الآخر زيادة قليلة أو كثيرة. أما المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرون ساعة فلا يخلو: إما أن يكون ذلك مطرداً في سائر العام، أو في أيام قليلة منه. فإن كان في أيام قليلة منه مثل أن يكون المكان يتخلله الليل

стр. 4524

والنهار في أربع عشرون ساعة طيلة فصول السنة، لكن في بعض الفصول يكون فيه أربعاً وعشرين ساعة أو أكثر والنهار كذلك، ففي هذه الحالة إما أن يكون في الأفق ظاهرة حية يمكن بها تحديد الوقت كابتداء زيادة النور مثلاً أو انطماسه بالكلية، فيعلق الحكم بتلك الظاهرة، وإما أن لا يكون فيه ذلك فتقدر أوقات الصلاة بقدرها في آخر يوم قبل استمرار الليل في الأربع والعشرين ساعة أو النهار. فإذا قدرنا أن الليل كان قبل أن يستمر عشرين ساعة، والنهار فيما بقي من الأربع والعشرين، جعلنا الليل المستمر عشرين ساعة فقط. والباقي نهاراً واتبعنا فيه ما سبق في تحدي أوقات الصلوات. إما إذا كان المكان لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة طيلة العام في الفصول كلها فإنه يحدد لأوقات الصلاة بقدرها لما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان – ﵁ – أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر الدجال الذي يكون في آخر الزمان فسألوه عن لبثه في الأرض فقال: " أربعون يوماً،يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم " قالوا: يا رسول الله فذلك اليوم كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: " لا، اقدروا له قدره " (١) فإذا ثبت أن المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار يقدر له قدره فماذا نقدره؟ يري بعض العلماء، أنه يقدر بالزمن المعتدل، فيقدر الليل باثنتي عشرة ساعة وكذلك النهار، لأنه لما تعذر اعتبار هذا المكان بنفسه اعتبر بالمكان المتوسط، كالمستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز.

стр. 4525

ويري آخرون أنه يقدر بأقرب البلاد إلي هذا المكان مما يحدث فيه ليل ونهار في أثناء العام، لأنه لما تعذر اعتباره بنفسه اعتبر بأقرب الأماكن شبهاً به وهو أقرب البلاد إليه التي يتخللها الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة. وهذا القول أرجح لأنه أقوى تعليلاً وأقرب إلي الواقع. والله أعلم.

стр. 4526

الفصل الثاني وجوب فعل الصلاة في وقتها وحكم تقديمها في أوله أو تأخيرها عنه يجب فعل الصلاة جميعها في وقتها المحدد لها لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (:١٠٣) (١) .أي فرضاً ذا وقت. ولقوله تعالي " (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (٧٨) . (٢) . والأمر للوجوب. وعن عبد الله بن عمر- ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر يوماً فقال " من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة،وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف " (٣) . قال المنذري: رواه أحمد بإسناد جيد. فلا يجوز للمسلم أن يقدم الصلاة كلها أو بعضها قبل دخول وقتها، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى والاستهزاء بآياته. فإن فعل ذلك معذوراً بجهل أو نسيان أو غفلة فلا إثم عليه، وله أجر ما عمل، وتجب عليه الصلاة إذا دخل وقتها، لأن دخول الوقت هو وقت الأمر فإذا أتى بها قبله لم تقبل منه ولن تبرأ بها ذمته لقول النبي

стр. 4527

صلي الله عليه وسلم " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (١) . أي: مردود. رواه مسلم عن عائشة ﵂، ولا يجوز للمسلم أن يؤخر الصلاة وقتها، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالي والاستهزاء بآياته، فإن فعل ذلك بدون عذر فهو آثم وصلاته مردودة غير مقبولة ولا مبرئه لذمته، لحديث عائشة السابق، وعليه أن يتوب إلي الله تعالى ويصلح عمله فيما استقبل من حياته. وأن أخر الصلاة عن وقتها لعذر من نوم أو نسيان، أوشغل ظن أن يبيح له تأخيرها عن وقتها فإنه يصليها متى زال ذلك العذر لحديث أنس بن مالك – ﵁ – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " (٢) . وفي رواية: " من نسي صلاة أو نام عنها ".متفق عليه. وإذا تعددت الصلوات التي فاتته بعذر فإنه يصليها مرتبة من حين زوال عذره ولا يؤخرها إلي نظيرها من الأيام التالية لحديث جابر بن عبد الله – ﵄ – أن النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة الخندق توضأ بعدما غربت الشمس فصلى العصر ثم صلى بعدها المغرب (٣) . متفق عليه. وعن أبي سعيد الخدري – ﵁ – قال: حسبنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل قال: فدعا رسول الله صلي الله عليه وسلم بلالاً فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها

