← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

١٠٨٨ سئل فضيلة الشيخ: نحن من سكان مكة المكرمة ولنا جماعة يبعدون عن مكة مسافة ستين وثلاثمائة كيلو متر, نذهب لزيارتهم فنقصر في الطريق, وإذا وصلنا إليهم فإننا نصلي معهم بدون قصر أو جمع, فهل علينا حرج ف ذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليكم في هذا حرج؛ لأن المسافة مسافة بعيدة, وأنتم تقيمون عندهم أياماً, فما دمتم على هذه الحال فإنكم مسافرون, ولكن إذا صليتم معهم فلا بد أن تتموا أربعاً. * * * ١٠٨٩ سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -:عن رجل قدم إلى مكة ليقضي بها العشر الأواخر من رمضان فهل يجوز له الفطر وقصر الصلاة وترك الرواتب ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الذي قدم إلى مكة ليقضي فيها العشر الأواخر هو في حكم المسافر. فإن النبي ﷺ ((قدم عام الفتح في اليوم التاسع عشر, أو اليوم العشرين وبقي فيها تسعة عشر يوماً) (١) ,وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس – ﵄ – ((أن النبي ﷺ لم يصم بقية الشهر) (٢) ,فكان الرسول ﷺ مفطراً في العشر الأواخر من رمضان وهو في مكة.

стр. 5777

وأما القصر, فإن كان رجلاً فإن الواجب عليه أن يحضر الجماعة في المساجد, وإذا حضر لزمه الإتمام, لكن لو فاتته الصلاة فإنه يصلي ركعتين, والمرأة إذا صلت في بيتها فإنها تصلي ركعتين, وإن صلت في المسجد وجب عليها أن تصلي أربعاً. وأما الرواتب, فإنني قد تأملت ما جاءت به السنة في النوافل وتبين لي أن راتبه الظهر, والمغرب ,والعشاء لا تصلي, وما عدا ذلك النوافل فإنه يصلي مثل سنة الفجر, وسنة الوتر, وصلاة الليل, وصلاة الضحى, وتحية المسجد حتى النفل المطلق أيضاً. * * * ١٠٩٠ سئل فضيلة الشيخ: كيف الجمع والقصر للمسافر بالطائرة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: القصر للمسافر في الطائرة وغيرهما وكذلك الجمع لكن الأفضل أن لا يجمع إلا إذا كان سائراً غير نازل حرر في ٢٢/٤/١٤٠٩هـ. * * * ١٠٩١ سئل فضيلة الشيخ: عن رجل دعي لعزيمة خارج بلده فهل يعتبر هذا سفراً يأخذ أحكام السفر من قصر الصلاة وجمعها وغير ذلك من أحكام أو لا ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا دعي الشخص لعزيمة خارج البلد وبلغ مسافة تعتبر سفراً فإنه لوجود حقيقة السفر في حقه, ولكنه لا يقصر حتى يبلغ المسافة التي تعتبر سفراً, أما لو خرج من

стр. 5778

بلده وهو يعلم أنه إلى مسافة تعتبر سفراً فإنه يقصر من حيث خروجه من بلده؛ لأنه قد تحقق السفر من حيث خرج. * * * ١٠٩٢ سئل فضيلة الشيخ: سافرت مع أصدقائي للبر من أجل النزهة, وكانت المسافة أكثر من مائة كيلو, فهل يجوز أن نقصر الصلاة ونجمعها ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة آكد الأركان الإسلام بعد الشهادتين, ولا يحل لمسلم أن يتركها حضراً ولا سفراً مادام معه فكره. وأما بالنسبة لسفرك مع أصدقائك فإنه يجوز لكم القصر والجمع وخاصة إذا كنتم مستمرين بالمسير. أما إذا نزلتم في مكان قررتم البقاء فيه حتى دخول وقت الصلاة الأخرى, فالأولى في حقكم عدم الجمع بل القصر فقط. والله أعلم. * * * ١٠٩٣ سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -:ما السفر المبيح للفطر والقصر ؟ فأجاب فضيلته بقوله: السفر المبيح للفطر وقصر الصلاة عند بعض العلماء هو واحد وثمانون كيلو متراً ونصف تقريباً, ومن العلماء من لم يحدد مسافة للسفر بل كان كل ما كان في عرف الناس سفراً فهو سفر, ورسول الله ﷺ كان ((إذا سافر ثلاثة فراسخ قصر

стр. 5779

الصلاة) (١) . والسفر المحرم ليس مبيحاً للقصر ولا للفطر؛ لأن سفر المعصية لا تناسبه الرخصة, وبعض أهل العلم يرى أنه مبيح لذلك ولا يفرق بين سفر المعصية وسفر الطاعة لعموم الأدلة والعلم عند الله.

стр. 5780

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين يحفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: خرجت أنا ومجموعة معي إلى البر في نزهة وذلك يوم الخميس الموافق ٢٩/٦/١٤١٨ هـ ,وعندما حان وقت صلاة الظهر أذن أحدنا فصلينا, إلا أن الإمام قصر الصلاة, وعند ذلك قمت فأتممت ركعتين لوحدي - أي تممت أربعاً - فحصل جدال بيننا وكلام غير لائق ,فطلبت من الإمام أن يكون الكلام بيني وبينه فقط ,فسألته: كهل نحن مسافرون؟ وهل خرجنا من أهلنا بنية السفر؟ أجاب بقوله:لا, نحن في نزهة ولكننا مشينا أكثر من ثمانين كيلو متر بالسيارة, قلت له: هذا ليس بحجة شرعية, فنحن أفطرنا في مكان وسوف نتغدى هنا والعشاء في مكان آخر, ولربما تمشي السيارة أكثر من مائتي كيلو متر فلم يقنع الجميع, وحضرت صلاة العصر فكان الوضع مثل صلاة الظهر تماماً, قصراً وأتممت أنا, فقال أحدهم: أنت متزمت, والعلماء أفتوا بذلك, ومنهم الشيخ ابن عثيمين, فطلبت الفتوى فقال: ما عندي فتوى, ولكن كل يقوله, فقلت له: اتق الله لا تتكلم بغير علم, ولا تنقل عن العلماء إلا وأنت متأكد, وغادرنا المكان إلى مكان آخر, وغربت الشمس ونحن

стр. 5781

بالقرب من جبل ابانات, مع العلم أنه يبعد عن الرس ٧٠ كم تقريباً, فصلينا المغرب, فقام الجميع بنية صلاة العشاء جمعاً وقصراً إلا أنا واثنان صلينا العشاء عندما وصلنا إلى الرس. آمل من فضيلتكم الإجابة المفصلة الكافية في مثل هذا الأمر, وجزاكم الله خيراً. فأجاب فضيلته: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. من العلماء من يرى أن مسافة القصر بالمساحة, فمتى بلغ خروجه بضعاً وثمانين كيلو فهو مسافر يحل له القصر والجمع, ومن العلماء من يرى أن المعتبر العرف, فما عده الناس سفراً يستعدون له استعداد السفر ويودع عند خروجه ويستقبل عند قدومه فهو سفر, وما لا فلا. ومنهم من قال: من أواه الليل إلى أهله فليس بمسافر. وإذا كانت المسألة خلافية فلا ينبغي أن تكون المخالفة فيها مثاراً للنزاع واللجاج, فإتمامك الصلاة لكونك لا ترى أنكم في سفر لا ينكر عليك, وقصر الإمام صلاته لا ينكر, لكن من أشكل عليه الأمر وجب عليه الإتمام؛ لأنه الأصل. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٢/٨/١٤٨١هـ. ***

