لقضاء حاجة بلا نية إقامة " أهـ. وابن مفلح أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وهو من أعلم الناس بأقواله وفتاويه، حتى قيل إن ابن القيم يرجع إليه في ذلك أحياناً، وفي الأنصاف عن الشيخ كما في الفروع.
وقال ابن القيم في زاد المعاد ٢٩/ ٣ أثناء كلامه على فوائد غزوة تبوك: " ومنها: أنه ﷺ اقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (١) ، ولم يقل للأمة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم الإقامة بذلك الموضع، وقد اختلف السلف والخلف في ذلك أختلافاً كثيراً " وذكر تمام كلامه.
وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جواب له في الدرر السنية ٣٧٢/ ٤: " وأنت رحمك الله إذا تأملت هديه ﷺ في أسفاره، وأنه يقيم في بعضها المدة الطويلة والقصيرة بحسب الحاجة والمصلحة، ولم ينقل أحدا عنه ﷺ أنه قال: إذا إقام أحدكم أربعة أيام في مكان أو بلد أو أكثر أو أقل من ذلك فليتم صلاته، وليصم، ولا يترخص برخص السفر التي جاءت بها الشريعة السمحة، مع أن الله تعالى فرض عليه البلاغ المبين، فبلغ الرسالة وأدى الأمانه، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، تبين لك أن الصواب في هذه المسألة ما اختاره غير
стр. 5812
واحد من الصحابه والتابعين لهم بأحسان أن المسافر يجوز له القصر والفطر مالم يجمع على إقامة استوطن (كذا في الطبعة القديمة وفي الجديدة: " أو يستوطن " وكأن فيها تعديلاً) فحينئذ يزول عنه حكم السفر، ويكون حكمه حكم المقيم، وهذا هو الذي دل عليه هديه ﷺ كما قال ابن القيم ﵀ في فؤائد غزوة تبوك " ثم نقل كلام ابن القيم إلى أن قال ٣٧٥ " فإذا تقرر أن إقامة المسافر مدة غير معلومة، أو معلومة لكنه لم ينو الاستقرار والاستيطان أن ذلك لا يقطع حكم السفر بقي الكلام في استحباب الصيام في السفر، أو جوازه " وذكر تمام الكلام، وبهذا الكلام يظهر أن صواب العبارة الأولى: " ما لم يجمع على إقامة ويستوطن " كعبارة صاحب الفروع فيما نقله من اختيار شيخه.
وقال الشيخ محمد رشيد رضا في فتاويه جمع صلاح الدين المنجد ١١٨٠/ ٣ " وإنما يسألنا عن الراجح المختار عندنا فيها فنحن نصرح له به تصريحاً مع بيان أننا لا نجيز لأحد أن يقلدنا فيه تقليداً وهو أن المسافر الذي يمكث في بلد اربعة أو أكثر وهو ينوي أن يسافر بعد ذلك منها لا يعد مقيماً منتفياً عنه وصف السفر لا لغة، ولا عرفاً، وإنما يعد مقيماً من نوى قطع السفر واتخاذ سكن له في ذلك البلد، وأن لم يتم له فيه إلا يوم أو بعض يوم " إلى أن قال: " فالمكث المؤقت لا يسمى إقامة إلا بقيد التوقيت " أهـ.
وقال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي في المختارات الجلية ٤٧: " والصحيح أيضاً أن المسافر إذا أقام بموضع لا ينوي فيه قطع السفر فإنه مسافر وعلى سفر، وإن كان ينوي إقامة أكثر من أربعة
стр. 5813
أيام " أهـ.
وقال شيخنا عبد العزيز بن باز في جواب له صدر في العدد الرابع من مجلة الجامعة الإسلامية من السنة الخامسة في ربيع الثاني سنة ١٣٩٣هـ عن القول بإنه يقصر مالم ينو الاستيطان وإنما أقام لعارض متى زال سافر " هو قول تدل عليه أحاديث كثيرة " وقال عن الإتمام: " إنه قول الأكثر وأخذ بالأحوط ".
وهذا القول الذي ذهب إليه هؤلاء العلماء الأجلاء هو القول الراجح عندي، لأنه مقتضى دلالة الكتاب، والسنة، والآثار، والنظر والقياس:
أما الكتاب: فقد قال الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [النساء: الآية: ١٠١] فأطلق الله تعالى الضرب في الأرض وعمم في وقته والضرب في الأرض هو السفر فيها ويكون للجهاد والتجارة وغيرها، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا) [النساء: الآية: ٩٤) وقال تعالى (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [المزمل: الآية: ٢٠] فإذا كان الله تعالى قد أباح القصر للضاربين في الأرض ومنهم المجاهدون والتجار وهو سبحانه يعلم أن منهم من يبقى أياماً وشهوراً للقتال والحصار، وبيع السلع وشرائها كما هو الواقع، ولم يستثن الله ضارباً من ضارب ولا حلاً من حال.
إذا كان الأمر كذلك علم أن الحكم لا يختلف من ضارب إلى ضارب، ولا في حال دون حال، ولو كان ثمت ضارب أو حال
стр. 5814
تخرج من هذا الحكم لبينه الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله، لأن الله تعالى أوجب بفضله على نفسه البيان فقال تعالى: (إن علينا للهدى) لأ الليل، الآية: ١٢] وقال (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [القيامة، الآيتان: ١٨، ١٩] وبيانه شامل لبيان لفظه وبيان معناه وحكمه.
ولو كانت ثمت ضارب، أو حال تخلفت عن هذا الحكم لكان حكمها المخالف من شرع الله تعالى، وإذا كان من شرعه فلابد أن يحفظ وينقل إلينا كما قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر، الآية: ٩] وهو شامل لحفظ لفظه وما يتضمنه من الأحكام فلما لم يحفظ في ذلك حكم مخالف ولم ينقل علم أنه لا وجود له.
وهذه القاعدة تنفعك في هذه المسألة وغيرها وهي: أن كل نص جاء مطلقاً، أو عاماً فإنه يجب إبقاءه على إطلاقه وعمومه حتى يقوم دليل على تقييده وتخصيصه لقوله تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) [النحل، الآية: ٨٩] فلو كان مقيد أو مخصص لما ورد مطلقاً أو عاماً لبينه الله تعالى.
وأما السنة ففيها أدلة:
الأول: ما ثبت في صحيح البخاري عن جابر، وابن عباس ﵃ قالا: " ﷺ وأصحابه صبح رابعة مضت من ذي الحجة مهلين (١) بالحج "، الحديث. وكان النبي ﷺ في
стр. 5815
حجته يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينه، قال أنس بن مالك ﵁: " خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة ". متفق عليه. وفي رواية لمسلم " خرجنا من المدينة إلى الحج " (١) .
ووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ أقام إقامة لغرض الحج مقيدة بزمن معين، وقد نواها بلا ريب، ومع ذلك بقي يصلي ركعتين حتى وصل المدينة، فدل ذلك على ان الإقامة لغرض معين متى انتهى رجع إلى وطنه، لا ينقطع بها حكم السفر وإن كانت المدة محددة.
فإن قلت: إنما أقام النبي ﷺ قبل الخروج إلى منى أربعة أيام وهذه المدة لا ينقطع بها حكم السفر.
فالجواب أن يقال: من أين لك العلم بأن النبي ﷺ لو قدم في اليوم الثالث من ذي الحجة فأقام خمسة أيام لم يقصر؟! بل الظاهر الغالب على الظن أنه لو قدم حينئذ لقصر، لأن قدومه لليوم الرابع وقع اتفاقاً لا قصداً بلا ريب، وما وقع اتفاقاً لم يكن مقصوداً فلا يتعلق به حكم منع أو إيجاب.