стр. 4528

ثم أمره فأقام الصلاة للمغرب فصلاها كذلك. (١) . رواه أحمد. وفي هذا الحديث دليل على أن الفائتة تصلى كما تصلى في الوقت ويؤيده حديث أبي قتادة – ﵁ – في قصة نومهم مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قال: ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم (٢) .الحديث رواه مسلم. وعلى هذا فإذا صلى بالنهار صلاة فائتة من صلاة الليل جهر فيها بالقراءة، وإذا صلى في الليل فائتة من صلاة النهار أسر فيها بالقراءة كما يدل على الأول حديث أبي قتادة، وعلى الثاني حديث أبي سعيد. وإذا صلى الفوائت غير مرتبة لعذر فلا حرج عليه، فإذا جهل أن عليه صلاة فائتة فصلى ما بعدها ثم علم بالفائتة صلاها ولن يعد التي بعدها، وإذا نسي الصلاة الفائتة فصلى ما بعدها ثم ذكر الفائتة صلاها ولم يعد التي بعدها لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (٣) . قال أهل العلم: وإذا كان عليه فائتة فذكرها أوعلم بها عند خروج وقت الحاضرة صلى الحاضرة أولاً، ثم صلى الفائتة لئلا يخرج وقت الحاضرة قبل أن يصليها فتكون الصلاتين كلتهما فائتتين. والأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها، لأن هذا هو فعل النبي صلي الله عليه وسلم وهو أسبق إلي الخير، وأسرع في إبراء الذمة.

стр. 4529

ففي صحيح البخاري عن أبي برزة الأسلمي- ﵁ – أنه سئل كيف كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلى المكتوبة؟ قال: كان يصلى الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس. وفي رواية: إذا زالت الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلي رحله في أقصى المدينة والشمس حية. ونسيت ما قال في المغرب – لكن روى مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب (١) ، ومن حديث رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله (٢) . وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ويقرأ بالستين إلي المئة (٣) . وله من حديث أنس: كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلي العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه. زفي رواية: كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب منا إلي قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة (٤)

стр. 4530

ولهما من حديث جابر- ﵁ – أن النبي صلي الله عليه وسلم يصلي صلاة العشاء أحياناً وأحياناً، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، والصبح كانوا أو كان النبي صلي الله عليه وسلم يصليها بغلس (١) . وفي صحيح البخاري عن عائشة – ﵂ – قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلي الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلي بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس (٢) . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر – ﵄ – قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلي الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فذكر الحديث وفيه: " ولولا أن يثقل على أنتي لصليت بهم هذه الساعة، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلي " (٣) . وفي صحيح البخاري عن أبي ذر الغفاري – ﵁ قال كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقال النبي صلي الله عليه وسلم " أبرد " ثم أراد أن يؤذن فقال له " أبرد " حتى رأينا فيء التلول ". وفي رواية حتى ساوى الظل التلول. فقال النبي صلي الله عليه وسلم " إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة " (٤) .

стр. 4531

ففي هذه الأحاديث دليل على أن السنة المبادرة بالصلاة في أول وقتها سوى صلاتين: الأولى: صلاة الظهر في شدة الحر فتؤخر حتى يبرد الوقت وتمتد الأفياء. الثانية: صلاة العشاء الآخرة فتؤخر إلي ما بعد ثلث الليل إلا أن يحصل في ذلك مشقة فيراعى حال المأمومين إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤوا أخر.

стр. 4532

الفصل الثالث فيما يدرك به الوقت وما يترتب على ذلك يدرك الوقت بإدراك ركعة،بمعني أن الإنسان إذا أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة فقد أدرك تلك الصلاة لحديث أبي هريرة ﵁ -أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (١) . متفق عليه وفي رواية: " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (٢) . وفي رواية البخاري: " إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته " (٣) .فدلت هذه الروايات بمنطوقها على أن من أدرك ركعة من الوقت بسجدتيها فقد أدرك الوقت، ودلت بمفهومها على أن من أدرك أقل من ركعة لم يكن مدركاً للوقت. ويترتب على هذا الإدراك أمران: أحدهما: إنه إذا أدرك من الصلاة ركعة في الوقت صارت الصلاة كلها أداء، ولكن لا يعني ذلك أنه يجوز له أن يؤخر بعض الصلاة

стр. 4533

عن الوقت، لأنه يجب فعل الصلاة جميعها في الوقت. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك – ﵁ – قال: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول:" تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر فيها إلا قليلاً " (١) . الأمر الثاني: إنه إذا أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة وجبت عليه سواء كان ذلك من أول الوقت أم من آخره. مثال ذلك من أوله: أن تحيض امرأة بعد غروب الشمس بمقدار ركعة فأكثر ولم تصل المغرب، فقد وجبت عليها صلاة المغرب حينئذ فيجب عليها قضاؤها إذا طهرت. ومثال ذلك آخره: أن تطهر امرأة من الحيض قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة فأكثر، فتجب عليها صلاة الفجر. فإذا حاضت بعد غروب الشمس بأقل من مقدار ركعة أو طهرت قبيل طلوع الشمس بأقل من ركعة لم تجب عليها صلاة المغرب في المسألة الأولي ولا صلاة الفجر في المسألة الثانية،لأن الإدراك فيها أقل من مقدار ركعة.