стр. 5782

١٠٩٤ سئل فضيلة الشيخ: نحن مجموعة ندعى إلى بعض الولائم في مزرعة تبعد عن موقعنا من خمسين كيلو إلى ستين كيلو متراً ويقرب من المزرعة قرى تبعد ١٠إلى ١٥ كم فهل يجوز لنا قصر الصلاة بحجة أنه سفر, أفيدونا جزاكم الله خيراً ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسافة لا تعد سفراً, ولا عند الذين يحددون السفر بالمسافة, ولا على ما يظهر لنا من القول بأن مرجع السفر إلى العادة؛ وذلك لأن من يخرج ويرجع في يوم لا يعد مسافراً غرفاً, اللهم إلا أن تبعد المسافة كما لو سافر من الرياض إلى مكة ورجع في يومه, فإن هذا يسمى مسافراً لبعد المسافة. أما ما ذكره السائل فإنه لا يعد سفراً لا عند المحددين بمسافة ولا عند القائلين إنه يرجع في ذلك إلى العرف. * * * ١٠٩٥ سئل فضيلة الشيخ: تكثر الاستراحات القريبة من مدينة الرياض, فهل يجوز لمن يذهب إلى هذه الاستراحات قصر وجمع الصلاة وخصوصاً إن المسافة تتفاوت؟ وما السافة المحددة لجواز قصر الصلاة؟ وهل تحتسب المسافة من منزل من أراد الذهاب إلى تلك الأماكن أو من آخر بنيان في المدينة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ليس من السفر؛ لأن الذين يخرجون لهذه المنتزهات لا يعدون أنفسهم من المسافرين, ثم على القول بأن مسافة القصر مقدرة بالكيلوات فإن المعتبر أطراف البلد,

стр. 5783

فمتى بعدوا عن أطراف البلد مسافة الكيلومترات المعتبرة فإنهم يقصرون. ولو قصرت مدة إقامتهم في هذا المكان. * * * ١٠٩٦ سئل فضيلة الشيخ: عل يجوز للمسافر قصر صلاة الظهر وإتمام صلاة العصر كاملة؟ وما هي المدة التي يجوز قصر الصلاة فيها ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مسافراً فإن العلة موجودة في الصلاتين فلماذا يفرق بينهما؟ وعلى كل حال فإنه جائز أن يقصر إحدى الصلاتين ويتم الأخرى, ولكنه بخلاف السنة, فالسنة أن يقصر الصلاتين جميعاً مادام مسافراً. أما المدة التي ينقطع بها حكم بها حكم السفر فإنها محل خلاف بين أهل العلم, وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيميه – ﵀ – في الفتاوى هذه المسألة بسطاً فليرجع إليه من أراد الوقوف عليه. * * * ١٠٩٧ سئل فضيلة الشيخ: أعمل سائق شاحنة ويتطلب ذلك مني سفراً دائماً فهل يجوز لي قصر الصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: قصر الصلاة متعلق بالسفر فما دام الإنسان مسافراً فإنه يشرع له قصر الصلاة, سواء كان سفره نادراً أم دائماً, إذا كان له وطن يأوي إليه ويعرف أنه وطنه, وعلى هذا فيجوز لسائق الشاحنة أن يترخص برخص السفر من قصر الصلاة,

стр. 5784

والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها والفطر في رمضان وغيرها من رخص السفر. * * * ١٠٩٨ سئل فضيلة الشيخ: ما مقدار المسافة التي يقصر المسافر فيها الصلاة؟ وهل يجوز الجمع دون قصر ؟ فأجاب فضيلته بقوله: المسافة التي تقصر فيها الصلاة حددها بعض العلماء بنحو ثلاثة وثمانين كيلو متراً, وحددها بعض العلماء بما جرى به العرف, أنه سفر وإن لم يبلغ ثمانين كيلو متراً, وما قال الناس عنه: إنه ليس بسفر, فليس بسفر ولو بلغ مائة كيلو متر. وهذا الأخير هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه – ﵀ – وذلك لأن الله تعالى لم يحدد مسافة معينة لجواز القصر وكذلك النبي ﷺ لم يحدد مسافة معينة. وقال أنس بن مالك – ﵁ (كان النبي ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة وصلى ركعتين) (١) . وقول شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله تعالى – أقرب إلى الصواب. ولا حرج عند اختلاف العرف فيه أن يأخذ الإنسان بالقول بالتحديد؛ لأنه قال به بعض الأئمة والعلماء المجتهدين, فليس عليهم به بأس إن شاء الله تعالى, أما مادام الأمر منضبطاً فالرجوع إلى العرف هو الصواب. وأما هل يجوز الجمع إذا جاز القصر فنقول: الجمع ليس

стр. 5785

مرتبطاً بالقصر, الجمع مرتبط بالحاجة؛ فمتى احتاج الإنسان للجمع في حضر في أو سفر فليجمع؛ ولهذا يجمع الناس إذا حصل مطر يشق على الناس من أجله الرجوع إلى المساجد, ويجمع الناس إذا كان هناك ريح باردة شديدة أيام الشتاء يشق على الناس الخروج إلى المساجد من أجلها, ويجمع إذا كان يخشى فوات ماله أو ضرراً فيه, أو ما أشبه ذلك يجمع الإنسان. وفي الصحيح مسلم عن عبد الله بن عباس – ﵄ – قال (جمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر) (١) . فقالوا: ما أراد؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته؛ أي: لا يلحقها حرج في ترك الجمع. وهذا هو الضابط كلما حصل للإنسان حرج في ترك الجمع جاز له الجمع, وإذا لم يكن عليه حرج فلا يجمع, لكن السفر مظنة الحرج بترك الجمع, وعلى هذا يجوز للمسافر أن يجمع أن جاداً في السفر أو مقيماً؛ إلا أنه إن كان جاداً افي السفر فالجمع أفضل, وإن كان مقيماً فترك الجمع أفضل. ويستثنى من ذلك ما إذا كان الإنسان مقيماً في بلد تقام فيه الجماعة فإن الواجب عليه حضور الجماعة, وحينئذ لا يجمع ولا يقصر, لكن لو فاتته الجماعة فإنه يقصر بدون جمع؛ إلا إذا احتاج إلى الجمع. * * *

стр. 5786

١٠٩٩ سئل فضيلة الشيخ: عن طلاب يذهبون للدراسة في بلد تبعد عن بلدهم المقيمين فيه ما يقرب من تسعين كيلو متراً, مع العلم بأنهم يذهبون ويرجعون في نفس اليوم, فهل لهم قصر الصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أرى أن لا يقصروا الصلاة؛ لأن هذا لا يعد سفراً, إذ أنهم يفطرون في بيوتهم, ويتغدون في بيوتهم, ويرى بعض العلماء الذين يقدرون السفر بالمسافة فيقولون: مسافة القصر حوالي واحد ثمانين كيلو, أو ثلاث وثمانين كيلو, أن يقصروا؛ لأنهم مسافرين على قولهم, لكني لا أرى أن يفعلوا, وأن عليهم أن يتموا الصلاة, والمسألة سهلة وهي زيارة ركعتين, فلا تضر ولا يحصل بها تعب. * * * ١١٠٠ سئل فضيلة الشيخ: إذا كنت على سفر فأدركت الإمام في الركعة الثالثة وصليت معه ركعتين فهل إذا سلم الإمام أسلم لأنني قاصرٌ للصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان مسافراً وأدرك الإمام من أول الصلاة وجب عليه أن تتم مع الإمام, وكذلك إذا أدرك الإمام في أثناء الصلاة وجب عليه أن يقضي ما فاته مع الإمام, فإذا جاء ودخل مع الإمام في الركعة الثالثة من الرباعية وجب عليه أن يصلي مع الإمام ركعتين, وإذا سلم الإمام أتم صلاته بركعتين أيضاً, وذلك لقول النبي صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم

