← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى المكرم إمام مسجد. حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فإن الداعي لتحريره أنه اتصل بي اليوم أحد جماعة المساجد القريبة منكم يذكر أن الميكرفون في مسجدكم مفتوح على سماعة المنارة، وأنه يشوش عليهم صلاتهم في استماع قراءة إمامهم وتسبيح ركوعهم وسجودهم ودعائهم. ولقد كنا البارحة ونحن في الجامع نسمع القراءة في الميكرفون نسمعها بوضوح، حيث كان القارئ يقرأ في سورة مريم فلما وصل آية السجد مدها وسجد، ونسمعه كذلك في دعاء القنوت فإذا كنا نسمع ذلك ونحن في الجامع فما بالك في المساجد التي هي أقرب إلى الصوت من الجامع. ثم ما بالك بمن يتهجد في بيته من شيخ كبير وعجوز، ومن لا يرغب الحضور إلى المسجد في آخر الليل؟ أظن أنهم لا يستطيعون إتقان قراءتهم، وتسبيحهم لله، ودعائهم له وهم يسمعون هذا الصوت الرفيع حولهم. وفي ظني أن الذي يقرأ في الميكرفون في سماعة المنارة المرتفعة صوتاً ومكاناً ظني أنه إنما قصد خيراً – إن شاء الله – ولم

стр. 4867

يقصد الإضرار بإخوانه، لكن هو في الحقيقة قد أضر بهم من حيث لا يشعر حيث شوش عليهم في صلاتهم ودعائهم، كما أنه وقع أيضاً فيما نهى عنه النبي ﷺ ، فقد خرج النبي ﷺ على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال النبي ﷺ : "كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن". رواه الإمام مالك في الموطأ (١) . قال ابن عبد البر: وهو حديث صحيح. وإذا كان الجهر بالقرآن حيث يشوش على من حوله من المصلين والذاكرين والداعين وقوعاً فيما نهى عنه النبي ﷺ ، وأذية على المسلمين فإنكم تعلمون ما يترتب على مخالفة أمر النبي ﷺ وأذية المؤمنين. وقد سئل شيخ الإسلام بن تيميه – ﵀ – عمن يجهر بقراءته فيحصل به أذى على المصلين فأجاب بقوله: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين. انتهى. فالواجب على المسلم الابتعاد عن الوقوع فيما نهى عنه النبي ﷺ ، وفيما فيه أذية إخوانه المسلمين لاسيما المتعبدون منهم بالصلاة والدعاء، وأن يقدر حال إخوانه ويعرف مدى الأذية التي تلحقهم في عبادتهم من أجل جهره في قراءته، فإن لو قدرت مسجداً حولك قد رفع إمامه، أو المحدث فيه صوته عالياً على المنارة حتى صار يشوش عليك، لا تدري ما تقول في صلاتك، يخلط عليك في قراءتك ودعائك، وتسبيحك في ركوعك

стр. 4868

وسجودك، أفلا ترى أنه أساء إليك وأن الواجب عليه كف هذه الإساءة، فما بال الإنسان يستسيغ هذا الفعل من نفسه ويرى أنه من غيره إساءة؟ والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فكما أن المرء يحب أن يقبل على صلاته ويعرف ما يقول فيها، ويكره أن يسمع ما يشوش عليه فيها، فإخوانه المسلمون يحبون ما يحب، ويكرهون ما يكره، يحبون أن يقبلوا على صلاتهم ويعرفوا ما يقولون فيها، ويكرهون أن يسمعوا ما يشوش عليهم، فاتقوا الله فيهم وابتعدوا عما يشوش عليهم، وكونوا عوناً لهم على كمال صلاتهم فإن الله سبحانه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ولا طريق لكم إلى ذلك إلا باتباع أحد أمرين: إما بوضع سماعة داخلية لأهل المسجد خاصة تكون داخل المسجد كما صنع الناس في مساجدهم. وإما بإلغاء الميكرفون والاكتفاء بصوتكم وفيه كفاية إن شاء الله ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. وأما فتح الصوت على سماعة المنارة ففيه تشويش على من يسمعه من المصلين والذاكرين والداعين وقد علمتم ما في ذلك من المخالفة للنبي ﷺ ، وأذية المؤمنين، ومثلكم لا يرضى بذلك. وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح، وجعلنا جميعاً من دعاة الخير، وأنصار الحق، السائرين على نور من الله وبصيرة في أمرهم إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 4869

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم.. حفظه الله تعالى. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد، فإننا لا نرى بأساً بوضع مكبر الصوت الذي يسمى (الميكرفون) في المنارة للتأذين به، وذلك لما يشتمل عليه من المصالح الكثيرة وسلامته من المحذور، ويدل على ذلك أمور: الأول: أنه مما خلق الله تعالى لنا في هذه الأرض، وقد قال الله تعالى ممتناً على عباده بإباحته لهم جميع ما في الأرض وتسخيره لهم ما في السموات والأرض (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) . وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه) . ولا ينبغي للعبد أن يرد نعمة الله عليه فيحرم نفسه منها بغير موجب شرعي، فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) . ويقول راداً على من يحللون ويحرمون بأهوائهم: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) . ويقول ناهياً عن ذلك: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) . وإذا كان النبي ﷺ قال كما ثبت عنه في صحيح مسلم

стр. 4870

- في شأن البصل والكراث -: "إنه ليس بي تحريم ما أحل الله" فكيف يجوز لغيره أن يحرم ما أحل الله. فإن قال قائل: إن الميكرفون حرام. قلنا له: ليس لك أن تحرم شيئاً إلا بدليل، ولا دليل لك على تحريمه، بل الدليل كما أثبتنا يدل على حله؛ لأنه مما خلق الله لنا في تحريمه، وقد أحله لنا كما تفيده الآية السابقة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) . وأما السنة فمن قوله ﷺ : "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها وأخبر أن ما سكت عنه فهو عفو" (١) . والميكرفون مما خلق تعالى في الأرض وسكت عنه فيكون عفواً مباحاً. الثالث: أن قاعدة الشرع الأساسية: "جلب المصالح، ودفع المفاسد".

