← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

أصابتها نجاسة إلا بعد صلاته، أو كان عالماً بذلك قبل أن يصلي ولم يذكر إلا بعد فراغه من صلاته فإن الصلاة صحيحة، وليس عليه إعادة لهذه الصلاة، وذلك لأنه ارتكب ذلك المحظور جاهلاً أو ناسياً وقد قال الله ﵎: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (١) فقال الله تعالى: ((قد فعلت)) ، ورسول الله ﷺ صلى ذات يوم في تعليه وكان فيهما أذى فلما كان في أثناء الصلاة أخبره جبريل بذلك فخلعهما رسول الله ﷺ وهو يصلي (٢) ولم يستأنف الصلاة فدل هذا على أن من علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فإنه يزيلها ولو في أثناء الصلاة ويستمر في صلاته إذا كان يمكنه أن يبقى مستور العورة بعد إزالتها، وكذلك من نسي وذكر في أثناء الصلاة فإنه يزيل هذا الثوب النجس إذا كان يبقي عليه ما يستر عورته، وأما إذا فرغ من صلاته ثم ذكر بعد أن فرغ، أو علم بعد أن فرغ من صلاته، فإنه لا إعادة عليه، وصلاته صحيحة، بخلاف الرجل الذي يصلي وهو ناسي أن يتوضأ مثل أن يكون قد أحدث ونسي أن يتوضأ، ثم صلى وذكر بعد فراغه من الصلاة أنه لم يتوضأ، فإنه يجب عليه الوضوء وإعادة الصلاة، وكذلك لو كان عليه جنابة ولم يعلم بها، مثل أن يكون قد احتلم في الليل وصلى الصبح بدون غسل جهلاً منه، ولما كان من النهار رأي في ثوبه منياً من نومه، فإنه يجب عليه أن يغتسل وأن يعيد ما صلى. والفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى – أعني مسألة النجاسة – أن النجاسة من باب ترك المحظور، وأما الوضوء والغسل فهو من باب

стр. 4587

فعل المأمور، وفعل المأمور أمر إيجادي لابد أن يقوم به الإنسان، ولا تتم العبادة إلا بوجوده، أما إزالة النجاسة فهي أمر عدمي لا تتم الصلاة إلا بعدمه، فإذا وجد في حال الصلاة نسياناً أو جهلاً فإنه لا يضر، لأنه لم يفوت شيء يطلب حصوله في صلاته. والله أعلم. * * * وسئل فضيلة الشيخ: عن إنسان في البر وليس عنده ماء وثيابه نجسه وليس عنده ما يستر به عورته سواه هل يصلي في الثوب النجس أو يصلي عريان؟ فأجاب بقوله: إذا لم يكن عنده إلا ثوب نجس وليس عنده ماء يطهره به فإنه يلزمه أن يصلي بهذا الثوب، ليواري سواته لقدرته على ذلك وصلاته صحيحه، ولا إعادة عليه لعجزه عن إزالة النجاسة التي على ثوبه، وقد قال الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١) . وهذا قد اتقى الله ما استطاع فيكون قائماً بما أمر الله به، والقائم بما أمر الله به لا يلزمه الإعادة، وقول الأصحاب إنه يلزمه أن يصلي به ويعيد قول ضعيف، وأضعف منه قول بعض العلماء أن يصلي عرياناً، لأنه قادر على السترة. والله أعلم. * * * سئل فضيلة الشيخ: عن الغترة والشماخ إذا جعلهما الإنسان خلفه هل يعد ذلك من كف الثوب المنهي عنه؟ فأجاب بقوله: الذي أرى أنه لا يعد من كف الثوب المنهي عنه

стр. 4588

لأن هذه من صفات لبس الغترة والشماغ فهي كالثوب القصير كمه، والعمامة الملوية على الرأس. * * * سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حديث: ((أمرت ألا أكف ثوباً)) هل صحيح؟ وما معناه؟ فأجاب قائلاً: هذا الحديث صحيح (١) ، والمراد أنه لا يكف الثوب في حال الصلاة، فإن الذي ينبغي للمصلي أن يبقي ثيابه على حالها، ولا يكفها رفعاً عن الأرض، ولا يكف أكمامه أيضاً، لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً " (٢) . والله أعلم. * * * سئل فضيلة الشيخ: إذا كان الثوب نازلاً عن الكعبين فهل تصح الصلاة فيه؟ فأجاب بقوله: إذا كان الثوب نازلاً عن الكعبين فإنه محرم لقول النبي صلي الله عليه وسلم:" ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" (٣) . وما قاله النبي صلي الله عليه وسلم في الإزار فإنه يكون في غيره. وعلى هذا يحب على الإنسان أن يرفع ثوبه وغيره من لباسه عما تحت كعبيه، وإذا صلى وهو نازل تحت الكعبين فقد اختلف أهل

стр. 4589

العلم في صحته: فمنهم من يرى أن صلاته صحيحه، لأن الرجل قد قام بالواجب وهو ستر العورة. ومنهم من يرى أن صلاته ليست بصحيحه، وذلك لأنه ستر عورته بثوب محرم، وجعل هؤلاء من شروط الستر أن يكون الثوب مباحاً، فالإنسان على خطر إذا صلى في ثياب مسبلة فعليه أن يتقي الله ، وأن يرفع ثيابه حتى تكون فوق كعبيه. * * * سئل فضيلة الشيخ: عن رجل يجعل ثيابه تحت الكعبين ولكن ليس بقصد الخيلاء والكبر فهل عليه وزر في ذلك؟ فأجاب بقوله: عليك وزر إذا نزل ثوبك أو سراويلك إلى ما تحت الكعبين لقول النبي ﷺ ((ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)) (١) ولم يقيده بالخيلاء. * * * سئل فضيلة الشيخ: هل تبطل صلاة المسبل؟ فأجاب بقوله: الصحيح أنها لا تبطل صلاته، ولكنه آثم معرض نفسه للعذاب، فإن كان مسبلاً خيلاء فإن عقوبته ألا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكيه، وله عذاب أليم، وإن كان قد نزل إزاره إلي ما تحت الكعب من غير خيلاء فإنه يعذب " ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" (٢) ولهذا كان إنزال الثوب والسروال والمشلح إلي ما تحت

стр. 4590

الكعبين حراماً بكل حال، لكن عقوبته فيما إذا جره خيلاء أعظم مما إذا كان غير خيلاء، وهو من كبائر الذنوب لورود الوعيد عليه. * * * ٢٢٣ وسئل فضيلته: عن عقوبة الإسبال إذا قصد به الخيلاء ؟ وعقوبته إذا لم يقصد به الخيلاء؟ وكيف يجاب من احتج أبي بكر ﵁؟ فأجاب بقوله: إسبال الإزار إذا قصد به الخيلاء فعقوبته أن لا ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة، ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم. وأما إذا لم يقصد به الخيلاء فعقوبته أن يعذب ما نزل من الكعبين بالنار، لأن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)) (١) . وقال ﷺ ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) (٢) . فهذا فيمن جر ثوبه خيلاء. وأما من لم يقصد الخيلاء ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)) (٣) . ولم يقيد ذلك بالخيلاء، ولا يصح أن يقيد بها يناء على الحديث الذي قبله، لأن أيا سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((أزره المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج - أو قال -:

