← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

بكعب جاره لتحقق المحاذاة وتسوية الصف، فهو ليس مقصوداً لذاته لكنه مقصود لغيره كما ذكر ذلك أهل العلم، ولهذا إذا تمت الصفوف وقام الناس ينبغي لكل واحد أن يلصق كعبه بكعب صاحبه لتحقق المساواة، وليس معنى ذلك أن يلازم هذا الإلصاق ويبقى ملازماً له في جميع الصلاة. ومن الغلو في هذه المسألة ما يفعله بعض الناس من كونه يلصق كعبه بكعب صاحبه ويفتح قدميه فيما بينهما حتى يكون بينه وبين جاره في المناكب فرجة فيخالف السنة في ذلك، والمقصود أن المناكب والأكعب تتساوى. ٤٢٩ وسئل فضيلة الشيخ: بعض المصلين خوفاً من وجود فرجة بينه وبين الذي بجانبه في الصلاة يضع إصبع رجليه على من بجانبه نرجو النصيحة؟ فأجاب بقوله: بعض الناس يظنون أن معنى قول الصحابة – ﵃: "وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه" (١) أن أهم شيء أن تلزق الكعب، فتجده يلزق رجله ثم يحاول أيضاً أن يفركها؛ لأن الكعب لا يمكن يلزق في الكعب إلا إذا فركته، ولو تركها طبيعية لا يمكن. ويقول ابن حجر في فتح الباري (٢) : "إنهم يفعلون ذلك

стр. 4832

مبالغة في المراصة والتسوية" حتى يعرف الواحد منا أنه مساو لصاحبه؛ لأن الكعب هو الذي عليه البدن، فإذا تساوى الكعبان بحيث إن وضعنا كل واحد على الثاني معناه تساوينا، فهذا التساوي، والمناكب أيضاً إذا تساوت فهذا هو التساوي. لكن بعض الناس تجده يحاول أن يلصق كعبه بكعب صاحبه، وأما من فوق فبينهما فرجة؛ لأن يفتح رجليه، وبالضرورة سوف ينفتح ما بين الكتفين. والسنة هي التراص والتساوي بقدر الإمكان، وعلى وجه لا يؤذي؛ لأن التراص الذي يؤذي أيضاً لاشك أنه غير وارد شرعاً لكن التراص الذي يحصل به سد الخلل هذا هو المطلوب. واعلموا أن الصحابة كانوا يتراصون، فعن جابر بن سمرة – ﵁ – قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، أسكنوا في الصلاة". قال ثم خرج علينا فرآنا خلقاً، فقال: "مالي أراكم عزين". قال ثم خرج علينا فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف". رواه مسلم (١) . ولا شك أنه يوجد في المسجد الحرام وفي غيره صفوف الفرج فيها ظاهرة جداً، وهذا خطأ والمبالغة التي ذكرها الأخ إلى حد أن يضع رجله على رجله هي خطأ أيضاً، وإنما يتراص الناس

стр. 4833

بحيث يمس المنكب، المنكب والقدم القدم حتى يتضح الأمر من التراص والتساوي. ٤٣٠ سئل فضيلة الشيخ: ما معنى قول الرسول ﷺ : "لا يزال قوم يتأخرون عن الصلاة حتى يؤخرهم الله"؟ فأجاب بقوله: الحديث ليس كما قال السائل: "لا يزال قوم يتأخرون عن الصلاة" وإنما رأى النبي ﷺ قوماً يتأخرون في المسجد يعني: لا يتقدمون إلى الصفوف الأولى فقال: "لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله" (١) . ولا شك أيضاً أن التأخر عن الصلاة أشد من التأخر عن الصف الأول، وعلى هذا فيخشى على الإنسان إذا عود نفسه التأخر في العبادة أن يبتلى بأن يؤخره الله في جميع مواطن الخير. ٤٣١ وسئل الشيخ: هل المصافة في الصلاة والمساواة بالأكعب أو بأطراف الأصابع، وسد الخلل في الصف؟ نرجو من فضيلتكم توضيح ذلك؟ فأجاب بقوله: المساواة إنما هي بالأكعب لا بالأصابع؛ لأن الكعب هو الذي عليه اعتماد الجسم؛ حيث إنه في أسفل الساق، والساق يحمل الفخذ، والفخذ يحمل الجسم، وأما الأصابع فقد تكون رجل الرجل طويلة فتتقدم أصابع الرجل

стр. 4834

على أصابع الرجل الذي بجانبه وقد تكون قصيرة وهذا الاختلاف لا يضر، وليس التساوي بأطراف الأصابع بل بالأكعب، أكرر ذلك لأني رأيت كثيراً من الناس يجعلون مناط التسوية رؤوس الأصابع وهذا غلط. وهناك أمر آخر يخطئ فيه المأمومون كثيراً، ألا وهو تكميل الصف الأول فالأول ولاسيما في المسجدين: المسجد الحرام والمسجد النبوي، فإنهم لا يبالون أن يصلوا أوزاعاً؛ أربعة هنا، وأربعة هناك، أو عشرة هنا وعشرة هناك، أو ما أشبه ذلك، وهذا لا شك أنه خلاف السنة. والسنة إتمام الصف الأول فالأول حتى إن صلاة الرجل وحده خلف الصف والصف الذي أمامه لم يتم غير صحيحة وباطلة، ويجب عليه أن يعيدها؛ لأن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة، وقال ﷺ : "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" (١) . فإن قال قائل: إذا ذهبت إلى طرف الصف فاتتني الركعة فهل أصلي وحدي خلف الصف اغتناماً لإدراك الركعة؟ نقول: لا، اذهب إلى طرف الصف ولو فاتتك الركعة، ولو كانت الركعة الأخيرة، لعموم قول النبي ﷺ : "ما أدرتكم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (٢) ، وأنت مأمور بتكميل الصف الأول فالأول، فافعل ما أمرت به وما أدرك فصل وما فاتك فأتم. وهنا تنبيه أرجو الله أن يجد آذاناً مصغية من