стр. 4534

الفصل الرابع في حكم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما سبق في الفصل الثاني بيان وجوب فعل كل صلاة في وقتها المحدد لها وهذا هو الأصل، لكن إذا وجدت حالات تستدعي الجمع بين الصلاتين أبيح الجمع، بل كان مطلوباً ومحبوباً 'لي الله تعالى لموافقته لقاعدة الدين الإسلامي التي أشار الله تعالى إليها بقوله " (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (١) . وقوله (ِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٢) . وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " إن الدين يسر ولن يشاد أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا " (٣) . وفي الصحيحين عن أبي موسى أن النبي صلي الله عليه وسلم قال حين بعثه ومعاذاً إلي اليمن: " يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا " (٤) . وفي رواية لمسلم عن أبي موسى ﵁ قال: كان النبي

стр. 4535

صلي الله عليه وسلم إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره قال: " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " (١) .وفيهما عن أنس – ﵁ – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " يسروا ولا تعسروا وبشروا (وفي رواية: سكنوا) ولا تنفروا " (٢) . إذا تبين هذا فقد وردت السنة بالجمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء في وقت إحداهما في عدة مواضع: الأول: في السفر سائراً أو نازلاً: ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك – ﵁ – قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر (٣) . وفي صحيح مسلم عنه قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول العصر فيجمع بينهما (٤) . وفيه أيضاً عن ابن عباس – ﵄ – أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء (٥) . وفيه عن معاذ بن جبل – ﵁ – قال: خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب

стр. 4536

والعشاء جميعاً (١) . وفي صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة –﵁ – حين أتي النبي صلي الله عليه وسلم وهو في الأبطح بمكة في الهاجرة (أي وقت الظهر) قال: فخرج بلال فنادى بالصلاة، ثم دخل فأخرج فضل وضوء رسول الله صلي الله عليه وسلم فوقع الناس عليه يأخذون منه، ثم دخل فأخرج العنزة وخرج النبي صلي الله عليه وسلم (أي من قبة كان فيها أدم) كأني أنظر إلي بياض ساقيه فركز العنزة ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين. (٢) . وظاهر هذه الأحاديث أنه كان يجمع بين الصلاتين وهو نازل، فإما أن يكون ذلك لبيان الجواز، أو أن ثمة حاجة إلي الجمع، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يجمع في حجته حين كان نازلاً بمنى، وعلى هذا فنقول: الأفضل للمسافر النازل أن لا يجمع، وأن جمع فلا بأس إلا أن يكون في حاجة إلي الجمع إما لشدة تعبه ليستريح، أو لمشقة طلب الماء عليه لكل وقت ونحو ذلك فإن الأفضل له الجمع واتباع الرخصة. وأما المسافر السائر فلأفضل له الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء – حسب الأيسر له – إما جمع تقديم يقد الثانية في وقت الأولي، وإما جمع تأخير يؤخر الأولي إلي وقت الثانية. ففي الصحيحين عن أنس بن مالك – ﵁ – قال: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس – أي تزول – أخر الظهر إلي وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل

стр. 4537

صلى الظهر ثم ركب (١) . وذكر في فتح الباري أن إسحاق بن راهويه روى هذا الحديث عن شبابة فقال: كان إذا في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل. قال: وأعل بتفرد إسحاق به شبابة، ثم تفرد جعفر الغريابي به عن إسحاق قال: وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان (٢) . الثاني: عند الحاجة إلي الجمع بحيث يكون في تركه حرج ومشقة سواء كان ذلك في الحضر أم في السفر. لما رواه مسلم عن ابن عباس – ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر فقيل لم فعل ذلك؟ قال: " كي لا يحرج أمته " (٣) . وروي عن معاذ بن جبل – ﵁ – قال: جمع رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك بن الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل ما حمله على ذلك؟ قال: " أراد أن لا يحرج أمته " (٤) . ففي هذين الحديثين دليل على أنه كلما دعت الحاجة إلي لجمع بين الصلاتين وكان في تركه حرج ومشقة فهو جائز سواء كان ذلك في

стр. 4538

حضر أو في سفر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فالأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة، وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى، ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج كالمستحاضة وأمثال ذلك من الصور" اهـ. ونقل في الإنصاف عنه أي عن شيخ الإسلام ابن تيمية جواز الجمع لتحصيل الجماعة إذا كانت لا تحصل له لو صلى في الوقت، قلت: ودليل ذلك ظاهر من حديث ابن عباس حيث دل على جواز الجمع للمطر وما ذلك إلا لتحصيل الجماعة لأنه يمكن لكل واحد أن يصلي في الوقت منفرداً ويسلم من مشقة المطر بدون جمع. الموضوع الثالث: الجمع في عرفة ومزدلفة أيام الحج: ففي صحيح مسلم من حديث جابر –﵁ – في صفة حج النبي صلي الله عليه وسلم قال: فأجاز رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتي بطن الوادي فخطب الناس، قال: ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً (١) . وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد وكان رديف النبي صلي الله عليه وسلم من عرفة إلي المزدلفة قال: فنزل الشعب فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له: الصلاة أمامك " فركب فلما جاء