ويقال ثانياً: من المعلوم أن النبي ﷺ كان يعلم أن من الحجاج من يقدم في اليوم الثالث، والثاني، والأول من ذي الحجة، بل وقبل ذلك، فالحج أشهر معلومات تبتدئ من دخول شوال، ولم يقل للأمة (من قدم للحج قبل اليوم الرابع من ذي الحجة
стр. 5816
فليتم صلاته) فلو كان هذا حكم الله في خلقه لبينه النبي ﷺ لوجوب البلاغ عليه، ودعاء الحاجة إلى بيانه، والقول بإن هذا حكم الله تعالى مع سكوت النبي ﷺ عن بيانه، الموجود مقتضيه قول فيه نظر لا يخفى.
فإن قلت فما وجه احتجاج المحددين بأربعة أيام بهذا الحديث؟
فالجواب: أن وجه احتجاجهم به قولهم: أن مجرد الإقامة ينقطع بها السفر خولف في الأيام الأربعة لورود النص به فبقي ما زاد على ذلك على الأصل وهو انقطاع السفر.
وهذه الدعوة ممنوعة شرعاً وعرفاً، قال شيخ الإسلام في الفتاوى جمع ابن القاسم ١٤٠/ ٢٤: " وهذا الدليل مبني على أنه من قدم المصر فقد خرج عن حد السفر وهو ممنوع، بل هو مخالف للنص، والإجماع، والعرف " أهـ.
أما وجه منعها شرعاً: فإن النبي ﷺ أقام بمكة في حجة الوداع عشرة أيام كما ذكره أنس بن مالك ﵁ أربعة قبل الخروج إلى منى وستة بعد ذلك، وأقام بها في غزوة الفتح تسعة عشر يوماً (١) وأقام في تبوك عشرين يوماً (٢) وكان يقصر الصلاة مع هذه الإقامات المختلفة.
وأما وجه منعها عرفاً: فإن الناس يقولون في الحاج أنه مسافر للحج، وإن كان قد سافر في أول أشهر الحج، ويقولون للمسافر
стр. 5817
للدراسة إنه مسافر إلى الدراسة في الخارج ونحو ذلك فيسمونه مسافراً وإن كان مقيماً لغرضه الذي يريده مدة معينه، وعلى هذا فالأصل أن المسافر باق على سفره حقيقة وحكماً حتى يقطعه باستيطان أو إقامة مطلقة.
الدليل الثاني من السنة: ما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: " أن النبي ﷺ أقام بمكة تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين " (١) وفيه عن ابن عباس أيضاً قال: " صام رسول الله ﷺ حتى إذا بلغ الكديد ـ الماء الذي بين قديد وعفسان ـ أفطر فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر " (٢) .
وفي هذين الحديثين القصر والفطر مع إقامة تزيد على أربعة أيام.
الدليل الثالث: ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ : " أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة " (٣) . أخرجه أبو داود والبيهقي وأعله بتفرد معمر بوصله، لكن قال النووي: هو حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، وتفرد معمر بوصله لا يقدح فيه فإنه ثقه حافظ. أهـ. (٤)
ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ قصر مع أنه أقام عشرين يوماً. فلما ثبت قصر النبي ﷺ في هذه الأحاديث مع اختلاف المدد التي
стр. 5818
أقامها علم علم أن تحديد المدة التي ينقطع بها بها حكم السفر بأيام معلومة قول ضعيف، ولو كان الحكم مختلفاً بين مدة وأخرى لبينه النبي ﷺ لأمته لئلا يتأسوا به فيما لا يحل لهم.
فإن قلت: أن النبي ﷺ قصر في غزوة الفتح، وفي غزوة تبوك فيما زاد على أربعة أيام، لأنه لم يعزم على إقامة هذه المدة، فهو يقول أخرج اليوم، أخرج غداً، حتى تمادى به الأمر إلى هذه المدة.
فالجواب أن يقال: من أين لك أن النبي ﷺ لم يعزم على ذلك؟ وهل يمكنك أن تشهد على رسول الله ﷺ بهذا؟ مع أن العوم قصد القلب، لا يطلع عليه إلا بوحي من الله تعالى، أو أخبار من العازم، ولم يحصل واحد منهما في هذه المسألة فتكون دعوى أن النبي ﷺ لم يعزم الإقامة هذه المدة قولاً بلا علم.
ويقال ثانياً: بل الظاهر الذي يغلب على الظن أن النبي ﷺ كان عازماً على الإقامة أكثر من أربعة أيام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى جمع ابن قاسم ١٣٦/ ٢٤: " وإقام (يعني النبي ﷺ في غزوة الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة، ومعلوم بالعبادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال إنه كان يقول: اليوم أسافر، غداً أسافر، بل فتح مكة، وأهلها وما حولها كفار محاربون له، وهي اعظم مدينة فتحها، وبفتحها ذلت الأعداء، وأسلمت العرب وسرى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم، ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة وكذلك في تبوك ".
стр. 5819
وذكر نحو ذلك تلميذه ابن القيم في زاد المعاد ٣٠/ ٣ وأن في حمله على أنه لم يجمع الإقامة نظراً لا يخفى.
فإذا تبين ضعف القول بتحديد المدة التي ينقطع بها حكم السفر بأربعة أيام أو نحوها فإن أي مدة تزيد على ذلك في تحديد مدة الإقامة التي تمنع الترخص برخص السفر تحتاج إلى دليل، فإذا قال قائل: إذا نوى إقامة شهر أتم، وإن نوى دون ذلك قصر، قيل: ما دليلك على ما قلت؟ وإذا قال آخر: إذا نوى إقامة سنة أتم، وإن نوى دون ذلك قصر، قيل له اين الدليل لما قلت؟ وهكذا.
وحينئذ يكون مناط الحكم هو المعنى والوصف فما دام الإنسان مسافراً مفارقاً لوطنه فأحكام السفر في حقه باقيه ما لم يقطعه باستيطان أو إقامة مطلقه، وأنت لو سألت المغتربين من أصحاب هذه الحال هل نويتم الاستيطان، أو الإقامة المطلقه لقالوا: لا، وإنما ننتظر انتهاء مهمتنا، فمتى انتهت رجعنا إلى أوطاننا سواء انتهت في الوقت المقرر، أم قبله، فليس لنا غرض في الإقامة في هذا المكان أو البلد وإنما غرضنا الأول والأخير الحصول على مهمتنا، فهم متشابهون في القصد لأصحاب الحال الثانية، وإن كانوا يختلفون عنهم بتحديد مدة الإقامة التي قد علن بمقتضى الأدلة السابقة أنها ليست مناط الحكم، ولهذا جعل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ الحكم فيهما واحداً كما نقله عنه تلميذه ابن مفلح في كتاب الفروع.
وبهذا يتبين لك الفرق بين أصحاب هذه الحال والحال الأولى، لأن أصحاب هذه الحال لم ينووا الإقامة إلا لهذا الغرض،
стр. 5820
أما أصحاب الجال الأولى فقد نووا الإقامة المطلقه إلا أن يحصل لهم ما يقتضي الخروج، والفرق بين من يريد الإقامة إلا أن يحصل له ما يقتضي الخروج، وبين من يريد الخروج لولا ما يقتضي الإقامة فرق ظاهر لمن تأمله.
فإن قلت: إن بعض المغتربين من أصحاب هذه الحال يصطحبون زوجاتهم وربما يتزوجون في أماكن غربتهم، أو يشترون بيوتاً للسكنى.
