Полный текст (10 899 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
٩٣٨ سئل فضيلة الشيخ: من الملاحظ في أكثر المساجد تخلف كثير من المصلين عن صلاة الفجر, وحيث إن هؤلاء قد عرضوا أنسفهم لعذاب الله وغضبه, ويخشى عليهم من الزيغ وانتكاس القلوب بعد الهدى أعاذنا الله من ذلك, ونظراً لعظم هذه البلية واستفحالها بين المسلمين نرجو منكم توجيه نصيحة إلى هؤلاء المتخلفين وبيان الأحاديث التي تبين خطر هذا الذنب, مع توجيه نصيحة إلى الجيران وأئمة المساجد الذين لا ينصحون هؤلاء المتخلفين عن صلاة الفجر متغافلين عن قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال:٢٥) وجزاكم الله خيراً .
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن صلاة الجماعة فريضة, وأنه لا يجوز للقادر أن يتخلف عنها, وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال ((لقد هممت أن آمر الناس بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) (١) وهذا لاشك أنه تهديد.
وثبت عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء, وصلاة الفجر, ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً)) (٢) .
стр. 5567
فعلى المسلمين أن يتقوا الله , وأن يحرصوا على أداء الصلوات جماعة في المساجد, صلاة الفجر, وصلاة العصر, وغيرها من الصلوات.
وعلى أهل الحي والجيران أن ينصح بعضهم بعضاً؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة, لدين النصيحة, الدين النصيحة)) ,قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله, ولكتابه, ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (١) .
ولأن المؤمن أخو المؤمن, ومرآة أخيه, فالواجب عليه أن يناصحه, وأن يناصره على نفسه الأمارة بالسوء, وعلى الإمام إذا تمكن أن ينصح الجماعة أحياناً كما ((كان النبي صلي الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة)) (٢) فمن استقام وأدى الصلاة مع الجماعة بمناصحة إخوانه له وبموعظة الإمام فهذا هو المطلوب, ومن لم يفعل فهناك جهة مسؤولة يمكن رفع الأمر إليها.
* * *
٩٣٩ سئل فضيلة الشيخ: عن اختلاف الروايات في فضل صلاة الجماعة جاءت بسبع وعشرين درجة وبخمس وعشرين درجة كيف يكون الجمع بينهما ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجمع بينهما سهل جداً إذا قلت لك:
стр. 5568
إذا أحضرت الشيء الفلاني أعطيتك خمساً وعشرين درهماً, ثم قلت إذا أحضرت الشيء الفلاني نفسه أعطيتك سبعاً وعشرين درهماً هل في هذا تناقض؟ فليس في ذلك تناقض. بأي شيء نأخذ بالناقص أم بالزائد؟
الجواب بالزائد
إذن يكون النبي ﷺ بين أن التفاضل بخمس وعشرين درجة ثم بين ثانياً أن التفاضل بسبع وعشرين يعني زاد الناس خيراً وليس هناك تناقض. فنأخذ بالزائد الذي هو بسبع وعشرين درجة.
* * *
стр. 5569
فصل
في شرح أحاديث من كتاب (عمدة الأحكام)
باب صلاة الجماعة ووجوبها (١)
بسم الله الرحمن الرحيم, إن الحمد لله, نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه, وعلى آله, وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:
عن ابن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﵌ قال: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) (٢) .
قال المؤلف ﵀: ((باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها)) ,قد يقول قائل: هذه الترجمة متناقضة, كيف يقول باب فضل, ثم يقول ووجوب؟ والمعروف أن الفضل للاستحباب مناف للوجوب.
فيقال: إن المؤلف أراد بفضل أي بثواب الجماعة والثواب لا
стр. 5570
ينافي الوجوب, وأما قوله: ((ووجوبها)) فيريد به أنها واجبة. واجبة على الرجال لا على النساء.
والواجب هو إذا تركه الإنسان أستحق العقوبة, وإذا فعله استحق المثوبة.
وهنا سؤال أيهما أفضل الواجب أو التطوع؟
والجواب: والواجب أفضل, بالدليل والتعليل:
أما الدليل: فما جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: ((ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى ممن افترضته عليه)) (٣) إذن الواجب أحب إلى الله من التطوع.
وأما التعليل: فإنه لولا أهمية ما أوجبه الله, وإيجاب الله له دليل على أهميته؛ لأن الإيجاب تكليف وإلزام فلولا أنه مهم ما كلف العباد به ولا ألزموا به.
ثم ذكر في فضل صلاة الجماعة حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) (١) .
((أفضل)) يعني أكثر ثواباً من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة فتكون الواحدة عن سبع وعشرين, وإذا كانت الحسنة بعشر أمثالها يكون ثواب صلاة الجماعة مائتين وسبعين حسنة, ولو صليت وحدك لكانت عشر حسنات فقط, فالربح عظيم جداً, ونحن نشاهد أن الناس في الدنيا لو قيل لهم: إنك إذا حملت بضاعتك لمسيرة
стр. 5571
شهر ربحت العشرة عشرين فسوف يسافر ولو بعد السفر, بينما هنا تربح الواحدة سبعاً وعشرين ومع هذا نجد التكاسل العظيم عن صلاة الجماعة.
والربح الذي في الآخرة غير الربح الذي في الدنيا, قال النبي صلي الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في المسند عن المستورد بن شداد قال: ((موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) (١) . سبحان الله موضع السوط حوالي متر خير من الدنيا وما فيها, وليس المراد الدنيا التي أنت فيها الآن ولكن الدنيا من أولها إلى آخرها,
ولهذا قال الله تعالى في القران الكريم: (بلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى, الآيتان:١٦, ١٧) .
فأرباح الدنيا عرضه للزوال وعرضه للفناء, أما أرباح الآخرة باقية, فصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
فإذا قال قائل: لماذا خص بسبع وعشرين درجة؟
فالجواب: العلم عند الله, تخصيص الشيء بعدد أمر توقيفي في غالب المسائل.
ما يستفاد من هذا الحديث:
أولاً: تفاضل الأعمال.
ثانياً: تفاضل العمال يعني أن الناس بعضهم أفضل من بعض, ووجه ذلك أنه إذا كانت الأعمال تتفاضل, فإن القائمين بالأعمال يتفاضلون بحسب تفاضل الأعمال.