стр. 4539

المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئاً (١) . وفي حديث جابر الذي رواه مسلم أنه صلى في المزدلفة المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين (٢) . ففي هذين الحديثين أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع في عرفة بين الظهر والعصر جمع تقديم، وجمع في مزدلفة بين المغرب والعشاء جمع تأخير. وإنما أفردنا ذكرهما لأن العلماء اختلفوا في علة الجمع فيهما: فقيل: السفر وفيه نظر، لان النبي صلي الله عليه وسلم لم يجمع في منى قبل عرفة ولا حين رجع منها. وقيل: النسك، وفيه أيضاً إذ لو كان كذلك لجمع النبي صلي الله عليه وسلم من حين أحرم، وقيل: المصلحة والحاجة وهو الأقرب فجمع عرفة لمصلحة طول زمن الوقوف والدعاء،ولأن الناس يتفرقون في الموقف فإن اجتمعوا للصلاة شق عليهم، وإن صلوا متفرقين فاتت مصلحة كثرة الجمع. أما في مزدلفة فهم أحوج إلي الجمع، لأن الناس يدفعون من عرفة بعد الغروب فلو حبسوا لصلاة المغرب فيها لصلوها من غير خشوع ولو أوقفوا لصلاتها في الطريق لكان ذلك أشق فكانت الحاجة داعية إلي تأخير المغرب لتجمع مع العشاء هناك. وهذا عين الصواب والمصلحة لجمعه بين المحافظة على

стр. 4540

الخشوع في الصلاة ومراعاة أحوال العباد. ... فسبحان الحكيم الرحيم، ونسأله تعالى أن يهب لنا من لدنه رحمة وحكمة إنه هو الوهاب،والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد خير المخلوقات، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان مدى الأوقات.

стр. 4541

فصل قال فضيلة الشيخ - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً: من أهم شروط الصلاة الطهارة من الحدث والنجس وقد ذكرها الله تعالى في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه) (١) . فالوضوء تطهير الأعضاء الأربعة: غسل الوجه ومنه المضمضة والاستنشاق، غسل اليدين إلي المرفقين، مسح الرأس ومنه الأذنان، وغسل الرجلين إلي الكعبين، هذا الوضوء وهذا هو الواجب فيه، أما الأكمل فهو أن تسمي الله، والتسمية على الوضوء سنة إن فعلها الإنسان فهو أكمل وأفضل، وإن تركها فوضوءه صحيح لاسيما إذا كان ناسياً، ثم اغسل كفيك ثلاث مرات، ثم تمضمض واستنشق ثلاث مرات بثلاث غرفات، أو بست غرفات يكون المضمضة ثلاثة غرفات والاستنشاق ثلاث غرفات، ثم اغسل وجهك طولاً من منابت الشعر إلي أسفل اللحية، وما استرسل من اللحية فإنه داخل غسل الوجه،ومن الأذن إلي الأذن عرضاً، يجب عليك أن تغسل كل ذلك لأنه داخل في الوجه، ويجب عليك بعد هذا أن تغسل اليدين من أطراف الأصابع إلي المرفقين، والمرفقان داخلان في الغسل فيجب عليك أن تغسل

стр. 4542

المرفقين حتى تشرع في العضدين، لأن أبا هريرة ﵁ توضأ حتى أشرع في العضد، وقال رأيت النبي صلي الله عليه وسلم يتوضأ. ثم تمسح رأسك بيديك ابتداء من المقدم إلي أن تصل إلي المؤخرة ثم ترجع إلي المقدم مرة ثانية، ثم تمسح الأذنين تدخل السبابتين في صماخي الأذنين وتمسح بإبهاميهما ظاهر الأذنين، والأفضل ألا تأخذ للأذنين ماءً جديداً لأن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه أخذ ماءً جديداً للأذنين وقد قال صلي الله عليه وسلم " الأذنان من الرأس " (١) .، ثم بعد ذلك تغسل الرجلين إلي الكعبين والكعبان داخلان في الغسل، والسنة أن تثلث في غسل الكفين وغسل الوجه والمضمضة والاستنشاق وفي غسل اليدين إلي المرفقين، وفي غسل الرجلين إلي الكعبين، أما الرأس فلا ينبغي أن تثلث فيه لأن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يثلث في الرأس، وإذا كان الإنسان لابساً الشراب أو الكنادر فإنه إذا لبسهما على طهارة يمسح عليهما بدلاً عن غسل الرجلين ثلاث ليال بلياليها إن كان مسافراً، ويوماً وليلة إن كان مقيماً، والمسح يكون من أطراف الأصابع إلي الساق، بشرط ألا يكون عليه جنابة فإن كان عليه جنابة فلابد أن يخلعهما ويغسل رجليه كما يغسل سائر جسده، واعلم أن ابتداء المدة من أول مسحة يمسحها الإنسان بعد الحدث، وليس من اللبس، ولا من الحدث بعد اللبس، فإذا تطهر ولبس خفيه لصلاة الفجر وأحدث في الضحى ولم يمسحهما إلا لصلاة الظهر فإن ابتداء المدة يكون من مسحهما لصلاة الظهر، لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول: " يمسح المقيم "، ويكون المسح إلا بتحققه فعلاً،