فالجواب: أن أصطحاب الأهل والزوجات غير مؤثر في الحكم، فإن النبي ﷺ قد اصطحب زوجاته في حجة الوداع، وكان من هديه: إذا أراد السفر أن يقرع بين زوجاته فأيتهن خرج سهمها خرج بها (١) . ومع هذا قصر في حجته وكان يقصر في كل أسفاره.
وأما التزوج في مكان الغربة فإن كان المتزوج يقصد طلاقها عند مغادرته ـ وقلنا بصحة هذا العقد ـ فإنه لم يتأهل التأهل المطلق بل هو تأهيل مقيد، وهو لا يؤثر على حال المتزوج.
وإن كان المتزوج يقصد بقاء النكاح وحمل وزوجته معه، فإنه أيضاً لم يقصد اتخاذ هذا المكان مقراً ووطناً له، بل يريد مغادرته بأهله بمجرد انتهاء غرضه.
وانتبه لقولي: " يقصد طلاقها " وقولي " وقلنا بصحة هذا العقد " لأن محترز القيد الأول أن يكون شرط طلاقها في العقد عند
стр. 5821
انتهاء المدة، أو تزوجها إلى أجل ينتهي بالمدة فإنه في هذه الحال يكون نكاح متعة محرماً فاسداً لا تستحل به الفروج.
أما محترز القيد الثاني فهو أن بعض أهل العلم يرى أن نية الطلاق كشرطه قياساً على نية التحليل، وعلى هذا فلا يصح العقد.
وعلى القول بصحة العقد فإن هذه النية في العقد حرام على المتزوج لما فيها من خديعة الزوجة وأهلها فإنهم لو علموا بنيته هذه لم يتزوجوه في الغالب، وأما شراء البيوت فإنما يشترونها لسكانها إلى أنتهاء غرضهم لا للإقامة المطلقة فهم بمنزلة المستأجرين الظاعنين لا المستوطنين.
وأما الآثار: فروى مسلم في صحيحه عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم اصل مع الإمام؟ قال: " ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ " (١) .
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن أبي جمرة نصر بن عمران قال: قلت لابن عباس: إنا نطيل المقام بخرسان فكيف ترى؟ قال " صل ركعتين وإن أقمت عشر سنين " (٢) .
وروى الإمام أحمد في مسنده (٣) عن ثمامة بن شراحبيل قال: خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ قال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثاً: قلت: أرايت إن كنا بذي المجاز؟ قال: وماو المجاز؟ قلت: مكان نجتمع فيه ونبيع فيه نمكث
стр. 5822
عشرين ليلة، أو خمس عشرة ليلة، قال: يا أيها الرجل كنت بأذربيجان لا أدري قال أربعة أشهر أو شهرين فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين، ورأيت نبي الله صلي الله عليه وسلم نصب عيني يصليها ركعتين ركعتين, ثم نزع هذه الآية: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:٢١)
وروى البيهقي (١) عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال (ارتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة, وكنا نصلي ركعتين) ,قال النووي وهذا سند على شرط الصحيحين (٢) .ورواه عبد الرزاق بلفظ (أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة) (٣) .
وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين فكان لا يجمع ولا نزيد على ركعتين (٤) .
وروى أيضاً من أنس بن مالك ﵁:- ((أنه أقم بالشام شهرين مع عبد الملك مروان يصلي ركعتين، ركعتين) (٥) ,وذكر في المغني, والفتاوى, وزاد المعاد أن أنس بن مالك - رضي
стр. 5823
الله عنه - ((أقام بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر) (٦) .
وروى البيهقي (٧) عن أنس بن مال ﵁ (أن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة) ,قال النووي: إسناده صحيح (٨) , وقال ابن حجر: صحيح.
فهذا آثار عن أربعة من الصحابة عبد الله بن عباس, وعبد الله بن عمر, وعبد الرحمن بن سمرة, وأنس بن مالك كلها تدل على جواز القصر مع المدة الطويلة. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال (أقام النبي صلي الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا) (٩) . وهذا يخالف ما أفتى به نصر بن عمران فيكون لابن عباس ﵄ في ذلك قولان.
وأما الآثار عن التابعين: فمنها ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن علقمة وهو من أصحاب ابن مسعود أنه أقام بخوار زم سنتين فصلى ركعتين (١٠) .وروى عن أبي وائل أنه خرج مع مسروق إلى السلسة فقصر وأقام سنتين يقصر, قلت:يا أبا عائشة ما يحملك على هذا؟ قال:
стр. 5824
التماس السنة وقصر حتى رجع (١١) .وروي عن معمر عن أبي إسحاق قال: أقمنا مع وال قال: أحسبه بسجستان سنتين, ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود, فصلى بنا ركعتين، ركعتين حتى انصرف, ثم قال: كذلك كان ابن مسعود يفعل (١٢) .وروي عن الشعيب أنه قال (كنت أقيم سنة أو سنتين أصلي ركعتين, أو قال: ما أزيد على ركعتين) (١٣) .
فهذه آثار عن جماعة من التابعين وكلها تدل على جواز القصر مع المكث الطويل.
وأما النظر فيقال: لو نوى نية إقامة مدة تزيد على أربعة أيام أو خمسة عشر يوماً, أو غير ذلك مما ذكر في تحديد المدة قاطعة لحكم السفر لكانت إقامة هذه المدة بالفعل قاطعة له أيضاً, بل أولى لأن وجود الإقامة القاطعة بالفعل أبلغ في التأثير من نيتها لو قدر أن للنية تأثيراً؛ لأن الإقامة إذا حصلت لم يمكن رفعها, بخلاف نيتها فإنه يمكن فسخها وتجديد نية للسفر, ولهذا كان أحد أقوال الشافعية أن المسافر إذا أقام المدة التي تقطع نيتها حكم السفر لزمه الإتمام وإن لم ينو الإقامة, وهذا عين الفقه والنظر الصحيح ,فإنه إذا كانت إقامته هذه المدة غير مؤثرة كان مقتضى النظر الصحيح أن لا تؤثر نيتها, وإن كانت نيتها كان وقوعها بالفعل أولى بالتأثير.
стр. 5825
وأيضاً فإن القائلين بتأثير نية الإقامة يقولون: إنها تمنع القصر والفطر, ورخص السفر, ولا تعطي المقيم حقاً في انعقاد الجمعة به وتوليه إمامتها وخطابتها, ولهذا قالوا: لا يصح أن يكون إماماً في الجمعة في مكان إقامته, ولا خطيباً فيها, ولا يحسب من العدد المعتبر لها.
ومقتضى النظر الصحيح أن تطرد القاعدة في حقه لئلا يحصل التناقض.
وأما القياس فمن وجهين:
أحدهما: أن يقال فرق بين رجلين كلا هما قدم البلد متى ينتهي والثاني لا يعرف؟! فنقول: للأول لا تترخص برخص السفر إذا علمت أنه لا ينتهي إلا بعد كذا وكذا من الأيام, ونقول للثاني: لك أن تترخص وإن أقمت سنين حتى وإن ظننت أنه لا ينتهي إلا بعد تمام المدة على القول الذي حكاه في الإنصاف عن الكافي ومختصر أبي تميم.
فإن قلت: الفرق أن الأول حدد مدة إقامته بخلاف الثاني.
فالجواب: أن تحديد المدة لا أثر له في نية قطع السفر؛ لأن السبب فيهما واحد وهو الإقامة لانتظار انتهاء الغرض, لكن الأول حدد مدة إقامته باعتبار طبيعة الغرض, ربما تحدث له موانع يتأخر بها عن الوقت المحدد, وربما تجدد له أسباب يتقدم بها, وقد سبق لك أن النبي صلي الله عليه وسلم أقام إقامة محددة في حجة الوداع فقصر, وأقام أطول منها في غزوة الفتح, وتبوك فقصر؛ لأن العلة في الإقامتين
стр. 5826
واحدة وهي انتظار انتهاء ما أقام من أجله. وعلى هذا فيكون الفرق غير مفرق.