стр. 5572
وهذا موجود في القرآن:
(لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: من الآية١٠)
لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِم) (النساء: من الآية٩٥) .
ثالثاً: يؤخذ من هذا الحديث تفاضل الإيمان, وأنه يزيد وينقص, وجه ذلك أن الأعمال من الإيمان فإذا تفاضلت الأعمال لزم أن يتفاضل الإيمان.
إذن نأخذ من هذا دليلاً على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان يزيد وينقص.
هل الإيمان الذي يزيد وينقص هو أعمال الجوارح أو حتى يقين القلب؟
الجواب: حتى يقين القلب يتفاضل, والدليل قول الله ﵎: (َإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة: من الآية٢٦٠)
ولما بشر الله ذكريا بالود آمن بذلك ولكن قال: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) ليطمئن قلبه.
وقال النبي صلي الله عليه وسلم ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين – ويخاطب النساء – أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) (١) .
стр. 5573
فقال: ((ناقصات عقل ودين)) إذن الدين وهذا نص صريح. وفي القرآن ما يدل على نقص الإيمان؛ لأنه إذا كان يزداد فالزيادة في مقابل النقصان.
نأخذ من هذا القاعدة (كل نص يدل على زيادة الإيمان فإنه يدل على نقص الإيمان, وكل نص يدل على نقص الإيمان, فإنه يدل على زيادة الإيمان) وإذ إن النقصان والزيادة متقابلان, إذا فقد أحداهما ثبت الآخر.
فالإيمان يزيد وينقص وهذا أهل السنة والجماعة.
أما الخوارج والمعتزلة والمرجئة فإنهم لا يقرون بزيادة الإيمان ونقصه ولكنهما طرفا نقيض.
ولنضرب لهذا مثلاً: رجل زنى, والزنا فاحشة فهو عند الخوارج كافر, وعند المعتزلة لا مؤمن ولا كافر فهو في منزلة بين المنزلتين, وعند المرجئة مؤمن كامل الإيمان, عند أهل السنة مؤمن ناقص الإيمان, أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته, فباعتبار العمل يكون فاسقاً وباعتبار ما في القلب من الإيمان يكون مؤمناً.
الحديث الثاني: عن أبي هريرة- ﵁ – أن النبي ﵌ قال: ((صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً, وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء, ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة, لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة, وحط عنه بها خطيئة, فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه, اللهم صل عليه, اللهم
стр. 5574
اغفر له, اللهم ارحمه, ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة)) (١) .
هذا الحديث ساقه المؤلف من أجل قوله ((تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً)) .
وقد سبق لنا الجمع بين هذا الحديث وحديث عبد الله بن عمر الدال على أنها أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين والجمع أن السبع والعشرين زيادة فيأخذها.
أما حديث أبي هريرة فقد أخبر النبي أن صلاة الرجل في الجماعة تضعف أي تزاد على صلاته في بيته وفي سوقه.
((في بيته)) إن صلى في السوق ((خمساً وعشرين ضعفاً)) ضعف الشيء مثله مكرراً, فإذا قلت الاثنان ضعف الواحد, فضعف الاثنين أربعة, وهكذا أي أنها تكرر خمساً وعشرين مرة. ولكن نأخذ بالزيادة كما سبق, ثم شرح السبب فقال: ((وذلك)) المشار إليه التضعيفه أي سببه: ((أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء)) .
وإحسان الوضوء يكون بالإتيان به على مقتضى الشريعة.
((ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة)) .خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة؛ هذه نية يعني أنه خرج مخلصاً لله, لم يخرج للدنيا ولكن لم يخرج إلا للصلاة والعبادة لله .
((لم يخط خطوة إلا رفع الله بها درجة, وحط عنه بها
стр. 5575
خطيئة)) .- اللهم لك الحمد – لم يخط خطوة واحدة إلا حصل له بها فائدتان هما:
*رفع الله له بها درجة.
*حط عنه بها خطيئة.
((فإذا صلى)) يعني إذا دخل المسجد وصلى, لأن هذه الخطى لا تزال تكتب له حتى يدخل المسجد, فإذا دخل المسجد, وصلى, وبقي ينتظر الصلاة فإن الملائكة تصلي عليه مادم في مصلاه.
والملائكة عالم غيبي, لا نراهم إلا إذا أراد الله فإنهم يرون, لكن الأصل فيهم الغيب, فهم عالم غيبي خلقهم الله من نور, لم يخلقوا من تراب, ولا من نار, بل من نور, وأقدرهم الله على أعمالهم, لا يسأمون, ولا يملون, ولا يعجزون أبداً قال الله تعالى: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: من الآية٦) ,قال هذا في الملائكة النار وكذلك بقية الملائكة (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ) (فصلت:٣٨) هؤلاء الملائكة خلقهم الله من نور للقيام بطاعته ولهم وظائف وأعمال مخصوصة, وأعمال عامة.
الأعمال العامة أن كلهم قائمون بأمر الله, وعبادة الله.
ولهذا نحن نحب الملائكة لله؛ لأنهم مسلمون لله, مطيعون له. ومن وظائف الخاصة: ما جاء في هذا الحديث أن الله وكل
стр. 5576
ملائكته إذا دخل الرجل المسجد وأحسن الوضوء وصلى فإن الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ماذا تقول؟
تقول: ((اللهم صلى عليه, اللهم اغفر له, اللهم ارحمه)) .
((اللهم صل عليه)) :أي أثن عليه في الملأ الأعلى, والثناء في الملأ الأعلى في الملائكة هذا معنى اللهم صل عليه, ونحن نقول في صلاتنا: اللهم صل على محمد, يعني أثن عليه في الملأ الأعلى.
((اللهم اغفر له)) اغفر له الذنوب يعني ستر الذنب والتجاوز عنه.
((اللهم ارحمه)) الرحمة بها حصول المطلوب, وتمام الإنعام. فهؤلاء الملائكة يدعون للإنسان بهذه الدعوات الثلاث:
((اللهم صل عليه, اللهم اغفر له, اللهم ارحمه)) فالذي لا يحضر الجماعة يحرم هذا الأجر العظيم, ولا يزداد إلا كسلاً عن الخيرات - نسأل الله العافية -.