стр. 4835

إخواننا الأئمة والمأمومين وهو أن قول بعض الأئمة: إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج؛ لا يصح؛ حيث إن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ . ٤٣٢ وسئل فضيلة الشيخ: هل المراد بقول الإمام: استووا واعتدلوا استقامة الصف واعتداله، أو أنه متضمن لسد الفرجات، وإلصاق القدم بالقدم، والمنكب بالمنكب؟ وما صحة الحديث الذي ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "لتسوون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (١) فنرجو التوضيح والله يحفظكم؟ فأجاب بقوله: أولاً: يجب أن نعلم أن على الإمام مسئولية تسوية الصفوف، وأن يأمر الناس بذلك، وإذا لم يمتثلوا تقدم هو بنفسه إلى من تأخر عن الصف أو تقدم ليعدله؛ لأن نبينا وإمامنا وقدوتنا محمداً رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم كان يسوي الصفوف كأنما يسوي القداح، وكان يمر بالصف يمسح المناكب والصدور، ويأمرهم بالاستواء. والأئمة اليوم لا يفعلون ذلك، ولو فعلوا لقام الناس عليهم وصاحوا بهم، ولكن سنة النبي ﷺ أحق أن تتبع. فعلى الإمام أن يعتني بتسوية الصفوف فيلتفت يميناً، ويستقبل الناس بوجهه، ويلتفت يساراً ويقول: استووا، سووا

стр. 4836

صفوفكم، لا تختلفوا قلوبكم، تراصوا، سدوا الخلل، كل هذه الكلمات وردت عن النبي ﷺ وعلى آله وسلم. وقد خرج النبي ﷺ يوماً من الأيام بعد أن عقل الناس عنه تسوية الصفوف، وصاروا يسوونها بأنفسهم، فرأى رجلاً بادياً صدره، يعني متقدماً بعض الشيء، فقال: "عباد الله لتسون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (١) . وهو حديث صحيح، وفيه وعيد شديد؛ لأن مخالفة الله بين الوجوه قيل فيها معنيان: إما أن الله يدير وجه الإنسان فيكون وجهه إلى كتفه والعياذ بالله. وإما أن المراد ليخالفن الله بين وجهات نظركم فتفترق القلوب وتختلف لقوله ﷺ : "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (٢) . وأياً كان الأمر سواء لي الرقبة حتى يكون الوجه إلى جانب البدن، أو أن المراد اختلاف القلوب، فكله وعيد شديد، ويدل على وجوب تسوية الصفوف وأنه يجب على الإمام أن يعنى بتسوية الصف، لكن لو التفت ووجد الصف مستقيماً متراصاً والناس متساوون في أماكنهم، فالظاهر أنه لا يقول لهم استووا لأنه أمر بما قد حصل إلا أن يريد اثبتوا على ذلك. لأن هذه الكلمات لها معناها، ليست كلمات تقال هكذا بلا فائدة، فالإمام إذا قال: استووا ورآهم لم يستووا، يجب أن يعيد القول وألا يكبر إلا وقد استوت الصفوف.

стр. 4837

ومما يدل على أهمية تسوية الصفوف في الصلاة أن أمير المؤمنين عمر ﵁، وكذلك عثمان ﵁ لما كثر الناس جعل وكيلاً يمر بالصوف يسويها، حتى إذا جاء وقال إنها استوت كبر (١) . وهذا يدل على عناية الشرع بتسوية الصف. فإلصاق القدم بالقدم والمنكب بالمنكب لأمرين: الأمر الأول: التسوية. الأمر الثاني: سد الفرج والخلل. كما قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : "المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله" (٢) . وبذلك يعلم خطأ من فهم من فعل الصحابة أنهم يفرجون بين أرجلهم حتى يلزق أحدهم قدمه بقدم صاحبه مع تباعد ما بين مناكبهم فإن هذا بدعة لا يحصل بها اتباع الصحابة – ﵃ – ولا يحصل بها سد الخلل. ٤٣٣ وسئل فضيلة الشيخ: إذا أقيمت الصلاة وبدأ المصلون يعتدلون للصلاة يحصل في الصف الأول مثلاً بعض الفرج، فيأتي من كان في الصف الثاني ليقف في الصف الأول وربما حجز الناس بيديه لتوسعة المكان الذي يريد الوقوف فيه، فهل يمنع أهل الصف الأول مثل هذا الداخل أم يتركونه مع أنه قد يضيق بهم المكان؟ ...

стр. 4838

فأجاب بقوله: لا يجوز لهذا الداخل أن يحجز الناس بيديه ليدخل في الفرجة التي كانوا يتهيئون لسدها؛ لأن في ذلك عدواناً على الغير والعدوان محرم. أما إذا كانت هناك فرجة كبيرة ولم يسدها من هم بالصف الأول فلا بأس حينئذ أن يتقدم هذا ويقف في ذلك الموضع بشرط أن يسعه المكان ولا يحصل بذلك ضغط على الذين يقفون في الصف الأول. ٤٣٤ وسئل فضيلة الشيخ: عن قوله ﷺ : "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" (١) فلو جاء أكثر من رجل، وأدركوا الإمام وهو راكع، ووقفوا في الصف الثاني لإدراك الركعة مع وجود فجوات من اليمين والشمال، هل نقول إن صلاتهم لا تصح وعليهم الإعادة؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا وقف اثنان خلف الصف الذي لم يتم، سواء خافوا فوات الركعة أم لم يخافوا، فصلاتهم صحيحة، لكنهم تركوا الأفضل، وهو إتمام الأول فالأول. ... وأما صلاة المنفرد خلف الصف فالقول الراجح؛ إنك إذا وجدت الصف تاماً، فلا حرج عليك أن تصلي منفرداً (٢) . وأما أيهما أفضل الصلاة عن يمين الإمام أم عن يساره؟

стр. 4839

فجوابه: إذا كان يصلي مع الإمام إلا رجل واحد فإن المأموم يقف عن يمينه ولا يقف عن يساره، لحديث ابن عباس ﵄ أنه بات عند خالته ميمونة ﵂ فقام النبي ﷺ بالليل فقام ابن عباس عن يساره فأخذه ورائه وأقامه عن يمينه، فهذا دليل على أن المأموم إذا كان واحداً فإنه يكن عن اليمين ولا يكون عن اليسار، أما إذا كان المأموم أكثر من واحد فإنه يكون خلفه ويمين الصف أفضل من يساره وهذا إذا كانا متقاربين، فإذا بعد اليمين بعداً بيناً فإن اليسار والقرب من الإمام أفضل. وعلى هذا فلا ينبغي للمأمومين أن يكونوا عن يمين الإمام حتى لا يبقى في اليسار إلا رجل أو رجلان، وذلك لأنه لما كان المشروع في حق الثلاثة أن يكون إمامهم بينهم كان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ولم يكونوا كلهم عن اليمين، فدل هذا على أن يكون الإمام متوسطاً في الصف أو مقارباً. والخلاصة: أن اليمين أفضل إذا كان متساويين أو متقاربين، وأما مع بعد اليمين فاليسار أفضل، لأنه أقرب إلى الإمام. *

стр. 4840

التكبير ومواضع رفع اليدين في الصلاة. * موضع اليدين في الصلاة. *استعمال مكبرات الصوت في الصلاة.