الوجه الثاني من القياس: أن يقال أي فرق بين رجلين قدما بلداً لغرض يغادران البلد بمجرد انتهائه, لكن أحدهما نوى أن يقيم ستاً وتسعين ساعة فقط, والثاني نوى يقيم سبعاً وتسعين ساعة, ثم نقول للأول حكم السفر في حقك فليس لك أن تترخص برخص السفر, ومع أن كل واحد منهما لا يريد إقامة مطلقة وإنما يريد إقامة مرتبطة بغرض متى انتهى عاد إلى وطنه, وكل منهما يعتبر نفسه غريباً في محل إقامته وظاعناً عنه, ولو قيل له بعد انتهاء غرضه أقم ما أقام, فكيف يمكن أن نفرق بينهما سفراً وإقامة بفرق ساعة؟!
فإن قلت: إن التفريق بين الشيئين في مثل هذا لازمن ممكن فهذه المرأة المستحاضة إذا كان لها عادة فإنها تجلس مدة عادتها فقط فتكون مدة العادة حيضاً وما بعدها استحاضة, فإذا كانت عادتها تنقضي في الساعة الثانية عشرة كان ما قبل الثانية عشرة حيضاً وما بعدها استحاضه ومن المعلوم ما بين الحيض الاستحاضه من الفروق في الأحكام. وهذا الشخص إذا حصل بلوغه بالسن وكان تمامه الخامسة عشرة سنة في الساعة الثانية عشرة كان بعد الساعة عشرة بالغاص وقبلها غير بالغ, والفرق بين أحكام البالغين وغيرهم معلومة.
فالجواب: أن هاتين المسألتين قد فرق الشارع بين الحالين فيهما بخلاف الإقامة في السفر.
стр. 5827
ففي المستحاضة قال النبي صلي الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش ﵂
(إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة, وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) رواه البخاري (١) .
وفي البلوغ قال ابن عمر ﵄ (عرضت على النبي صلي الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني, وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشرة سنة فأجازني) .متفق عليه (٢) .
زاد البيهقي (٣) وابن حبان (٤) (ولم يرني بلغت) - بعد قوله - ((فلم يجزني) . ((ورآني بلغت) بعد قوله ((فأجازني) وصححه ابن خزيمة.
وبهذا التفريق والبيان في هاتين المسألتين من النبي صلي الله عليه وسلم يظهر جلياً كمال تبليغ النبي صلي الله عليه وسلم شريعته لأمته وتمام تبيانه, وأنه لو كان فرق في إقامة المسافر ٩٦ ساعة وإقامته ٩٧ ساعة لبينه صلي الله عليه وسلم لأمته لأهميته وكثرة وقوعه, فالحمد لله رب العلمين, صلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.
فإن قلت: إننا إذا أبحنا رخص السفر لمن أقام مدة طويلة لغرض متى انتهى عاد إلى وطنه احتمل أن يترك صيام رمضان بعض
стр. 5828
من أقام في الغربة للدراسة عدة سنوات فيسقطوا ركناً من أركان الإسلام.
فالجواب من وجهين:
الأول أن يقال: الأحكام الشرعية العامة لا يسوغ إلغاؤها في عامة الناس باحتمال أن يتوصل أحد من الناس بها إلى إسقاط الواجب, ولو ساغ ذلك لقلنا: إن الفطر لا يباح للمسافر إذا وجد من الناس من يسافر لأجل ترك الصوم كما هو موجود الآن, ومن سفر بعض المترفين إذا أقبل رمضان ثم لا يصومون أداء ولا قضاء, لهذا قال بعض أهل العلم - إما على سبيل الواقع, أو سبيل الفرض - قالوا: لو الفطر لغيره من المسافرين بشرطه.
الثاني أن يقال: إن هذا الاحتمال وارد أيضاً فيمن أقام عدة وطنه - وهم أصحاب الحال الثانية - وقد سبق لك أن جمهور العلماء على جواز ترخيصهم برخص السفر ومنها ترك الصيام, بل حكاه ابن المنذر إجماعاً, وإن كان نقل الإجماع فيه نظراً كما يعلم من رشح المهذب ١١٥/٤ وتفصيل مذهب الشافعية في ذلك.
ولهذا نقول في مسألة الصيام إن المغترب الذي يباح له الترخص برخص السفر ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن لا يشق عليه فالأفضل له أن يصوم لما فيه من المبادرة إلى إبراء الذمة, ولأنه أيسر على الصائم غالباً لمشاركته الناس في زمن صومهم؛ ولأنه ثبت من حديث أبي
стр. 5829
الدرداء ﵁ قال (خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في شهر رمضان, في حر شديد, حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر, وما فينا صائم إلا رسول الله صلي الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة) .رواه مسلم (٥) ,ورواه البخاري - أيضاً - بدون ذكر الشهر (٦) .
الحال الثاني: أن يشق عليه الصيام فله أن يفطر ويقضيه في وقت لا يشق عليه, ولا ينبغي أن يؤخره إلى ما بعد رمضان التالي لئلا تتراكم عليه الشهور فيثقل عليه الصوم أو يعجز عنه.
وهاتان الحالان فيما إذا أمن نفسه من التفريط وترك الصيام أما إذا خاف على نفسه التفريط وترك الصيام وهي:
الحال الثالثة: فإنه يجب عليه الصوم ولهذا أمر الله تعالى بالاقتصار على الزوجة إذا خاف عدم العدل, مع أن تعدد الزوجات إلى أربع مباح في الأصل قال الله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) (النساء:٣) .قال النبي صلي الله عليه وسلم في الوتر (من خشي منكم أن لا يقوم من آخر الليل, فليوتر من أول الليل, ثم ليرقد, ومن طمع منكم في أن يقوم من آخر الليل, فيوتر من آخر الليل, فإن قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل) .رواه مسلم (١) , فأمر النبي صلي الله عليه وسلم بتقديم الوتر في
стр. 5830
الوقت المفضول لمن خاف أن لا يقوم به آخر الليل.
وقال الفقهاء - رحمهم الله تعالى - فيمن وجد لقطة له أخذها إن أمن نفسه عليها, وإلا حرم عليه أخذها وصار بمنزلة الغاصب.
فمن خاف من فعل المباح أن يترك به واجباً, أو يفعل به محرماً كان ذلك المباح حراماً عليه سداً للذريعة, لكن ذلك يحكم الناس يتوصل بالمباح إلى شيء محرم كان ذلك المباح في حقه وحده حراماً دون سائر الناس.
فإن قلت: هل لديك علم بما قاله شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى جمع ابن قاسم ١٧/٢٤ حيث قال (إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة, وإن كان أكثر ففيه نزاع, والأحوط أن يتم الصلاة) وبما ذكر عنه صاحب الاختيارات ١٠٧ (وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أقل من أربعة أيام فله الفطر؟ وهل يقاوم هذا ما نقلت عنه أو يبطله؟
فالجواب: ليس لدي علم بذلك, وهو لا يقاوم ما نقلته عنه, ولا يبطله.
أما الفتوى فقد ذكر النزاع ثم قال (والأحوط أن يتم الصلاة) والحكم الاحتياطي لا يقتضي الوجوب.
وانظر ما نقله الشيخ نفسه في هذا المجلد ١٤١ عن الأثرم قلت (يعني الإمام أحمد) فلما لم يقصر على ما زاد من ذلك قال: لأنهم اختلفوا فيأخذ بالأحوط فيتم, قال الشيخ (فأحمد لم يذكر
стр. 5831
دليلاً على وجوب الإتمام إنما أخذ بالاحتياط, وهذا لا يقتضي الوجوب) .أهـ.