стр. 4871

والميكرفون يشتمل على مصالح كالمبالغة برفع الصوت بتكبير الله تعالى وتوحيده، والشهادة لرسوله ﷺ بالرسالة، والدعوة إلى الصلاة خصوصاً، وإلى الفلاح عموماً. ومن مصالحة: تنبيه الغافلين، وإيقاظ النائمين، ومع هذه المصالح ليس فيه مفسدة تقابل أو تقارب هذه المصالح، بل ليس فيه مفسدة مطلقاً فيما نعلم. الرابع: أن من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية: "أن الوسائل لها أحكام المقاصد". والميكرفون وسيلة ظاهرة إلى إسماع الناس الأذان والدعوة إلى الصلاة، وإبلاغهم ما يلقى في المساجد من خطب ومواعظ، وإسماع الناس الأذان، والدعوة إلى الصلاة، وإبلاغهم المواعظ والخطب من الأمور المأمور بها بإجماع أهل العلم، فما كان وسيلة إلى تعميمها وإيصالها إلى الناس كان مأموراً به أيضاً. الخامس: أن أهل العلم قالوا ينبغي أن يكون المؤذن صيتاً – أي رفيع الصوت – ليكون أشمل لإبلاغ الأذان، وقد روي أن النبي ﷺ أنه قال لعبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي رأى في المنام من يعمل الأذان: "اذهب فألقه على بلال فإنه أندى صوتاً منك" (١) . فدل هذا على طلب علو الصوت في الأذان، والميكرفون من وسائله بلا شك فيكون مطلوباً.

стр. 4872

السادس: أن النبي ﷺ كان يتحرى من كان عالي الصوت في إبلاغ الناس، كما أمر أبا طلحة أن ينادي عام خيبر: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس" (١) ، وكما أمر العباس أن ينادي في الناس بأعلى صوته حين انصرفوا في حنين يقول مستحثاً لهم على الرجوع: "يا أصحاب السمرة (٢) ، يا أصحاب سورة البقرة، أو يا أهل". وهذا يدل على التماس ما هو أبلغ في إيصال الأحكام الشرعية والدعوة إلى الله تعالى. ولقد كان النبي ﷺ يخطب الناس على راحلته ليكون أبلغ في سماع صوته. السابع: أن الميكروفون آلة لتكبير الصوت وتقويته فكيف نقول إنه محرم ولا نقول إن نظارة العين التي تقوي النظر وتكبر الحرف إنها محرمة، هذه تكبر الحرف وتقوي نظر العين، وذاك يقوي الصوت ويضخم الكلمات ولا فرق بين الأمرين. وأما توهم بعض الناس أن الميكروفون لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ : فنقول: ما أكثر الأشياء التي وجدت بعد عهد النبي ﷺ ، وأجمع المسلمون على جوازها، فإن تدوين السنة وتصنيفها في الكتب لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ولم يعارض في جواز ذلك إلا نفر

стр. 4873

قليل من الصدر الأول خوفاً من اختلاطها بالقرآن، ثم انعقد الإجماع على الجواز بعد ذلك، وبناء المدارس لم يكن معروفاً على عهد النبي ﷺ وقد أجمع المسلمون على جوازه. وتصنيف الكتب في علم التوحيد والفقه وغيرها لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ، وقد أجمع المسلمون على جوازه، والمطابع التي تطبع الكتب لم تكن معروفة في عهد النبي ﷺ ، وقد أجمع المسلمون من بعد حدوثها على جواز طباعة كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وكلام أهل العلم في التفسير، وشرح السنة، وعلم التوحيد والفقه وغيرها بهذه المطابع ولم يقل أحد: إنا لا نطبع بها، لأنها لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ . الثامن: أن الميكرفون يستعمل في أفضل المساجد المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، وما علمنا أن أحداً ممن يقتدى به من أهل العلم عارض ذلك أو أنكر على ولاة الأمور. وهذا أمر واضح ولله الحمد ولا حرج عليكم في استعمال الميكرفون في المنارة للتأذين به، وإذا كان أحد من الإخوان يكرهه فلا ينبغي أن يحرمه على غيره، كما قال البراء بن عازب – ﵁ – لمن قال إنه يكره أن يكون في أذن الأضحية أو قرنا نقص، فقال له البراء: "ما كرهت فدعه ولا تحرمه على غيرك". والله الموفق. قاله كاتبه محمد الصالح العثيمين في ١٣/٦/١٣٩٩هـ.

стр. 4874

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله ورعاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فآمل من فضيلتكم التكرم ببيان حكم استعمال مكبر الصوت "الميكروفون" في الخطبة؟ وكذلك حكم استعمال المكبر في صلاة الجمعة وغيرها؟ والله يحفظكم ويرعاكم ويمدكم بعونه وتوفيقه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. المكرم إمام جامع. حفظه الله تعالى وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد: استعمل الميكرفون في الخطبة لينتفع بها من يسمعها خارج المسجد؛ إلا أن يكون حولك مساجد تشوش عليهم بذلك. أما في الصلاة فلا تستعمله لا يوم الجمعة، ولا غيرها. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٢/٦/١٤١٤هـ. ٤٥٠ ...

стр. 4875

وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى على الصدر أو فوق القلب؟ وما حكم وضع اليدين تحت السرة؟ وهل هناك فرق بين الرجل والمرأة؟ فأجاب فضيلته بقوله: حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة سنة، لحديث سهل بن سعد – ﵁ – قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة". أخرجه البخاري (١) . ولكن أين يكون الوضع؟ الجواب: أقرب الأقوال إلى الصحة في ذلك أن الوضع يكون على الصدر لحديث وائل بن حجر – ﵁ – أن النبي ﷺ "كان يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره" (٢) . والحديث وإن كان فيه شيء من الضعف، لكنه أقرب من غيره إلى الصحة. وأما وضعها على القلب على الجانب الأيسر فهو بدعة لا أصل لها. وأما وضعها تحت السرة فقد روى ذلك أثراً عن علي – ﵁ (٣) – لكنه ضعيف، وحديث وائل بن حجر أقوى منه. ولا فرق في هذا الحكم بين المرأة والرجل؛ لأن الأصل اتفاق النساء والرجال في الأحكام إلا أن يقوم دليل على التفريق أو على الفرق بينهما ولا أعلم دليلاً صحيحاً يفرق بين الرجل والمرأة في هذه السنة.