стр. 4841

٤٣٥ وسئل فضيلة الشيخ: هل ثبت رفع اليدين في الصلاة في غير المواضع الأربعة؟ وكذلك في صلاة الجنازة والعيدين؟ فأجاب فضيلته بقوله: المواضع الأربعة التي ترفع فيها اليدان يجب أولاً أن نعرفها وهي: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من التشهد الأول، فهذه المواضع صح بها الحديث عن رسول الله ﷺ من حديث ابن عمر – ﵄ – قال: "كان النبي ﷺ يرفع يديه إذا كبر للصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا قال سمع الله لمن حمده". قال: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" (١) . وإذا كان ابن عمر – ﵄ – الحريص على تتبع فعل الرسول ﷺ وقد تتبعه فعلاً فرآه يرفع يده في التكبير، وفي الركوع وفي الرفع منه، والقيام من التشهد الأول وقال: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" ولا يقال: إن هذا من باب المثبت والنافي، وأن من أثبت الرفع فهو مقدم على النافي في حديث ابن عمر؛ لأن حديث ابن عمر صريح بأنه تأكد من عدم الرفع، فالذي يشاهده إذا رفع للركوع والرفع من الركوع ثم يقول لا يفعل ذلك في السجود، فهل نقول إنه يمكن غفل ولم ينتبه؟ لا يمكن ذلك؛ لأنه جزم بأنه لم يفعله في السجود وجزم بأنه كان يفعله في الركوع وفي الرفع منه.

стр. 4842

٤٣٦ سئل فضيلة الشيخ: هل ورد عن النبي ﷺ أنه كان يفرق بين الفظة التكبير "الله أكبر" بزيادة مد أو نقصان في القيام أو الجلوس للتشهد الأول أو الأخير، كما تعارف عليه الناس. فإن كان لم يرد فما موقف الإمام بالنسبة للمأمومين هل يوافقهم على ما اعتادوا عليه أو يجعل ألفاظ التكبير "الله أكبر" على وتيرة واحدة؟ وما الجواب على هذه الإشكالات: ١- ما يحدث للناس من مخالفة الإمام بسبب التعود على إطالة المد خاصة عند التشهد الأول والأخير. ٢- ما يحدث للمسبوق من مخالفة الإمام. ٣- هناك من النساء من تخالف الإمام وذلك سبب عدم "مد التكبير" وغالباً يكون ذلك عند التشهد الأول أو التشهد الأخير، خاصة والنساء لا يتسنى لهن رؤية الإمام. ٤- بعض المساجد يكون فيها الصف طويلاً فلا يتسنى للمصلي رؤية الإمام. ٥- ما يحدث للأعمى في أي حالة من الحالات السابقة. كما نرجو يا فضيلة الشيخ إيضاح الأصل فيما لم يرد عن الرسول ﷺ ، وهل يتوقف فيه أو ينظر للمصلحة العامة؟ فأجاب فضيلته بقوله: لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن الصحابة فيما أعلم، ولا عن أئمة وأتباعهم التفريق بين تكبيرات الانتقال، بحيث يجعل للجلوس هيئة معينة

стр. 4843

كمد التكبير وللقيام هيئة أخرى مخالفة، ولا رأيت هذا في كتب الفقهاء – ﵏ – وغاية ما رأيت أن بعض الفقهاء استحب مد تكبير السجود من القيام والقيام من السجود حتى يستوعب التكبير ما بين الركنين القيام والقعود، ولم أجد لذلك دليلاً سوى هذا التعليل. وبناء على ذلك فإن الأولى عدم التفريق بين التكبيرات اتباعاً للسنة؛ ولأن في عدم التفريق حملاً للمأمومين على الانتباه وحضور القلب، وضبط عدد الركعات؛ لأنه يعتمد على نفسه فيكون منتبهاً وقلبه حاضراً، أما إذا كان الإمام يفرق بين التكبير فإنه يعتمد على الفرق بين التكبيرات فيسهو قلبه. وأما مشكلة النساء فإن أكثر الأوقات لا يكون في المسجد نساء، وإذا كان فيه نساء واعتدن على عدم التفريق زال عنهن الإشكال. وأما المسبوق فهو يشاهد الناس إن قاموا قام، وإن قعدوا قعد والأعمى ينبهه من كان بجانبه على أن مشكلة الأعمى قليلة ولله الحمد. وأما مخالفة بعض المأمومين للإمام إذا لم يفرق وذلك لعدم انتباههم وسهوهم فهم الذين أخلوا على أنفسهم ولو انتبهوا لعلموا أن الإمام قاعد أو قائم بدون أن يفرق بين التكبير. وأما عدم رؤية الإمام فليس من شرط إمكان المتابعة رؤية الإمام فالداخل مع الإمام يعرف ما الإمام فيه بانتباهه لا برؤية الإمام، والمسبوق يعرف ذلك بجاره ولو طال الصف. ...

стр. 4844

والأصل فيما لم يرد عن النبي ﷺ من العبادات وهيئاتها أو صفاتها الإمساك حتى يرد ذلك، والمصلحة كل المصلحة في اتباع ما ورد عن النبي ﷺ في ذلك. وأرجو من إخواني إذا عثروا على دليل من قوله أو فعله حجة في التفريق بين التكبير أن يدلوني عليه فإني لهم عليه شاكر وله منقاد إن شاء الله. والله الموفق. حرر في ١٣/٦/١٤٠٩هـ. ٤٣٧ وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول؟ فأجاب فضيلته بقوله: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول سنة. ٤٣٨ سئل فضيلة الشيخ: إذا أدرك الإنسان الإمام وهو راكع فهل يلزمه تكبيرة للإحرام وتكبيرة للركوع؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل المسبوق في الصلاة والإمام راكع فإنه يلزمه تكبيرة الإحرام وهو قائم، ثم تكبيرة الركوع إن شاء كبر وإن شاء لم يكبر، تكون تكبيرة الركوع في هذه الحال مستحبة، هكذا قال أهل العلم – ﵏.