وأما ما في الاختيارات فإن دلالته على أن من نوى إقامة أربعة أيام فأكثر فليس له أن يفطر من باب دلالة المفهوم, وهي لا تقاوم دلالة المنطوق فكيف تبطلها؟
فإن أبى إلا أن يكون ذلك مقاوماً لما نقلت عنه فإن أعلى مراتبه أن يكون دالاً على أن شيخ الإسلام في ذلك قولين, ولكن من تأمل قوة تأييد للقول بالترخص؛ وتزييف للقول بعدمه, ظهر له أن القول المتأخر له هو القول بالترخص؛ لأنه يبعد أن يؤيد القول بالترخص هذا التأييد ويزيف مقابله ذلك التزييف, ثم يرجع عن ذلك ولهذا اقتصر عليه صاحبا الفروع والإنصاف.
وقد قال الفتاوى ١٨ من المجلد المذكور جواباً من سؤال شخص يعلم أنه يقيد مدة شهر فهل يجوز له القصر؟ إن فيه نزاعاً, فمن العلماء من يوجب الإتمام, ومنهم من يوجب القصر, والصحيح أن كليهما سائغ فمن قصر لا ينكر عليه, ومن أتم لا ينكر عليه, وكذلك تنازعوا في الأفضل فمن كان عنده شك في جواز القصر فأراد الاحتياط فالإتمام أفضل, وأما من تبينت له السنة وعلم أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين, ولم يحد السفر بزمان أو مكان, ولا حد الإقامة أيضاً بزمن محدود فإنه يقصر - إلى أن قال-: (وإذا كان التحديد لا أصل له فما دام المسافر مسافراً يقصر الصلاة ولو أقام في مكان شهوراً) .
وهذا أيضاً يدل على أن الذي تبين لشيخ الإسلام من السنة
стр. 5832
جواز القصر لمن حدد إقامته ولو طالت المدة وتقييده بالشهور في جوابه؛ لأنه جواب عن سؤال من علم أن يقيم مدة شهرين.
وإلى هذا انتهى ما أردنا كتابته في هذه المسألة التي قد استغرب كثير من الناس القول فيها بالترخص مع أنه عند التأمل في أيضاً كما عرفت, فمن تبين له رجحانه فعمل به فقد أصاب, ومن لم يتبن له فأخذ بقول الجمهور فقد أصاب, لأن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد التي من اجتهد فيها فأصاب فله أجران, ومن اجتهد فيها فأخطأ فله أجر واحد, والخطأ مغفور له, قال الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية٢٨٦) .وقال النبي صلي الله عليه وسلم (إذا حكم الحاكم فاجتهد, ثم أصاب فله أجران, وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) .متفق عليه (١) .
فنسأل الله تعالى أن يوفقنا للصواب فيما نأتي ونذر عقيدة وقولاً, وعملاً, وأن يجعلنا مهتدين, وصالحين مصلحين, وأن يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا, وأن يهب لنا منه رحمة, إنه هو الوهاب, وصلى الله على نبينا محمد, وعلى آله, وصحبه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تم بقلم كاتبه الفقير إلى الله تعالى محمد الصلح العثيمين في ليلة الأحد الموافق ١٣/١٠/١٤٠٥هـ.
стр. 5833
الأقوال التي ساقها النووي ﵀:
إليك الأقوال التي ساقها النووي ﵀ في شرح المهذب فرع في مذاهب العلناء في إقامة المسافر في بلد. قال رحمه الله تعالى: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج انقطع الترخص, وإن نوى دون ذلك لم ينقطع, ومذهب عثمان بن عفان, وابن المسيب, ومالك, وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة, والثوري, والمزني: إن نوى إقامة خمسة عشر يوماً مع الدخول أتم, وإن نوى أقل من ذلك قصر.
قال ابن المنذر: وروي مثله عن ابن عمر. قال: وقال الأوزاعي وابن عمر في رواية عنه, وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة: إن نوى إقامة اثني عشر يوماً أتم وإلا فلا.
وقال ابن عباس, وإسحاق بن راهويه: إن نوى إقامة تسعة عشر يوماً أتم, وإن نوى دونها قصر.
وقال الحسن بن صالح: إن نوى إقامة عشر أيام أتم, قال ابن المنذر:وبه قال محمد بن علي.
وقال أنس, وابن عمر في رواية عنه وسعيد بن جبير, والليث: إن نوى أكثر من خمسة عشر يوماً أتم.
وقال أحمد: إن نوى إقامة تزيد على أربعة أيام أتم, وإن نوى أربعة قصر في أصح الروايتين, وبه قال داود.
وعن أحمد رواية: أنه نوى إقامة اثنتين وعشرين صلاة
стр. 5834
أتم, وإن نوى إحدى وعشرين قصر وحسب عنده يوما الدخول والخروج.
قال ابن المنذر وروي عن ابن المسيب قال: إن أقام ثلاثاً أتم قال: وقال الحسن البصري: يقصر إلا أن يدخل مصراً من الأمصار, وعن عائشة نحوه. قال: وقال ربيعه:إن نوى إقامة يوم وليلة أتم.
قال: وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه يقصر أبداً حتى يدخل وطنه, أو بلداً له فيه أهل أو مال. قال القاضي أبو الطيب: وروي هذا عن بن عمر وأنس.
أما إذا أقام في بلد لانتظار حاجة يتوقعها حاجة قبل أربعة أيام فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه يقصر إلى ثمانية عشر يوماً.
وقال أبو حنيفة, ومالك ,وأحمد: يقصر أبداً. وقال أبو يوسف ومحمد هو مقيم. اهـ من المجموع شرح المهذب (١) .
стр. 5835
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم..... حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتابكم غير المؤرخ وصلني يوم الاثنين ١٤ الجاري, وقرأته بمشقة لخفاء حروفه بضعف مداده, وما تضمنه من الأسئلة فإليكم جوابها سائلين الله أن يلهمنا فيها الصواب:
جواب السؤال الأول: تعريف السفر عندنا ما سماه الناس سفراً, ولا يتحدد ذلك بمسافة معينة, ولا مدة معينة وذلك لأنه لم يرد عن النبي صلي الله عليه وسلم في ذلك تحديد, فما دام الإنسان مفارقاً لمحل إقامته, وهو عند الناس مسافر فهو في سفر, وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أيام أو فراسخ صلى ركعتين (١) .وفي صحيح البخاري عنه ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة, قيل له: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً, وكان ذلك في حجة الوداع (٢) .
وفيه أيضاً عن ابن عباس ﵄ قال: أقام النبي صلي الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين, وكان ذلك عام
стр. 5836
الفتح (٣) .قال في الفتح ص ٥٦٧جـ٢ ط السلفية عن حديث أنس الأول: وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه.
قلت: ولا يصح حمله على أن المراد به المسافة التي يبتدئ منها القصر لا غاية السفر؛ لأن أنس بن مالك أجاب به من سأله عن خروجه من البصرة إلى الكوفة أيقصر الصلاة؟ وأيضاً فقد نقل في الفتح عن ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن لمريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت قريته يعني وإن لم يتجاوز ثلاثة أميال أو فراسخ.
وقد أقام النبي صلي الله عليه وسلم ((بتبوك عشرين يوماً الصلاة) (٤) ولم يكن ذلك تحديداً منه, فلما لم يحدد ذلك لأمته أنه ليس فيه تحديد وأن المسافر ما دام لم يعزم على الإقامة المطلقة فإن حكم السفر في حقه باق.