стр. 4591

لا جناح عليه فما بينه وبين الكعبين، وما كان أسف من ذلك فهو في النار، ومن جر بطراً لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) (١) . رواه مالك، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حيان في صحيحه ذكره في كتبا الترغيب والترهيب في الترغيب في القميص ص ٨٨ ج ٣. ولأن العملين مختلفان، والعقوبتين مختلفتان، ومتى اختلف الحكم والسبب امتنع حمل المطلق على المقيد، لما يلزم على ذلك من التناقض. وأما من أحتج علينا بحديث أبي بكر – رضى الله عنه – فنقول له ليس لك حجة فيه من وجهين: الوجه الأول: أن أبا بكر رضى الله عنه قال: ((إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه..)) (٢) فهو رضى الله عنه لم يرخ ثوبه اختياراً منه، بل كان ذلك يسترخي، ومع ذلك فهو يتعاهده، والذين يسبلون ويزعمون أنهم لم يقصدوا الخيلاء يرخون ثيابهم عن قصد، فنقول لهم: إن قدتم إنزال ثيابكم إلى أسفل من الكعبين بدون قصد الخيلاء عذبتم على ما نزل فقط بالنار، وإن جررتم ثيابكم خيلاء عذبتم بما هو أعظم من ذلكم، لا يكلمكم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليكم، ولا يزكيكم، ولكم عذاب أليم. الوجه الثاني: أن أبا بكر رضى الله عنه زكاه النبي ﷺ وشهد له أنه ليس ممن يصنع خيلاء، فهل نال أحد من هؤلاء تلك التزكية

стр. 4592

والشهادة؟ ولكن الشيطان يفتح لبعض الناس اتباع المتشابه من نصوص الكتاب والسنة ليبرر لهم ما كانوا يعملون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، نسأل الله لنا الهداية والعافية. حرر في ٢٩/٦/١٣٩٩ هـ. * * * ٢٢٤ وسئل فضيلته: عن حكم الإسبال ؟ فأجاب بقوله: إسبال الثوب على نوعين: أحدهما: أن يكون خيلاء وفخراً فهذا من كبائر الذنوب وعقوبته عظيمة، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) (١) . وعن أبي ذر الغفاري رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)) قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: ((المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف والكذب)) (٢) . فهذا النوع هو الإسبال المقرون بالخيلاء، وفيه هذا الوعيد الشديد أن الله لا ينظر إلى فاعله، ولا يكلمه، ولا يزكيه يوم القيامة وله عذاب أليم. وهذا العموم في حديث أبي ذر رضى الله عنه مخصص بحديث ابن عمر رضى الله عنهما فيكون الوعيد فيه على من فعل ذلك خيلاء لاتحاد العمل والعقوبة في الحديثين. النوع الثاني من الإسبال: أن يكون لغير الخيلاء، فهذا حرام

стр. 4593

ويخشى أن يكون من الكبائر، لأن النبي ﷺ توعد فيه بالنار، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)) (١) . ولا يمكن أن يكون هذا الحديث مخصصاً بحديث أبن عمر رضى الله عنهما، لأن العقوبة مختلفة، ويدل لذلك حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((أزرة المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج، أو قال: لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك فهو في النار، ومن جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه)) (٢) . رواه مالك، وأبو دواد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه. ففرق النبي ﷺ بين من جر ثوبه خيلاء ومن كان إزاره أسفل من كعبيه. لكن إن كان السروال ينزل عن الكعبين بدون قصد وهو يتعاهده ويرفعه فلا حرج، ففي حديث ابن عمر السابق أن أبا بكر رضى الله عنه قال: يا رسول الله: إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي ﷺ (لست ممن يصنعه خيلاء) (٣) . رواه البخاري. * * * ٢٢٥ وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للخياط أن يفصل للرجال ثياباً تنزل عن الكعبين ؟ فأجاب بقوله: لا يحل لصاحب محل الخياطة أن يفصل للرجال ثياباً تنزل عن الكعبين، لأن إسبال الثياب عن الكعبين من كبائر الذنوب

стр. 4594

فقد صح عن النبي ﷺ : (أن ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)) (١) . وهذا وعيد وتحذير، وكل ذنب فيه وعيد فإنه من الكبائر، ومن فصل للرجال ثياباً تنزل عن الكعبين فقد شاركهم في هذه الكبيرة وله منها نصيب من ذلك، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ٢) . سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير (٢) ؟ وحكم اقتناء الصور؟ وحكم الصور التي تمثل الوجه وأعلى الجسم؟ فأجاب - حفظه الله - بقوله: التصوير نوعان: أحدهما: تصوير باليد. والثاني: تصوير بالآلة. فأما التصوير باليد فحرام، بل هو كبيرة من كبائر الذنوب، لأن النبي ﷺ لعن فاعله، ولا فرق بين أن يكون للصورة ظل أو تكون مجرد رسم على القول الراجح لعموم الحديث، وإذا كان التصوير هذا من الكبائر، فتمكين الإنسان غيره أن يصور نفسه إعانة على الإثم والعدوان فلا يحل. وأما التصوير بالآلة وهي (الكاميرا) التي تنطبع الصورة بواسطتها

стр. 4595

من غير أن يكون للمصور فيها أثر بتخطيط الصورة وملامحها فهذه موضع خلاف بين المتأخرين: فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها، فمن نظر إلى لفظ الحديث منع، لأن التقاط الصورة بالآلة داخل في التصوير، ولولا عمل الإنسان بالآلة بالتحريك والترتيب وتحميض الصورة لم تلتقط الصورة، ومن نظر إلى المعنى والعلة أجازها، لأن العلة هي مضاهاة خلق الله، والتقاط الصورة بالآلة ليس مضاهاة لخلق الله، بل هو نقل للصورة التي خلقها الله تعالى نفسها فهو ناقل لخلق الله لا مضاه له، قالوا ويوضح ذلك: أنه لو قلد شخص كتابة شخص لكانت كتابة الثاني غير كتابة الأول بل هي مشابهة لها، ولو نقل كتابته الصورة الفوتوغرافية لكانت الصورة بالآلة الفوتوغرافية (الكاميرا) الصورة فيه هي تصوير الله نقل بواسطة آله التصوير. الإحتياط الإمتناع من ذلك، لأنه من المتشابهات، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، لكن لو احتاج إلى ذلك لأغراض معينة كإثبات الشخصية فلا بأس به، لأن الحاجة ترفع الشبهة، لأن المفسدة لم تتحقق في المشببه فكانت الحاجة رافعة لها. أما اقتناء الصور فعلى نوعين: النوع الأول: أن تكون الصورة مجسمة أي ذات جسم فاقتناؤها حرام، وقد نقل ابن العربي الإجماع عليه نقله عنه في فتح الباري ص ٣٨٨ ج ١٠ط. السلفية قال: ((وهذا الإجماع محله في غير لعب البنات كما سأذكره في باب من صور صورة)) وقد أحال في الباب المذكور على كتاب الأدب وذكره في كتاب الأدب في باب الانبساط إلى الناس ص ٥٢٧ من المجلد المذكور على حديث عائشة – رضى الله عنها – قالت: ((

стр. 4596

كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي)) (١) . قال في شرحه: ((واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب، من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وخصه بعضهم بالصغار)) . وإن المؤسف أن بعض قومنا الآن، صاروا يقتنون هذه الصور ويضعونها في مجالسهم أو مداخل بيوتهم، نزلوا بأنفسهم إلى رتبة الصبيان مع اكتساب الإثم والعصيان نسأل الله لنا ولهم الهداية. النوع الثاني: أن تكون الصورة غير مجسمة بأن تكون رقماً على شيء فهذه أقسام. القسم الأول: أن تكون معلقة على سبيل التعظيم والإجلال مثل ما يعلق من صور المملوك، والرؤساء، والوزراء، والعلماء، والوجهاء، والآباء، وكبار الإخوة ونحوها، فهذا القسم حرام لما فيه من الغلو بالمخلوق، والتشبه بعباد الأصنام والأوثان، مع أنه قد يجر إلى الشرك فيما إذا كان المعلق صورة عالم أو عابد ونحوه. القسم الثاني: أن تكون معلقة على سبيل الذكرى مثل من يعلقون صور أصحابهم وأصدقائهم في غرفهم الخاصة فهذه محرمة فيما يظهر لوجهين: الوجه الأول: أن ذلك يوجب تعلق القلب بهؤلاء الأصدقاء