стр. 4543

وكذلك إذا كان في الإنسان جرح أو كسر ووضع عليه خرقة بقدر الحاجة فإنه يمسحها بدلاً عن الغسل سواء كان في الجنابة أو الحدث الأصغر، ولا يشترط أن يلبسها على طهارة بخلاف الخف فإنه لابد أن يلبسه على طهارة وذلك لأن الحديث الوارد عن الرسول صلي الله عليه وسلم ي الجبيرة ليس فيه اشتراط أن يلبسها على طهارة، ويمسح الجبيرة مادامت عليه، ولا يحتاج إذا مسح عليها أن يتيمم معها، وذلك لأن المسح قائم مقام الغسل عند الضرورة، وفي آخر الآية الكريمة ذكر الله تعالي أن الإنسان إن كان مريضاً يعني مرضاً يضره معه استعمال الماء، أو كان مسافراً يعني يثقله حمل الماء فإنه في هذه الحال يتيمم، والتيمم هو ضرب الأرض باليدين ثم مسح الوجه والكفين بعضهما ببعض، ويسمى عند العامة العفور لأن الإنسان يعفر وجهه بالتراب تعبداً لله ، واعلم أيها الأخ المسلم أن التيمم ينوب مناب الماء عند عدمه، وأنه مطهر طهارة كاملة حتى يجد الإنسان الماء،لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " (١) .والطهور ما يتطهر به وكذلك قال الله تعالى لما ذكر التيمم قال " (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (٢) فإذا تيممت لصلاة الفجر مثلاً وبقيت طهارتك إلي صلاة الظهر فإنك تصلي الظهر فإنك تصلى الظهر بتيمم الفجر ولا حرج عليك في ذلك ما دمت لم تنقض طهارتك وكذلك إذا تيممت لصلاة الظهر فلك أن تصلى العصر بذلك التيمم مادامت طهارتك باقية، لأن الله تعالى جعل التيمم مطهراً، فإذا كان مطهراً فإنه رافع الحدث، ولكن رفعه

стр. 4544

للحدث مؤقت بزوال موجبه وهو فقد الماء أو المرض، فإذا وجد الإنسان الماء وجب عليه أن يستعمل الماء وإذا برئ من المرض وجب عليه استعمال الماء، وإذا قدر أن رجلاً كان مسافراً وأصابته جنابة وليس معه ماء فإنه يتيمم عن الجنابة ويصلى ولا يعيد التيمم عن الجنابة مرة ثانية عند الصلاة الثانية أو الثالثة لأن تيممه الول عن الجنابة رفع الجنابة، ولكن يتيمم إن طرأ عليه حدث أصغر، يتيمم للحدث الأصغر، ثم إذا وجد الماء أو وصل إليه في البلد وجب عليه أن يغتسل من الجنابة التي أصابته في السفر ويتيمم لها لقول النبي صلي الله عليه وسلم: " الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته " (١) . هذه هي الطهارة من الأحداث وهي شرط للصلاة لا تصح إلا بها، فلو صلى المحدث بغير وضوء ناسياً أو صلى من عليه جنابة بغير غسل ناسياً وجب عليه إعادة الصلاة لأن شرط لا يسقط بالنسيان.

стр. 4545

ستر العورة

стр. 4546

١٦٧) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة بالثياب البيضاء الشفافة وتحتها سراويل قصيرة لا تواري إلا الجزء اليسير من الفخذ والبشرة ظاهرة منها بوضوح تام ؟ فأجاب بقوله: إذا لبس المرء سروالاً قصيراً لا يغطي ما بين السرة والركبة، ولبس فوقه ثوباً شفافاً فإنه في الحقيقة لم يستر عورته، لأن الستر لابد فيه التغطية، بحيث لا يتبين لون الجلد من وراء الساتر، وقد قال الله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (١) .وقال صلي الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه وسلم في الثوب" إن كان ضيقاً فأتزر به وإن كان واسعاً فالتحف به" (٢) . وأجمع العلماء على أن من صلى عرياناً وهو يقدر على ستر عورته فإن صلاته لا تصح. وعلى هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بهذه الملابس أن يلبسوا سروالاً يستر ما بين السرة والركبة، أو يلبسوا ثوباً صفيقاً لا يشف عن العورة لكي يقوموا بأمر الله تعالى: ((يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) . * * * ١٦٨) سئل فضيلته: عن حكم الصلاة في الثياب الشفافة ؟ فأجاب بقوله: الجواب على هذا السؤال وهو ما يفعله بعض الناس أثناء الصيف من لبس الثياب الخفيفة وتحتها سراويل قصيرة لا