((لا يزال في صلاة)) أي في حكم الصلاة ثواباً؛ لأننا لو قلنا أنه في حكم الصلاة عملاً لقلنا لا تتكلم, ولا تنصرف عن القبلة, ولا بد فيها من ترك الكلام, والمبطلات؛ لكن المراد لا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة أي في حكم الصلاة ثواباً
يعني كأنه يصلي حتى يحضر الإمام.
يستفاد من هذا الحديث:
أولاً: استحباب إحسان الوضوء.
ثانياً: بيان موقع الإخلاص, وأن لإخلاص تأثيراً في الجزاء وذلك يؤخذ من قوله ((لا يخرجه إلا الصلاة)) .
стр. 5577
ثالثاً: لا يستحب تقصير الخطى لأن قوله ((يخطو خطوة)) يحمل على الخطوة المعهودة المعروفة, ولم يقل الرسول فقصروا خطواتكم. فلو قال هكذا انفصل الأمر وصار فصلاً بينا لكن قال: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا)) (١) امشوا المشي العادي.
رابعاً: يستفاد من هذا الحديث أن الملائكة تتكلم ويستدل ذلك من قوله: ((اللهم صل عليه, اللهم اغفر له, اللهم ارحمه)) .
وكأني بواحد من المتنطعين يقول أي لغة تتكلم الملائكة؟
بالعربية؟ بالعبرية؟ بالسريانية؟
وهذا كقول بعض الناس لما سمع حديث ابن مسعود – ﵁ – أن الله تعالى يجعل الأرضين على إصبع والشجر على إصبع (٢) وما أشبه ذلك. وتقدم بسؤال وقال: كم أصابع الله؟ أعوذ بالله ما هذا السؤال؟
стр. 5578
هل أنت أحرص من الصحابة على معرفة صفات الله؟
الجواب: لا. هل الصحابة لما حدثهم الرسول بهذا الحديث أو أقر اليهودي عليه هل قالوا كم أصابع الرحمن؟ أبداً.
ولهذا أنا أحذر طلبة العلم من التنطع فيما يتعلق بأمور الغيب, أمور الشهادة لا بأس أن للإنسان يبحث, أما أمور الغيب فليأخذ بظاهر ما ورد, وليدع ما سوى ذلك؛ لأنه إذا أخذ بالتنطع في أمور الغيب سواء فيما يتعلق بصفات الله, أو بصفات, الملائكة, أو بأحوال اليوم الآخر إذا أخذ بالتنطع فيها فإنه ربما يهلك فيقع في الشك, أو في الردة والعياذ بالله.
إذن علينا في مثل هذه الأمور أن نترك التنطع وأن نأخذ بظواهر الأدلة. كان الإمام مالك – ﵀ – عند أصحابه في المسجد فقال رجل: يا أبا عبد الله) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه:٥) كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق) من شدة وقع هذا السؤال في قلبه, ثم رفع رأسه وقال له: ((الاستواء غير مجهول, والكيف غير معقول, والإيمان به واجب, والسؤال عنه بدعة)) . ثم قال: ((وما أراك إلا مبتدعاً)) . ثم أمر به فأخرج.
أنكر مالك سؤال الرجل عن الكيفية. وقول مالك: ((ما أراك إلا مبتدعاً)) يحتمل معنيين:
أحدهما: أن السؤال ديدن أهل البدع فهم الذين يسألون
стр. 5579
عن كيفية الصفات, من أجل أن يحرجوا المثبتين للصفات.
الثاني: أنك بسؤالك صرت من أهل البدع؛ لأن الصحابة لم يسألوا عن كيفية الاستواء, وشيء لم يسأل عنه الصحابة يعتبر بدعة في الدين.
الحديث الثالث:
عن أبى هريرة – ﵁ – أن النبي ﵌ قال: ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء, وصلاة الفجر, ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً, ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (١) .
في هذا الحديث يخبر النبي صلي الله عليه وسلم عن اتصاف المنافقين بأنهم يستثقلون الصلاة. يقول ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر)) وبقية الصلوات ثقيلة عليهم لكن هذه أثقل الصلوات, وإنما كانت أثقل لسببين:
السبب الأول: مشقة الذهاب إليهما.
السبب الثاني: خفاء الرياء فيهما.
لأن العشاء والفجر يؤديهما في ظلمة، ولا سيما في عهد الرسول ﷺ فلا يرى المنافق إذا جاء يصلي، والمنافق إذا جاء يصلي إنما يرائي الناس، لأنه ليس عنده إرادة للآخرة، وإنما
стр. 5580
يريد الدنيا وأن يمدحه الناس على شيء لم يقم به.
((ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً)) .
((لو يعلمون)) الضمير يعود على المنافقين.
((ما فيهما)) أي في صلاتين العشاء والفجر.
((لأتوهما ولو حبواً)) يعني ولو حبواً على الركب.
ولكن ما مبهم في ((ما فيهما)) ؟ المبهم: الثواب والعقاب.
الثواب إن أتوا إليها. والعقاب إن تخلفوا عنهما.
((لأتوهما ولو حبواً)) رغبة لما فيهما من الثواب وخوفاً مما فيهما من عقاب.
ثم قال: ((ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) . (هممت) : يعني أردت أن أفعل.
(أن آمر بالصلاة) : واحدة من الصلوات الخمس.
(فتقام) : يعني فتقام جماعة.
فهم النبي صلي الله عليه وسلم أن يحرق بيوت المتخلفين عن الجماعة يدل على أهمية الجماعة وأنها واجبة، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يهم بأمر محرم، ولكن منعه منه مانع إما أن يكون ما فيها من النساء والذرية أو غير ذلك.
ما يستفاد من هذا الحديث:
أولاً: أن المنافقين يصلون وذلك يؤخذ من قوله صلي الله عليه وسلم: (أثقل
стр. 5581
الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر) . فهذا يدل على أنهم يصلون.
ثانيا: ان الصلاة على المنافقين ثقيلة.
ثالثا:يستفاد من هذا أن من ثقلت عليه الصلاة فإن فيه شعبة من النفاق؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم وصف المنافقين بأن الصلاة ثقيلة عليهم.
رابعاً: إن ثواب الصلاة أمر عظيم حتى لو أن الإنسان مشي على ركبه من أجل الهروب من العقاب، ومن أجل الحصول على الثواب لكان جديرا بذلك.
خامسا ً: وجوب صلاة الجماعة لقوله صلي الله عليه وسلم: (ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) .