стр. 4597

تعلقاً لا ينفك عنه، وهذا يؤثر تأثيراً بالغاً على محبة الله ورسوله وشرعه ويوجب تشطير المحبة بين هؤلاء الأصدقاء وما تجب محبته شرعاً، وكأن قارعاً يقرع قلبه كلما دخل غرفته. أنتبه. أنتبه. صديقك. صديقك وقد قيل: أحبب حبيبك هونا ما فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما الوجه الثاني: أنه ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي طلحة – رضى الله عنه – قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا تدخل الملائكة بيتاً في كلب ولا صورة)) (١) . وهذه عقوبة، ولا عقوبة إلا على فعل محرم. القسم الثالث: أن تكون معلقة على سبيل التجميل والزينة، فهذه محرمة أيضاً لحديث عائشة – رضى الله عنها – قالت: قدم رسول الله ﷺ هتكه وقال: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)) (٢) . قالت فجعلته وسادة أو وسادتين، رواه البخاري. والقرام / خرقة تفرش في الهودج أو يغطى بها يكون فيها رقوم ونقوش. والسهوة: بيت صغير في جانب الحجرة يجعل فيه المتاع. وعن عائشة - رضى الله عنه - أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رأها النبي ﷺ قم على الباب فلم يدخل فعرفت في وجهه الكراهية

стр. 4598

قالت: فقلت أتوب إلى الله ماذا أذنبت؟ قال: ((ما هذه النمرقة؟)) قلت: لتجلس عليها وتوسدها، فقال النبي ﷺ : ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه الصور)) (١) . رواه البخاري. النمرقة: الوسادة العريضة تصلح للإتكاء والجلوس. القسم الرابع: أن تكون ممتهنة كالصورة التي تكون في البساط والوسادة، وعلى الأواني وسماط الطعام ونحوها، فنقل النووي عن جمهور العلماء من الصحابة والتابعين جوازها، وقال: هو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة والشافعي، وهو كذلك مذهب الحنابلة. ونقل في فتح الباري – ص ٣٩١ ج ١٠ ط. السلفية – حاصل ما قيل في ذلك عن ابن العربي فقال: حاصل ما في اتخاذ الصور، أنها إن كانت ذات أجسام حرم الإجماع، وإن كانت رقماً فأربعة أقوال: الأول: يجوز مطلقاً على ظاهر قوله في حديث الباب ((إلا رقماً في ثوب)) (٢) . الثاني: المنع مطلقاً حتى الرقم. الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز قال: وهذا هو الأصح. الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقاً لم يجز. أهـ. والذي صححه هو ظاهر حديث النمرقة، والقول الرابع هو ظاهر

стр. 4599

حديث القرام، ويمكن الجمع بينهما بأن النبي ﷺ لما هتك الستر تفرقت أجزاء الصورة فلم تبق كاملة، بخلاف النمرقة فإن الصورة كانت فيها كاملة فحرم اتخاذها، وفي حديث أبي هريرة – رضى الله عنه – أن النبي ﷺ قال: ((أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي على باب البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومُر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن، ومر بالكلب فليخرج)) (١) . ففعل رسول الله ﷺ رواه أهل السنن. وفي رواية النسائي: ((إما أن تقطع رؤوسها، أو تجعل بسطاً توطأ)) . ذكر هذا الحديث في فتح الباري ص ٣٩٢ من المجلد العاشر السابق وزعم في ص ٣٩٠ أنه مؤيد للجمع الذي ذكرناه، وعندي أن في ذلك نظراً، فإن هذا الحديث ولاسيما رواية النسائي تدل على أن الصورة إذا كانت في شيء يمتهن فلا بأس بها وإن بقيت كاملة وهو رأي الجمهور كما سبق. القسم الخامس: أن تكون مما تعم به البلوى ويشق التحرز منه كالذي يوجد في المجلات والصحف وبعض الكتب ولم تكن مقصودة لمقتنيها بوجه من الوجوه بل هي مما يكرهه ويبغضه ولكن لابد له منها والتخلص منها فيه عسر ومشقة، وكذلك ما في النقود من صور الملوك والرؤساء والأمراء ممال ابتليت به الأمة الإسلامية فالذي يظهر لي أن هذا لا حرج فيه على من وقع في يده بغير قصد منه إلى اتخاذه من أجل صوره، بل هو يكرهه أشد الكراهة ويبغضه ويشق عليه التحرز منه فإن

стр. 4600

الله تعالى - لم يجعل على عباده في دينهم من حرج، ولا يكلفهم شيئاً لا يستطيعونه إلا بمشقة عظيمة أو فساد مال، ولا يصدق على مثل هذا أنه متخذ للصورة ومقتن لها. وأما سؤالكم عن الصورة التي تمثل الوجه وأعلى الجسم، فإن حديث أبي هريرة الذي أشرنا إليه يدل على أنه لابد من قطع الرأس وفصله فصلاً تاماً عن بقية الجسم، فأما إذا جمع الصدر فما هو إلا رجل جالس، بخلاف ما إذا أبين الرأس إبانة كاملة عن الجسم، ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: الصورة الرأس. وكان إذا أراد طمس الصورة حك رأسها، فإذا قطع الرأس فليس هو صورة)) . فتهاون بعض الناس في ذلك مما يجب الحذر منه. نسأل الله لنا ولكم ولإخواننا المسلمين السلامة والعافية مما لا تحمد عقباه، إنه جواد كريم. * * * سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير ؟ فأجاب بقوله: التصوير على أنواع: النوع الأول: أن يصور ما له ظل وجسم على هيئة إنسان أو حيوان، وهذا حرام ولو فعله عبئاً ولو لم يقصد المضاهاة، لأن المضاهاة لا يشترط فيها القصد، حتى لو وضع هذه التثمال لابنه لكي يدئه به. فإن قيل: أليس المحرم ما صور لتذكار قوم صالحين كما هو أصل الشرك في قوم نوح؟

стр. 4601

أجيب: أن الحديث في لعن المصورين عام، لكن إذا أنضاف إلى التصوير هذا القصد صار أشد تحريماً. النوع الثاني: أن يصور صورة ليس لها جسم بل بالتلوين والتخطيط، فهذا محرم أيضاً لعموم الحديث، ويدل له حديث النمرقة حيث أقبل النبي ﷺ إلى بيته فلما أراد أن يدخل رأي نمرقة فيها تصاوير فوقف وتأثر، وعرفت الكارهة في وجهه ﷺ فقالت عائشة – رضى الله عنها -: ما أذنبت يا رسول الله. فقال: ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)) (١) . فالصور بالتلوين كالصور بالتجسيم على الصحيح، وقوله في صحيح البخاري: ((إلا رقماً في ثوب)) (٢) . إن صحت الرواية هذه فالمراد بالاستثناء ما يحل تصويره من الأشجار ونحوها ليتفق مع الأحاديث الأخرى. النوع الثالث: أن تلتقط الصورة التقاطاً بأشعة معينة بدون أي تعديل أو تحسين من الملتقط، فهذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين على قولين: القول الأول: أنها صورة، وإذا كان كذلك فإن حركة هذا الفاعل تعتبر تصويراً إذ لولا تحريكه إياها ما انطبعت هذه الصورة على هذه الورقة، ونحن متفقون على أن هذه صورة فحركته تعتبر تصويراً، فيكون داخلاً في العموم. القول الثاني: أنها ليست بتصوير، لأن التصوير فعل المصور، وهذا الرجل ما صورها في الحقيقة وإنما التقطها بالآلة، والتصوير من