стр. 4547

تصل إلي الركبة، أن هذا حرام، ولا تجوز الصلاة به، لأن من شرط صحة الصلاة أن يستر الإنسان ما بين سرته وركبته، فإذا كان السروال قصيراً لا يستر ما بين السرة والركبة، والثوب خفيفاً يتبين لون البشرة من ورائه، فإنه حينئذ لا يكون ساتراً لعورته التي يجب سترها، فإنه لو صلى مهما صلى تكون صلاته باطلة، وعلى هذا فعلى إخواننا إما أن يغيروا السروال إلي سروال طويل يستر ما بين السرة والركبة، أو يلبسوا ثياباً صفيقة لا تشف عن البشرة، والله الموفق. * * * ١٦٩) سئل فضيلة الشيخ: كثير من الناس يصلون بثياب خفيفة تصف البشرة ويلبسون تحت هذه الثياب سراويل قصيرة لا تتجاوز منتصف الفخد فيشاهد منتصف الفخذ من وراء الثوب، فما حكم صلاة هؤلاء ؟ فأجاب فضيلته بقوله: حكم صلاة هؤلاء حكم من صلى بغير ثوب سوى السراويل القصيرة، لأن الثياب الشفافة التي تصف البشرة غير ساترة ووجودها كعدمها، وبناء على ذلك فإن صلاتهم غير صحيحة على أصح قولي العلماء وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ وذلك لأنه يجب على المصلي من الرجال أن يستر ما بين السرة والركبة وهذا أدنى ما يحصل به امتثال قول الله : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (١) . فالواجب عليهم أحد أمرين: إما أن يلبسوا سراويل تستر ما بين السرة والركبة، وإما أن يلبسوا فوق هذه السراويل القصيرة ثوباً صفيقاً لا يصف البشرة.

стр. 4548

وهذا الفعل الذي ذكر في السؤال خطأ وخطير فعليهم أن يتوبوا إلي الله تعالى منه، وأن يحرصوا على إكمال ستر ما يجب ستره في صلاتهم. نسأل الله تعالى لنا ولإخواننا المسلمين الهداية والتوفيق لما يحبه ويرضاه إنه جواد كريم. حرر في ٥ رمضان ١٤٠٨ هـ. * * * ١٧٠) وسئل فضيلة الشيخ:- حفظه الله تعالى - هل الفخذ عورة ؟ فأجاب بقوله: هذه المسألة مختلف فيها:فمن أهل العلم من يرى أن الفخذ ليس بعورة بالنسبة للرجل، وأنه لا يجب على الرجل ستره وظاهر كلامهم الإطلاق في الصلاة وغيرها، ومنهم من يرى أن الفخذ عورة في الصلاة وغير الصلاة، والأحاديث في ذلك: إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة، ولذلك قال البخاري ﵀: إن حديث أنس يعني انكشاف فخد النبي صلي الله عليه وسلم الله ﵊ وسلم الله ﵊ الصلاة والسلام وسلم الله ﵊ الصلاة والسلام الصلاة والسلام وسلم الله ﵊ الصلاة والسلام الصلاة والسلام الصلاة والسلام وسلم الله وسلم أسند وحديث جرهد أحوط (١) . فكأن البخاري ﵀ يقول الأحاديث الصحيحة تدل على أن الفخذ ليس بعورة، لأنه بدا من النبي صلي الله عليه وسلم الله، والنبي صلي الله عليه وسلم أشد الناس حياءً، ولو كان الفخذ عورة ما كشفه الرسول ﵊، لكن في حديث علي بن أبي طالب قول النبي صلي الله عليه وسلم: " إن الفخذ عورة " (٢) . وقوله:"لا تكشف فخدك ولا تنظر إلي فخذ حي ولا ميت" (٣) . ولكن هذه الأحاديث ضعيفة والذي يظهر لي أن الفخذ

стр. 4549

ليس بعورة إلا إذا خيف من بروزه فتنة فإنه يجب ستره كأفخاذ الشباب. * * * ١٧١) وسئل فضيلة الشيخ:- حفظه الله تعالى - بعض الناس يقول: إن الصلاة في الفنيلة العلاقية لا تجوز فهل هذا صحيح ؟ فأجاب قائلاً: هذا ليس صحيح، لأن عورة الرجل ما بين سرته وركبته في الصلاة، فصدره وظهره وكتفه ليس من العورة، وقد صح عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه صلى ووضع رداءه على المشجب وصلى بإزار، وأنكر عليه بعض الناس لم فعلت هذا؟ قال: " فعلته ليراه أحمق مثلك " (١) وهذا دليل على أن مثل هذا جائز، لكن الأفضل أن يستر منكبيه لقول النبي صلي الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: " لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " (٢) . فهذا أفضل، أما أنها لا تصح الصلاة فليس بصحيح. وكلمة " شيء " في الحديث نكرة في سياق النفي فتعم الشيء ولو كان يسيراً. * * * ١٧٢) وسئل فضيلته: عن عورة المرأة أمام المرأة ؟ فأجاب بقوله: لا أعلم في عورة المرأة أمام المرأة تفصيلاً،