فلقد هم رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يحرق بيوت من لا يشهدون الجماعة, ولا يهم بالعقوبة إلا ترك شيء واجب, لكن قال بعض العلماء: هذا لا يدل على الوجوب؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم هم ولم يفعل, وإنما يدل على الوجوب لو أن النبي صلي الله عليه وسلم حرق.
ويرد على ذلك أن الرسول ﷺ لا يهم بأمر محرم وهو الإحراق إلا في ترك شيء واجب، ولهذا كان القول الراجح أن صلاة الجماعة فرض عين على الرجال، وأن من أدلة وجوبها هذا الحديث.
стр. 5582
الحديث الرابع:
وعن عبد الله بن عمر – ﵄ – قال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)) ,قال فقال بلابل بن عبد الله والله لنمنعهن, وفي لفظ مسلم: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) (١) .
هذا الحديث يقول النبي صلي الله عليه وسلم: ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)) .
((استأذنت أحدكم امرأته)) أي طلبت الإذن, وأحدكم يعني الواحد منكم وامرأته: يحتمل أن تكون الزوجة, ويحتمل أن تكون المرأة التي له عليها ولاية, مثل ابنته, أخته, أمه وما أشبه ذلك.
((إلى المسجد)) :يعني المسجد الذي يصلي فيه الجماعة.
((فلا يمنعها)) :أي لا يردها عنه بل يأذن لها.
((فقال بلال بن عبد الله)) :هو أحد أبناء عبد الله بن عمر.
((قال والله لنمنعهن)) أقسم على ضد ما النبي صلي الله عليه وسلم. الرسول صلي الله عليه وسلم يقول: ((لا تمنعوا)) وبلابل يقول (والله لنمنعهن) وهذا الكلام ظاهر المضادة والمخالفة لكلام رسول الله عليه وآله وسلم.
ولكن قصد بلابل غير المتبادر من لفظه, فقصده أن يمنعهن لفساد الناس وكثرة الفتن.
стр. 5583
((فأقبل عليه عبد الله)) يعني عبد الله بن عمر.
((فسبه سباً شديداً ما سمعته سبه مثله قط)) لماذا؟ لأن ظاهر لفظ بلابل مخالفة أمر النبي صلي الله عليه وسلم ومعارضته.
الجواب: جاء بلفظين لأن الرواة يجوزون الرواية بالمعنى فيكون بعضهم نقله بهذا الوجه, وبعضهم نقله على هذا الوجه والمعنى واحد.
ما يستفاد من هذا الحديث:
أولاً: أن المرأة لا تخرج إلى المسجد إلا باستئذان زوجها لقوله: ((إذا استأذنت)) ووجه الدلالة أن هذه الصيغة تدل على أن من عادتهم أن تستأذن المرأة من وليها أن تذهب إلى المسجد.
ثانياً: ليس للإنسان أن يمنع امرأة غيره فليس لي حق أن أمنع امرأة جارى أو امرأة قريبي إلا إذا كانت لي سلطة وولاية عليها.
ثالثاً: أن الرجل له أن يمنع زوجته من الخروج إلى المسجد لقوله: ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)) دل أن في المسجد ربما تسمع ذكراً أو موعظة فتستفيد, وأما غير المسجد فالغالب أنه لا فائدة منه. فيجوز للرجل
стр. 5584
أن يمنع زوجته من الخروج لغير المسجد. سؤال: هل للإنسان أن يمنع زوجته من الدراسة أو لا؟
الجواب: أن نقول إن كانت قد اشترطت عليه عند العقد أن تكمل الدراسة فإنه لا يجوز أن يمنعها لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وأما إذا لم تشترط عليه ذلك فله أن يمنع؛ لأن الظاهر أن المدارس حكمها حكم بقية الأمكنة بخلاف المساجد.
رابعاً: بيان حكم علة الحكم في تعبير النبي صلي الله عليه وسلم ((لا تمنعوا إماء الله, مساجد الله)) ووجه ذلك أنه إذا كانت النساء إماء لله والمساجد بيوتاً لله, فليس لأحد أن يتدخل بينهن وبين المساجد التي لله.
خامساً: قوله: ((مساجد الله)) ((إماء الله)) هذه إضافة فهل لله إماء, وهل لله مساجد؟
الجواب: الإضافة هنا من باب التكريم والعناية وإلا فمن المعلوم أن لله ملك السموات والأرض ولكن هذه الإضافة من باب التكريم والتشريف للمساجد.
وفي بعض ألفاظ هذا الحديث لكن في الصحيحين قال: ((وبيوتهن خير لهن)) فيستفاد من هذا أن المرأة كلما كانت في بيتها فهو أفضل, حتى لو قالت أنا أريد أن أخرج إلى المسجد لأصلي مع الجماعة, قلنا لها إن صلاتك في بيتك أفضل وأحسن؛ لأنه كلما بعدت المرأة عن الاختلاط بالرجال كان ذلك أبعد عن الفتنة.
стр. 5585
والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين:
* * *
٩٤٠ سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الخروج للنزهة قبل المغرب مع أنه يستلزم أن لا يصلي الإنسان مع الجماعة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بالخروج قبل المغرب للنزهة إذا لم يقصد الهرب من صلاة الجماعة, ولكن يجب عليه إذا سمع الأذان أن يحضر إلى المسجد.
* * *
٩٤١ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم صلاة الرجل بأهله في السفر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يصلي الرجل بأهله ومحارمه في السفر فقد كان النساء يحضرن الصلاة في عهد النبي صلي الله عليه وسلم بأنس ,أمه , واليتيم (١) .