стр. 4845

٤٣٩ سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: إذا أدرك المأموم الإمام راكعاً فهل يكبر تكبيرتين؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل الإنسان والإمام راكع ثم كبر للإحرام فليركع فوراً وتكبيره للركوع حينئذ سنة وليس بواجب، فإن كبر للركوع فهو أفضل، وإن تركه فلا حرج عليه ثم بعد ذلك لا يخلو من حالات: * الحال الأولى: أن يتيقن أنه وصل إلى الركوع قبل أن ينهض الإمام منه، فيكون حينئذ مدركاً للركعة وتسقط عنه الفاتحة في هذه الحال. * الحال الثانية: أن يتيقن أن الإمام رفع من الركوع قبل أن يصل هو إلى الركوع وحينئذ تكون الركعة قد فاتته ويلزمه قضاؤها. * الحال الثالثة: أن يتردد ويشك هل أدرك الإمام في ركوعه أو أن الإمام رفع قبل أن يدركه في الركوع وفي هذه الحال يبني على غالب ظنه فإن ترجح عنده أنه أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة وإن ترجح عنده أنه لم يدرك الإمام في الركوع فقد فاتته الركعة وفي هذه الحال إن كان قد فاته شيء من الصلاة فإنه يسجد للسهو بعد السلام وإن لم يفته شيء من الصلاة بأن كانت الركعة المشكوك فيها هي الركعة الأولى وغلب على ظنه أنه أدركها فإن سجود السهو في هذه الحال يسقط عنه لارتباط صلاته بصلاة الإمام، والإمام يتحمل سجود

стр. 4846

السهو عن المأموم إذا لم يفت المأموم شيء من الصلاة. وهناك حال أخرى في حال الشك يكون الإنسان متردداً في إدراك الإمام راكعاً بدون ترجيح، ففي هذه الحال يبني على المتيقن وهو عدم الإدراك لأنه الأصل وتكون هذه الركعة قد فاتته ويسجد للسهو قبل السلام. وهاهنا مسألة أحب أن أنبه لها في هذه المناسبة وهي أن كثيراً من الناس إذا دخل المسجد والإمام راكع صار يتنحنح بشدة وتتابع، وربما يتكلم "إن الله مع الصابرين" وربما يخبط بقديمه وكل هذا خلاف السنة، وفيه إحداث التشويش على الإمام وعلى المأمومين، ومن الناس من إذا دخل والإمام راكع أسرع إسراعاً قبيحاً، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، فقال ﷺ : "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (١) . ٤٤٠ سئل فضيلة الشيخ وفقه الله تعالى: إذا نسي المصلي أن يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام فماذا عليه؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا نسي المصلي أن يرفع يديه عند تكبير الإحرام فلا شيء عليه؛ لأن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام

стр. 4847

سنة إن فعله الإنسان كان مأجوراً وإن تركه فليس عليه شيء. ورفع اليدين يكون في أربعة مواضع: ١- عند تكبيرة الإحرام. ٢- عند الركوع. ٣- عند الرفع منه. ٤- عند القيام من التشهد الأول. وأما السجود والقيام منه فليس فيه رفع يدين. ٤٤١ وسئل فضيلته: ما حكم رفع اليدين في الصلاة؟ ومتى يكون؟ وهل يشرع رفع اليدين في صلاة الجنازة؟ فأجاب فضيلته بقوله: رفع اليدين في الصلاة له أربعة مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول. ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وله أن يرفع ثم يكبر، أو يكبر ثم يرفع. أما عند الركوع فإذا أراد أن يهوي إلى الركوع رفع يديه ثم أهوى ووضع يديه على ركبتيه. وعند الرفع من الركوع يرفع يديه عن ركبتيه رافعاً لها حتى يستوي قائماً ثم يضعهما على صدره. وفي القيام من التشهد الأول إذا قام رفع يديه إلى حذو

стр. 4848

المنكبين كما يكون كذلك عند تكبيرة الإحرام. وما عدا هذه المواضع الأربعة فإنه لا يرفع يديه. أما رفع اليدين في صلاة الجنازة فإنه مشروع في كل تكبيرة. ٤٤٢ سئل فضيلة الشيخ: هل ثبت رفع اليدين في الصلاة في غير المواضع الأربعة؟ وما الجواب عما روي أن النبي ﵊ كان يرفع يديه في كل خفض ورفع؟ فأجاب فضيلته بقوله: قال السائل رفع اليدين في غير المواضع الأربعة وهذا يحتاج إلى بيان، فالمواضع الأربعة: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من التشهد الأول فهذه المواضع صح بها الحديث عن رسول الله ﷺ من حديث ابن عمر – ﵄ (١) – أن النبي ﷺ "كان يرفع يديه إذا كبر للصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا قال سمع الله لمن حمده، وإذا قام من التشهد الأول، قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود". فهذه المواضع صح بها الحديث عن رسول الله ﷺ ، أما ما عداها فلم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه لا إذا سجد، ولا إذا قام من السجود، وعلى هذا فلا يسن للإنسان أن يرفع يديه إذا سجد، ولا إذا قام من السجود. وأما ما روي عن النبي ﷺ "أنه يرفع يديه في كل خفض

стр. 4849

ورفع" فقد حقق ابن القيم – ﵀ – في زاد المعاد (١) أن ذلك وهم من الراوي، أراد أن يقول: "كان يكبر في كل خفض ورفع" فقال: "كان يرفع يديه في كل خفض ورفع". ... وإذا كان ابن عمر – ﵄ – وهو الحريص على تتبع فعل الرسول ﵊ وقد تتبعه فعلاً فرآه يرفع يديه في التكبير، والركوع، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول وقال: "لا يفعل ذلك في السجود". فهذا أصح من حديث أن النبي ﷺ "كان يرفع يديه كلما خفض وكلما رفع" (٢) ، ولا يقال: إن هذا من باب المثبت والنافي، وأن من أثبت الرفع فهو مقدم على النافي في حديث ابن عمر – ﵄ – لأن حديث ابن عمر صريح في أن نفيه ليس لعدم علمه بالرفع، بل لعلمه بعدم الرفع، فقد تأكد ابن عمر من عدم الرفع وجزم بأنه لم يفعله في السجود، مع أنه جزم بأنه فعله في الركوع، والرفع منه وعند تكبيرة الإحرام، والقيام من التشهد الأول. فليست هذه المسألة من باب المثبت والنافي التي يقدم فيها المثبت لاحتمال أن النافي كان جاهلاً بالأمر، لأن النافي هنا كان نفيه عن علم وتتبع وتقسيم فكان نفيه نفي علم لا احتمال للجهل فيه فتأمل هذا فإنه مهم مفيد، والله أعلم.