стр. 4876

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محبكم محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم الشيخ.. حفظه الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد تشرفت بكتابكم الكريم المؤرخ في ٢٩ من الشهر الماضي، وسررت بصحتكم الحمد لله على ذلك. سؤالكم عن فصل الخطاب في موضوع وضع اليدين في الصلاة حال القيام. جوابه: فصل الخطاب هو: أن من السنة الثابتة عن الرسول ﷺ وضع اليد اليمنى على اليسرى، جاء عنه ذلك في الصحيحين وغيرهما. ولكن أين يكون محل اليدين؟ حكى في نيل الأوطار قولين: أحدهما: تحت السرة، استناداً إلى ما رواه الإمام أحمد (١) وأبو داود عن علي – ﵁ – "أن ذلك من السنة"، والحديث في إسناده مقال. الثاني: فوق السرة إما تحت الصدر، أو فوق السرة نفسها، وفيه أثر عن علي – ﵁ "أنه كان يمسك شماله بيمينه فوق السرة" (٢) . ذكر صاحب نيل الأوطار أن في إسناده أبا طالوت

стр. 4877

عبد السلام بن أبي حازم يكتب حديثه (١) ، ثم ذكر بعد ذلك حديث وائل بن حجر قال: "صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" (٢) ، وقال: لا شيء في الباب أصح من حديث وائل المذكور. وقد حكى الأقوال الثلاثة القرطبي في تفسيره. وإذا تبين أن حديث وائل أصح شيء في الباب كان العمل به أولى، وقد قال الشيخ الألباني في رسالته (صفة صلاة النبي ﷺ ص٧٩ ط٧) : "وضعهما على الصدر هو الذي ثبت في السنة، وخلافه إما ضعيف، أو لا أصل له". أهـ. أما ما ذكره ابن القيم – ﵀ – في البدائع عن مسائل الإمام أحمد، فلا أدري ما وجهه وقد فسر التكفير بوضع اليدين على الصدر، ولكن صاحب النهاية فسره: بأن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسه قريباً من الركوع (٣) . وأما ما أشرتم إليه من كلام ابن القيم في أعلام الموقعين فقد راجعته في طبعتين عندي فلم أجده، ولعلي أبحث في طبعة ثالثة إن شاء الله عسى أن أظفر به. وأما انفراد مؤمل عن سفيان برواية "وضع اليدين على الصدر" فينظر في مؤمل، فإن كان ثقة لم يضر انفراده، وإن كان غير ثقة فهو مردود، وينظر هل له طريق آخر. ...

стр. 4878

هذا وقد ذكر صاحب الفروع أنه يكره وضع اليدين على الصدر وقال: نص عليه مع أنه رواه أحمد فكأنه استغرب ذلك. ثم إني وجدت كلامه في أعلام الموقعين ص٩ ج٣ وتحققت من حال مؤمل بن إسماعيل فإذا العلماء مختلفون فيه: فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ومقتضى صنيع ابن القيم في الأعلام تعليل الحديث بانفراده بذلك والله أعلم. وقد ذكر الحديث في بلوغ المرام وعزاه لابن خزيمة وسكت عنه، وقد راجعت كثيراً من كتب الحديث التي عندي فوجدت كلاماً كثيراً حول هذه المسألة ووجدت حديثاً مرسلاً في أبي داود سنده حسن عن طاووس قال: "كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره وهو في الصلاة" (١) . وهذا يؤيد حديث مؤمل ابن إسماعيل، والأمر في ذلك واسع إن شاء الله، لكن القول بكراهة وضعها على الصدر يحتاج إلى دليل تنبني عليه الكراهة. حرر في ٤/٣/١٣٩٦هـ. ٤٥١ وسئل فضيلته: هل ثبت عن النبي ﷺ أنه أسدل يديه في الصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه سدل يديه في الصلاة، ولا أنه أمر به، وإنما السنة في الصلاة أن يضع الرجل يده اليمنى على يده اليسرى فوق صدره، فإن شاء وضع اليد اليمنى على

стр. 4879

الرسغ – أي على المفصل الذي بين الكف والذراع – وإن شاء وضع اليد اليمنى على الذراع نفسه، قال سهل بن سعد – ﵁: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (١) . وأما السدل فإنه ليس بسنة لا قبل الركوع ولا بعد الركوع، وإنما السنة قبل الركوع وبعده أن يضع الرجل يده اليمنى على يده اليسرى كما ذكرنا. ٤٥٢ وسئل أيضاً: هل يجب وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة ؟ فأجاب قائلاً: لا يجب ذلك، ولا أعلم أحداً قال بوجوبه. ولعل أحداً يقول بوجوبه مستدلاً بقوله: "كان الناس يؤمرون"، والأصل في الأمر الوجوب ولكن رأي الجمهور أنه ليس بواجب إنما ذلك من السنة. ٤٥٣ سئل فضيلة الشيخ وفقه الله وحفظه: هل الأفضل لمن يصلي في الحرم أن ينظر إلى الكعبة أم إلى موضع السجود؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل لمن يصلي أن ينظر إلى موضع سجوده لا إلى الكعبة؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أمر المصلي أن ينظر إلى الكعبة إذا كان يشاهدها؛ ولأن نظره إلى الكعبة وهو

стр. 4880

يصلي يستلزم أن ينشغل بصره بالطائفين؛ لأن الطائفين بالكعبة كثيرون ويلفتون النظر، وربما ينشغل بالنظر إلى الكعبة بهؤلاء الطائفين ويبعد عن صلاته، والنبي ﷺ كان عليه ذات يوم خميصة، فنظر إلى أعلامها وهو يصلي نظرة، فلما انصرف من صلاته قال: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني – أي الخميصة – آنفاً عن صلاتي" (١) . فكل ما يلهي المصلي ينبغي له أن يبتعد عنه. ٤٥٤ وسئل فضيلة الشيخ: ما هو الأفضل للمتمكنين من رؤية الكعبة في الصلاة خصوصاً في المطاف، النظر إلى الكعبة أم إلى مكان السجود؟ فأجاب بقوله: الأفضل للمصلي أن ينظر إلى موضع سجوده، لا إلى الكعبة، لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أمر المصلي أن ينظر إلى الكعبة إذا كان يشاهدها؛ ولأن نظره إلى الكعبة وهو يصلي يستلزم أن ينشغل بصره بالطائفين؛ لأن الطائفين حول الكعبة كثيرون ويلفتون النظر، فربما ينشغل بالنظر إلى الكعبة وبهؤلاء الطائفين ويبعد عن صلاته. والنبي ﷺ كان عليه ذات يوم وهو يصلي خميصة فنظر إلى أعلامها وهو يصلي نظرة فلما انصرف من صلاته قال: "اذهبوا