стр. 5586
رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة وبركاته وبعد:
فلا يخفى على فضيلتكم وضع بعض الدوائر الحكومية, أو الشركات, أو المؤسسات الأهلية خاصة التي يوجد بها أكثر من مسجد أو مصلى بمبنى واحد ونحن في الحقيقة نعيش نفس هذه المشكلة حيث يوجد لدينا مصلى بمبنى الإدارة بالمركز يصلي فيه أفراد الإدارة وبعض المراجعين والزوار صلاة الظهر أثناء الدوام الرسمي في الظروف العادية, وبقية الأوقات الأخرى في الظروف الطارئة, وأثناء المرابطة والتي تستدعي التواجد بالمركز خلال الأربع وعشرين ساعة, علماً أنه يوجد مسجد خاص بالفرقة المستلمة على مدار الأربع وعشرين ساعة تقام فيه جميع الصلوات الخمس في اليوم والليلة وهو يستوعب العدد كامل نظراً لاتساع مساحته ونحن في حيرة من أمرنا هل تجوز صلاتنا بالمصلى الذي بمبنى الإرادة مع وجود المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس, كما أنني أنتهز هذه الفرصة للاستفسار عن موضوع آخر ألا وهو: الأذان في المساجد التي في الدوائر الحكومية سواء التي تقام فيها جميع الصلوات أو التي تقام فيها صلاة الظهر أثناء الدوام الرسمي للموظفين هل يجب الأذان في هذه المساجد مع سماع المؤذن من المساجد القريبة والمجاورة أو لا؟
стр. 5587
أفيدونا أفادكم الله, وجزاكم الله عنا وعن المسلمين عامة خير الجزاء, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الواجب عليكم أن تصلوا في المسجد المعد للصلاة فيه؛ لأنه تقام فيه الصلوات الخمس.
وأما الأذان فلا يجب عليكم إذا كنتم تسمعون أذان المساجد التي حولكم, لكن الأفضل أن تؤذنوا؛ لأن المسجد قائم فلا ينبغي أن يهمل الأذان فيه, ولأن آذانكم في مسجدكم أقرب إلى الانتباه للأفراد الذين عندكم. وفق الله الجميع لما فيه الصلاح والسلام عليكم ورحمة وبركاته.٢٨/١٢/١٤١١هـ.
стр. 5588
٩٤٢ سئل فضيلة الشيخ: من المعلوم أن صلاة الجماعة في حق النساء غير واجبة, ولكن عندما تصلي المرأة مع الجماعة في المسجد, أو في الحرمين سواء كان في رمضان أو في غيره, أوفي المصليات الخاصة بمدارس البنات فهل يكون لها فضل الجماعة كما هو الحال في حق الرجل؟ أرجو توضيح ذلك أحسن الله إليكم .
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة ليست من ذوات الجماعة, أي ليست مأمورة بحضور الجماعة, وإنما ذلك على سبيل الإباحة فقط, إلا في صلاة العيد فإن النبي صلي الله عليه وسلم أمر أن تخرج النساء إلى صلاة العيد, ولكن غير متبرجات بزينة.
وإذا كان الأمر كذلك فإن التضعيف الحاصل في صلاة الجماعة يختص بالرجال؛ لأنهم هم المدعون إليها على سبيل الوجوب, ولهذا كان لفظ الحديث: ((صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه, خمساً وعشرين ضعفاً) (١) .
وعلى هذا فإن المرأة لا تنال هذا الأجر, بل إن العلماء اختلفوا في مشروعية صلاة الجماعة للنساء منفرادت عن الرجال في المصليات التي في البيوت, أو التي في المدارس.
فمنهم من قال: إنه تسن لهن الجماعة.
ومنهم من قال: إنه تباح لهن الجماعة.
ومنهم من قال: إنه تكره لهن الجماعة.
* * *
стр. 5589
٩٤٣ سئل فضيلة الشيخ: أناس لا يعرفون الصلاة مع الجماعة في المساجد إلا في شهر رمضان, وبقية الأشهر يصلون في المكتب, وقد أبلغناهم أنه لا يجوز هذا العمل. فلم يردوا علينا إلا بقولهم: إنكم أناس متشددون, ولا يعرفون الدين, وإن الدين يسر وليس عسراً, والأعمال بالنيات فهل من كلمة توجيهية حفظكم الله ورعاكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لابد أن ننظر لهؤلاء الذين يصلون في مكتبهم, هل عذر في ذلك أو لا, فإذا كان المسجد بعيداً عنهم والخروج إلى المسجد يشل حركة العمل, فإنهم في هذا معذرون ولهم أن يصلوا جماعة في مكاتبهم, ولكن يحسن أن يجتمع جميع من في المكتب على إمام واحد, وأما إذا لم يكن لهم عذر كأن كان العمل قليلاً, والمسجد قربياً منهم فإن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجماعة لابد أن تكون في المساجد.
أما قولهم (إن الدين يسر)) ,فقد صدقوا بل قاله من قبلهم رسول الله صلي الله عليه وسلم. ولكن يسر الدين ليس تبعاً للهوى, بل هو تبع لما جاءت به الشريعة, والشريعة كلها يسر سهولة, فإذا كان المسجد قريباً والشغل خفيفاً قليلاً, فأي عسر في أن يخرج الإنسان من مكتبه على المسجد ويصلي فيه, أما إذا كان بعيداً والشغل كثيراً بحيث إذا خرج الإنسان صار الشغل مشلولاً بخروجه فهنا التيسير أن يصلوا في مكاتبهم جماعة كما ذكرنا آنفاً.
* * *
стр. 5590
٩٤٤ سئل فضيلة الشيخ: شباب لديهم استراحة يجلسون بها وهم في الغالب يتعدون عشرة أشخاص والمسجد يبعد عنهم حوالي ثلاثمائة متر, هل تلزمهم صلاة الجماعة في الاستراحة مع الاعتراف بأفضيلة صلاة المسجد ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يرى بعض العلماء أن الواجب إقامة الجماعة سواء في المسجد أو في غيره, ولكن الراجح أنه يجب أن تقام صلاة الجماعة في المساجد مع المسلمين ولو كانوا لا يسمعون الأذان لولا مكبر الصوت ففي هذه الحال لا يلزمهم الحضور فإنهم يصلون جماعة في مكانهم سواء صلوا قبل صلاة الإمام بعده.
* * *
٩٤٥ سئل فضيلة الشيخ: ابني في الحادية عشرة من عمره, فهل أنا ملزمة بإيقاظه لأداء صلاة الصبح مع الجماعة أو أتركه حتى يصل إلى سن البلوغ, الخامسة عشرة. خصوصاً وأنني أجد صعوبة في إيقاظه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر أنه يجب أن توقظيه للصلاة مع الجماعة لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع
стр. 5591
واضربوهم عليها لعشر)) (١) فهي وإن وجدت صعوبة فإنها مأجورة على هذه التي تجدها.