стр. 4850

٤٤٣ وسئل فضيلة الشيخ: هل رفع اليدين في الصلاة منسوخ ؟ فأجاب فضيلته بقوله: رفع اليدين في المواضع الأربعة التي أشرنا إليها (١) ليس منسوخاً، فهو باق ولا دليل على نسخه. وإذا لم يكن هناك دليل على نسخ ما ثبت فيجب اعتباره، ودعوى النسخ تحتاج إلى شرطين أساسيين: الأول: أن لا يمكن الجمع بين الدليلين. الثاني: أن يعلم التاريخ. فإن أمكن الجمع بين الدليلين عمل به، لأن الجمع بين الدليلين أعمال لهما جميعاً وهو واجب متى أمكن، وإن لم يمكن الجمع ولم نعلم التاريخ رجعنا إلى المرجح وإن لم يوجد مرجح وجب التوقف حتى يتبين الأمر. ٤٤٤ وسئل فضيلته: بعض الناس عند تكبيرة الإحرام لا يرفع يديه إلى المنكبين بل يرفع يديه قريباً من السرة أو فوقها بقليل فهل هذا الرفع مشروع؟ فأجاب بقوله: هذا الرفع الذي ذكر السائل ليس رفعاً مشروعاً، بل هو عبث منهي عنه؛ لأن الرفع المشروع إما إلى المنكبين، وإما إلى فروع الأذنين، وما تقاصر عن ذلك فهو قصور عن السنة فينهى عنه، ويقال: إما أن ترفع كاملاً وإما أن تتركه فينبه ويعلم بالسنة.

стр. 4851

٤٤٥ وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً -: هل ورد عن النبي ﷺ وضع اليدين أثناء الوقوف في الصلاة على أعلى الصدر؟ وعن حديث وضع اليدين تحت السرة؟ فأجاب فضيلته بقوله: وضع اليدين أثناء القيام ليس فيه حديث صحيح بين في هذا الأمر، وأمثل ما فيه حديث وائل بن حجر (١) أن النبي ﷺ "كان يضعهما على صدره" لا أعلى الصدر. وأما حديث أنه "يضعها تحت السرة" فإنه حديث ضعيف (٢) . ٤٤٦ سئل فضيلة الشيخ وفقه الله وغفر الله: هل يجب الجهر في صلاة الفجر، والمغرب ، والعشاء؟ وإذا تعمد الإمام ترك الجهر في الصلاة الجهرية؟ وإذا صلى الإنسان منفرداً فهل يجهر؟ وإذ ترك الجهر فهل يسجد للسهو؟ وهل يشرع للمرأة رفع يديها في مواضع الرفع؟ فأجاب فضيلته بقوله: الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية ليس على سبيل الوجوب بل هو على سبيل الأفضلية، فلو أن الإنسان قرأ سراً فيما يشرع فيه الجهر لم تكن صلاته باطلة، لأن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (٣) ولم يقيد هذه

стр. 4852

القراءة بكونها جهراً أو سراً، فإذا قرأ الإنسان ما يجب قراءته سراً أو جهراً فقد أتى بالواجب، لكن الأفضل الجهر فيما يسن فيه الجهر مما هو معروف كصلاة الفجر والجمعة. ولو تعمد الإنسان وهو إمام ألا يجهر فصلاته صحيحة لكنها ناقصة. أما المنفرد إذا صلى الصلاة الجهرية فإنه يخير بين الجهر والإسرار وينظر ما هو أنشط له وأقرب إلى الخشوع فيقدم به. ... أما لو ترك القراءة في الصلاة الجهرية سهواً فإنه يسجد للسهو، ولكن لا على سبيل الوجوب؛ لأنه لا يبطل الصلاة عمده، وكل قول أو فعل لا يبطل الصلاة عمده لا تركاً ولا فعلاً فإنه لا يوجب سجود السهو. وأما رفع اليدين فإنه مشروع في حق النساء كما هو مشروع في حق الرجال لأن الأصل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، وما ثبت في حق النساء ثبت في حق الرجال إلا بدليل يدل على خلاف ذلك. ٤٤٧ سئل فضيلة الشيخ: كثر في الآونة الأخيرة استعمال أئمة المساجد لمكبرات الصوت الخارجية والتي غالباً ما تكون في المئذنة وبصوت مرتفع جداً وفي هذا العمل تشويش بعض المساجد على بعض في الصلاة الجهرية لاستعمالهم المكبرات

стр. 4853

في القراءة. فما حكم استعمال مكبرات الصوت في الصلاة الجهرية إذا كان مكبر الصوت في المئذنة ويشوش على المساجد الأخرى؟ نرجو من فضيلتكم الإجابة على هذا السؤال حيث إن كثير من أئمة المساجد في حرج من ذلك. والله يحفظكم ويرعاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فأجاب بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته: ما ذكرتم من استعمال مكبر الصوت في الصلاة الجهرية على المنارة فإنه منهي عنه؛ لأنه يحصل به كثير من التشويش على أهل البيوت والمساجد القريبة، وقد روى الإمام مالك ﵀ في الموطأ ١/١٦٧ من شرح الزرقاني في (باب العمل في القراءة) عن البياضي فروة بن عمرو – ﵁ – أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" (١) . وروى أبو داود ٢/٣٨ (٢) تحت عنوان: (رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل) عن أبي سعيد الخدري – ﵁ – قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة". قال ابن عبد البر: حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان. ...

стр. 4854

ففي هذين الحديثين النهي عن الجهر بالقراءة في الصلاة حيث يكون فيه التشويش على الآخرين وأن في هذا أذية ينهى عنها. قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ ٢٣/٦١ من مجموع الفتاوى: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين. وفي جواب له ١/٣٥٠ من الفتاوى الكبرى ط قديمة: ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد، أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع منه. أهـ. ... وأما ما يدعيه من يرفع الصوت من المبررات فجوابه من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ نهى أن يجهر بعض الناس على بعض في القرآن وبين أن ذلك أذية، ومن المعلوم أنه لا اختيار للمؤمن ولا خيار له في العدول عما قضى به النبي ﷺ ، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) . ومن المعلوم أيضاً أن المؤمن لا يرضى لنفسه أن تقع منه أذية لإخوانه. الوجه الثاني: أن ما يدعيه من المبررات – إن صح وجودها – فهي معارضة بما يحصل برفع الصوت من المحذورات فمن ذلك: ١- الوقوع فيما نهى عنه النبي ﷺ من النهي عن جهر المصلين بعضهم على بعض.