стр. 4550

وظاهر القرآن أنها تبدي للمرأة ما تبديه لمحارمها، وذكر فقهاؤنا ﵏ أنه يجوز للمرأة أن تنظر من المرأة جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة ودليلهم في ذلك ما رواه مسلم عن حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" لا ينظر الرجل إلي عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلي عورة المرأة " (١) . * * * ١٧٣ وسئل فضيلة الشيخ:- أعلى الله درجته - ما قولكم في حدود عورة المرأة مع المرأة ؟ فأجاب بقوله: عورة المرأة مع المرأة، كعورة الرجل مع الرجل أي ما بين السرة والركبة، ولكن هذا لا يعني أن النساء يلبسن أمام النساء ثياباً قصيرة لا تستر إلا ما بين السرة والركبة فإن هذا لا يقله أحد من أهل العلم، ولكن معنى ذلك أن المرأة إذا كان عليها ثياب واسعة فضفاضة طويلة ثم حصل لها أن خرج شيء من ساقها أو من نحرها أو ما أشبه ذلك أمام الأخرى فإن هذا ليس فيه إثم، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن لباس النساء في عهد النبي صلي الله عليه وسلم الله عليه وسلم كان ساتراً من الكف (كف اليد) إلي كعب الرجل، ومن المعلوم أنه لو فتح للنساء الباب في تقصير الثياب للزم من ذلك محاذير متعددة، وتدهور الوضع إلي أن تقوم النساء بلباس بعيد عن اللباس الإسلامي شبيه بلباس الكفار. * * * ١٧٤ وسئل فضيلة الشيخ:- حفظه الله تعالى -: عن حكم لبس

стр. 4551

المرأة الثوب القصير أمام النساء؟ وعن حدود عورة المرأة عند المرأة؟ فأجاب قائلاً: لا يجوز للمرأة أن تلبس ثوباً قصيراً، اللهم إلا إذا كانت في بيتها وليس في بيتها سوى زوجها، وأما مع الناس فلا يحل لها أن تلبس الثوب القصير أأو الضيق، أو الشفاف الذي يصف ما وراءه، لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" صنفان من أهل النار لم أرهما " وذكر: "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها " (١) .فإذا كانت المرأة تلبس القصير، أو الضيق، أو الشفاف الذي ترى من ورائه البشرة فهي في الحقيقة كاسية عارية، كاسية من حيث أن عليها كسوة، وعارية من حيث أن الكسوة لم تفدها شيئاً. وحدود عورة المرأة عند المرأة ما بين السرة والركبة، فالساق والنحر والرقبة ليس بعورة بالنسبة لنظر المرأة للمرأة، ولكن لا يعني ذلك أننا نجوز للمرأة أن تلبس ثياباً لا تستر إلا ما بين السرة والركبة، ولكن فيما لو أن امرأة خرج ساقها لسبب وأختها تنظر إليها وعليها ثوب سابغ، أو خرج شيء من رقبتها أو من نحرها وأختها تنظر فلا بأس بذلك، فيجب أن نعرف الفرق بين العورة وبين اللباس، اللباس لابد أن يكون سابغاً بالنسبة للمرأة، أما العورة للمرأة مع المرأة فهي ما بين السرة والركبة. * * * ١٧٥ وسئل فضيلة الشيخ:- عن حكم كشف عورة المرأة للرجل عند الحاجة لذلك حال العلاج، وكذلك عورة الرجل

стр. 4552

للمرأة؟ وإذا كان لا يوجد إلا طبيبة نصرانية وطبيب مسلم؟ فأجاب بقوله: كشف عورة الرجل للمرأة والمرأة للرجل عند الحاجة لذلك حال العلاج لا بأس به بشرطين: الشرط الأول: أن تؤمن الفتنة. الشرط الثاني: أن لا يكون هناك خلوة. والطبيبة النصرانية المأمونة أولي في علاج المرأة من الرجل المسلم، لأنها من جنسها بخلاف الرجل. والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين. * * * ١٧٦ وسئل فضيلة الشيخ:- رعاه الله تعالى - هل صوت المرأة عورة ؟ فأحاب قائلاً: من تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها تدل على أن صوت المرأة ليس بعورة، بل بعضها على ذلك بأدنى نظر: فمن ذلك قوله تعالى يخاطب نساء النبي صلي الله عليه وسلم: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (١) . فإن النهي عن الخضوع بالقول، وإباحة القول المعروف يدل على أن صوتها ليس بعورة إذ لو كان عورة لكان مطلق القول منها منكراً، ولم يكن منها قول معروف، ولكان تخصيص النهي بالخضوع عديم الفائدة. وأما السنة فالأدلة على ذلك كثيرة، فالنساء اللاتي يأتين إلي النبي صلي الله عليه وسلم يخاطبنه بحضور الرجال ولا ينهاهن، ولا يأمر الرجال بالقيام ولو كان الصوت عورة لكان سماعه منكراً ووجب أحد الأمرين، لأن النبي