* * *
٩٤٦ سئل فضيلة الشيخ: يحضر بعض المصلين إلى المسجد ومعهم صبيانهم الذين لم يبلغوا سن التمييز وهم لا يحسنون الصلاة ويصفون مع المصلين في الصف وبعضهم يعبث ويزعج من حوله, فما حكم ذلك؟ وما توجيهكم لأولياء أمور أولئك الصبيان ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أن إحضار الصبيان الذين يشوشون على المصلين لا يجوز؛ لأن في ذلك أذية للمسلمين الذين يؤدون فريضة من فرائض الله, وقد سمع النبي صلي الله عليه وسلم بعض أصحابه يصلون ويجهرون بالقراءة فقال صلي الله عليه وسلم ((لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن)) (٢) .
وفي الحديث آخر قال صلي الله عليه وسلم (فلا يؤذين بعضكم بعضاً) (١) فكل ما فيه أذية للمصلين فإنه لا يحل للإنسان أن يفعله.
فنصيحتي لأولياء أمور هؤلاء الصبيان أن لا يحضروهم إلى المسجد وأن يسترشدوا بما أرشد إليه النبي صلي الله عليه وسلم حيث قال (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر)) .
стр. 5592
كما أنني أيضاً أوجه النصيحة لأهل المسجد بأن تتسع صدورهم للصبيان الذين يشرع مجيئهم إلى المسجد, وأن لا يشقوا عليهم, أو يقيموهم من أماكنهم التي سبقوا إليها, فإن من سبق إلى شيء فهو أحق به, سواء كان صبياً, أو بالغاً, فأقامه الصبيان من أماكنهم في الصف فيه:
أولاً: إهدار لحقهم؛ لأن من سبق إلى ما لم يسبقه إليه أحد من المسلمين فهو أحق به.
وثانياً: فيه تنفير لهم عن الحضور إلى المساجد.
وثالثاً: فيه أن الصبي يحمل حقداً أو كراهية على الذي أقامه من المكان الذي سبق إليه.
ورابعاً: أنه يؤدي إلى اجتماع الصبيان بعضهم إلى بعض فيحصل منهم من اللعب والتشويش على أهل المسجد ما لم يكن ليحصل إذا كان الصبيان بين الرجال البالغين.
وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصبي يقام من مكانه حتى يكون الصبيان في آخر الصف, أو في آخر صف المسجد استدلالاً بقول النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)) (٢) فإنه قول مرجوح معارض بقول النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (من سبق إلى ما لم يسبقه إليه فهو أحق به)) (٣) .
والاستدلال بقول النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)) لايتم؛ لأن معنى الحديث: حث أولي الأحلام والنهى
стр. 5593
على التقدم حتى يلوا النبي صلي الله عليه وسلم لأنهم أقرب إلى الفقه من الصغار, وأتقن لوعي ما رأوه من النبي صلي الله عليه وسلم أو سمعوه, ولم يقل النبي صلي الله عليه وسلم لا يلني إلا أولو الأحلام والنهى. ولو قال (لا يلني إلا أولو الأحلام والنهى)) لكان القول بإقامة الصبيان من أماكنهم في الصفوف المتقدمة وجيهاً. لكن الصيغة التي جاء بها الحديث هي أمره لأولي الأحلام والنهى أن يتقدموا حتى يلوا رسول الله صلي الله عليه وسلم.
* * *
٩٤٧ سئل فضيلة الشيخ: في هذا الزمان كثرت مكبرات الأصوات فنحن نسمع النداء للصلاة, ولكن من مساجد بعيدة جداً عن حينا. ويشق علينا الذهاب إليها, فهل ينطبق علينا قول النبي ﷺ للصحابي (هل تسمع النداء)) ؟ قال: نعم, قال ((فأجب)) (١)
وما حكم إذا كان المسجد في منطقة جبلية وعرة والصعود إلى هذه المنطقة صعب جداً, وإذا حاولنا الصعود لا نصل إلا إذا أقيمت الصلاة وفاتنا بعض الركعات هل يكفينا أن نصلي في المنزل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأصل أن المرأة لا تحضر الصلاة. ولكن الرجل يلزمه أن يحضر الجماعة إذا سمع النداء, ولكن النداء ليس الذي عبر مكبر الصوت؛ لأن مكبر الصوت لو أخذنا به لكان يسمع من بعيد كما قلت, إنما المراد أنه لو كان الأذان بغير مكبر
стр. 5594
الصوت لسمعه هؤلاء وحينئذ وجب عليهم الحضور, وكذلك إذا كان الطريق المسجد وعراً لا يتمكنون الوصول إلى المسجد إلا بمشقة شديدة, ولا يتمكنون من الوصول إلى المسجد إلا بعد أن تمت الجماعة الصلاة. فإنه لا يلزمهم بهذا الحال, ويصلون جماعة في مكانهم, لقول الله (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية١٦) .
* * *
٩٤٨ سئل فضيلة الشيخ: يبعد المسجد عن مقر العمل قرابة أربعمائة متر, فبعض الأخوان في العمل قالوا: نضع مصلى في أحد المكاتب نصلي فيه؛ لأن المسجد بعيد وهم يتأذون من حرارة الشمس عند الذهاب إليه, فهل هذا العمل صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأصل الصلاة في المساجد, ولا بأس أن يصلي أهل المكاتب في مكاتبهم إذا كان خروجهم إلى المسجد يؤدي إلى تعطل العمل, أو يؤدي إلى تلاعب بعض الموظفين الذين يخرجون للصلاة ويتأخرون, وإذا كان المسجد بعيداً أيضاً جاز لهم الصلاة في مكان عملهم, فالمهم إذا كان هناك مصلحة, أو حاجة إلى أن يصلوا في مكاتبهم فلا حرج.
* * *
٩٤٩ وسئل فضيلة الشيخ: قال الخطيب في خطبة الجمعة: إن الصلاة في جماعة المسجد تعادل سبعاً وعشرين صلاة, وهذا معروف, لكنه قال: إن الله لا يقبل صلاة الفرد خارج المسجد
стр. 5595
ويكون من المشركين والعياذ بالله. فهل هذا صحيح؟ مع ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة؟ وما حكم الصلاة في المنزل أو في أي مكان خارج المسجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: الشق الأول من سؤالك تقول: إن الخطيب ذكر أن صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد بسبع وعشرين صلاة, وهو كما قال.
الشق الثاني قوله: (إن من صلى فإنه لا صلاة له, ويكون مشركاً)) .
وقوله: (يكون مشركاً)) لا يصح هذا الكلام, اللهم إلا بالمعنى الأعم, أن كل من اتبع هواه بمخالفة أمر الله فإنه يكون فيه نوع من الإشراك, لكنه ليس هو الشرك الذي يطلق عليه أنه شرك في القرآن, والسنة, وكلام أهل العلم.