стр. 4602

صنع الله، ومثال ذلك: لو أدخلت كتاباً في آلة التصوير ثم خرج من هذه الآلة فإن رسم الحروف من الكتاب الأول، لا من المحرك بدليل أنه قد يحركها شخص أمي لا يعرف الكتابة إطلاقاً أو أعمى. وهذا القول أقرب، لأن المصور لا يعتبر مبدعاً، ومخططاً، ومضاهياً لخلق الله تعالى وليس هذا كذلك. * * * سئل فضيلة الشيخ: هل يجب إتلاف الرأس في الصور لزوال التحريم؟ أو يكفي فصله عن الجسم؟ وما حكم الصور التي في العلب والمجلات والصحف ورخص القيادة والدراهم؟ وهل تمنع من دخول الملائكة ؟ فأجاب بقوله: إذا فصل الرأس عن الجسم فظاهر الحديث: ((مر برأس التمثال فليقطع)) (١) أنه لا يجب إتلاف الرأس، لأنه لم يذكر في الحديث إتلافه وإن كان في ذلك شيء من التردد. وأما الجسم بلا رأس فهو كالشجرة لا شك في جوازه. أما بالنسبة لما يوجد في العلب والمجلات والصحف من الصور: فما يمكن التحرز منه فالورع تركه، وأما ما لا يمكن التحرز منه، والصورة فيه غير مقصودة، فالظاهر أن التحريم يرتفع فيه بناء على القاعدة الشرعية (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) . والمشقة تجلب التيسير، والبعد عنه أولى. وكذلك بالنسبة لما يوجد في رخص القيادة وحفائظ النفوس،

стр. 4603

والشهادات والدراهم، فهو ضرورة لا إثم فيه، ولا يمنع ذلك من دخول الملائكة. وأما قوله ﷺ : ((وأن لا تدع صورة إلا طمستها)) (١) ففيه احتمال قوي، أن المراد كل صورة مقصودة اتخذت لذاتها لاسيما في أوقاتهم، فلا تجد صورة في الغالب إلا مقصودة لذاتها. ولا ريب أن الصور المقصودة لا يجوز اقتناؤها كالصور التي تتخذ للذكرى، أو للتمتع بالنظر إليها، أو للتلذذ بها ونحو ذلك. * * * وسئل جزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء: عن حكم صنع التماثيل ؟ فأجاب قائلاً: صنع التماثيل المجسمة إن كانت من ذوات الأرواح فهي محرمة لا تجوز، لأن النبي ﷺ ثبت عنه أنه لعن المصورين، وثبت أيضاً عنه أنه قال: ((قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي)) (٢) . وهذا محرم. أما إذا كانت التماثيل ليست من ذوات الأرواح، فإنه لا بأس بها وكسبها حلال، لأنها من العمل المباح. والله الموفق. * * *

стр. 4604

وسئل فضيلته: عن حكم رسم ذوات الأرواح وهل هو داخل في عموم الحديث القدسي ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذره، أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة)) ؟ فأجاب قائلا ً: نعم هو داخل في هذا الحديث، لكن الخلق خلقان: خلق جسمي وصفي وهذا في الصور المجسمة، وخلق وصفي لا جسمي وهذا في الصور المرسومة. وكلاهما يدخل في الحديث المتقدم فإن خلق الصفة كخلق الجسم، وإن كان الجسم أعظم، لأنه جمع بين الأمرين الخلق الخسمي والخلق الوصفي، ويدل على ذلك - أي العموم - وأن التصوير محرم باليد سواء كان تجسيماً أم كان تلويناً عموم لعن النبي ﷺ للمصورين فعموم لعن النبي ﷺ يدل على أنه لا فرق بين الصور المجسمة والملونة التي لا يحصل التصوير فيها إلا بالتلوين فقط، ثم إن هذا هو الأحوط. والأولى بالمؤمن أن يكون بعيداً عن الشبه. ولكن قد يقول قائل: أليس الأحوط في اتباع ما دل عليه النص لا في اتباع الأشد؟ فنقول: صحيح إن الأحوط اتباع ما دل عليه النص لا اتباع الأشد، لكن إذا وجد لفظ عام يمكن أن يتناول هذا وهذا فالأحوط الأخذ بعمومه، وهذا ينطبق تماماً على حديث التصوير، فلا يجوز للإنسان أن يرسم صورة ما فيه روح من إنسان وغيره، لنه داخل في لعن المصورين. والله الموفق. * * * وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير الفوتوغرافي ؟

стр. 4605

فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: الصور الفوتوغرافية الذي نرى فيها، أن هذه الآلة التي تخرج الصورة فوراً، وليس للإنسان في الصورة أي عمل، نرى أن هذا ليس من باب التصوير، وإنما هو من باب نقل صورة صورها الله بواسطة هذه الآلة، فهي انطباع لا فعل للعبد فيه من حيث التصوير، والأحاديث الواردة إنما هي في التصوير الذي يكون بفعل العبد ويضاهي به خلق الله، ويتبين لك ذلك جيداً بما لو كتب لك شخص رسالة فصورتها في الآلة الفوتوغرافية، فإن هذه الصورة التي تخرج ليست هي من فعل الذي أدار الآلة وحركها، فإن هذا الذي حرك الآلة بما يكون لا يعرف الكتابة أصلاً، والناس يعرفون أن هذا كتابة الأول، والثاني ليس له أي فعل فيها، ولكن إذا صور هذا التصوير الفوتوغرافي لغرض محرم، فإنه يكن كراماً تحريم الوسائل. * * * ٢٣٢ وسئل أيضاً: عن حكم التصوير؟ وكيف يفعل من طلب منه التصوير في الامتحان؟ وما حكم مشاهدة الصور التي في المجلات والتلفزيون ؟ فأجاب بقوله: سؤالكم عن التصوير، فالتصوير نوعان: أحدهما: أن يكون تصوير غير ذوات الأرواح كالجبال والأنهار والشمس، والقمر، والأشجار فلا بأس به عند أكثر أهل العلم، وخالف بعضهم فمنع تصوير ما يثمر كالشجر والزروع ونحوها، والصواب قول الأكثر. الثاني: أن يكون تصوير ذوات الأرواح وهذا على قسمين:

стр. 4606

القسم الأول: أن يكون باليد فلا شك في تحريمه وأنه من كبائر الذنوب، لما ورد فيه من الوعيد الشديد مثل حديث ابن عباس رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً فتعذبه في جهنم)) (١) . رواه مسلم. وحديث أبي جحيفة رضى الله عنه أن النبي ﷺ : ((لعن آكل الربا، وموكله، والواشمة، والمستوشمة، والمصور)) (٢) ، رواه البخاري. وحديث عائشة – رضى الله عنها – عن النبي ﷺ قال: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)) (٣) . رواه البخاري ومسلم، وفي واية مسلم: ((الذين يشبهون بخلق الله)) . وحديث أبي هريرة رضى الله عنه قال سمعت النبي ﷺ يقول: ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة)) (٤) . رواه البخاري ومسلم. والتصوير المذكور ينطبق على التصوير باليد بأن يخطط الإنسان الصورة بيده حتى يكلمها فتكون مثل الصورة التي خلق الله تعالى، لأنه حاول أن يبدع كإبداع الله تعالى، ويخلق كخلقه وإن لم يقصد المشابهة لكن الحكم إذا علق على وصف تعلق به، فمتى وجد الوصف وجد الحكم، والمصور إذا صنع الصورة تحققت المشابهة بصنعه وإن لم ينوها، والمصور في الغالب لا يخلو من نية المضاهاة، ولذلك تجده يفخر بصنعه كلما كانت الصورة أجود وأتقن.