стр. 4553

صلي الله عليه وسلم لا يقر منكر. وقد صرح فقهاؤنا الحنابلة بأن صوت المرأة ليس بعورة، انظر شرح المنتهى ٣/١١ وشرح الإقناع ٣/٨ ط مقبل. وغاية المنتهى ٣/٨ والفروع ٥/١٥٧. وأما قول النبي صلي الله عليه وسلم: " إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفق النساء " (١) . فهذا مقيد في الصلاة، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون مع الرجال أو في بيت لا يحضرها إلا النساء أو محارم، والعلم عند الله تعالى. * * * ١٧٧ وسئل فضيلة الشيخ:- أعلى الله درجته -: عن عورة المرأة مع المرأة ؟ فأجاب بقوله: عورة المرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة، لأن هذا هو الموضع الذي نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن النظر إليه، ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " لا ينظر الرجل إلي عورة الرجل، ولا المرأة إلي عورة المرأة " (٢) ، ولكن يجب أن نعرف أن النظر شيء وأن اللباس شيء. فأما النظر فقد علم حكمه من هذا الحديث أنه لا يجوز النظر للعورة. وأما اللباس فلا يجوز للمرأة أن تلبس لباساً لا يستر إلا العورة وهي ما بين السرة والركبة، ولا أظن أحداً يبيح للمرأة أن تخرج إلي

стр. 4554

النساء كاشفة صدرها وبطنها فوق السرة وساقها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٢/١٤٦ مجموع الفتاوى حين الكلام على قول النبي صلي الله عليه وسلم كاسيات عاريات: بأن تكتسي ما لا يسترها فهي كاسية وهي في الحقيقة عارية، مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك، وإنما كسوة المرأة ما يسترها ولا يبدي جسمها ولا حجم أعضائها لكونه كثيفاً واسعاً. اهـ. وعلى هذا ففائدة الحديث أنه لو كانت المرأة تعمل في بيتها، أو ترضع ولدها ونحو ذلك فظهر ثديها، أو شيء من ذراعها، أو عضدها أو أعلي صدرها فلا بأس بذلك، ولا يمكن أن يراد به أن تلبس عند النساء لباساً يستر العورة فقط، وليست العلة في منع اللباس القصير هي التشبه، وإنما العلة الفتنة ولهذا لو لبست ثوباً لا يلبسه إلا الكافرات كان حراماً وإن كان ساتراً. وإذا قيل تشبه بالكفار فلا يعني ذلك أن لا نستعمل شيئاً من صنائعهم فإن ذلك لا يقوله أحد، وقد كان الناس في عهد النبي صلي الله عليه وسلم وبعده يلبسون ما يصنعه الكفار من اللباس، ويستعملون ما يصنعونه من الأواني. والتشبه بالكفار هو التشبه بلباسهم، وحلاهم، وعاداتهم الخاصة، وليس معناه أن لا نركب ما يركبون، أو لا نلبس ما يلبسون، لكن إذا كانوا يركبون على صفة معينة خاصة بهم فلا نركب على هذه الصفة، وإذا كانوا يفصلون الثياب على صفة معينة خاصة بهم فلا نفصل على هذا التفصيل، وإن كنا نركب مثل السيارة التي يركبونها، ونفصل من نوع النسيج الذي يفصلون منه. حرر في ٢٥/٢/١٤٠٩ هـ. * * *

стр. 4555

١٧٨ وسئل فضيلة الشيخ:- عن حكم لبس المرأة اللباس الذي فيه فتحات أمامية وجانبية وخلفية مما يكشف عن جزء من الساق، وحجة هؤلاء أنهن بين النساء فقط ؟ فأجاب قائلاً: الذي أري أن المرأة يجب أن تستتر بلباس ساتر، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن النساء في عهد النبي صلي الله عليه وسلم كن يلبسن القمص اللاتي تصل إلي الكعبين في القدمين، وإلي الكفين في اليدين، ولا شك أن الفتحات التي أشار إليها السائل تبدي الساق وربما يتطور الأمر حتى يبدو ما فوق الساق، والواجب على المرأة تحتشم وأن تلبس كل ما يكون أقرب إلي سترها لئلا تدخل في قول النبي صلي الله عليه وسلم " صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا " (١) . * * * ١٧٩ وسئل عن حكم لبس القصير مما يسمح بظهور جزء من الساق فهو أعلى من الكعبين ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال يفهم جوابه مما سبق وأن المرأة كلما كان عليها ثوب ضاف فهو أستر لها وأقرب إلي الحشمة وأبعد من الفتنة. * * *
следующие страницы →