стр. 4881

بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني - أي الخميصة - آنفاً عن صلاتي" (١) . فكل ما يلهي المصلي فإنه ينبغي أن يبتعد عنه، ولكن ما تقولون في مصل يتعمد اللهو حيث ينظر إلى الساعة وهو يصلي، وينظر إلى القلم، وهو يصلي، وإذا تذكر حاجة وهو يصلي أخرج القلم والورقة وكتبه، فلا شك أن هذا خطأ عظيم؛ ولأن الشيطان يأتي إلى الإنسان وهو يصلي يقول: اذكر كذا، أو اذكر كذا، فيذكره بشيء نسيه (٢) ، حتى إنه ذكر أن رجلاً جاء لأبي حنيفة ﵀؛ وأبو حنيفة إمام عالم جليل إمام من الأئمة الأربعة، وكان رجلاً قد أعطاه الله علماً وذكاء، والذكاء مع العقل، والعلم يفيد صاحبه، جاءه رجل فقال له: إني نسيت حاجة أهمتني وشغلتني فماذا تأمرني؟ قال: اذهب فتوضأ وصل ثم أتني بعد صلاتك، فذهب الرجل فتوضأ وصلى، وفي أثناء الصلاة ذكره الشيطان إياها، ثم جاء إلى أبي حنيفة بعد ذلك وأخبره أنه ذكرها حين شرع في الصلاة، لكنني أقول هذا ولست أريد منكم عبرة، إنما الإنسان إذا أقبل على صلاته فينبغي أن يقبل على ربه؛ لأنه واقف بين يديه. *

стр. 4882

بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني - أي الخميصة - آنفاً عن صلاتي" (١) . فكل ما يلهي المصلي فإنه ينبغي أن يبتعد عنه، ولكن ما تقولون في مصل يتعمد اللهو حيث ينظر إلى الساعة وهو يصلي، وينظر إلى القلم، وهو يصلي، وإذا تذكر حاجة وهو يصلي أخرج القلم والورقة وكتبه، فلا شك أن هذا خطأ عظيم؛ ولأن الشيطان يأتي إلى الإنسان وهو يصلي يقول: اذكر كذا، أو اذكر كذا، فيذكره بشيء نسيه (٢) ، حتى إنه ذكر أن رجلاً جاء لأبي حنيفة ﵀؛ وأبو حنيفة إمام عالم جليل إمام من الأئمة الأربعة، وكان رجلاً قد أعطاه الله علماً وذكاء، والذكاء مع العقل، والعلم يفيد صاحبه، جاءه رجل فقال له: إني نسيت حاجة أهمتني وشغلتني فماذا تأمرني؟ قال: اذهب فتوضأ وصل ثم أتني بعد صلاتك، فذهب الرجل فتوضأ وصلى، وفي أثناء الصلاة ذكره الشيطان إياها، ثم جاء إلى أبي حنيفة بعد ذلك وأخبره أنه ذكرها حين شرع في الصلاة، لكنني أقول هذا ولست أريد منكم عبرة، إنما الإنسان إذا أقبل على صلاته فينبغي أن يقبل على ربه؛ لأنه واقف بين يديه. *

стр. 4883

الاستعاذة والبسملة. * دعاء الاستفتاح. * قراءة الفاتحة. * السكوت بعد قراءة الفاتحة.

стр. 4884

الاستعاذة والبسملة ٤٥٥ وسئل فضيلة الشيخ: هل تكفي الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند قراءة الفاتحة في الصلاة أو لابد من الإتيان بالبسملة؟ وإذا استعذت وبسملت للفاتحة هل أبسمل للسورة التي بعدها في الصلاة وإن تعددت السور؟ فأجاب فضيلته بقوله: التعوذ بالله من الشيطان الرجيم مشروع عند كل قراءة، كلما أراد الإنسان أن يقرأ شيئاً من القرآن في الصلاة أو غير الصلاة فإنه مشروع له أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لقوله : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . أما البسملة، فإن كان القارئ يريد أن يبتدئ السورة من أولها فبسمل؛ لأن البسملة آية فاصلة بين السور يؤتى بها في ابتداء كل سورة ما عدا سورة البراءة؛ فإن سورة براءة ليس في أولها بسملة. وعلى هذا فإذا أراد الإنسان قراءة الفاتحة في الصلاة فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم أولاً ثم يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. وقد اختلف أهل العلم في البسملة في الفاتحة هل هي من الفاتحة أو لا؟ فذهب بعض أهل العلم إلى أنها من الفاتحة، ولكن الصحيح أنها ليست منها، وأن أول سورة الفاتحة (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ

стр. 4885

الْعَالَمِينَ) ؛ لحديث أبي هريرة – ﵁ – الثابت في الصحيح أن الله قال: "قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين، فإذا قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال الله تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قال الله تعالى: مجدني عبدي، وإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، وإذا قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال الله تعالى: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل" (١) . وعلى هذا فتكون الفاتحة أولها: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وهي سبع آيات، الأولى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، الثانية: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، الثالثة: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، والرابعة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، الخامسة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ، السادسة: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) . السابعة: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) . أما على القول بأن البسملة منها؛ فأول آية هي البسملة والثانية هي: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . والثالثة: (الرَّحْمَنِ

стр. 4886

الرَّحِيمِ) . والرابعة: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) . الخامسة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) . والسادسة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) . والسابعة: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) . ولكن الراجح أن البسملة ليست من الفاتحة، كما أنها ليست من غيرها من السور إلا في سورة النمل؛ فإنها بعض آية منها. ٤٥٦ وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الجهر بالبسملة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الراجح أن الجهر بالبسملة لا ينبغي، وأن السنة الإسرار بها؛ لأنها ليست من الفاتحة، ولكن لو جهر بها أحياناً فلا حرج؛ بل قد قال بعض أهل العلم: إنه ينبغي أن يجهر بها أحياناً؛ لأن النبي ﷺ قد روي عنه "أنه كان يجهر بها" (١) . ولكن الثابت عنه ﷺ "أنه كان لا يجهر بها" (٢) وهذا هو الأولى أن لا يجهر بها. ولكن لو جهر بها تأليفاً لقوم مذهبهم الجهر فأرجو أن لا يكون به بأس.