стр. 4607

وبهذا تعرف سقوط ما يموه به بعض من يستسيغ التصوير من أن المصور لا يريد مشابهة خلق الله، لأننا نقول له: المشابهة حصلت بمجرد صنعك شئت أم أبيت. ولهذا لو عمل شخص عملاً يشبه عمل شخص آخر لقنا نحن وجميع الناس: إن عمل هذا يشبه عمل ذاك وإن كان هذا العامل لم يقصد المشابهة. القسم الثاني: أن يكون تصوير ذوات الأرواح بغير اليد، مثل التصوير بالكاميرا التي تنقل الصور التي خلقها الله تعالى على ما هي عليه، من غير أن يكون للمصور عمل في تخطيطها سوى تحرك الآلة التي تنطبع بها الصورة على الورقة، فهذا محل نظر واجتهاد، لأنه لم يكن معروفاً على عهد النبي ﷺ ، وعهد الخفاء الراشدين، والسلف الصالح، ومن ثم اختلف فيه العلماء المتأخرون: فمنهم من منعه، وجعله داخلاً فيما نهي عنه نظراً لعموم اللفظ له عرفاً. ومنهم من أحله نظراً للمعنى، فإن التصوير بالكاميرا لم يحصل فيه من المصور أي عمل يشابه به خلق الله تعالى، وإنما انطبع بالصورة خلق الله تعالى على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها، فإنك إذا صورة الصك فخرجت الصورة لم تكن الصورة كتابتك، بل كتابة من كتب الصك انطبعت على الورقة بواسطة الآلة، فهذا الوجه أو الجسم المصور ليست هيئته وصورته وما خلق الله فيه من العينين، والأنف، والشفتين، والصدر، والقدمين وغيرها، ليست هذه الهيئة والصورة بتصويرك أو تخطيطك بل الآلة نقلتها على ما خلقها الله تعالى عليه وصورها، بل زعم أصحاب هذا القول أن التصوير بالكاميرا لا يتناوله

стр. 4608

لفظ الحديث كما لا يتناوله معناه، فقد قال في القاموس: الصورة الشكل قال: وصور الشيء قطعه وفضله. قالوا وليس في التصوير بالكاميرا تشكيل ولا تفصيل، وإنما هو نقل شكل وتفصيل شكله وفصله الله تعالى، قالوا: والأصل في الأعمال غير التعبدية الحل إلا ما أتي الشرع بتحريمه كما قيل: والأصل في الأشياء حل وأمنع عبادةً إلا بإذن الشارع فإن يقع في الحكم شك فأرجع للأصل في النوعين قم أتبع والقول بتحريم التصوير بالكاميرا أحوط، والقول بحله أقعد لكن القول بالحل مشروط بأن لا يتضمن أمراً محرماً فإن تضمن أمراً محرماً كتصوير امرأة أجنبية، أو شخص ليعلقه في حجرته تذكاراً له، أو يحفظه فيما يسمونه (ألبوم) ، ليتمتع بالنظر إليه وذكراه، كان ذلك محرماً لأن اتخاذ الصور واقتناءها في غير ما يمتهن حرام عند أهل العلم أو أكثرهم، كما دلت على ذلك السنة الصحيحة. ولا فرق في حكم التصوير بين ما له ظل وهو المجسم، وما لا ظل له لعموم الأدلة في ذلك وعدم المخصص. ولا فرق أيضاً في ذلك بين ما يصور لعباً ولهواً وما يصور على السبورة لترسيخ المعنى في أفهام الطلبة كما زعموا، وعلى هذا فلا يجوز للمدرس أن يرسم على السبورة صورة إنسان أو حيوان. وإن دعت الضرورة إلى رسم شيء من البدن فليصور منفرداً، بأن يصور الرجل وحدها، ثم يشرح ما يحتاج إلى شرح منها، ثم يمسحها ويصور البد كذلك ثم يمسحها، ويصور الرأس وهكذا كل جزء وحده، فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى. وأما من طلب منه التصوير في الامتحان: فليصور شجرة أو

стр. 4609

جبلاً أو نهراً، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع أني لا أظن ذلك يطلب منه إن شاء الله تعالى. وأما مشاهدة الصور في المجلات والصحف والتليفزيون: فإن كانت صور غير آدمي فلا بأس بمشاهدتها، لكن لا يقتنيها من أجل هذه الصور. وإن كانت صور آدمي: فإن كان يشاهدها تلذذاً أو استمتاعاً بالنظر فهو حرام، وإن كان غير تلذذ ولا استمتاع ولا يتحرك قلبه ولا شهوته بذلك، فإن كان ممن يحل النظر إليه كنظر الرجل إلى الرجل ونظر المرأة إلى المرأة أو إلى الرجل أيضاً على القول الراجح فلا بأس به، لكن لا يقتنيه من أجل هذه الصور، وإن كان ممن لا يحل له النظر إليه كنظر الرجل إلى المرأة الأجنبية فهذا موضع شك وتردد، والاحتياط أن لا ينظر خوفاً من الفتنة، وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، عن النبي ﷺ قال: ((لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها)) (١) . والنعت بالصورة أبلغ من النعت بالوصف إلا أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد من وجه آخر بلفظ: ((لتنعتها لزوجها)) وذكر في فتح الباري ص ٣٣٨ ج ٩ الطبعة السلفية أن النسائي زاد في روايته: ((في الثوب الواحد)) وهو مفهوم من قوله: ((لا تباشر)) ومجموع الروايات يقتضي أن الزوجة عمدت إلى مباشرة المرأة لتصف لزوجها ما تحت الثياب منها، ومن أجل هذا حصل عندنا الشك والتردد في جواز نظر الرجل إلى صورة المرأة في الصحف والمجلات والتليفزيون، والبعد عن وسائل الفتن مطلوب، والله المستعان. * * *

стр. 4610

٢٣٣ سئل فضيلة الشيخ: جاء في الفتوى السابقة فيما يتعلق بمشاهدة الصور ما نصه: ((وإن كان ممن لا يحل له النظر إليه كنظر الرجل إلى المرأة الأجنبية فهذا موضع شك وتردد والاحتياط أن لا ينظر خوفاً من الفتنة)) فهذا يفهم منه أن فضيلتكم لا يرى بأساً في نظر الرجل إلى الصورة ولو كانت صورة امرأة أجنبية فنرجو التوضيح ؟ فأجاب فضيلته: النقطة التي أشار إليها السائل وهي أنه يفهم من كلامنا أننا لا نرى بأساً في نظر الرجل إلى الصورة ولو كانت صورة امرأة أجنبية فنقول هذه النقطة فيها تفصيل: فإن كانت امرأة معينة ونظر إليها نظر تلذذ وشهوة فهذا حرام، لأن نفسه حينئذ تتعلق بها وتتبعها وربما يحصل بذلك شر وفتنة، فإن لم ينظر إليها نظر تلذذ وشهوة وإنما هي نظرة عابرة لم تحرك له ساكناً، ولم توجب له تأملاً فتحريم هذه النظر فيه نظر، فإن إلحاق نظر الصورة بنظر الحقيقة غير صحيح، لما بينهما من الفرق العظيم في التأثير، لكن الأولى البعد عنه لأنه قد يفضي إلى نظر التأمل ثم التلذذ والشهوة، ولهذا قال النبي ﷺ : ((لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها)) (١) . رواه البخاري، ورواه أحمد وأبو داود بلفظ: ((لتنعتها لزوجها)) . واللام للتعليل. وأما إن كانت الصورة لامرأة غير معينة فلا بأس بالنظر إليها إذا لم يخش من ذلك محذور شرعي. * * * ٢٣٤ ...