стр. 4855

٢- أذية من يسمعه من المصلين وغيرهم ممن يدرس علماً أو يتحفظه بالتشويش عليهم. ٣- شغل المأمومين في المساجد المجاورة عن الاستماع لقراءة إمامهم التي أمروا بالاستماع إليها. ٤- أن بعض المأمومين في المساجد المجاورة قد يتابعون في الركوع والسجود الإمام الرافع صوته، لاسيما إذا كانوا في مسجد كبير كثير الجماعة حيث يلتبس عليهم الصوت الوافد بصوت إمامهم، وقد بلغنا أن ذلك يقع كثيراً. ٥- أنه يفضي إلى تهاون بعض الناس في المبادرة إلى الحضور إلى المسجد؛ لأنه يسمع صلاة الإمام ركعة ركعة، وجزءاً جزءاً فيتباطأ اعتماداً على أن الإمام في أول الصلاة فيمضي به الوقت حتى يفوته أكثر الصلاة أو كلها. ٦- أنه يفضي إلى إسراع المقبلين إلى المسجد إذا سمعوا الإمام في آخر قراءته كما هو مشاهد، فيقعون فيما نهى عنه النبي ﷺ من الإسراع بسبب سماعهم هذا الصوت المرفوع. ٧- أنه قد يكون في البيوت من يسمع هذه القراءة وهم في سهو ولغو كأنما يتحدون القارئ وهذا على عكس ما ذكره رافع الصوت من أن كثيراً من النساء في البيوت يسمعن القراءة ويستفدن منها وهذه الفائدة تحصل بسماع الأشرطة التي سجل عليها قراءة القراءة المجيدين للقراءة. وأما قول رافع الصوت إنه قد يؤثر على بعض الناس فيحضر ويصلي لاسيما إذا كان صوت القارئ جميلاً، فهذا قد يكون حقاً،

стр. 4856

ولكنه فائدة فردية منغمرة في المحاذير السابقة. والقاعدة العامة المتفق عليها: أنه إذا تعارضت المصالح والمفاسد، وجب مراعاة الأكثر منها والأعظم، فحكم بما تقتضيه فإن تساوت فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. فنصيحتي لإخواني المسلمين أن يسلكوا طريق السلامة، وأن يرحموا إخوانهم المسلمين الذين تتشوش عليهم عباداتهم بما يسمعون من هذه الأصوات العالية حتى لا يدري المصلي ماذا قال ولا ماذا يقول في الصلاة من دعاء وذكر وقرآن. ولقد علمت أن رجلاً كان إماماً وكان في التشهد وحوله مسجد يسمع قراءة إمامه فجعل السامع يكرر التشهد لأنه عجز أن يضبط ما يقول فأطال على نفسه وعلى من خلفه. ثم إنهم إذا سلكوا هذه الطريق وتركوا رفع الصوت من على المنارات حصل لهم مع الرحمة بإخوانهم امتثال قول النبي ﷺ : "لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن" (١) . وقوله: "فلا يؤذين بعضهم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة" (٢) . ولا يخفى ما يحصل للقلب من اللذة الإيمانية في امتثال أمر الله ورسوله وانشراح الصدر لذلك وسرور النفس به. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. كتبه الفقير إلى ربه محمد الصالح العثيمين.

стр. 4857

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى.... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد فشا في الآونة الأخيرة استعمال كثير من الأئمة لمكبر الصوت الذي فوق المنارة لتسمع منه الصلاة تكبيرها وقراءتها في الصلوات الخمس. وهذا أمر لا تدعو الحاجة إليه، فإن الإمام إنما يصلي بأهل المسجد لا بمن كان خارجه وهو مع ذلك يوقع في أمور منها: * أن بعض الناس قد يتهاون في المبادرة إلى حضور المسجد؛ لأنه يسمع الصلاة ركعة ركعة، وجزءاً جزءاً، فيتباطأ اعتماداً على أن الإمام في أول الصلاة، فيمضي به الوقت حتى ربما تفوته الصلاة. * ومنها: أن المقبل إلى المسجد وهو يسمع قراءة الإمام قريبة الانتهاء تجده يسرع إسراعاً يوقعه في النهي رغبة في إدراك الركوع. * ومنها: أن في ذلك تشويشاً وأذية لمن يسمعه من المصلين في البيوت والمساجد كما اشتكى من ذلك بعض الناس، حتى أخبرني أحدهم أن بعض المصلين في مسجد أمن بتأمين إمام مسجد آخر سمع صوته، وكبر آخر بتكبيره، وعلمت أن رجلاً تشوش عليه التشهد لسماعة قراءة إمام مسجد آخر. ...

стр. 4858

ولا يخفى ما رواه الإمام مالك في الموطأ (١) ١/١٦٧ شرح الزرقاني في باب العمل في القراءة عن البياضي (فروة بن عمرو) – ﵁ – أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: "إن المصلي يناجى ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن". وما رواه أبو داو (٢) ٢/٣٨ تحت عنوان: رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة". وقد نقل الزرقاني في شرح الموطأ عن ابن عبد البر أنه قال: حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان. وفي مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميه لابن قاسم ٢٣/٦٤: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين. ومن جواب له ١/٣٠٥ من الفتاوى المطبوعة قديماً: ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع منه. أهـ. وما ذكره الشيخ – رحمه الله تعالى – موافق لما دل عليه الحديثان المذكوران. ويزداد المنع قوة حين يكون التشويش أعظم إذا فتحت نوافذ المساجد أو كان الناس يصلون في الرحبات وفي

стр. 4859

إغلاقها درء لما يحصل من التشويش والأذية ولا مانع أن يستثنى من ذلك المسجدان المكي والنبوي، وكذلك الجوامع في صلاة الجمعة؛ لأنه ربما يكون بعض المصلين خارج المسجد فيحتاجون إلى سماع صوت الإمام بشرط أن لا تكون الجوامع متقاربة يشوش بعضها على بعض، فإن كانت كذلك فإنه توضع سماعات على جدار المسجد تسمع منها الخطبة والصلاة وتلفى حينئذ سماعات المنارة لتحصل الفائدة بدون أذية للآخرين. هذا وأسأل الله تعالى للجميع التوفيق لما يحبه ويرضاه وأن يجعلنا جميعاً صالحين مصلحين وهداة مهتدين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في ٧/٧/١٤٠٧هـ. ٤٤٨ ...