стр. 4887

٤٥٧ وسئل فضيلته: هل الاستعاذة في كل ركعة أو في الأولى فقط ؟ فأجاب: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة سنة. واختلف العلماء ﵏ هل يستعيد في كل ركعة، أم في الركعة الأولى فقط بناء على القراءة في الصلاة هل هي قراءة واحدة أم لكل ركعة قراءة منفردة؟ والجواب: الذي يظهر لي: أن قراءة الصلاة واحدة، فتكون الاستعاذة في أول ركعة، إلا إذا حدث ما يوجب الاستعاذة، كما لو انفتح عليه باب الوساوس، فإن الرسول ﷺ أمر الإنسان إذا انفتح عليه باب الوساوس أن يتفل عن يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. فقد روى مسلم أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليَّ، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثاً" (١) . ٤٥٨ سئل فضيلة الشيخ وفقه الله تعالى: ما حكم دعاء الاستفتاح ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الاستفتاح سنة وليس بواجب، لا في الفريضة ولا في النافلة. والذي ينبغي أن يأتي الإنسان في الاستفتاح بكل ما ورد عن

стр. 4888

النبي ﷺ يأتي بهذا أحياناً، وبهذا أحياناً، ليحصل له بذلك فعل السنة على جميع الوجوه، وإن كان لا يعرف إلا وجهاً واحداً من السنة واقتصر عليه فلا حرج؛ لأن الظاهر أن الرسول ﵊ كان ينوع هذه الوجوه في الاستفتاح، وفي التشهد من أجل التيسير على العباد، وكذلك في الذكر بعد الصلاة كان الرسول ﷺ ينوعها لفائدتين: الفائدة الأولى: أن لا يستمر الإنسان على نوع واحد، فإن الإنسان إذا استمر على نوع واحد صار إتيانه بهذا النوع كأنه أمر عادي، ولذلك لو غفل وجد نفسه يقول هذا الذكر، وإن كان من غير قصد؛ لأنه صار أمراً عادياً فإذا كانت الأذكار متنوعة وصار الإنسان يأتي أحياناً بهذا، وأحياناً بهذا صار ذلك أحضر لقلبه، وأدعى لفهم ما يقوله. الفائدة الثانية: التيسير على الأمة، بحيث يأتي الإنسان تارة بهذا، وتارة بهذا، على حسب ما يناسبه. فمن أجل هاتين الفائدتين صارت بعض العبادات تأتي على وجوه متنوعة مثل دعاء الاستفتاح، والتشهد، والأذكار بعد الصلاة. ٤٥٩ سئل فضيلة الشيخ: هل يجمع الإنسان بين نوعين من دعاء الاستفتاح ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يجمع بين نوعين من دعاء الاستفتاح، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي

стр. 4889

الله عنه - قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ فسألته فقال: أقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج، والبرد" (١) . فالنبي ﵊ ما أجابه عندما سأله ما يقول إلا بواحد فقط، فدل هذا على أنه ليس من المشروع الجمع بين الأنواع. ٤٦٠ وسئل فضيلة الشيخ: إذا جاء المصلي والإمام قد شرع في الصلاة وهو يعلم أنه إن شرع في دعاء الاستفتاح ركع الإمام ولم يتمكن من قراءة الفاتحة فما العمل؟ فأجاب بقوله: إذا جاء الإنسان ودخل مع الإمام فإنه يكبر تكبيرة الإحرام، ويستفتح ويشرع بقراءة الفاتحة ثم إن تمكن من إتمامها قبل أن يفوته الركوع فعل، فإن لم يتمكن فإنها تسقط عنه ما لم يتمكن منه؛ لأنه مسبوق في القيام، وحينئذ يكون قد أتى بالصلاة على ترتيبها المشروع حسبما أمر به.

стр. 4890

٤٦١ وسئل فضيلته: لقد عقدت دورة لتلاوة القرآن الكريم وحفظه في دولة ... ، وقد أوفدت لنا الجهة المختصة رجلاً فاضلاً من علماء القرآن لتعليم الناس كيفية التلاوة الصحيحة – جزاه الله خيراً – وقد أثار هذا الشيخ المدرس منذ اللحظة الأولى مسألة وجوب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: إننا في هذا البلد نقرأ القرآن على رواية حفص، وبما أن هذه الرواية تعتبر البسملة آية من الفاتحة إذن لابد من الجهر بها في الصلاة الجهرية، والذي لا يجهر بها تبطل صلاته حتى لو قرأها سراً. فكنت يا شيخنا من الذين ناقشوه حول هذه المسألة بفرعيها الأول: وهو قوله "بوجوب الجهر بالبسملة" والثاني: عن قوله ببطلان صلاة من أسر بها. لكنه لم يناقش الأمر بموضوعية ولم يأت بأدلة على كلامه وطلب إنهاء النقاش حول المسألة مع إصراره على قوله. فقمت من باب تبيان الحق للناس – إن شاء الله – بكتابة رد على أقواله ووزعته على بعض الناس وأعطيته نسخة من الرد معتذراً إليه، وقائلاً له: هذه وجهة نظر أرجو منك الإطلاع عليها، وكنت قد اتصلت بالشيخ ... ، قبل توزيع الرد عارضاً عليه المسألة فوافقني على ما كتبت جزاه الله خيراً، وقد أرفقت صورة عما كتبت مع هذه الرسالة لفضيلتكم أرجو منكم توجيهي حول ذلك، فما كان من ذلك الشيخ في الحصة التي بعدها إلا أن قام بالتهجم عليَّ بالكلام، واتهمني بسوء الأدب وغير ذلك، وهذا لا يهم، ثم أصر على كلامه السابق بالقول ببطلان صلاة من لم يجهر بالبسملة. لذا نرجو من

стр. 4891

فضيلتكم أن تفتونا مأجورين حول ما ذكرت بهذه الرسالة وبارك الله فيكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فأجاب بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد: القول الراجح أن البسملة ليست من الفاتحة فلا يجهر بها في الجهرية ودليل ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: "الحمد لله رب العالمين" قال الله: "حمدني عبدي" أخرجه مسلم في صحيحه (١) . وتمام الحديث فيه. فبدأ بقوله الحمد لله رب العالمين ولم يذكر البسملة. ويدل لذلك أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه (٢) عن أنس بن مالك – ﵁ – قال: "صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم"، وفي لفظ: "صليت خلف النبي ﷺ وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم". رواه أحمد (٣) والنسائي (٤) بإسناد على شرط الصحيح. قال الحافظ الدارقطني: إنه لم يصح بالجهر بها حديث. ...