стр. 4611

وسئل فضيلة الشيخ: عن تهاون كثير من الناس في النظر إلى صور النساء الأجنبيات بحجة أنها صورة لا حقيقة لها؟ فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: هذا تهاون خطير جداً وذلك أن الإنسان إذا نظر للمرأة سواء كان ذلك بوساطة وسائل الإعلام المرئية، أو بواسطة الصحف أو غر ذلك، فإنه لابد أن يكون من ذلك فتنة على قلب الرجل تجره إلى أن يتعمد النظر إلى المرأة مباشرة، وهذا شيء مشاهد. ولقد بلغنا أن من الشباب من يقتني صور النساء الجميلات ليتلذذ بالنظر إليهن، أو يتمتع بالنظر إليهن، وهذا يدل على عظم الفتنة في مشاهدة هذه الصور، فلا يجوز للإنسان أن يشاهد هذه الصور، سواء كانت في مجلات أو صحف أو غير ذلك، إن كان يرى من نفسه التلذذ والتمتع بالنظر إليهن، لأن ذلك فتنة تضره في دينه، وفي اتجاهاته، ويتعلق قلبه بالنظر إلى النساء، فيبقى ينظر إليهن مباشرة. * * * سئل فضيلة الشيخ: لقد كثر عرض الصور الكبيرة والصغيرة في المحلات التجارية وهي صور إما للمثلين عالميين، أو أناس مشهورين، وذلك للتعريف بنوع أو أصناف من البضائع. وعند إنكار هذا المنكر يجيب أصحاب المحلات بأن هذه الصور غير مجسمة وهذا يعني أنها ليست محرمة، وهي ليست تقليداً لخلق الله باعتبارها بدون ظل ويقولون إنهم قد اطلعوا على فتوى لفضيلتكم بجريدة " المسلمون " مفادها أن التصوير المجسم هو المحرم وغير ذلك فلا، فنرجوا من فضيلتكم توضيح ذلك ؟

стр. 4612

فأجاب فضيلته بقوله: من نسب إلينا أن المحرم من الصور هو المجسم وأن غير ذلك غير حرام فقد كذب علينا، ونحن نرى أنه لا يجوز لبس ما فيه صورة سواء كان من لباس الصغار أو من لباس الكبار، وأنه لا يجوز اقتناء الصور للذكرى أو غيرها إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه مثل التابعية والرخصة. والله الموفق. * * *

стр. 4613

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد كثر السؤال حول ما نشر في المقابلة التي جرت بين وبين مندوب جريدة " المسلمون " يوم الجمعة ٢٩/١١/١٤١٠ هـ بالعدد ٢٨١ حول حكم التصوير " الفوتوغرافي " الفوري - الذي تخرج فيه الصورة فوراً دون تحميض - دخل في التصوير الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ولعن فاعله. وذكرت عله ذلك، ثم قلت: ولكن ينبغي أن يقال ما الغرض من هذا العمل؟ " إذا كان الغرض شيئاً مباحاً صار هذا العمل مباحاً بإباحة الغرض المقصود منه،وإن كان الغرض غير مباح صار هذا العمل حراماً، لا لأنه من التصوير، ولكن لأنه قصد به شيء حرام ". وحيث إن الذي يخاطبني رجل صحفي، ذكرت مثالاً من المحرم يتعلق بالصحافة، وهو تصوير النساء على صفحات الجرائد والمجلات، ولم استطرد بذكر الأمثلة اكتفاء بالقاعدة الآنفة الذكر، وهي أنه متى كان الغرض مباحاً كان هذا العمل مباحاً، ومتى كان الغرض غير مباح كان هذا العمل حراماً. ولكن بعض السائلين عن هذه المقابلة رغبوا في ذكر المزيد من

стр. 4614

الأمثلة للمباح والمحرم. وإجابة لرغبتهم أذكر الآن من الأمثلة المباحة: إن يقصد بهذا التصوير ما تدعو الحاجة إلى إثباته كإثبات الشخصية، والحادثة المرورية والجنائية، والتنفيذية مثل أن يطلب منه تنفيذ شيء فيقوم بهذا التصوير لإثباته. ١ – التصوير للذكرى، كتصوير الأصدقاء، وحفلات الزواج، ونحوها، لأن ذلك يستلزم اقتناء الصور بلا حاجة وهو حرام، لأنه ثبت عن النبي ﷺ أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، ومن ذلك أن يحتفظ بصورة ميت حبيب إليه كأبيه، وأمه، وأخيه يطالعها بين الحين والآخر، لأن ذلك يجدد الأحزان عليه، ويوجب تعلق قلبه بالميت. ٢ – التصوير للتمتع النفسي أو التلذذ الجنسي برؤية الصورة، لأن ذلك يجر إلى الفاحشة. والواجب على من عنده شيء من هذه الصور لهذا الأغراض، أن يقوم بإتلافها لئلا يلحقه الإثم باقتنائها. هذه أمثلة للقاعدة الآنفة الذكر، ليست على سبيل الحصر، ولكن من أعطاه الله فهماً فسوف يتمكن من تطبيق بقية الصور على هذه القاعدة. هذا والله أسأل للجميع الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى.

стр. 4615

٢٣٦ سئل فضيلة الشيخ: يحتاج بعض الطلبة إلى رسم بعض الحيوانات لغرض التعليم والدراسة فما حكم ذلك ؟ فأجاب بقوله: لا يجوز أن تصور هذه الحيوانات لأن النبي ﷺ لعن المصورين وقال: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)) (١) . وهذا يدل على أن التصوير من كبائر الذنوب، لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، والوعيد بشدة العذاب لا يكون إلا على كبيرة، ولكن من الممكن أن تصور أجزاء من الجسم كاليد والرجل وما أشبه ذلك، لأن هذه الأجزاء لا تحلها الحياة، وظاهر النصوص أن الذي يحرم ما يمكن أن تحله الحياة لقوله في بعض الأحاديث: ((كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ)) (٢) . * * * ٢٣٧ سئل فضيلة الشيخ: يطلب من الطالب في بعض المدارس أن يرسم صورة لذات روح، أو يعطي مثلاً بعض دجاجة ويقال: أكمل الباقي، وأحياناً يطلب منه أن يقص هذه الصورة ويلزقها على الورق،، أو يعطى صورة فيطلب منه تلوينها فيما رأيكم في هذا ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى ي هذا أنه حرام يجب منعه، وأن المسئولين عن التعليم يلزمهم أداء الأمانة في هذه الباب، ومنع هذه