وقد كتبنا في ذلك أجوبة مبسوطة ومختصرة لأسئلة متعددة اخترنا أن نبعث لكم صورة من التوسط منها نسأل الله أن ينفع بها.
وأما من انتقلت وظيفته إلى بلد فانتقل إليها مطمئناً بذلك فإن البلد الثاني هو محل إقامته؛ لأن الأصل بقاء وظيفته وعدم نقله مرة أخرى, وأما إذا لم يطمئن وإنما حدد عمله وإقامته في البلد المنقول إليه, أو كان ذلك لم يحدد ولكن هو يطالب برده إلى وطنه الأول وهو عازم على الرجوع إليه ولو أدى ذلك إلى استقالته فإنه حينئذ مسافر على ما نراه.
стр. 5837
وأما ظنكم أن المقيم الذي له الحكم المسافر لا يشهد الجمعة ولا الجماعة فاعلموا أن من سمع النداء وجبت عليه الإجابة لعموم الأدلة الدالة على ذلك.
وأما من له أهلان أحدهم في الرياض والآخرون في جدة فإن كلا البلدين وطنه فمتى جاء إلى جدة فقد انقطع سفره, ومتى جاء إلى الرياض فقد انقطع سفره, والفرق بين هذا وبين المبتعثين للدراسة ظاهر فإن هؤلاء المبعوثين لم يتأهلوا في البلاد التي بعثوا إليها وإنما هم فيها لحاجة متى انتهت رجعوا.
وأما ترك إقامة الجمعة من غير المستوطنين ولو كانوا مقيمين فهذا ما ذكره فقهاء الحنابلة, وهو موضع خلاف بين أهل العلم, ففقهاء الحنابلة يرون أنه لا تصح الجمعة من هؤلاء, وهو المشهور عند الشافعية, وفيه وجه للشافعية بالجواز, فإن رأيتم أن في إقامتها مصلحة للإسلام والمسلمين فأرجو أن لا يكون في ذلك بأس إن شاء الله تعالى مع أني - والله - أرجح عدم إقامتها, إلا إذا كان معهم مستوطنون.
ومصلحة الاجتماع تحصل بدون إقامة الجمعة مثل أن تنظم ندوات شهرية, أو أسبوعية تلقى فيها الخطب, وتحصل المناقشات التي فيها الفائدة الحاصلة بخطبة الجمعة والاجتماع لها.
وأسال الله لي ولكم العافية, والتوفيق للصواب, وليست هذه الأمور الشرعية تؤخذ بما يبدو من المصالح التي قد تحصل بغيرها بدون تعد لقانون الشريعة والله تعالى أحكم الحاكمين.
حرر في ١٧/٢/١٤٠٣ هـ.
стр. 5838
رسالة
جواب السؤال الرابع (١) :
قصر الصلاة للمقيمين في غير بلدهم للدراسة, أو لمدة تدريبية تبلغ ستة أشهر ونحوها مختلف فيه عند أهل العلم, وإتماماً للفائدة نقول:
إن إقامة الإنسان في بلد غير بلده الأصلي تنقسم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يقيم فيه إقامة استيطان بحيث ينتقل عن بلده الأصلي انتقالاً كاملاً, فحكم هذا حكم المستوطنين الأصليين في كل شيء, لا يترخص رخص السفر في هذا البلد الذي انتقل إليه, بل يترخص إذا سافر منه, ولو إلى بلده الأصلي, كما لو كان بلده الأصلي مكة فانتقل للسكنى في المدينة, فإنه يعتبر في المدينة كأهلها الأصليين, فلو سافر إلى مكة للعمرة, أو الحج, أو طلب العلم, أو زيادة قريب, أو تجارة أو غيرها فحكمه في مكة حكم المسافرين, وإن كان قد تزوج فيها من قبل وتأهل كما فعل النبي صلي الله عليه وسلم في مكة في غزوة الفتح وحجة الوداع, مع أنه قد تزوج في مكة وتأهل فيها من قبل.
القسم الثاني: أن يقيم في البلد إقامة انتظار لحاجة يريدها ولم يعين مدة إقامة لا قليلة ولا كثيرة فحكم هذا حكم المسافرين لا ينقطع سفره ولو بقي سنين طويلة في انتظار حاجته, هذا هو مذهب
стр. 5839
الإمام أحمد, مالك, وأبي حنيفة, والشافعي في أحد أقوال.
والقول الثاني للشافعية أنه يقصر إلى ثمانية عشر يوماً فقط وهو المشهور عندهم. والقول الثالث إلى تمام أربعة أيام فقط.
القسم الثالث: أن يقيم في البلد إقامة انتظار لحاجة مقيدة بمدة معينة, فهذا موضع خلاف بين أهل العلم بلغ الخلاف بينهم إلى أكثرة من عشرة أقوال حكاها النووي في شرح المهذب, ونذكر منها ثلاثة:
أحدها: إذا كانت المدة أربعة أيام أو أكثر أتم الصلاة, وإن كانت أقل قصر, وهذا مذهب أحمد, ومالك, والشافعي إلا أن الشافعي لا يحتسب منها يومي الدخول والخروج.
الثاني: إذا كانت المدة خمسة عشر يوماً فأكثر أتم, وإن كانت أقل من خمسة عشر يوماً قصر وهذا مذهب أبي حنيفة.
الثالث: أنه يقصر ولو زادت المدة على ذلك وبلغت سنوات ما دام الذي حبسه هو الحاجة لا نية إنهاء السفر, وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه ,وتلميذه ابن القيم ,وشيخنا عبد الرحمن السعدي, والشيخ محمد رضا صاحب المنار, وهو الراجح لدلالة ظاهر الكتاب, والسنة عليه, وآثار الصحابة, والتابعين, والنظر, والقياس الصحيح.
وأما الكتاب: فقد قال الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً) (النساء:١٠١) والضرب في الأرض هو السفر فيها ويكون للتجارة وغيرها. قال الله تعالى:
стр. 5840
(عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّه) . فإذا كان الله تعالى قد أباح القصر للضاربين في الأرض, ومنهم التجار الذين يبتغون من فضل الله, وهو يعلم سبحانه أن من الضاربين التجار من يمكث في البلاد عدة أيام لطلب التجارة, أو عرضها
والواقع شاهد بذلك, ولم يخصص في جواز القصر ضارباً من ضارب علم أن الحكم عام, ولو كان ثمة حال تخرج من هذا العموم لبينها الله ورسوله, لأن الله تعالى بفضله ورحمته أوجب على نفسه البيان في قوله: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل:١٢) وقوله: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة, الآيتان:١٨,١٩) وهذا البيان شامل لبيان لفظه وبيان معناه, ولو كان الله ورسوله قد بين ذلك لنقل إلينا؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظ القرآن كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:٩)
وهو شامل لحفظ لفظه, وما يتضمنه من أخبار وأحكام؛ ولأن الحاجة داعية إلى نقل ذلك لكثرة ذلك من الضاربين في الأرض.
وأما السنة: فقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أن النبي صلي الله عليه وسلم (أقام بمكة تسعة عشر يوماً) - يعني عشرين يوماً إلا يوماً - (١) يقصر الصلاة) .
وفيه عن أنس بن مالك ﵁ قال (خرجنا مع النبي صلي الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة, فكان يصلي ركعتين ركعتين, حتى رجعنا إلى المدينة, فسئل: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال أقمنا بها
стр. 5841
عشراً) (٢) ,يعني بإدخال أيام الحج فيها, وبذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم قدم في حجة الوداع مكة صبيحة يوم الأحد الموافق للرابع من ذي الحجة سنة عشرة من الهجرة, وخرج منها بعد أداء الحج صبيحة اليوم الرابع عشر من الشهر المذكور.