стр. 5787

به) (٢) .ولقوله صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) (٣) فقوله صلي الله عليه وسلم (ما فاتكم فأتموا) عام للمسافرين وغير مسافرين وكذلك جاء ابن عباس – ﵄ – أن هذا هو السنة (٤) . * * * ١١٠١ سئل فضيلة الشيخ: إذا كنت مسافرا إلى مكة ثم وقفت بمدينة من المدن وقد أذن العصر ثم دخلت إلى المسجد فوجدت الإمام الراتب قد صلي ركعتين أثنين فدخلت معه وصليت الركعتين الباقيتين معه فهل أسلم معه على اعتبار أنني مسافر وللمسافر قصر الرباعية أو آتي بركعتين أخريين لأتم أربعاً على اعتبار قولهم (وإن ائتم بمن يلزمه الإتمام به أتم) ؟ فأجاب فضيلته بقوله: قال أصحابنا (وإن ائتم بمن يتم أتم) وعلى هذا فمتى ائتم المسافر بإمام مقيم لزمه إتمام الصلاة, سواء أكان مسبوقاً أم غير مسبوق, ولا فرق في ذلك بين الظهر, والعصر والعشاء, ونحن نرى هذا القول حقاً بدليل عموم النبي صلي الله عليه وسلم (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (٤) .ولأن المأموم صلاته مرتبطة بصلاة إمامه ومأمور بالاقتداء به وهذا منه. والله أعلم. * *

стр. 5788

١١٠٢ سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للمقيم أن يصلي خلف المسافر وهو يقصر ثم يتم بعد الصلاة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للمسافر أن يكون إماماً للمقيمين, وإذا سلم يقوم المقيمون فيتمون الصلاة بعده, ولكن ينبغي للمسافر الذي أم المقيمين أن يخبرهم قبل أن يصلي فيقول لهم إنا مسافرون فإذا سلمنا فأتموا صلاتكم؛ لأن النبي صلى بمكة عام الفتح وقال (أتموا يأهل مكة فإنا قوم سفر) (١) . فكان يصلي بهم ركعتين وهم يتمون بعده. * * * ١١٠٣ سئل فضيلة الشيخ: كنت مسافراً ودخلت مسجداً على الطريق وكان الوقت عصراً فصليت وحدي خلف الصفوف وقصرت الصلاة, فهل تصح صلاتي أم أن الواجب علي الدخول مع الإمام حتى إذا قام من التشهد الأول جلست وسلمت من الصلاة؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً . فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل المسجد ووجد الناس يصلون فإن الواجب عليه أن يصلي معهم إذا كان لم يؤد تلك الفريضة, وإذا كان مسافراً والإمام متم فإن الواجب عليه أن يتم الصلاة سواء أدركها من أولها في أثنائها لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) (٢) .

стр. 5789

ولأن ابن عباس – ﵄ – سئل: عن الرجل المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين, وإذا صلى مع الإمام صلى أربعاً؟ فقال – ﵁ صلي الله عليه وسلم (تلك هي السنة) (٣) .نعم لو دخل ووجد الناس في التشهد الأخير فإنه في هذه الحال لا يلزمه الدخول معهم؛ لأن الصلاة قد فاتته لقول النبي صلي الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) (٤) .وهذا لم يدرك ركعة فتكون الصلاة فاتته. * * * ١١٠٤ سئل فضيلة الشيخ: عن المسافر إذا صلى خلف الإمام المقيم هل يلزمه الإتمام أو يجوز أن يقصروا الصلاة على ركعتين ؟ فأجاب فضيلته بقوله: يجب على المسافر إذا صلى مع الإمام المقيم أن يتم صلاته سواء أدرك الإمام في أول الصلاة, أو أدرك الركعتين الأخيرتين فقط؛ وذلك لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به) (١) .وقوله صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) (٢) .ولأن ابن عباس سئل ((عن الرجل المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين, وإذا صلى مع الإمام, يصلي أربعاً؟ فقال:تلك هي السنة) (٣) . وقول الصحابي عن أمر من الأمور: إنه من السنة, أو هذا هو

стр. 5790

السنة له حكم الرفع. فيجب على المسافر إذا صلى مع إمام مقيم أن يتم أربعاً سواء دخل مع الإمام في أول الصلاة, أم في الركعة الثالثة, أم في الرابعة, وأما بالعكس لو صلى المقيم خلف مسافر فإنه يجب عليه أن يتم أربعاً بعد سلام الإمام المسافر, فإذا صلى الإمام ركعتين وأنت مقيم فإذا سلم فأتم ما عليك؛ لقول النبي صلي الله عليه وسلم لأهل مكة عام الفتح (أتموا فإنا قوم سفر) (٤) .أي مسافرون. ١١٠٥ سئل فضيلة الشيخ: مسافر أخر صلاة المغرب ليجمعها مع صلاة العشاء وأدرك الناس في المدينة يصلون العشاء فكيف يصنع؟ أفتونا مأجورين . فأجاب فضيلته بقوله: ينضم معهم صلاة المغرب, وفي هذه الحال إن كان قد دخل مع الإمام في الركعة الثانية فالأمر ظاهر ويسلم مع الإمام؛ لأنه يكون صلى ثلاثاً, وإن دخل في الثالثة أتى بعده بركعة, أما إن دخل في الركعة الأولى من صلاة العشاء وهو يصلي بنية المغرب فإن الإمام إذا قام إلى الرابعة يجلس هو يتشهد ويسلم, ثم يدخل مع الإمام في بقية صلاة العشاء حتى يدرك الجماعتين في الصلاتين, وهذا الانفصال جائز لأنه لعذر, والانفصال لعذر جائز كما ذكر ذلك أهل العلم, ومن الانفصال لعذر ما لو طرأ على الإنسان في أثناء الصلاة طارئ يستلزم السرعة في الصلاة فإن له أن ينفرد عن الإمام ويكمل صلاته خفيفة ثم يذهب