стр. 4616

الأشياء، وإذا كانوا يريدون أن يثبتوا ذكاء الطالب، بإمكانهم أن يقولوا أصنع صورة سيارة أو شجرة، أو ما أشبه ذلك مما يحيط به علمه، ويحصل بذلك معرفة مدى ذكائه وفطنته للأمور، وهذا مما ابتلى به الناس بواسطة الشيطان، وإلا فلا فرق - بلا شك - في إجادة الرسم والتخطيط بين أن يخطط الإنسان صورة شجرة، أو سيارة، أو قصر، أو إنسان. فالذي أرى أنه يجب على المسئولين منع هذه الأشياء، وإذا ابتلي الطالب ولابد فليصور حيواناً ليس له رأس. * * * ٢٣٨ وسئل فضيلة الشيخ: قلتم - حفظكم الله - في الفتوى السابقة: ((إذا ابتلي الطالب ولابد فليصور حيواناً ليس له رأس)) ولكن قد يرسم الطالب إذا لم يرسب الرأس فما العمل ؟ فأجاب قائلاً: إذا كان هذا فقد يكون الطالب مضطراً لهذا الشيء، ويكون الإثم على من أمره وكلفه بذلك، ولكني آمل من المسئولين ألا يصل بهم الأمر إلى هذا الحد، فيضطروا عباد الله إلى معصية الله. * * * ٢٣٩ وسئل - حفظه الله -: عن حكم لبس الثياب التي فيها صورة حيوان أو إنسان ؟ فأجاب بقوله: لا يجوز للإنسان أن يلبس ثياباً فيها صورة حيوان أو إنسان، ولا يجوز أيضاً أن يلبس غترة أو شماغاً أو ما أشبه ذلك وفيه صورة إنسان أو حيوان وذلك لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن

стр. 4617

الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة)) (١) . ولهذا لا نرى لأحد أن يقتني الصور للذكرى كما يقولون، وأن من عنده صور للذكرى فإن الواجب عليه أن يتلفها، سواء كان قد وضعها على الجدار، أو وضعها في ألبوم، أو في غير ذلك، لأن بقاءها يقتضي حرمان أهل البيت من دخول الملائكة بيتهم، وهذا الحديث الذي أشرت إليه قد صح عن النبي ﷺ . والله أعلم. * * * ٢٤٠ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إلباس الصبي الثياب التي فيها صور لذوات الأرواح ؟ فأجاب قائلاً: يقول أهل العلم: إنه يحرم إلباس الصبي ما يحرم إلباسه الكبير، وما كان فيه صورة فإلباسه الكبير حرام، فيكون إلباسه الصغير حراماً أيضاً، وهو كذلك، والذي ينبغي للمسلمين أن يقاطعوا مثل هذه الثياب وهذه الأحذية حتى لا يدخل علينا أهل الشر والفساد من هذه النواحي، وهي إذا قوطعت فلن يجدوا سبيلاً إلى إيصالها إلى هذه البلاد وتهوين أمرها بينهم. * * * ٢٤١ سئل فضيلة الشيخ: هل استثناء بعض العلماء لعب الأطفال من التصوير صحيح؟ وهل قول الشيخ. .. بجواز الصورالتي ليس لها ظل وإنما هي نقوش بالألوان قول صحيح ؟

стр. 4618

فأجاب بقوله: استثناء لعب الأطفال صحيح، لكن ما هي اللعب المستثناة أهي اللعب التي كانت معهودة من قبل وليست على هذه الدقة في التصوير، فإن اللعب المعودة من قبل ليس فيها تلك العيون والشفاه والأنوف كما هو المشاهد الآن في لعب الأطفال، أم أن الرخصة عامة فيما هو لعب أطفال ولو كان على الصور المشاهدة الآن؟ هذا محل تأمل، والاحتياط تجنب هذه الصور الشائعة الآن والاقتصار على النوع المعود من قبل. وأما الصور التي ليس لها ظل وإنما هي نقوش بالألوان فإن دعوى الجواز فيها نظر حيث استند في ذلك إلى أنه كان ممنوعاً ثم أجيز، لأن من شروط النسخ تعذر إمكان الجمع بين النصين، والعلم بتأخر الناسخ، وأما مع إمكان الجمع فلا تقبل دعوى النسخ، لأن الجمع يكون فيه العمل بالدليلين، والنسخ يكون فيه إبطال أحد الدليلين، ثم إن طريق العلم بالمتأخر ليس الاستنساخ والتخمين، بل النقل المجرد هو الطريق إلى العلم بالمتأخر، ثم إن قول النبي ﷺ : ((إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة)) (١) خبر، والخبر ل يدخله النسخ إلا إذا أريد به الإنشاء وليس هذا مما أريد به الإنشاء، نعم الخبر يدخله التخصيص فينظر هل هذا الحديث مخصص بالصور التي ذكرها؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يرى أن هذا الحديث مخصص بقوله: ((إلا رقماً في ثوب)) (٢) وبحديث عائشة – رضى الله عنه - في الستر الذي فيه تمثال طائر وقد ذكر الشيخ. .. أن حديث ((إلا رقماً في ثوب)) رواه

стр. 4619

الخمسة، وقد رواه البخاري ومسلم أيضاً، ومن العلماء من يرى أن هذا الترخيص في الرقم في الثوب وتمثال الطائر كان في أول الأمر ثم نهي عنه على العكس من قول الشيخ. والذي يظهر لي أن الجمع ممكن وهو أن يحمل قوله: ((إلا رقماً في ثوب)) على ما ورد حله مما يتكأ عليه ويمتهن، فيكون الرقم في الثوب المراد به ما كان في مخدة ونحوها، لأنه الذي ورد حله، وأن زيد بن خالد ألحق به الستر ونحوه وهو إلحاق غير صحيح، لن حديث عائشة – رضى الله عنها – في السهوة صريح في المنع منه حيث هتكه النبي ﷺ وتلون من أجله وجهه. وأما حديث مسلم في تمثال الطائر فيحمل على أنه تمثال لا رأس، وعلى أن النبي ﷺ كرهه لا من أجل أنه صورة ولكن من أجل أنه من باب الترف الزائد، ولهذا قال: ((حوليه فإني كلما دخلت ورأيته ذكرت الدنيا)) (١) . ويؤيد هذا الحمل ما رواه مسلم من حديث عائشة – رضى الله عنها – قالت: إن النبي ﷺ خرج في غزاته فأخذت نمطاً فسترته على الباب، فلما قدم فرأي النمط عرفت الكراهية في وجهه فجذبته حتى هتكه أو قطعه، وقال: ((إن الله لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين)) (٢) . وعلى هذا فتكون النتيجة في هذا تحريم اقتناء الصور المجسمة، والملونة والمنقورة، والمزبورة إلا الملونة إذا كانت في شيء يمتهن كالفراش ونحوه فلا تحرم لكن الأولى التنزه عنها أيضاً لما في الصحيحين من حديث عائشة أنها اشترت نمرقة للنبي ﷺ فيها

стр. 4620

تصاوير ليقعد عليها ويتوسدها، فلما رآها قام على الباب ولم يدخل وعرفت الكراهية في وجهه ثم أخبر أن أصحاب هذه الصور يعذبون يقال: أحيوا ما خلقتم ثم قال: ((إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)) (١) . والله الموفق. * * * سئل فضيلة الشيخ: هناك أنواع كثيرة من العرائس منها ما هو مصنوع من القطن، وهو عبارة عن كيس مفصل برأس ويدين ورجلين، ومنها ما يشبه الإنسان تماماً، ومنها ما يتكلم أو يبكي أو يمشي، فما حكم صنع أو شراء مثل هذه الأنواع للبنات الصغار للتعليم والتسلية ؟ فأجاب بقوله: أما الذي لا يوجد فيه تخطيط كامل وإنما يوجد فيه شيء من الأعضاء والرأس ولكن لم تتبين فيه الخلقة فهذا لا شك في جوازه وأنه من جنس البنات اللاتي كانت عائشة - رضى الله عنها - تلعب بهن. وأما إذا كان كامل الخلقة وكأنما تشاهد إنساناً ولا سيما إن كان له حركة أو صوت فإن في نفسي من جواز هذه شيئاً، لأنه يضاهي خلق الله تماماً، والظاهر أن اللعب التي كانت عائشة تلعب بهن ليست على هذا الوصف، فاجتنابها أولى، ولكني لا أقطع بالتحريم نظراً لأن الصغار يرخص لهم ما لا يرخص للكبار في مثل هذه الأمور، فإن الصغير مجبول على اللعب والتسالي، وليس مكلفاً بشيء من العبادات حتى نقول: إن وقته يضيع عليه لهواً وعبثاً، وإذا أراد الإنسان الاحتياط في