وعن جابر ﵁: أن النبي صلي الله عليه وسلم ((أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة) (٣) ,أخرجه أبو داود, والبيهقي وأعلاه بتفرد معمر بوصله لكن قال النووي: وهو حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم, وتفرد معمر بوصله لا يقدح فيه فإنه ثقة حافظ (٤) .قلت: وقد رواه أيضاً أحمد في مسنده (٥) .
قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد ص ٢٩جـ٣في الكلام على فقه غزوة تبوك وفوائدها (لم يقل صلي الله عليه وسلم للأمة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك لكن اتفقت إقامته هذه المدة. وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم قصرت إذا كان غير المستوطن, ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع) .اهـ ويدل على عدم التحديد من هذه السنن أن إقامة النبي صلي الله عليه وسلم اختلفت: ففي حجة الوداع أقام عشرة أيام, أربعة أيام قبل الحج في مكة وستة أيام في المشاعر, وفي عام الفتح أقام تسعة عشر يوماً,
стр. 5842
وفي تبوك عشرين يوماً, ولو كان الحكم يختلف فيها, أو فيما سواها لبينه النبي صلي الله عليه وسلم للأمة حتى لا يتأسوا فيه بما لا يجوز لهم.
ومن حدد بالأربعة, وقال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قصر فيما زاد عليها؛ لأنه لم يعزم على إقامة.
فإننا نقول لهم: ومن أين لكم أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يعزم على الإقامة هذه المدة, أو كان عازماً على أقل منها, أو أكثر ولم يتفق له سوى هذه المدة؟!
ونقول ثانياً: من أين لكم أن الأربعة الأيام هي التي ينقطع بها حكم السفر دون ما عداها؟!
فسيقولون: إن الأصل أن المسافر إذا أقام في بلد أي إقامة كانت انقطع حكم سفره خولف في الأيام الأربعة لأن النبي صلي الله عليه وسلم قصر وهو مقيمها فعلم أن هذه المدة لا ينقطع بها السفر.
فنقول: بل الأصل أن المسافر باق على سفره حقيقة عرفية وشرعية حتى ينتهي برجوعه إلى محل إقامته:
أما الحقيقة العرفية: فإن الناس يقول للمسافر إنه مسافر للحج أو للدراسة ونحو ذلك, وإن كان سفره محدداً فيه الإقامة أكثر من أربعة أيام فالحاج يسافر من أول أشهر الحج ويبقى حتى يحج ويرجع وهو عند الناس مسافر ولو بقي في مكة شهر أو شهرين.
وأما الحقيقة الشرعية: ففعل النبي صلي الله عليه وسلم دليل ظاهر على بقاء حكم السفر شرعاً وإن أقام أكثر من أربعة أيام حيث قصر في مكة عام الفتح, وفي تبوك مع إقامة أكثر من أربعة أيام والقول بأنه لم يعزم على الإقامة لا دليل عليه فلا يعول عليه.
стр. 5843
قال شيخ الإسلام ص ١٤٠جـ٢٤ من مجموع الفتاوى لابن قاسم (وهذا مبني على أن من قدم المصر فقد خرج من حد السفر وهو ممنوع بل مخالف للنص والإجماع والعرف) .
وقال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد ص ٣٠جـ٣ عن هذا القول (إن فيه نظر لا يخفى النبي صلي الله عليه وسلم فتح مكة وهي ما هي وأقام فيها مؤسس قواعد الإسلام, ويهدم قواعد الشرك, ويمهد أمر ما حولها من العرب, ومعلوم قطعاً أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتى في يوم واحد, ولا يومين, وكذلك إقامته في تبوك فإنه أقام ينتظر العدو ومن المعلوم قطعاً أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل يحتاج قطعها إلى أيام وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة - ثم عذر قول الأصحاب إنه إذا أقام لجهاد عدو ونحوه قصر, وقال - لكنهم شرطوا شرطاً لا دليل عليه من كتاب, ولا سنة, ولا إجماع, ولا عمل الصحابة فقالوا: شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر وهي ما دون الأربعة الأيام, فيقال: من أين لكم هذا الشرط, والنبي صلي الله عليه وسلم لما أقام زيادة على أربعة أيام في مكة, وتبوك لم يقل لهم شيئاً, ولم يبين أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام.اهـ.
ونقول ثالثاً: إن إقامة النبي صلي الله عليه وسلم وقعت اتفاقاً فماذا تكون الحال لو كان قدومه مكة يوم السبت لثلاث من ذي الحجة, أفيقال إنه لا يقصر؟ إنه لو قيل ذلك لكان قولا بلا علم لأنه لم يبين ذل بقوله ولا فعله, فلم يقل للناس إنما قصرت لأن مدة إقامتي أربعة أيام فيتم بعدها حتى يتبين الحكم
стр. 5844
بفعله, بل الظاهر أو المتعين أنه لو كان قدومه يوم السبت أو قبله لقصر كما فعل عام الفتح؛ لأنه لو كان الحكم يختلف لبينه لدعاء الحاجة إلى بيان, فإن قدوم الحاج يختلف, ومنهم من يقدم لليوم الرابع, ومنهم من يقدم قبله, ومنهم من يقدم بعده. وأما آثار الصحابة: فروى الإمام أحمد في مسنده (١)
عن ثمامة بن شراحيل قال (خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ قال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثاً. قلت: أرأيت إن كنا بذي المجاز؟ قال: وما ذو المجاز؟ قلت: مكان نجتمع فيه ونبيع فيه نمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة, قال يا أيها الرجل كنت بأذربيجان لا أدري قال أربعة أشهر أو شهرين فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين, ورأيت نبي الله صلي الله عليه وسلم نصب عيني يصليها ركعتين، ركعتين ثم نزع هذه الآية: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:٢١)
وروى البيهقي عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال (ارتج علينا ثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة وكنا نصلي ورواه عبد الرزاق بلفظ (أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة) (٢) .
стр. 5845
وعن أبي المنهال قال: قلت لابن عباس إني أقيم بالمدينة حولاً لا أشد على سير قال: صل ركعتين (١)
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن أبي حمزة نصر عمران قال: قلت لابن عباس: إنا نطيل القيام بالغزو بخراسان فكيف ترى؟ قال صلى ركعتين وإن أقمت عشر سنين (٢)
وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين فكان لا يجمع، ولا يزيد على ركعتين (٣) .
وروي أيضا عن انس بن مالك ﵁ أنه أقام بالشام شهرين مع عبد الملك بن مروان يصلي ركعتين، ركعتين (٤) .
وذكر في المغني، والفتاوى، وزاد المعاد أن أنس بن مالك ﵁ أنه أقام بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر (٥) .
وروى البيهقي عن أنس بن مالك ﵁ أن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة. قال ابن حجر: صحيح، وقال النووي: إسناده صحيح (٦) .
стр. 5846
وأما الآثار عن التابعين: فروى عبد الرزاق عن محمد بن الحارث قال: قدمنا المدينة فأرسلت إلى ابن المسيب أنا مقيمون أياما في الدينة أفنقصر؟ قال: نعم (١) .
وروي عن علقمة أنه، أنه أقام بخوارزم سنتين فصلى ركعتين (٢) .
وروي عن أبي وائل أنه خرج مع مسروق إلى السلسلة فقصر وأقام سنين يقصر، قلت: يا أبا ما يحملك على هذا؟ قال: التماس السنة، وقصر حتى رجع (٣) .
وروي عن الشعبي أنه قال: كنت أقيم سنة، أو سنتين أصلي ركعتين، أو قال ما أزيد على ركعتين، ركعتين (٤) .