وأما قوله: (بأنها لا تقبل صلاته)) فإن هذا قول لبعض أهل العلم, أن من صلى في بيته بدون عذر فإنه لا صلاة له؛ وهذا القول ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ – وهو رواية عن الإمام أحمد, اختارها ابن عقيل أحد أتباع الإمام أحمد – ﵀ وحجة هؤلاء من الأثر والنظر.
أما الأثر فهو ما جاء في الحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)) (١) .
وأما من النظر فقالوا: إن صلاة الجماعة واجبة, وإن من ترك
стр. 5596
واجباً في العبادة بدون عذر بطلت تلك العبادة بهذا الترك.
ولكن هذا القول مرجوح, والراجح أن المصلي في بيته تاركاً للواجب من غير عذر آثم وعاص, وإذا أستمر على ذلك صار فاسقاً تسقط ولايته وشهادته, كما ذهب إليه كثير من أهل العلم, ولكن صلاته تصح, ويدل لذلك حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة (٢) ,في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ, فإن التفضيل لصلاة الجماعة يدل على أن في صلاة الفذ أجراً, ومادام فيها أجر فإنه يدل على صحتها, لأن ثبوت الأجر فرع عن الصحة, إذ لو تصح لم
يكن فيها أجر, لكنه بلا شك آثم عاص يعاقب على ذلك إلا أن يتوب إلى الله , أو يعفو الله عنه.
وعلى كل حال فإن البيت بدون عذر أمر محرم, لا يحل للمسلم فعله, ولهذا قال ابن مسعود – ﵁ (ما يتخلف عنها إلا منافق أو معذور)) (١) ,والمؤمن لا ينبغي له أن يتصف بعمل المنافقين, الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.
وأما إذا أقامها جماعة في البيت فهذا محل خلاف بين أهل العلم أيضاً.
فمهنم من رخص له في ذلك, وقال: إن الجماعة قد حصلت, وهذا هو المقصود, ولكن هذا القول الضعيف.
والصواب أنه لابد أن يصلي الإنسان في المسجد, ولا يجوز له التخلف حتى ولو صلى جماعة في البيت, وذلك لأن النبي صلي الله عليه وسلم
стр. 5597
قال (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم)) (٢) . فقوله ((إلى قوم)) يشمل ما إذا صلوا في بيوتهم جماعة, أو كل واحد منهم منفرداً.
ثم إنه ثبت في صحيح مسلم أن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله: إنني رجل أعمى, وليس قائد يقودني إلى المسجد, فرخص له النبي صلي الله عليه وسلم, فلما ولى دعاه وقال له صلي الله عليه وسلم (أتسمع النداء)) ؟ قال: نعم, قال صلي الله عليه وسلم (فأجب)) (٣) , فلو كان يجوز أن يقيم الجماعة قي بيته لأرشده النبي صلي الله عليه وسلم إلى ذلك, ولم يأمره بالحضور إلى المسجد, ثم إن الجماعة إذا أقيمت في البيت, فات بعض المقصود من مشروعيتها وإيجابها على المسلمين.
فعلى المؤمن الناصح لنفسه أن يحضر إلى بيوت الله ويؤدي الصلاة مع جماعة المسلمين, وأن يخرج من بيته متطهراً, قاصداً المسجد فإنه إذا فعل ذلك لم يخرجه إلا للصلاة, لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة, وحط عنه بها خطيئة, فإذا دخل المسجد وصلى فإن الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه, تقول: اللهم صل عليه, اللهم اغفر له, اللهم ارحمه, ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة, كما ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة (١) , فلا
стр. 5598
ينبغي للمسلم أن يفرط في هذه المثوبة العظيمة, فإنه سوف يحتاج إليها في يوم لا يستطيع أن يحصل عليها, نسأل الله تعالى أن يعيننا وإخواننا المسلمين على ذكره, وشكره, وحسن, عبادته. والله الموفق.
* * *
٥٠ سئل فضيلة الشيخ: عن الفرق بين المسجد والمصلى؟ وما هو ضابط المسجد؟ وماذا لو أذن جماعة من الناس للصلوات الخمس وأقاموا الصلاة وصلوا أيصبح هذا المكان مسجداً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالمعنى العام فكل الأرض مسجد, لقوله صلي الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) (١) .
وأما بالمعنى الخاص فالمسجد ما أعد للصلاة فيه دائماً, وجعل خاصاً بها سواء بني بالحجارة والطين والأسمنت أم لم يبن, وأما المصلى فهو ما اتخذه الإنسان ليصلي فيه, ولكن لم يجعله موضعاً للصلاة دائماً, إنما يصلي فيه إذا صادف الصلاة ولا يكون هذا مسجداً, ودليل ذلك أن الرسول ﷺ كان يصلي في بيته النوافل, ولم يكن بيته مسجداً, وكذلك دعاه عتبان بن مالك إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى ولم يكن ذلك مسجداً (٢) ,فالمصلى ما أعد للصلاة فيه دون أن يعين مسجداً عاماً يصلي فيه الناس ويعرف أنه قد خصص لهذا الشيء.
* * *
стр. 5599
٩٥١ سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى الإنسان في بيته مع الأذان والإقامة جميع الفروض هل يعد ذلك مسجداً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يعد مسجداً.
* * *
٩٥٢ سئل فضيلة الشيخ: ما حكم من يتخلف عن صلاة الجماعة؟ وما حكم من يقول: إذا نصح (الصلاة بكيفي إن شئت صليت وإن لم شئت لم أصل) ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المتخلفون عن الجماعة عاصون لله ورسوله لقوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء: من الآية١٠٢) .
ولقوله صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء, وصلاة الفجر, ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً, ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (١) ,وقال ابن مسعود ﵁: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق, ولقد كان الرجل يؤتي به يهادى بين الرجلين حتى في الصف)) (٢) , وهذا دليل
стр. 5600
على أن صلاة الجماعة من أجل الطاعات وأعظم القربات.
لكن العلماء اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال:
١. فمنهم من قال: إنها شرط لصحة الصلاة, أن من صلى في بيته بدون عذر شرعي فإن صلاته باطلة, وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن عقيل – رحمهما الله -.