стр. 4860

وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم استعمال مكبر الصوت في الصلاة الجهرية؟ وما رأي فضيلتكم فيمن يكره الصلاة في المسجد الذي فيه مكبر صوت ويتعرض لعرض من يستعمله؟ وبعض الناس يرى تحريمه؟ فأجاب بقوله: الذي أرى أن استعمال مكبر الصوت أثناء الصلاة إذا كان فيه تشويش على أهل البيوت أو المساجد التي حوله فإنه منهي عنه، لما فيه من أذية المسلمين والتشويش عليهم في صلواتهم، وقد بلغني أن بعض المصلين في المساجد التي حول من يستعملون مكبر الصوت ربما يؤمنون على قراءة المسجد الذي فيه مكبر الصوت، وربما يتابعونه دون إمامهم وفي هذا من الإخلال بصلاة الآخرين ما يقتضي المنع من استعمال مكبر الصوت، وقد أخرج الإمام مالك في الموطأ (١) ١/١٦٧ من شرح الزرقاني في (باب العمل في القراءة) عن البياضي فروة بن عمرو – ﵁ – أن النبي ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضهم على بعض في القرآن". وأخرج أبو داود ٢/٣٨ (٢) تحت عنوان: (رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا

стр. 4861

يؤذين بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصلاة". قال ابن عبد البر: حديث البياضي، وأبي سعيد، ثابتان، صحيحان. وقال شيخ الإسلام ابن تيميه ٢٣/٦١ مج الفتاوى: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين. وفي جواب له ١/٣٠٥ من الفتاوى الكبرى: ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد، أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع منه. أهـ. أما إذا كان استعمال مكبر الصوت لا يشوش على أحد، ولا يؤذي أحداً بحيث تكون السماعات داخل المسجد، فهذا إن كان فيه مصلحة كتنشيط القارئ والمصلين، أو كان له حاجة مثل: أن يكون المسجد كبيراً، أو يكون صوت الإمام ضعيفاً فلا بأس به، وقد يترجح جانب استعماله على جانب تركه. وإن لم يكن في ذلك مصلحة ولا له حاجة فلا يستعمل لأن في ذلك استهلاكاً للكهرباء، واستعمالاً بلا مصلحة ولا حاجة وفي ذلك ما فيه. وأما ما ذكرتهم من أن بعض الناس يكره الصلاة في المسجد الذي فيه مكبر الصوت وربما تحول عنه إلى مسجد آخر، وربما تعرض لعرض من يستعمله، فلا وجه لكراهته هذه، ولا ينبغي له أن يتحول عن المسجد من أجل هذا السبب؛ لأن الأحكام الشرعية لا تتبع أذواق الناس وما يهوونه، بل هي مضبوطة بحدود من قبل الله ورسوله، ولهذا يعبر الله تعالى عن كثير من الأحكام بأنها حدوده، فإن كانت أوامر قال: "فلا تعتدوها" وإن كانت نواهي قال: "فلا تقربوها". ...

стр. 4862

وأما تعرضه لعرض من يستعمله فإنه في الحقيقة إنما يضر نفسه بانتهاك عرض أخيه، ولا يخفى أن الغيبة من كبائر الذنوب كما يدل على ذلك ظاهر القرآن والسنة، وقد نص الإمام أحمد على أنها من الكبائر. قال صاحب النظم ابن عبد القوي: وقد قيل صغرى غيبة ونميمة وكلتاهما كبرى على نص أحمد وأما ما ذكرتهم من أن بعض الناس يرى تحريم استعمال مكبر الصوت، فهذا إن كان يرى ذلك في الحال التي يكون فيها تشويش أو أذية، فرأيه قريب؛ لأن الأصل أن أذية المسلمين والتشويش عليهم في عباداتهم التحريم لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) . ولنهي النبي ﷺ المصلين عن أذية بعضهم بعضاً والتشويش عليهم بالجهر بالقراءة كما سبق. وإن كان يرى تحريم استعمال مكبر الصوت بكل حال فلا وجه لرأيه؛ لأن التحريم لا يثبت إلا بدليل شرعي، والأصل في غير العبادات الحل حتى يقوم دليل التحريم لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) . ولا يحل لأحد أن يقول عن شيء إنه حلال أو حرام إلا بدليل لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) . وقوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) . ...

стр. 4863

فتحريم ما أحل الله كتحليل ما حرم الله إن لم يكن أعظم، لما يحصل في التحريم من الإشقاق على الناس والتضييق عليهم، والرب يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، وهو سبحانه يحب أن تؤتى رخصه التي فيها إسقاط لما أصله واجب، أو تحليل لما أصله محرم لما في ذلك من التخفيف والتيسير، فكما أن على المسلم أن يحترز في تحليل الحرام فعليه أن يحترز في تحريم الحلال أولى. ٤٤٩ سئل فضيلة الشيخ: أنا إمام مسجد في وسط حي وعندما أقوم بقراءة القرآن بمكبر الصوت في الصلاة الجهرية يوجد عندي من الإخوان المأمومين من يعارض ذلك ويقول إنه لا يصلح ذلك الشيء، علماً بأن من سمع القراءة في صلاة الفجر يحاول إدراك الصلاة مع الجماعة، أرجو الجواب من فضيلتكم حفظكم الله لما فيه الخير والسداد للإسلام والمسلمين؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الصواب معهم، ولا ينبغي لك أن تصلي بمكبر الصوت الخارجي لا صلاة الفجر ولا غيرها؛ لأن ذلك يشوش على من حولك من المصلين في المساجد أو في البيوت من النساء أو المعذورين. والصلاة جماعة لأهل المسجد لا لمن كان خارجه. حرر في ١٧/٧/١٤١٢هـ.

стр. 4864

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى المكرم إمام مسجد. حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإنكم – بارك الله فيكم – تظهرون الصلاة والقراءة فيها في مكبر الصوت (الميكرفون) من سماعات المنارة. وهذا أمر لا تدعوا الحاجة إليه؛ لأن الإمام إنما يصلي بمن كان داخل المسجد لا من كان خارجه، وحينئذ يكون إظهار الصوت من سماعات المنارة عديم الفائدة، ومع كونه عديم الفائدة فإن فيه تشويشاً على من يسمعه من أهل البيوت والمساجد، كما اشتكى من ذلك بعض الناس. وقد روى الإمام مالك في موطئه (١) ١/١٦٧ أن النبي ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن". وروى أبو داود ٢/٩٧ (٢) (مختصر الخطابي) ، أن النبي ﷺ سمعهم يجهرون بالقراءة فقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة". ...