стр. 5791

لهذا الطارئ مثل لو حصل له آلام في بطنه, أو اضطرار إلى التبول, أو تغوط, أو حصل في معدته روجان يخشى أن يقئ في صلاته وما أشبه ذلك. والمهم أن الانفراد لعذر عن الإمام جائز وهذا انفراد لعذر, ولا حرج عليه أن يدخل معهم بنية صلاة العشاء ثم بعد ذلك يأتي بالمغرب؛ لأن من أهل العلم من يقول إن الترتيب يسقط بخوف فوت الجماعة, ولكن الوجه الأول عندي أولى. * * * ١١٠٦ سئل فضيلة الشيخ: عن جماعة يعملون في إحدى الإدارات الحكومية وقد نقلوا قريباً من الحدود لمدة شهر أو شهرين أو أكثر أو أقل ويحملون في هذا السفر ما يحمله المسافر من الزاد والمتاع على السيارات بمسافة تبعد ٤٧٠ كيلو أو أكثر, ومع ذلك فنحن نقصر الصلاة ونجمع أحياناً إذا اشتد بنا السير عملاً بسنة الرسول الله صلي الله عليه وسلم ولكن بعض الأفراد يتمون الصلاة في هذه المسافة النائية والغربة الطارئة فنرجو منكم بيان سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم في أسفاره الثابتة عنه؟ وهل يصح أن المسافر يتم الصلاة؟ وهل صح أن المسافر يصلي الرواتب المقرونة بالصلاة في سفره؟ وهل يصح أن المدة المقصودة للمسافر يتم فيها صلاته؟ وهل صح أن البعيد عن أهله وأولاده ووطنه في مثل هذه المسافة يقصر صلاته ويأخذ في رخص السفر؟ نرجو من سماحتكم بيان الحكم، والله يحفظكم ويرعاكم .

стр. 5792

فأجاب فضيلته بقوله: القول الصواب أن من كان في مثل حالكم فله القصر والجمع؛ لأنكم في سفر, لكن ترك الجمع أفضل إلا عند الحاجة, وهذا ما تقتضيه الأدلة الشرعية, فقد قال الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) (النساء: من الآية١٠١) ولم يقيد ذلك بمدة, وكان النبي صلي الله عليه وسلم إذا سافر يقصر الصلاة حتى يرجع إلى المدينة مع إقامته في أسفاره تختلف, فأقام عام الفتح بمكة تسعة عشر يوماً (١) ,وأقام بتبوك عشرين يوماً (٢) ,وقدم مكة عام حجة الوداع في الرابع ذي الحجة, وخرج منها صباح الرابع عشر, فتلك عشرة أيام كما قال أنس بن مالك حين سئل كم أقام؟ قال أنس – ﵁ – خرجنا مع النبي صلي الله عليه وسلم من المدينة, قلنا: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً) (٣) ولم يحدد لأمته حداً ينقطع به السفر مع علمه بأن الناس يقدمون مكة للحج قبل اليوم الرابع. وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه وجماعة من أهل العلم, وبناء عليه يكون لكم أحكام السفر من القصر والجمع ومسح الخفين, ثلاثة أيام. وأما التطوع بالصلاة فتطوعوا بما شئتم كالمقيمين إلا سنة الظهر, والمغرب, والعشاء فالأفضل أن لا تصلوها بنية الراتبة ولكم أن تصلوا تطوعاً لو حضرتم إلى المصلى قبل الإقامة.

стр. 5793

وإذا رأى إمامكم أن لا يجمع ولا يقصر فلا تختلفوا عليه؛ لأن الأمر واسع ولله الحمد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في ٩/٥/١٤١١هـ. * * * ١١٠٧ سئل فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نحن من العاملين بالخليج العربي مؤقتاً نرجو أن تجيبوا على أسلتنا في موضوع الصلاة مع تبيان ما ترجحون من أقوال العلماء: ١-هل الأفضل في حقنا القصر أو الإتمام؟ ٢-كيفية القصر والحال أن الصلاة جماعة؟ ٣-هل يجوز لمثلنا إذا فاتته جماعة الظهر مثلاً أن تؤدي الصلاة مع العصر قصراً أو جمعاً؟ فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. مسألتكم هذه ليس فيها سنة صريحة تبين حكمها, وإنما فيها نصوص عامة وقضايا اختلف العلماء في القول بها. فذهب أصحاب المذاهب المتبوعة إلى أن من عزم على الإقامة مدة معينة انقطع حكم سفره, ولزمه إتمام الصلاة, والصوم في رمضان وجميع أحكام الإقامة التي لا يشترط لها الاستيطان, ثم اختلف هؤلاء في المدة التي تقطع أحكام السفر: فذهب بعضهم إلى أنها أربعة أيام, وذهب آخرون منهم إلى أنها فوق أربعة أيام, وذهب آخرون منهم إلى أنها ما بلغ خمسة

стр. 5794

عشر يوماً فأكثر, وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنها ما بلغ تسعة عشر يوماً فأكثر, وفيها أقوال أحرى تبلغ أكثر من عشرة أقوال ذكرها النووي في شرح المهذب, وإنما كثرت فيها الأقوال لعدم وجود دليل فاصل صريح كما أسلفنا, ولهذا كان القول الراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيميه أن أحكام السفر لا تنقطع إلا بإنهاء السفر, والسفر هو مفارقة محل الإقامة, فما دام الرجل مفارقاً لمحل إقامته فهو مسافر حتى يرجع, ولا يقطع سفره أن يقيم في المحل الذي سافر إليه مدة معينة لعمل أو حاجة, ويدل على ذلك أن اسم السفر في حقه باق, وأن النبي صلي الله عليه وسلم أقام في عدة أسفار له إقامات مختلفة يقصر الصلاة فيها, فأقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة (١) ,وأقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (٢) ,وأقام في حجة الوداع عشرة أيام مكة في صحيح البخاري (٣) عن أنس بن مالك ﵁ أنه سئل عن إقامتهم مع النبي صلي الله عليه وسلم في حجته؟ فقال (أقمنا بها عشراً) يعني أربعة أيام قبل الخروج إلى منى, وستة بعد ذلك, فإنه قدم يوم الأحد صبيحة رابعة من ذي الحجة إلى مكة, وخرج منها راجعاً إلى المدينة يوم الأربعاء صبيحة الرابعة عشرة, وكان صلي الله عليه وسلم في هذه المدة يقصر الصلاة بلا ريب كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عمر (٤)

стр. 5795

وأنس (٥) وغيرهما, ومن المعلوم أن وصوله صبيحة الرابعة وقصر الصلاة كان اتفاقاً لا قصداً, وأنه لو كان قدومه صبيحة الثالثة لم يتغير الحكم, إذ لو كان الحكم يتغير بذلك لبينه النبي صلي الله عليه وسلم لدعاء الحاجة إلى بيانه, إذ المعلوم أن من المعلوم أن من الحجاج من يقدم مكة قبل ذلك, ولا يمكن أن يسكت النبي صلي الله عليه وسلم عن بيان الحكم فيهم لو كان الحكم فيهم مخالفاً لحكم من قدم في اليوم الرابع فما بعده, ثم إن كون النبي يقيم بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة, وفي تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة, وأقام بمكة في حجه عشرة أيام يقصر يدل على أنه لا فرق بين طول مدة الإقامة وقصرها. وأما قول من قال: إن إقامته عام الفتح, وفي تبوك لا يدري متى تنتهي إقامته لم ينو مدة معينة تقطع حكم السفر. فيقال: من أين لك أن لم ينو ذلك؟ والمدة التي تقطع حكم السفر عندك هي أربعة أيام مثلاً؟ ثم لو كان الحكم يختلف فيما إذا نوى الإقامة التي تقطع حكم السفر على قول من يرى ذلك, وفيما إذا نوى إقامة لا يدري متى تنتهي لبينه النبي صلي الله عليه وسلم, لأنه يعلم أن أمته ستغتدي به وتأخذ بمطلق فعله. وقد وردت آثار عن الصحابة والتابعين تدل على أن حكم السفر لا ينقطع بنية إقامة مقيدة وإن طالت, فروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن أبي حمزة نصر بن عمران قال: قلت لابن عباس (إنا نطيل المقام بالغزو بخرا سان فكيف ترى؟ فقال: صل