فهؤلاء الأربعة من الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن سمرة، وأنس بن مالك ﵁.
وأربعة من التابعين: سعيد بن المسيب، وعلقمة، ومسروق، والشعبي -رحمهم الله تعالى-.
وأما النظر فيقال: لو كانت نية الإقامة مدة تزيد على أربعة أيام أو على خمسة عشر يوما قاطعة لحكم السفر لكانت إقامة هذه المدة قاطعة له أيضا، بل أولى؛ لأن فعل الإقامة أبلغ من نيتها في التأثير -لو فرض أن ذلك تأثيرا- إذ الإقامة إذا حصلت بالفعل لم يمكن
стр. 5847
رفعها بخلاف نيتها فيمكن رفعها بفسخها ونية السفر، ولهذا أن أحد الأقوال للشافعية إنه إذا أقام هذه المدة لزمه الإتمام وإن لم ينو الإقامة، وهذا عين الفقه، والنظر الصحيح، ومع ذلك فإن المحددين يقولون: إذا نوى الإقامة مدة أكثر مما حددوا انقطع حكم السفر، وإذا أقام هذه المدة ولم ينو الإقامة إلا لانتظار حاجته لم ينقطع. وهذا ضعيف جدًّا لمن تأمله.
وأما القياس فيقال: أي فرق بين من أراد أن يقيم ستاًّ وتسعين ساعة ومن أراد أن يقيم سبعا وتسعين ساعة؟! حيث ينقطع حكم السفر في حق الثاني دون الأول، مع أن كل واحد منهما لا يريد إقامة مطلقة وإنما أراد إقامة مربوطة بحاجة أو عمل متى حصل واصل سفره، وكل منهما يعتبر نفسه غريبا في محل إقامته، وظاعناً عنه فأي فرق بينهما؟! ولا يرد على هذا التنظير بالفرق بين شخص له خمس عشرة سنة إلا ساعة، وشخص له خمس عشرة سنة كاملة حيث يقضي للثاني بالبلوغ دون الأول؛ لأن مسألة البلوغ فرق الشارع فيها بين حال البلوغ وعدمها، وجعل لكل حال حكماً، فلابد من التمييز بين الحالين بضابط يفصل بينهما، وهو تمام خمس عشرة سنة عند من اعتبر البلوغ بهذا السن، وإلا لما أمكن معرفة ذلك، بخلاف إقامة المسافر فإن الشارع لم يفرق فيها بين الحالين، ولم يجعل لكل حال حكماً، قال شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى ص ١٣٨ ج ٢٤: ((والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ١٨٤ من المجلد المذكور: ((وقد بين في غير هذا الموضع أنه
стр. 5848
ليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله صلي الله عليه وسلم إلا مقيم ومسافر، والمقيم هو المستوطن، ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة) ، وقد قال قبل ذلك ص ١٣٧ من المجلد المذكور: ((فمن جعل للمقام حدًّا من الأيام: إما ثلاثة، وإما أربعة، وإما عشرة، وإما اثني عشر، وهي تقديرات متقابلة، وقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام إلى مسافر، وإلى مقيم مستوطن -إلى أن قال- والثالث مقيم غير مستوطن، وأوجبوا عليه إتمام الصلاة، والصيام، وأوجبوا عليه الجمعة وقالوا: (لا تنعقد به وإنما تنعقد بمستوطن، وغير مستوطن، وغير مستوطن تقسيم لا دليل عليه من جهة الشرع) .أهـ.
ومن العجب أن بعض المحددين بأربعة أيام قال: إذا لم نوجب الإتمام على من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام لزم أن يقصر الصلاة من نوى إقامة سنين متعددة ولا قائل به.
والجواب على هذا نقول إذا أن هذا مقتضى النص فلا حاجة إلى أن نعلم قائلاً به؛ لأن النص وحده كاف عن كل قول، وقد سبق لك أن هذا هو مقتضى النصوص في ظاهر عموماتها وإطلاقاتها.
وأيضا فقد قال به من نقلنا قوله من الصحابة، والتابعين في ظاهر ما روي عنهم. وأيضا هو مذهب الأئمة الثلاثة مالك، وأبي حنيفة، وأحمد فيما إذا أقام لحاجة لا يدري متى تنقضي ولو أقام سنين، وأحد
стр. 5849
الأقوال في مذهب الشافعي، وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون نقله عنه ابن القيم في زاد المعاد ص ٣٠ ج ٣.
وبهذا تبين أن مقتضى النصوص، وأقوال السلف، والنظر، والقياس الصحيح: أن المسافر إذا كانت إقامته مقيدة بحاجة، أو زمن ومتى زال ذلك القيد رجع إلى وطنه، فإن إقامته هذه لا تقطع حكم السفر، وله أن يترخص فيها ترخص المسافر ولو طالت مدة الإقامة ولو نواها من قبل، فمن طابت نفسه بذلك فليعمل به فإنه حق -إن شاء الله- ومن لم تطب نفسه به وأراد أن يعمل بقول من يفرق بين تقييد الإقامة بزمن وتقييدها بحاجة أو عمل على ما سبق تقريره فنرجو أن لا يكون عليه حرج في ذلك إن شاء الله تعالى.
وهذا بالنسبة لقصر الصلاة وتقدير مدة المسح على الخفين بثلاثة أيام واضح لدينا لا نتوقف في الإفتاء فيه وأما في صيام رمضان فلا ريب أن من جاز له القصر جاز له الفطر، وأن الإنسان مادام على سفر فله الفطر بالنص والإجماع، لكن تأكد الفطر ليس كتأكد القصر ولذلك لم يصح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه أتم الصلاة في سفره أربعاً، ولا صح عن أحد من أصحابه معه، وأما الصوم فصح أن الصحابة معه منهم الصائم، ومنهم المفطر، ولم يعب بعضهم بعضا، بل صح عنه صلي الله عليه وسلم أنه كان مع أصحابه في سفر في يوم شديد الحر وليس فيهم صائم سوى رسول الله صلي الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة (١) .
стр. 5850
وكان ابن حزم ﵀ يرى أن المسافر إذا أقام في خلال السفر يوماً وليلة وجب عليه الصوم، وإن جاز له القصر إلى تمام واحد وعشرين يوماً تم الصلاة على رأيه.
وعلى هذا فنقول: ينبغي للمقيم من المسافرين أن يصوم رمضان في قوته، ولا يؤخره إلا أن يصادف ذلك أيام حر ويكون عليه فيه شيء من المشقة فله الفطر ويقضيه في الأيام الباردة من السنة ولا يؤخره إلى رمضان الثاني خشية أن تتراكم عليه الشهور فيثقل عليه قضاؤها أو يعتذر. والله أعلم.
جواب السؤال الخامس:
هؤلاء الطيارون الذين يبقون لمدة ثلاث سنوات ونحوها لتعلم الطيران والتدرب عليه في حكم المسافرين على القول الراجح، الذي قررناه بأدلته في جواب السؤال الرابع، لكن الأولى أن يحصلوا على فرصة يصومون بها رمضان في سنته ولو متقطعاً، ولا يؤخرونه للسنة الثانية لئلا تتراكم عليهم الشهور فيثقل عليهم قضاؤها أو يتعذر.
جواب السؤال السادس:
إذا حانت صلاة المغرب وأنت تجوب طرق المدينة الكبيرة، ولم يتيسر لك الوقوف في مكان تؤدي به صلاة المغرب، فلا حرج عليك أن تؤخرها بنية الجمع بينها وبين صلاة العشاء؛ لأنك معذور بعذرين:
أحدهما: السفر على القول الراجح الذي قررناه.