стр. 4865

وفي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيميه ٢٣/٦٤: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين. ومن جواب له ١/٣٠٥ من الفتاوى ط قديمة: ومن فعل ما يشوش به على أهل المسجد أو فعل ما يفضي إلى ذلك منع منه أهـ. وفي إظهار الصوت من سماعات المنارة – بالإضافة إلى التشويش والتأذي – تهاون الناس بالمسارعة إلى الحضور؛ لأنهم يسمعون الصلاة ركعة،ركعة وجزءاً جزءاً فيتباطئون اعتماداً على أن الإمام في أول الصلاة فلا يزال بهم التباطؤ حتى تفوتهم الصلاة. وفيه أيضاً أن المقبل إلى المسجد قد تحدوه رغبته في الإدراك إلى السرعة فيقع فيما نهى عنه النبي ﷺ حيث قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا" (١) . والإنسان إذا علم أن فعله يترتب عليه أذية لإخوانه وتشويش عليهم في عبادتهم، ووقوع فيما نهى عنه النبي ﷺ من أذية المصلين بعضهم بعضاً بالجهر، وأن فعله عديم الفائدة، أو قليلها فلن يتردد في تركه طاعة لله تعالى ورسوله، وتفادياً لأذية إخوانه والتشويش عليهم، والله الموفق. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٤/٥/١٤٠٧هـ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 4866

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى المكرم إمام مسجد. حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإن الداعي لتحريره أنه اتصل بي اليوم أحد جماعة المساجد القريبة منكم يذكر أن الميكرفون في مسجدكم مفتوح على سماعة المنارة، وأنه يشوش عليهم صلاتهم في استماع قراءة إمامهم وتسبيح ركوعهم وسجودهم ودعائهم. ولقد كنا البارحة ونحن في الجامع نسمع القراءة في الميكرفون نسمعها بوضوح، حيث كان القارئ يقرأ في سورة مريم فلما وصل آية السجد مدها وسجد، ونسمعه كذلك في دعاء القنوت فإذا كنا نسمع ذلك ونحن في الجامع فما بالك في المساجد التي هي أقرب إلى الصوت من الجامع. ثم ما بالك بمن يتهجد في بيته من شيخ كبير وعجوز، ومن لا يرغب الحضور إلى المسجد في آخر الليل؟ أظن أنهم لا يستطيعون إتقان قراءتهم، وتسبيحهم لله، ودعائهم له وهم يسمعون هذا الصوت الرفيع حولهم. وفي ظني أن الذي يقرأ في الميكرفون في سماعة المنارة المرتفعة صوتاً ومكاناً ظني أنه إنما قصد خيراً – إن شاء الله – ولم

стр. 4867

يقصد الإضرار بإخوانه، لكن هو في الحقيقة قد أضر بهم من حيث لا يشعر حيث شوش عليهم في صلاتهم ودعائهم، كما أنه وقع أيضاً فيما نهى عنه النبي ﷺ ، فقد خرج النبي ﷺ على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال النبي ﷺ : "كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن". رواه الإمام مالك في الموطأ (١) . قال ابن عبد البر: وهو حديث صحيح. وإذا كان الجهر بالقرآن حيث يشوش على من حوله من المصلين والذاكرين والداعين وقوعاً فيما نهى عنه النبي ﷺ ، وأذية على المسلمين فإنكم تعلمون ما يترتب على مخالفة أمر النبي ﷺ وأذية المؤمنين. وقد سئل شيخ الإسلام بن تيميه – ﵀ – عمن يجهر بقراءته فيحصل به أذى على المصلين فأجاب بقوله: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين. انتهى. فالواجب على المسلم الابتعاد عن الوقوع فيما نهى عنه النبي ﷺ ، وفيما فيه أذية إخوانه المسلمين لاسيما المتعبدون منهم بالصلاة والدعاء، وأن يقدر حال إخوانه ويعرف مدى الأذية التي تلحقهم في عبادتهم من أجل جهره في قراءته، فإن لو قدرت مسجداً حولك قد رفع إمامه، أو المحدث فيه صوته عالياً على المنارة حتى صار يشوش عليك، لا تدري ما تقول في صلاتك، يخلط عليك في قراءتك ودعائك، وتسبيحك في ركوعك

стр. 4868

وسجودك، أفلا ترى أنه أساء إليك وأن الواجب عليه كف هذه الإساءة، فما بال الإنسان يستسيغ هذا الفعل من نفسه ويرى أنه من غيره إساءة؟ والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فكما أن المرء يحب أن يقبل على صلاته ويعرف ما يقول فيها، ويكره أن يسمع ما يشوش عليه فيها، فإخوانه المسلمون يحبون ما يحب، ويكرهون ما يكره، يحبون أن يقبلوا على صلاتهم ويعرفوا ما يقولون فيها، ويكرهون أن يسمعوا ما يشوش عليهم، فاتقوا الله فيهم وابتعدوا عما يشوش عليهم، وكونوا عوناً لهم على كمال صلاتهم فإن الله سبحانه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ولا طريق لكم إلى ذلك إلا باتباع أحد أمرين: إما بوضع سماعة داخلية لأهل المسجد خاصة تكون داخل المسجد كما صنع الناس في مساجدهم. وإما بإلغاء الميكرفون والاكتفاء بصوتكم وفيه كفاية إن شاء الله ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. وأما فتح الصوت على سماعة المنارة ففيه تشويش على من يسمعه من المصلين والذاكرين والداعين وقد علمتم ما في ذلك من المخالفة للنبي ﷺ ، وأذية المؤمنين، ومثلكم لا يرضى بذلك. وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح، وجعلنا جميعاً من دعاة الخير، وأنصار الحق، السائرين على نور من الله وبصيرة في أمرهم إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 4869

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم.. حفظه الله تعالى. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد، فإننا لا نرى بأساً بوضع مكبر الصوت الذي يسمى (الميكرفون) في المنارة للتأذين به، وذلك لما يشتمل عليه من المصالح الكثيرة وسلامته من المحذور، ويدل على ذلك أمور: الأول: أنه مما خلق الله تعالى لنا في هذه الأرض، وقد قال الله تعالى ممتناً على عباده بإباحته لهم جميع ما في الأرض وتسخيره لهم ما في السموات والأرض (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) . وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه) . ولا ينبغي للعبد أن يرد نعمة الله عليه فيحرم نفسه منها بغير موجب شرعي، فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) . ويقول راداً على من يحللون ويحرمون بأهوائهم: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) . ويقول ناهياً عن ذلك: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) . وإذا كان النبي ﷺ قال كما ثبت عنه في صحيح مسلم

стр. 4870

- في شأن البصل والكراث -: "إنه ليس بي تحريم ما أحل الله" فكيف يجوز لغيره أن يحرم ما أحل الله. فإن قال قائل: إن الميكرفون حرام. قلنا له: ليس لك أن تحرم شيئاً إلا بدليل، ولا دليل لك على تحريمه، بل الدليل كما أثبتنا يدل على حله؛ لأنه مما خلق الله لنا في تحريمه، وقد أحله لنا كما تفيده الآية السابقة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) . وأما السنة فمن قوله ﷺ : "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها وأخبر أن ما سكت عنه فهو عفو" (١) . والميكرفون مما خلق تعالى في الأرض وسكت عنه فيكون عفواً مباحاً. الثالث: أن قاعدة الشرع الأساسية: "جلب المصالح، ودفع المفاسد".
следующие страницы →