стр. 5796

ركعتين وإن أقمت عشرين سنين) (١) .وروى الإمام أحمد في مسنده عن ثمامة بن شراحيل قال: خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ قال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثاً. قلت: أرأيت إن كنا بذي المجاز؟ قال: وما ذو المجاز؟ قلت: مكان نجتمع فيه ونبيع فيه نمكث عشرين ليلة, أو خمس عشرة ليلة, قال: يا أيها الرجل كنت بأذربيجان لا أدري قال أربعة أشهر, أو شهرين فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين) (٢) .وروى عبد الرزاق عن محمد بن الحارث قال: قدمنا المدينة فأرسلت إلى ابن المسيب أنا مقيمون أياما في المدينة أفنقصر؟ قال: نعم، ولم يستفصل (٣) ، وعن علقمة أنه اقام بخوارزم سنتين فصلى ركعتين (٤) . وروي نحو هذا عن أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة ﵄ (٥) ، وعن مسروق والشعبي رحمهما الله. (٦) واختار هذا القول أيضا من المتأخرين الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، وشيخنا عبد الرحمن السعدي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ص ١٣٨ مج ٢٤ من

стр. 5797

مجموع ابن قاسم: " والتمميز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس أمرأ معلوماً، لا بشرع، ولا لغة، ولا عرف " وفي ص ١٨٤ من المجلد المذكور " وقد بين في غير هذا الموضع أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة نبية ﷺ إلا مقيم ومسافر والمقيم هو المستوطن ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة " اهـ. وقال الشيخ محمد رشيد رضا في مجموع فتاويه ص ١١٨٠ " المسافر الذي يممكث في بلد أربعة أيام أو أكثر وهو ينوي أن يسافر بعد ذلك لا يعد مقيما منتفياً عنه وصف السفر لا لغة ولا عرفاً وإنما يعد مقيماً من نوى قطع السفر، واتخاذ مسكن له في ذلك البلد " إلى أن قال: " فالمكث المؤقت لا يسمى إقامة غلا بقيد التوقيت ". اهـ وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في كتابة المختارات الجلية ص ٣٠ " والصحيح أيضاً أن المسافر إذا أقام في موضع لا ينوي فيه قطع السفر فإنه مسافر وعلى سفر وإن كان ينوي إقامة أكثر من أربعة أيام، أو أقل، أو أكثر حكمهما واحد فلم يرد المنع من الترخيص في شيء منها بل ورد عنه ﷺ وعن أصحابه ما يدل على الجواز " اهـ. وعلى هذا فإن إقامتكم للتدريس في الخليج لا تنقطع بها أحكام السفر من القصر، والجمع، ومسح الخفين ثلاثة أيام ونحوهما لكن لا يسقط عنكم حضور الجماعة في المساجد لعموم الأدلة الموجبة لحضور الجماعة حضراً وسفراً، في حال الأمن والخوف وإذا صليتم وراء إمام يتم وجب عليكم الإتمام تبعا له لقول

стр. 5798

النبي ﷺ : " إنما جعل الإمام ليؤتم به " (١) . وقوله ﷺ : " (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار , ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (٢) . متفق عليه وهذا عام في جميع المؤتمنين بالإمام، وفي مسند الإمام أحمد (٣) عن موسى بن سلمة قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: " إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين؟ قال: تلك سنة أبي القاسم ﷺ " قال في التلخيص وأصله في مسلم والنسائي (٤) بلفظ: " " فقلت لابن عباس كيف أصلى إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ ". فقوله: " إذا لم أصل مع الإمام " دليل على أنه كان من المعروف عندهم أنه إذا صلى مع الإمام أتم. فإذا فاتتكم الصلاة مع الجماعة فلكم القصر، وإما الجمع فلا ينبغي الجمع لكم إلا عند الحاجة إليه لأن الجمع يكون عند الحاجة في حق المسافر وغيره، وإما إذا لم يكن حاجة فإنه وأن جاز للمسافر فلا ينبغي له إلا عند الحاجة مثل أن يكون قد جد به السير، أو يكون محتاجا للنوم، أو حط رحل ونحوه، والله الموفق، قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في ١٦/ ١٠/ ١٣٩٩ هـ.

стр. 5799

وبعد ان كتبت هذا الجواب رأيت في مجلة الجامعة الإسلامية في العدد الرابع من السنة الخامسة الصادر في ربيع الثاني سنة ١٣٩٣ هـ ص ١٢٥ في ركن الفتاوى للشيخ عبد العزيز بن باز قال: أما إذا نوى إقامة معينه تزيد على أربعة أيام وجب عليه الأتمام عند الأكثر، وقال بعض أهل العلم: له القصر مادام لم ينو الاستيطان في ذلك الموضع وإنما أقام لعارض متى زال سافر وهو قوي تدل عليه أحاديث كثيرة. اهـ. المراد منه.

стр. 5800

فصل قال فضيلة الشيخ ـ أعلى الله درجته في المهديين ـ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بيان السفر الذي تقصر فيه الصلاة في ثلاثة فصول: الفصل الأول: السفر الذي تقصر فيه. الفصل الثاني: مدته. الفصل الثالث: متى ينقطع؟ أما الفصل الأول: فقال في فتح الباري ص ٥٦١ ج ٢ " قال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وعن أبي حنيفة والثوري في كل سفر سواء كان طاعة أو معصية " أ.هـ قلت: واختاره الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ونقله عن ابن حزم ورجحه بأدلة قوية مع الإجابة عن حجج الاخرين ص ٦٠ من رسالته في أحكام السفر والإقامة. واما الفصل الثاني: فقال في شرح المهذب ص ١٩١ ج ٤ ـ ما ملخصه ـ: مذهبنا أنه مرحلتان وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: ثلاثة أيام، وقال الأوزاعي وآخرون يوم تام، وقال داود في طويل السفر وقصيره.

стр. 5801

قلت: واختاره الشيخ تقي الدين وجعل مناط الحكم ما يسمى سفراً وعرفاً، وقال في رسالة أحكام السفر والإقامة ص ٨٠: فالتحديد بالمسافة لا أصل له في شرع، ولا لغة، ولا عرف ولا عقل، ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقاً بشيء لا يعرفونه، ولم يمسح أحد الأرض على عهد النبي ﷺ ولا قدر النبي ﷺ الأرض لا بالأميال، ولا فراسخ، والرجل قد يخرج من القرية إلى الصحراء لحطب يأتي به فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافراً وأن كانت المسافة أقل من ميل بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنه لا يكون في ذلك مسافراً، فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد، بخلاف الثاني، فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفراً، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفراً. أهـ , وفي المغني ص ٢٥٥ ـ ج ٢ ـ حين ذكر اختلاف العلماء في ذلك ـ قال: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف ـ ثم قال ـ: وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين: أحدهما: أنه مخالف لسنة النبي ﷺ التي ذكرناها ولظاهر القرآن. الثاني: أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير غليه برأي مجرد لا سيما وليس له اصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، والحجة