стр. 4892

ولما ذكر في نيل الأوطار الخلاف في المسألة قال: وأكثر ما في المقام الاختلاف في مستحب أو مسنون، فليس شيء من الجهر وتركه يقدح في الصلاة ببطلان بالإجماع أهـ (١) . فتبين بهذا: أولاً: أن البسملة ليست من الفاتحة لحديث أبي هريرة ﵁. ثانياً: أن السنة عدم الجهر بالبسملة؛ لأن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، وعثمان لم يكونوا يجهرون بها، لحديث أنس بن مالك ﵁. ثالثاً: أن الصلاة لا تبطل بترك الجهر بالإجماع، وأن من قال تبطل فقد خالف الإجماع. فاجتمع في ترك الجهر بالبسملة سنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الثلاثة، وقد حث النبي ﷺ على اتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٠ من محرم سنة ١٤١٨هـ. ٤٦٢ وسئل فضيلة الشيخ: هل التأمين سنة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم، التأمين سنة مؤكدة، لاسيما إذا أمن الإمام، لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه

стр. 4893

تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" (١) . ويكون تأمين الإمام والمأموم في آن واحد، لقول النبي ﷺ وآله وسلم: "إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين" (٢) . ٤٦٣ وسئل فضيلة الشيخ: ورد في الحديث: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"، فهل من سبق إمامه يدخل في هذا الفضل؟ فأجاب فضيلته بقوله: من سبق إمامه في التأمين فإنه لا يدخل في هذا الفضل، لأنه قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا فمن وافق" (٣) . لكن لو فرض أن الإمام تأخر فحينئذ لا حرج على المأموم أن يؤمن. ٤٦٤ سئل فضيلة الشيخ: إذا فرغ المصلي في الصلاة السرية من قراءة الفاتحة وسورة والإمام لم يركع فهل يسكت؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يسكت المأموم إذا فرغ من قراءة الفاتحة وسورة قبل أن يركع الإمام، بل يقرأ حتى يركع الإمام، حتى لو كان في الركعتين اللتين بعد التشهد الأول وانتهى من الفاتحة ولم يركع الإمام فإنه يقرأ سورة أخرى حتى يركع الإمام؛ لأنه ليس في

стр. 4894

الصلاة سكوت مشروع إلا في حال استماع المأموم لقراءة إمامه. ٤٦٥ وسئل فضيلة الشيخ: إذا دخل الإنسان في صلاة سرية وركع الإمام ولم يتمكن هذا الشخص من إكمال الفاتحة فما العمل؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مسبوقاً بمعنى أنه جاء والإمام قد شرع في الصلاة ثم كبر، واستفتح، وقرأ الفاتحة، وركع الإمام قبل انتهائه منها، فإنه يركع مع الإمام ولو فاته بعض الفاتحة؛ لأنه كان مسبوقاً فسقط عنه ما لم يتمكن من إدراكه قبل ركوع الإمام، وأما إذا كان دخل مع الإمام في أول الصلاة وعرف من الإمام أنه لا يتأنى في صلاته، وأنه لا يمكنه متابعة الإمام، إلا بالإخلال بأركان الصلاة ففي هذه الحال يجب عليه أن يفارق الإمام، وأن يكمل الصلاة وحده؛ لأن المتابعة هنا متعذرة إلا بترك الأركان، وترك الأركان مبطل للصلاة. ٤٦٦ وسئل فضيلة الشيخ: بعض المأمومين إذا قرأ (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: استعنا بالله، فما حكم ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: المشروع في حق المأموم أن ينصت لإمامه، فإذا فرغ من الفاتحة أمن الإمام، وأمن المأموم، وهذا التأمين يغني على كل شيء يقوله الإنسان في أثناء قراءة الإمام للفاتحة.

стр. 4895

٤٦٧ وسئل فضيلة الشيخ: بعض المأمومين حين يقرأ الإمام في الفاتحة (إياك نعبد وإياك نستعين) يقولون: استعنا بالله، وبعضهم يقول ذلك جهراً، فما الحكم في ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: الحكم في ذلك أنه لا ينبغي للمأموم هذا القول ولا وجه له، لأن قارئ الفاتحة حين يقول (إياك نعبد وإياك نستعين) فذلك خبر عما في نفسه وضميره من أنه لا يعبد إلا الله، ولا يستعين إلا به، والمطلوب من المأموم أن يؤمن على قراءة الإمام حين يقول (ولا الضالين) ذلك هو المطلوب فقط. أما هذا الذي يقولونه فليس بمشروع، وأيضاً فهو يؤذي من حوله بالتشويش عليهم. ٤٦٨ وسئل فضيلته: عن قول بعض الناس إذا قال الإمام (إياك نعبد وإياك نستعين) "استعنا بالله"؟ فأجاب فضيلة الشيخ بقوله: قول المأموم إذا قال الإمام (إياك نعبد وإياك نستعين) "استعنا بالله" لا أصل له، وينهى عنه؛ لأنه إذا انتهى الإمام من الفاتحة أمن المأموم، فتأمينه هذا كاف عن قوله استعنا بالله.

стр. 4896

قراءة الفاتحة ٤٦٩ سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى-: ما حكم قراءة الفاتحة في الصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء في قراءة الفاتحة على أقوال متعددة: القول الأول: أن الفاتحة لا تجب لا على الإمام، ولا المأموم، ولا المنفرد، لا في الصلاة السرية، ولا الجهرية، وأن الواجب قراءة ما تيسر من القرآن ويستدلون بقول الله تعالى في سورة المزمل: (فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) . وبقول النبي ﷺ للرجل: "اقرأ ما تيسر معك من القرآن" (١) . القول الثاني: أن قراءة الفاتحة ركن في حق الإمام، والمأموم، والمنفرد، في الصلاة السرية والجهرية، وعلى المسبوق وعلى الداخل في جماعة من أول الصلاة. القول الثالث: أن قراءة الفاتحة ركن في حق الإمام والمنفرد، وليست واجبة على المأموم مطلقاً لا في السرية، ولا في الجهرية. القول الرابع: أن قراءة الفاتحة ركن في حق الإمام والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية، وركن في حق المأموم في الصلاة السرية دون الجهرية. ...