стр. 4621

مثل هذا فليقلع الرأس أو يحميه على النار حتى يلين ثم يضغطه حتى تزول معالمه. * * * وسئل فضيلة الشيخ: هل هناك فرق بين أن يصنع الأطفال تلك اللعب وبين أن نصنعها نحن لهم أو نشتريها لهم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أنا أرى أن صنعها على وجه يضاهي خلق الله حرام، لأن هذا من التصوير الذي لا شك في تحريمه، لكن إذا جاءتنا من النصارى أو غيرهم من غير المسلمين فإن اقتناءها كما قلت أولاً. لكن بالنسبة للشراء بدلاً من أن نشتريها ينبغي أن نشتري أشياء ليست فيها صور، كالدراجات أو السيارات أو الرافعات وما أشبهها. أما مسألة القطن والذي ما تتبين له صورة على الرغم مما هناك من أنه أعضاء ورأس ورقبة ولكن ليس فيه عيون ولا أنف فما فيه بأس، لأن هذه لا يضاهي خلق الله. * * * وسئل فضيلته: عن حكم صنع ما يشبه هذه العرائس بمادة الصلصال ثم عجنها في الحال ؟ فأجاب بقوله: كل ما صنع شيئاً يضاهي خلق الله فهو داخل في الحديث، وهو لعن النبي ﷺ المصورين ظ وقوله: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)) (١) . لكن كما قلت: إنه إذا لم تكن الصورة

стр. 4622

واضحة أي ليس فيها عين أو أنف ولا فهم لا أصابع فهذه ليست صورة كاملة ولا مضاهية لخلق الله . * * * ٢٤٥ سئل فضيلة الشيخ: كثير من الألعاب تحوي صوراً مرسومة باليد لذوات الأرواح والهدف منها غالباً التعليم مثل هذه الموجودة في الكتاب الناطق فهل هي جائزة ؟ فأجاب بقوله: إذا كانت لتسلية الصغار فإن من أجاز اللعب للصغار يجيز مثل هذه الصور، على أن هذه الصور ليست - أيضاً - مطابقة للصورة التي خلق الله عليها هذه المخلوقات المصورة كما يتضح مما هو أمامي. والخطب في هذا سهل. * * * ٢٤٦ سئل فضيلة الشيخ: ما حكم صور الكرتون التي تخرج في التليفزيون؟ وما قولكم في ظهور بعض المشايخ فيه؟ وما حكم استصحاب الدراهم التي فيها صور ؟ فأجاب قائلاً: أما صور الكرتون التي ذكرتم أنها تخرج ي التليفزيون فإن كانت على شكل آدمي فحكم النظر فيها محل تردد، هل يلحق بالصور الحقيقية أو لا؟ والأقرب أنه لا يلحق بها. وإن كانت على شكل غير آدمي فلا بأس بمشاهدتها إذا لم يصحبها أمر منكر من موسيقى أو نحوها ولم تله عن واجب. وأما ظهر بعض المشايخ في التليفزيون: فهو محل اجتهاد إن أصاب الإنسان فيه فله أجران، وإن أخطأ له أجر واحد، ولا شك أن

стр. 4623

المحب للخير منهم قصد نشر العلم وأحكام الشريعة، لأن التليفزيون أبلغ وسائل الإعلام وضوحاً، وأعمها شمولاً، أشدها من الناس تعلقاً فهم يقولون إن تكلمنا في التليفزيون وإلا تكلم غيرنا، وربما كان كلام غيرنا بعيداً من الصواب، فننصح الناس، ونوصد الباب ونسد الطريق أمام من يتكلم بغير علم فيضل ويضل. وأما استصحاب الرجل ما ابتلى به المسلمون اليوم من الدراهم التي عليها صور الملوك والرؤساء فهذا أمر قديم، وقد تكلم عليه أهل العلم، ولقد كان الناس هنا يحملون الجنية الفرنجي وفيه صورة فرس وفارس، ويحملون الريال الفرنسي وفيه صورة رأس ورقية وطير. والذي نرى في هذا أنه لا إثم على ما ستصحبه لدعاء الحاجة إلى حمله إذ الإنسان لابد له من حمل شيء من الدراهم في جيبه، ومنع الناس من ذلك فيه حرج وتعسير وقد قال الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (١) . وقال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٢) . وصح عن النبي ﷺ أنه قال ((إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا)) (٣) . رواه البخاري. وقال لمعاد بن جبل وأبي موسى عند بعثهما إلى اليمن: ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)) (٤) . وقال للناس حين زجروا الأعرابي الذي بال في المسجد ك ((دعوه فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا

стр. 4624

معسرين)) (١) . رواهما البخاري أيضاً. فإذا حمل الرجل الدراهم التي فيها صورة، أو التابعية، أو الرخصة وهو محتاج إليها أو يخشى الحاجة فلا حرج في ذلك، ولا إثم - إن شاء الله تعالى - إذا كان الله تعالى يعلم أنه كاره لهذا التصوير وإقراراه وأنه لولا الحاجة إليه ما حمله. والله أسأل أن يعصمنا جميعاً والمسلمين من أن تحيط بنا خطايانا وأن يرزقنا الثبات والاستقامة على دينه، إنه جواد كريم. * * * سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إقامة مجسم لقلب الإنسان لجل التذكير بقدرة الله وعظمته ؟ فأجاب بقوله: صورة القلب أو غيره من الأجزاء ليس من الصور المحرمة، لأنه بعض صوره، وعلى هذا فيجوز رسم القلب، أو اليد، أو الرجل أو الرأس كل واحد على حدة، ولكن المشكل في السؤال صرف الأموال في مثل هذا، لأن النفع الحاصل به لا يساوي الأموال المصروفة فيه ولا يقرب منها، فجواز صرف الأموال في هذا محل نظر والسلامة أسلم. والله تعالى الموفق. * * * سئل فضيلة الشيخ: كيف نجمع بين قول النبي ﷺ : ((أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة يضاهون بخلق الله) (٢) وبين كون المشرك أشد الناس عذاباً يوم القيامة ؟

стр. 4625

فأجاب حفظه الله بقوله: ذكر في الجمع بينهما وجوه: الوجه الأول: أن الحديث على تقدير " من: أي إن من أشد الناس عذاباً، بدليل أنه قد جاء بلفظ ((إن من أشد الناس عذاباً) فيحمل ما حذفت منه على ما ثبتت فيه. الوجه الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركون بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ٤٦) (١) . فيكون الجميع مشتركين في الأشد. ولكن يرد على هذا أن المصور فاعل كبيرة فقط، فكيف يسوى بمن هو كافر مستكبر؟ الوجه الثالث: أن الأشدية نسبية يعني أن المصورين أشد الناس عذاباً بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر، لا بالنسبة لجميع الناس. وهذا أقرب الوجوه، والله أعلم (٢) . * * * وسئل: عن حكم تعليق الصور على الجدران ؟ فأجاب بقوله: تعليق الصور على الجدران ولاسيما الكبيرة منها حرام حتى وإن لم يخرج إلا بعض الجسم والرأس، وقصد التعظيم فيها ظاهر، وأصل الشرك هو هذا الغلو، كما جاء ذلك عن أبن عباس
следующие страницы →