стр. 5802

مع من اباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. أ.هـ أما الفصل الثالث: فقال في شرح المهذب ص ٢١٩ـ ٢٢٠ ج ٤: مذهبنا أن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج القطع، وأن نوى دون ذلك لم ينقطع، وهو مذهب مالك، وقال ابو حنيفة: أن نوى خمسة عشر يوماً مع يوم الدخول وقال الأوزاعي: إن نوى اثنى عشر يوماً، وقال ابن عباس: تسعة عشر يوماً، وقال الحسن بن صالح: أن نوى عشرة أيام، وقال أنس: أن نوى أكثر من خمسة عشر يوماً، وقال أحمد: إن نوى إقامة تزيد على أربعة أيام، وعنه تزيد على أحدى وعشرين صلاة، وعن ابن المسيب: أن أقام ثلاثاً، وقال الحسن: إن دخل مصراً، وقال ربيعة: أن نوى يوماً وليلة، وعن إسحاق بن راهويه: يقصر أبداً حتى يدخل وطنه أو بلداً له فيه أهل أو مال. أ. هـ فهذه اثنا عشر قولاً، قال شيخ افسلام ابن تيمية في رسالته الآنفة الذكر ص٨٢: فمن جعل للمقام حداً من الأيام فإنه قال قولاً لا دليل عليه من جهة الشرع، وهي تقديرات متقابلة تتضمن تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: مسافر، مقيم مستوطن، ومقيم غير مستوطن، وتقسيم المقيم إلى مستوطن وغيره لا دليل عليه من جهة الشرع، قال: والتمييز بين المقيم والمسافر بنية ايام معدودة يقيمها ليس أمراً معلوما لا بشرع ولا لغة فقد خرج عن حد السفر ممنوع بل مخالف للنص والإجماع والعرف.

стр. 5803

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد الله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد نشر لي في (المسلمون) يوم السبت ٢٨شعبان ١٤٠٥هـ جواب حول ترخص المبتعث برخص السفر من القصر والفطر، ومسح الخفين ثلاثة أيام، وكان الجواب مختصراً، وقد طلب مني بعض الأخوان أن أبسط القول في ذلك بعض البسط، فأقول وبالله التوفيق ومنه الهداية والصواب ك المغتربون عن بلادهم لهم ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن ينووا الإقامة المطلقه بالبلاد التي اغتربوا إليها كالعمال المقيمين للعمل، والتجار المقيمين للتجارة، ونحوهم ممن يقيمون إقامة مطلقه فهؤلاء في حكم المستوطنين في وجوب الصوم عليهم في رمضان، وإتمام الصلاة، والاقتصار على يوم وليلة في مسح الخفين، لن إقامتهم مطلقه غير مقيدة بزمن ولا يخرجون منها إلا أن يخرجوا. الحالة الثانية: أن ينوو الإقامة المقيدة بغرض معين لا يدرون متى تنتهي، ومتى انتهى رجعوا إلى بلادهم كالتجار الذين يقدمون لبيع السلع ن أو شرائها ثم يرجعون، وكالقادمين لمراجعة دوائر

стр. 5804

حكومية او غيرها لا يدرون متى تنتهي غرضهم حتى يرجعوا غلى بلادهم، فهؤلاء في حكم المسافرين فلهم الفطر، وقصر الصلاة الرباعية ومسح الخفين ثلاثة أيام، ولو بقوا سنوات، هذا قول جمهور العلماء، بل حكاه ابن المنذر إجماعاً , لكن لو ظن هؤلاء ان الغرض لا ينتهي إلا بعد المدة التي ينقطع بها حكم السفر فهل لهم الفطر والقصر على قولين. الحالة الثالثة: أن ينوو الإقامة المقيدة بغرض معين يدرون متى تنتهي، ومتى انتهى رجعوا غلى بلادهم بمجرد انتهائة فقد اختلف أهل العلم ﵏ في حكم هؤلاء، فالمشهور عن مذهب الإمام أحمد انهم أن نووا إقامة أكثر من أربعة ايام أتموا ن وأن نووا دونها قصروا، وقيل: أن نووا إقامة أربعة ايام أتموا، وإن نووا دونها قصروا، قال في المغني (صفحة ٢٨٨ المجلد الثاني) وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور قال: وروي هذا القول عن عثمان ﵁ وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن اقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر، انتهى. وهناك اقوال أخرى ساقها النووي في شرح المهذب صفحة ٢٢٠ المجلد الرابع تبلغ عشرة أقوال، وهي أقوال اجتهادية متقابلة ليس فيها نص يفصل بينهما، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى أن هؤلاء في حكم المسافرين لهم الفطر، وقصر الصلاة الرباعية، والمسح على الخفين ثلاثة ايام، انظر ٢٤ مجموع الفتاوى جمع ابن قاسم صفحة ١٣٧، ١٣٨، ١٨٤،مجلد ٢٤ والاختيارات صفحة ٧٣ وانظر زاد المعاد لابن القيم صفحة ٢٩

стр. 5805

مجلد ٣ اثناء كلامه على فقه غزوة تبوك. وقال في الفروع لابن مفلح احد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية صفحة ٦٤ مجلد ٢ بعد أن ذكر الخلاف فيما غذا نوى مدة فوق أربعة أيام قال: " واختار شيخنا وغيره القصر والفطر وأنه مسافر ما لم يجمع على غقامة ويستوطن كإقامته لقضاء حاجة بلا نية إقامة " انتهى. واختار هذا القول الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، انظر صفحة ٣٧٢، ٣٧٥ مجلد ٤ من الددر السنية، واختاره أيضاً الشيخ محمد رشيد رضا صفحة ١١٨٠ المجلد الثالث من فتاوى المنار، وكذلك اختاره شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي صفحة ٤٧ من المختارات الجلية، وهذا القول هو الصواب لمن تأمل نصوص الكتاب والسنة، فعلى هذا يفطرون ويقضون كاهل الحال الثانية، لكن الصوم أفضل إن لم يشق، ولا ينبغي أن يؤخرورا القضاء إلى رمضان ثان، لأن ذلك يوجب تراكم الشهور عليهم فيثقل عليهم القضاء أو يعجزوا عنه. والفرق بين هؤلاء وأهل الحال الأولى أن هؤلاء أقاموا لغرض معين ينتظرون انتهاءه ولم ينووا الإقامة المطلقه، بل لو طلب منهم أن يقيموا بعد انتهاء غرضهم لأبوا ذلك، ولو انتهى غرضهم قبل المدة التي نووها ما بقوا في تلك البلاد، أما أهل الحال الأولى فعلى العكس من هؤلاء فهم عازمون على الإقامة المطلقة مستقرون في محل الإقامة لا ينتظرون شيئا معيناً ينهون لإقامتهم بانتهائه، فلا يكادون يخرجون من مغتربهم هذا إلا بقهر النظام، فالفرق ظاهر للمتأمل، والعلم عند الله تعالى فمن تبين له رجحان

стр. 5806

هذا القول فعمل به فقد اصاب، ومن لم يتبين له فأخذ بقول الجمهور فقد أصاب، لأن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد التي من اجتهد فيها فأصاب فله أجران ومن اجتهد فيها فاخطأ فله أجر واحد والخطأ مغفور، قال الله تعالى ( ﴿لا يُكَلّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَها﴾ [البقرة، الآية: ٢٨٦] . وقال النبي ﷺ : " " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران , وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ".أخرجه البخاري (١) . نسأل الله تعالى أن يوفقنا للصواب عقيدة وقولاً وفعلا إنه جواد كريم والحمد الله رب العالمين، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ١٠/ ٩ / ١٤٠٥ هـ.