стр. 4897

والراجح عندي: أن قراءة الفاتحة ركن في حق الإمام، والمأموم، والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية، إلا المسبوق إذا أدرك الإمام راكعاً فإن قراءة الفاتحة تسقط عنه في هذه الحال، ويدل لذلك عموم قول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) . وقوله ﷺ : "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" (٢) – بمعنى فاسدة – وهذا عام، ويدل لذلك أيضاً حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ انصرف من صلاة الصبح فقال لأصحابه: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (٣) ، وهذا نص في الصلاة الجهرية. وأما سقوطها عن المسبوق فدليله: حديث أبي بكرة ﵁ أنه أدرك النبي ﷺ راكعاً، فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، فلما انصرف النبي ﷺ من صلاته سأل عمن فعل ذلك، فقال أبو بكرة: أنا يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : "زادك الله حرصاً ولا تعد" (٤) ، فلم يأمره النبي ﷺ بإعادة الركعة التي أسرع من أجل ألا تفوته، ولو كان ذلك واجباً عليه لأمره به النبي ﷺ ،

стр. 4898

كما أمر الذي يصلي بلا طمأنينة أن يعيد صلاته، هذا من جهة الدليل الأثري. أما من جهة الدليل النظري فنقول: إن هذا الرجل المسبوق لم يدرك القيام الذي هو محل قراءة الفاتحة، فلما لم يدرك المحل سقط ما يجب فيه، بدليل أن الأقطع الذي تقطع يده لا يجب عليه أن يغسل العضد بدل الذراع، بل يسقط عنه الفرض لفوات محله، كذلك تسقط قراءة الفاتحة على من أدرك الإمام راكعاً؛ لأنه لم يدرك القيام الذي هو محل قراءة الفاتحة، وإنما سقط عنه القيام هنا من أجل متابعة الإمام. فهذا القول عندي هو الصحيح، ولولا حديث عبادة بن الصامت الذي أشرت إليه قبل قليل – وهو أن النبي ﷺ انصرف من صلاة الصبح – لولا هذا لكان القول بأن قراءة الفاتحة لا تجب على المأموم في الصلاة الجهرية هو القول الراجح؛ لأن المستمع كالقارئ في حصول الأجر، ولهذا قال الله تعالى لموسى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) ، مع أن الداعي موسى وحده، قال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) . فهل ذكر الله لنا أن هارون دعا؟ فالجواب لا، ومع ذلك قال: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) . قال العلماء في توجيه التثنية بعد الإفراد: إن موسى كان يدعو وهارون كان يؤمن. ...

стр. 4899

وأما حديث أبي هريرة الذي فيه: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (١) فلا يصح؛ لأنه مرسل كما قاله ابن كثير في مقدمة تفسيره، ثم إن هذا الحديث على إطلاقه لا يقول به من استدل به، فإن الذين استدلوا به بعضهم يقول: إن المأموم تجب عليه القراءة في الصلاة السرية فلا يأخذون به على الإطلاق. ... فإن قيل: إذا كان الإمام لا يسكت فمتى يقرأ المأموم الفاتحة؟ فنقول: يقرأ الفاتحة والإمام يقرأ؛ لأن الصحابة كانوا يقرءون مع الرسول ﷺ وهو يقرأ، فقال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (٢) . ٤٧٠ سئل فضيلة الشيخ وفقه الله تعالى: ما وجه الجمع بين قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" وكذلك قول الرسول ﷺ : "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج غير تمام" وبين قوله ﷺ : "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، وحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا"، ما وجه الجمع؟ وما الحكم إذا قرأ المصلي في الركعة الأولى (قل هو الله أحد) وفي الثانية: العاديات؟ أو في الأولى بسورة البقرة كلها، وفي الثانية بسورة آل عمران؟ ...

стр. 4900

فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين وبعد: فإن من المهم لطالب العلم خاصة أن يعرف الجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض، ليتمرن على الجمع بين الأدلة، ويتبين له عدم المعارضة؛ لأن شريعة الله لا تتعارض، فإنها من وحي الله . ... وكلام الله ﵎، وما صح عن رسوله ﷺ لا يتعارض، وما ذكره السائل من الأحاديث الأربعة التي قد يظهر منها التعارض فيما بينها فإن الجمع بينها – ولله الحمد – ممكن متيسر وذلك أن نحمل الحديثين الأخيرين "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" (١) ، إن صح فإن بعض أهل العلم ضعفه، وقال: لا يصح عن النبي ﷺ لأنه مرسل، فإن هذا العموم وهو قوله: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" يخصص بحديث الفاتحة: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (٢) . فتكون قراءة الإمام في ما عدا سورة الفاتحة له قراءة. وكذلك قوله ﷺ : "إذا قرأ فأنصتوا" يحمل على ما عدا الفاتحة فيقال: إذا قرأ في غير الفاتحة وأنت قد قرأتها فأنصت له ولا تقرأ معه؛ لأن قراءة الإمام قراءة لك هذا هو الجمع بين الحديثين. والأخذ بالحديثين الأولين وهو "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (٣) .

стр. 4901

وحديث: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج". الأخذ بهما أحوط؛ لأن القاري يكون قد أدى صلاته بيقين دون شك إذا قرأ الفاتحة ولو كان الإمام يقرأ ففي السنة من حديث عبادة بن الصامت أن الرسول ﷺ صلى بأصحابه الصبح فلما انصرف قال: لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". وأما قول السائل: ما حكم قراءة قل هو الله أحد في الركعة الأولى وفي الثانية سورة العاديات؟ فهذا لا ينبغي، والذي ينبغي أن تقرأ القرآن في الركعتين مرتباً، فإذا قرأت سورة فالأولى أن تقرأ بما بعدها لا بما قبلها، فإذا قرأ الإنسان (قل يا أيها الكافرون) في الركعة الأولى، فليقرأ في الركعة الثانية (إذا جاء نصر الله والفتح) أو (قل هو الله أحد) ولا يقرأ (أرأيت الذي يكذب بالدين) أو ما كان قبلها وهكذا. وأما قوله: هل يقرأ في الركعة الأولى بسورة البقرة كلها، والثانية بسورة آل عمران؟ فجوابه: أنه لا يجوز لك أن تفعل هذا إذا كنت إماماً، أن تقرأ بسورة البقرة كاملة وآل عمران كاملة، بل ولا بسورة البقرة وحدها، اللهم إلا أن تكون الجماعة عدداً محصوراً ويوافقوا على ذلك فلا حرج، ووجه هذا أن النبي ﷺ زجر معاذاً – ﵁ – ووعظه موعظة عظيمة حينما أطال بأصحابه وقال: "أتريد يا معاذ أن تكون فتاناً". وليس للإمام أن يقرأ بأصحابه أكثر مما جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، فإن صلاة الرسول ﷺ أتم الصلاة، وأحسنها، وأوفقها، وأرفقها بالخلق. والله الموفق.