٢. ومنهم من قال: إنها فرض عين, وإن تركها يأثم.
٣. ومنهم من قال: إنها فرض كفاية, فإذا قام بها البعض سقط عن الباقين.
٤. ومنهم من قال: إنها مؤكدة وفسروها بأن تاركها يأثم.
والصواب أن صلاة الجماعة واجبة لا يجوز التخلف عنها, وأن المتخلف عنها آثم وعاص لله ولرسوله صلي الله عليه وسلم (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (١) ولو كانت صلاة الفذ لا تصح ما كان فيها فضل, ولا يصح مع الجماعة يكتب له الأجر كاملاً إذا تخلف عن الجماعة لعذر.
وقول هذا الرجل الذي يدعوه صاحبه إلى الصلاة مع الجماعة يقول:بكيفي إن شئت صليت وإن شئت لم أصل) .
стр. 5601
إن أراد بهذا ترك الصلاة بالكلية فهو على خطر عظيم يخشى أن تكون كلمته هذا كفراً, لأنه كالمنكر لوجوب الصلاة, ومنكر وجوب الصلاة كافر.
وإن عني بذلك صلاة الجماعة فيجب أن يعلم أن صلاة الجماعة ليست بكيف الإنسان, بل هي واجبة يجب أداؤها على المسلم مع المسلمين, إلا أن يكون من أهل الأعذار.
* * *
стр. 5602
رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. .وبعد:
كتابكم الكريم وصلني, سررت بصحتكم, وحسن أحوالكم, نحن ولله الحمد بخير, نسأل الله تعالى أن يزيدنا وإياكم من فضله, وأن يرزقنا شكر نعمته, وحسن عبادته.
سؤالكم عن حكم إقامة الجماعة في مبنى الكلية.
جوابه: وبالله التوفيق ومنه العصمة. هذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن الواجب إقامة الجماعة في أي مكان سواء في المساجد, أو البيوت, أو المدارس, أو مكان العمل, أو غير ذلك.
والثاني: أن الواجب إقامتها في المساجد خاصة.
والثالث: أن الواجب إقامتها في المساجد إن كانت قريبة وإلا فلا.
وهذه الأقوال عند القائلين بوجوب الجماعة.
وظاهر الأدلة يشهد للقول الثاني وهو أن الواجب إقامتها في المسجد إلا لعذر, كبعد يشق معه حضور الجماعة, وكإخلال في العمل كما يتعلل به من يقيمون الجماعة في محل أعمالهم بحجة أنهم لو خرجوا إلى المساجد لفات من العمل, أو تخلف بعض الموظفين فلم يرجعوا أو نحو ذلك مما يقال.
стр. 5603
ويدل على ذلك:
١. ما أخرجه البخاري ص١٣١ جـ ٢ فتح ط السلفية عن أبي هريرة – ﵁ – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمساً وعشرين ضعفاً, وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء, ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة)) وذكر تمام الحديث (١) ,فتأمل قولهصلي الله عليه وسلم (خرج إلى المسجد)) فدل على أن الجماعة هي جماعة المسجد, وأخرج ص١٤١ من الجزء المذكور من حديثه أيضاًصلي الله عليه وسلم (ثم آخذ شعلاً من نار , فأحرق على من لا يخرُجُ إلى الصلاة بعدُ)) . فتأمل قوله (على من لا يخرج إلى الصلاة) .
٢. ما أخرجه ص ١٥٦ من الجزء المذكور عن ابن عمر أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ثم قال: ألا صلوا في الحال , ثم قال (إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرحال)) (٢) .فخص الإذن الصلاة في الرحال, وعمومه ولو جماعة بما إذا كانت الليلة ذات برد ومطر فدل على وجوب حضور الجماعة في المسجد إذا لم يكن عذر. وحديث (إذا صليتما في رجالكما, ثم أتيتما مسجد جماعة
стр. 5604
فصليا معهم)) (٣) لا يدل على جواز إقامة الجماعة في الرحل مطلقاً لجواز أن يقيمها في الرحل خوفاً من فوات جماعة المسجد أو غير ذلك, وعلى كل حال فهو في محل احتمال واشتباه فلا يعارض به المحكم.
٣. ما رواه مسلم ص ٤٩٠ – ٤٩١ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن ابن عباس – ﵁ – قال: (جمع النبي صلي الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر)) (١) . وجه الدلالة منه أن الصلاة في غير وقتها لا تجوز والجمع بينها وبين الأخرى إخراج لها عن وقتها, ومن الممكن تلافيه إذا صلى الناس في بيوتهم جماعة أو فرادى, فلولا وجوب الحضور للمسجد لفعل الجماعة فيه ما جاز الجمع الذي يتضمن إخراج الصلاة عن وقتها.
٤. ما رواه البخاري ص ٥١٩ جـ ١ فتح ط السلفية عن محمود بن الربيع أن عتبان بن مالك قال: (يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي, فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم)) (٢) وذكر الحديث. وجه الدلالة منه أنه لو لم يكن حضور المسجد واجباً لأمكنه أن يقيم الجماعة في بيته, لاسيما على قول من يقول بانعقاد الجماعة بالأنثى فيمكنه أن يقيمها بأهله في بيته.
стр. 5605
٥. ما رواه البخاري ص ٧٤ جـ ٥ فتح ط السلفية عن أبي هريرة ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم أخالف إلى المنازل قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم)) , ولم يفرق النبي صلي الله عليه وسلم بين ما إذا صلوها قي منازلهم جماعة أو فرادى ... ورواه أبو داود ص ١٣٠ ج ١ط الحلبي وفيه (ثم آتي قوم يصلون في بيوتهم, ليست بهم علة فأحرقها عليهم)) . وظاهر كانوا يصلون جماعة.
٦. ما رواه مسلم ص ٤٥٢ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي صلي الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله, إني ليس لي قائد يقودني إلى المسجد, فسأل رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له, فلما ولى دعاه فقال صلي الله عليه وسلم (هل تسمع النداء)) ؟ قال: نعم قال صلي الله عليه وسلم (فأجب)) (١) .ولو كانت الجماعة في البيت مجزئه لأرشده إليها لأنها أهون عليه وأسهل.
٧. ما رواه مسلم ص ٤٥٣ الكتاب المذكور عن ابن مسعود ﵁ قال (إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى, وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه)) وفي رواية (ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم, وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور, ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله
следующие страницы →