стр. 5807

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد الله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وحجة الله تعالى على خلقه المبعوث إليهم إلى يوم الدين. وبعد: فقد سألني بعض المسافرين للدراسة في الخارج هل تنقطع أحكام السفر في حقهم أو تبقى حتى يرجعوا إلى بلادهم، فأجبت: بأن قول جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة أنهم في حكم المقيم لا يترخصون برخص السفر، وأن بعض العلماء يقول أنهم في حكم المسافرين فيترخصون برخص السفر، وإن هذا أختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ عبد الله بن الشيخ، محمد بن عبد الوهاب، والشيخ محمد رشيد رضا، وقال عنه شيخنا عبد العزيز ابن باز في مجلة الجامعة الإسلامية في العدد الرابع من السنة الخامسة الصادر في ربيع الثاني سنة ١٣٩٣هـ ص ١٢٥ في ركن الفتاوى: " إنه قول قوي تدل عليه أحاديث كثيرة ". ا. هـ. المراد منه، وأن ذلك ظاهر النصوص وهو ما نراه، وقد يستغرب كثير من الناس هذا القول، ويظنونه قولاً بعيداً عن الصواب، وهذا من طبيعة الإنسان أن يستغرب شيئاً لم يتبين له وجهه، ولكن إذا

стр. 5808

كشف له عن نقابه، لاح له وجه صوابه، لأن له قلبه وانشرح به صدره، واطمأنت إليه نفسه، وصار هذا القول الغريب عنده من آلف الأقوال، لذلك رأيت أن أكتب ما تيسر لي في هذا الموضوع سائلاً الله تعالى أن ينفع به فأقول: المغتربون عن بلادهم لهم ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن ينووا الإقامة المطلقه في بلاد الغربة كالعمال المقيمين للعمل، والتجار المقيمين للتجارة، وسفراء الدول ونحوهم ممن عزموا على الإقامة إلا لسبب يقتضي نزوحههم إلى أوطانهم فهؤلاء في حكم المستوطنين في وجوب الصوم عليهم، وإتمام الصلاة الرباعية، والاقتصار على يوم وليلة في المسح على الخفين، الحالة الثانية: أن ينوو الإقامة لغرض معين غير مقيد بزمن فمتى انتهي غرضهم عادوا إلى أوطانهم، كالتجار القادمين لبيع السلع ن أو شرائها أو القادمين لمهمات تتعلق بأعمالهم الرسمية أو لمراجعة دوائر حكومية ونحوهم ممن عزموا على العودة إلى أوطانهم بمجرد انتهاء غرضهم، فهؤلاء في حكم المسافرين وأن طالت مدة اتظارهم فلهم الترخص برخص السفر من الفطر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية ومسح الخفين ثلاثة أيام وغير ذلك، ولو بقوا سنوات عديدة، هذا قول جمهور العلماء، بل حكاه ابن المنذر إجماعاً , لكن لو ظن هؤلاء ان غرضهم لا ينتهي إلا بعد المدة التي ينقطع بها حكم السفر كما لو ظنوا أنه لا ينتهي إلا بعد أربعة أيام مثلاً

стр. 5809

فهل لهم الترخيصر على قولين ذكرهما في الإصناف ٣٣٠/ ٢ وقال عن القول بالجواز جزم به في الكافي، ومختصر ابن تيمية، قال في الحواشي: وهو الذي ذكره ابن تيمية وغيره. اهـ. الحالة الثالثة: أن ينوو الإقامة لغرض معين مقيدة بزمن ومتى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم فقد اختلف أهل العلم ﵏ في حكم هؤلاء، فالمشهور عن مذهب الحنابلة انهم أن نووا إقامة أكثر من أربعة ايام أتموا ن وأن نووا دونها قصروا قال في المغني ٢٨٨/ ٢: وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور قال: وروي هذا القول عن عثمان ﵁ وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن اقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر،اهـ. وهناك اقوال أخرى ساقها النووي في شرح المهذب ٢١٩/ ٢٢٠ تبلغ عشرة أقوال (١) ، وكلها اقوال متقابلة اجتهادية ليس فيها نص يفصل بينهما،قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى جمع ابن قاسم ١٣٧/ ٢٤: " فمن جعل للمقام حدامن الأيام إما ثلاثة، وإما أربعة، وإما عشرة، وإما اثنى عشر وإما خمسة عشر فإنه قال قولاً لا دليل عليه من جهة الشرع، وهي تقديرات متقابلة، فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة

стр. 5810

أقسام: إلى مسافر، وإلى مقيم مستوطن وهو الذي ينوي المقام في المكان، وهذا هو الذي تنعقد به الجمعه وتجب عليه، وهذا يجب عليه اتمام الصلاة بلا نزاع فإنه المقيم المقابل للمسافر، والثالث مقيم غير مستوطن أوجبوا عليه أتمام الصلاة، والصيام، وأوجبوا عليه الجمعة بمستوطن، وهذا التقسيم هو تقسيم المقيم إلى مستوطن وغير مستوطن تقسيم لا دليل عليه من جهة الشرع. اهـ كلامه. وحيث أن هذه الأقوال ليس لها دليل يفصل بينهما فقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ عبد الله بن الشيخ، محمد بن عبد الوهاب والشيخ محمد رشيد رضا، وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي، ذهب هؤلاء إلى أن حكم السفر لا ينقطع في هذه الحال فيجوز لأصحابها أن يترخصوا برخص السفر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى جمع ابن قاسم ١٨٤/ ٢٤: " وقد بين في غير هذا الموضع أنه ليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله إلا مقيم، ومسافر، والمقيم هو المستوطن، ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة ". وفي الاختيارات ٧٢ـ ٧٣: " وتقصر الصلاة في كل ما يسمى سفراً سواء قل أو كثر، ولا يتقدر بمدة " إلى أن قال: " وسواء نوى إقامة أكثر من أربعة ايام أو لا، وروي هذا عن جماعة من الصحابة ". وفي الفروع لابن مفلح ٤٦/ ٢ قال بعد أن ذكر الخلاف فيما إذا نوى المسافر الإقامة مدة معينة قال: " واختار شيخنا وغيره القصر والفطر، وأنه مسافر مالم يجمع على إقامة ويستوطن كإقامته

стр. 5811

لقضاء حاجة بلا نية إقامة " أهـ. وابن مفلح أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وهو من أعلم الناس بأقواله وفتاويه، حتى قيل إن ابن القيم يرجع إليه في ذلك أحياناً، وفي الأنصاف عن الشيخ كما في الفروع. وقال ابن القيم في زاد المعاد ٢٩/ ٣ أثناء كلامه على فوائد غزوة تبوك: " ومنها: أنه ﷺ اقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (١) ، ولم يقل للأمة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم الإقامة بذلك الموضع، وقد اختلف السلف والخلف في ذلك أختلافاً كثيراً " وذكر تمام كلامه. وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جواب له في الدرر السنية ٣٧٢/ ٤: " وأنت رحمك الله إذا تأملت هديه ﷺ في أسفاره، وأنه يقيم في بعضها المدة الطويلة والقصيرة بحسب الحاجة والمصلحة، ولم ينقل أحدا عنه ﷺ أنه قال: إذا إقام أحدكم أربعة أيام في مكان أو بلد أو أكثر أو أقل من ذلك فليتم صلاته، وليصم، ولا يترخص برخص السفر التي جاءت بها الشريعة السمحة، مع أن الله تعالى فرض عليه البلاغ المبين، فبلغ الرسالة وأدى الأمانه، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، تبين لك أن الصواب في هذه المسألة ما اختاره غير