стр. 4902

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فلا شك أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١) ، وأن هذا النفي نفي للصحة لا نفي للكمال كما يدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" (٢) وأن ذلك واجب في كل صلاة، وفي كل ركعة من الركعات لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته حين ذكر له ما يفعل بالركعة من قراءة وغيرها قال: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (٣) . وأنه لا فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد لعموم الحديث، وأما الأحاديث الواردة في إخراج المأموم من ذلك فلا يصح الاستدلال بها إما لضعفها، وإما لضعف دلالتها على ذلك (٤) . كما أن ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون الصلاة جهرية سمع فيها المأموم قراءة الإمام الفاتحة، أم سرية لعموم الحديث، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح فتفلتت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرءون

стр. 4903

وراء إمامكم" قال: قلنا يا رسول الله أي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". رواه أبو داود والترمذي (١) . وفي لفظ: "فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن". رواه أبو داود والنسائي (٢) . لكن من جاء والإمام راكع فإنها تسقط عنه في هذه الركعة التي أدرك ركوعها لما في صحيح البخاري عن أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصاً ولا تعد" (٣) . وفي رواية لأحمد أن النبي ﷺ سمع صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر (أي يسعى عجلاً) يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف قال: "من الساعي"؟ قال أبو بكرة أنا. وعند الطبراني أنه قال للنبي ﷺ : خشيت أن تفوتني الركعة معك. وقوله ﷺ : "لا تعد" بفتح التاء وضم العين، وسكون الدال، من العود وهو يتضمن الدلالة على النهي عن السعي، وعن الركوع قبل الوصول إلى الصف، وعلى إدراك أبي بكرة للركعة. ووجه الدلالة منه على إدراكها ما يأتي: ١- أن النبي ﷺ لم يأمره بقضائها، ولو لم يدركها لأمره بقضائها، كما أمر المسيء في صلاته بإعادة صلاته حين لم يصلها بطمأنينة، ولم يتم ركوعها، ولا سجودها، ولو أمره بقضائها لنقل إلينا قطعاً لأنه من الشريعة، وقد تكفل الله بحفظها فلا يمكن أن يترك

стр. 4904

منها ثابت بدون نقل، فلما لم ينقل علم أنه لم يكن. وهذه قاعدة هامة ينبغي مراعاتها. ٢- أن سعي أبي بكرة وركوعه قبل أن يصل إلى الصف دليل على أنه ليدرك الركعة بذلك، وقد صرح للنبي ﷺ بذلك في رواية الطبراني، وهو معلوم، وإن لم يصرح به إذ لا يمكن للعاقل أن يفعل مثل ذلك إلا لفائدة يحصل عليها وهي إدراك الركعة هنا، ولو لم يكن بينه وبين من فاته الركوع فرق في عدم الإدراك، لما كان يحسن أن يسعى ويركع قبل أن يصل إلى الصف. ٣- أنه لما كان يفهم من فعل أبي بكرة قصد إدراك الركعة ولم يبين له النبي ﷺ أنه لم يدركها مع قيام هذا المقتضى القوي للبيان كان دليلاً واضحاً على إقرار النبي ﷺ أبا بكرة لما قصده، وأنه قد أدرك الركعة، وهذا أقوى دلالة من الإقرار المجرد الذي لم يسبق بما يقتضي وجوب الإنكار، لو كان العمل مما يجب إنكاره. هذا من حيث الدليل الأثري على إدراك الركعة إذا أدرك المأموم إمامه راكعاً، وأنه تسقط عنه الفاتحة في هذه الركعة حينئذ. أما من حيث الدليل النظري فنقول: الفاتحة قرآن واجب حال القيام، وقد سقط القيام عنه حينئذ لوجوب متابعة الإمام، فسقط ما كان واجباً فيه؛ لسقوط محله، كما يسقط التشهد الأول عن المأموم إذا أدرك إمامه في الركعة الثانية من الرباعية، ويزيده في الركعة الأولى مع أنه لو تعمد ذلك في حال غير متابعة الإمام لبطلت صلاته. قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٩/٤/١٣٩٨هـ.

стр. 4905

٤٧١ وسئل فضيلة الشيخ: في حالة الصلاة الجهرية كالفجر مثلاً هل يلزم المأموم قراءة الفاتحة مع العلم بأن بعض الأئمة بعد انتهائه من قراءة الفاتحة يقرأ سورة أخرى بسرعة لا تتيح للمأموم قراءة الفاتحة؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة تنبني على خلاف العلماء – ﵏ – في وجوب قراءة الفاتحة، وذلك أن أهل العلم اختلفوا في هذه المسألة: فمنهم من قال: لا قراءة على المأموم مطلقاً لا في الصلاة السرية ولا في الصلاة الجهرية، لا الفاتحة ولا غيرها. ومنهم من قال: بل يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في السرية والجهرية، ولا تسقط الفاتحة إلا في حق المسبوق الذي أدرك الإمام وهو راكع، وهذا القول أقرب إلى ظواهر النصوص، أعني أن الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد، وأنها واجبة على المأموم في الصلاة السرية والجهرية إلا المسبوق إذا دخل مع الإمام وهو راكع أو قبل ركوعه في حال لا يتمكن فيها من قراءة الفاتحة، ففي هذه الحالة تسقط عنه. وعلى هذا فإذا كنت خلف إمام يشرع في قراءة السورة بعد الفاتحة مباشرة، فاقرأ الفاتحة ولو كان إمامك يقرأ، وقد يحصل من ذلك مشقة في أنك تقرأ وإمامك يقرأ، ولاسيما إن كان الإمام من الذين يقرأون بواسطة مكبر الصوت، ولكن نقول: تحمل واصبر ومن صبر ظفر.
следующие страницы →