стр. 5812

واحد من الصحابه والتابعين لهم بأحسان أن المسافر يجوز له القصر والفطر مالم يجمع على إقامة استوطن (كذا في الطبعة القديمة وفي الجديدة: " أو يستوطن " وكأن فيها تعديلاً) فحينئذ يزول عنه حكم السفر، ويكون حكمه حكم المقيم، وهذا هو الذي دل عليه هديه ﷺ كما قال ابن القيم ﵀ في فؤائد غزوة تبوك " ثم نقل كلام ابن القيم إلى أن قال ٣٧٥ " فإذا تقرر أن إقامة المسافر مدة غير معلومة، أو معلومة لكنه لم ينو الاستقرار والاستيطان أن ذلك لا يقطع حكم السفر بقي الكلام في استحباب الصيام في السفر، أو جوازه " وذكر تمام الكلام، وبهذا الكلام يظهر أن صواب العبارة الأولى: " ما لم يجمع على إقامة ويستوطن " كعبارة صاحب الفروع فيما نقله من اختيار شيخه. وقال الشيخ محمد رشيد رضا في فتاويه جمع صلاح الدين المنجد ١١٨٠/ ٣ " وإنما يسألنا عن الراجح المختار عندنا فيها فنحن نصرح له به تصريحاً مع بيان أننا لا نجيز لأحد أن يقلدنا فيه تقليداً وهو أن المسافر الذي يمكث في بلد اربعة أو أكثر وهو ينوي أن يسافر بعد ذلك منها لا يعد مقيماً منتفياً عنه وصف السفر لا لغة، ولا عرفاً، وإنما يعد مقيماً من نوى قطع السفر واتخاذ سكن له في ذلك البلد، وأن لم يتم له فيه إلا يوم أو بعض يوم " إلى أن قال: " فالمكث المؤقت لا يسمى إقامة إلا بقيد التوقيت " أهـ. وقال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي في المختارات الجلية ٤٧: " والصحيح أيضاً أن المسافر إذا أقام بموضع لا ينوي فيه قطع السفر فإنه مسافر وعلى سفر، وإن كان ينوي إقامة أكثر من أربعة

стр. 5813

أيام " أهـ. وقال شيخنا عبد العزيز بن باز في جواب له صدر في العدد الرابع من مجلة الجامعة الإسلامية من السنة الخامسة في ربيع الثاني سنة ١٣٩٣هـ عن القول بإنه يقصر مالم ينو الاستيطان وإنما أقام لعارض متى زال سافر " هو قول تدل عليه أحاديث كثيرة " وقال عن الإتمام: " إنه قول الأكثر وأخذ بالأحوط ". وهذا القول الذي ذهب إليه هؤلاء العلماء الأجلاء هو القول الراجح عندي، لأنه مقتضى دلالة الكتاب، والسنة، والآثار، والنظر والقياس: أما الكتاب: فقد قال الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [النساء: الآية: ١٠١] فأطلق الله تعالى الضرب في الأرض وعمم في وقته والضرب في الأرض هو السفر فيها ويكون للجهاد والتجارة وغيرها، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا) [النساء: الآية: ٩٤) وقال تعالى (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [المزمل: الآية: ٢٠] فإذا كان الله تعالى قد أباح القصر للضاربين في الأرض ومنهم المجاهدون والتجار وهو سبحانه يعلم أن منهم من يبقى أياماً وشهوراً للقتال والحصار، وبيع السلع وشرائها كما هو الواقع، ولم يستثن الله ضارباً من ضارب ولا حلاً من حال. إذا كان الأمر كذلك علم أن الحكم لا يختلف من ضارب إلى ضارب، ولا في حال دون حال، ولو كان ثمت ضارب أو حال

стр. 5814

تخرج من هذا الحكم لبينه الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله، لأن الله تعالى أوجب بفضله على نفسه البيان فقال تعالى: (إن علينا للهدى) لأ الليل، الآية: ١٢] وقال (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [القيامة، الآيتان: ١٨، ١٩] وبيانه شامل لبيان لفظه وبيان معناه وحكمه. ولو كانت ثمت ضارب، أو حال تخلفت عن هذا الحكم لكان حكمها المخالف من شرع الله تعالى، وإذا كان من شرعه فلابد أن يحفظ وينقل إلينا كما قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر، الآية: ٩] وهو شامل لحفظ لفظه وما يتضمنه من الأحكام فلما لم يحفظ في ذلك حكم مخالف ولم ينقل علم أنه لا وجود له. وهذه القاعدة تنفعك في هذه المسألة وغيرها وهي: أن كل نص جاء مطلقاً، أو عاماً فإنه يجب إبقاءه على إطلاقه وعمومه حتى يقوم دليل على تقييده وتخصيصه لقوله تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) [النحل، الآية: ٨٩] فلو كان مقيد أو مخصص لما ورد مطلقاً أو عاماً لبينه الله تعالى. وأما السنة ففيها أدلة: الأول: ما ثبت في صحيح البخاري عن جابر، وابن عباس ﵃ قالا: " ﷺ وأصحابه صبح رابعة مضت من ذي الحجة مهلين (١) بالحج "، الحديث. وكان النبي ﷺ في

стр. 5815

حجته يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينه، قال أنس بن مالك ﵁: " خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة ". متفق عليه. وفي رواية لمسلم " خرجنا من المدينة إلى الحج " (١) . ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ أقام إقامة لغرض الحج مقيدة بزمن معين، وقد نواها بلا ريب، ومع ذلك بقي يصلي ركعتين حتى وصل المدينة، فدل ذلك على ان الإقامة لغرض معين متى انتهى رجع إلى وطنه، لا ينقطع بها حكم السفر وإن كانت المدة محددة. فإن قلت: إنما أقام النبي ﷺ قبل الخروج إلى منى أربعة أيام وهذه المدة لا ينقطع بها حكم السفر. فالجواب أن يقال: من أين لك العلم بأن النبي ﷺ لو قدم في اليوم الثالث من ذي الحجة فأقام خمسة أيام لم يقصر؟! بل الظاهر الغالب على الظن أنه لو قدم حينئذ لقصر، لأن قدومه لليوم الرابع وقع اتفاقاً لا قصداً بلا ريب، وما وقع اتفاقاً لم يكن مقصوداً فلا يتعلق به حكم منع أو إيجاب. ويقال ثانياً: من المعلوم أن النبي ﷺ كان يعلم أن من الحجاج من يقدم في اليوم الثالث، والثاني، والأول من ذي الحجة، بل وقبل ذلك، فالحج أشهر معلومات تبتدئ من دخول شوال، ولم يقل للأمة (من قدم للحج قبل اليوم الرابع من ذي الحجة
следующие страницы →