وأما الآثار عن التابعين: فروى عبد الرزاق عن محمد بن الحارث قال: قدمنا المدينة فأرسلت إلى ابن المسيب أنا مقيمون أياما في الدينة أفنقصر؟ قال: نعم (١) .
وروي عن علقمة أنه، أنه أقام بخوارزم سنتين فصلى ركعتين (٢) .
وروي عن أبي وائل أنه خرج مع مسروق إلى السلسلة فقصر وأقام سنين يقصر، قلت: يا أبا ما يحملك على هذا؟ قال: التماس السنة، وقصر حتى رجع (٣) .
وروي عن الشعبي أنه قال: كنت أقيم سنة، أو سنتين أصلي ركعتين، أو قال ما أزيد على ركعتين، ركعتين (٤) .
فهؤلاء الأربعة من الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن سمرة، وأنس بن مالك ﵁.
وأربعة من التابعين: سعيد بن المسيب، وعلقمة، ومسروق، والشعبي -رحمهم الله تعالى-.
وأما النظر فيقال: لو كانت نية الإقامة مدة تزيد على أربعة أيام أو على خمسة عشر يوما قاطعة لحكم السفر لكانت إقامة هذه المدة قاطعة له أيضا، بل أولى؛ لأن فعل الإقامة أبلغ من نيتها في التأثير -لو فرض أن ذلك تأثيرا- إذ الإقامة إذا حصلت بالفعل لم يمكن
стр. 5847
رفعها بخلاف نيتها فيمكن رفعها بفسخها ونية السفر، ولهذا أن أحد الأقوال للشافعية إنه إذا أقام هذه المدة لزمه الإتمام وإن لم ينو الإقامة، وهذا عين الفقه، والنظر الصحيح، ومع ذلك فإن المحددين يقولون: إذا نوى الإقامة مدة أكثر مما حددوا انقطع حكم السفر، وإذا أقام هذه المدة ولم ينو الإقامة إلا لانتظار حاجته لم ينقطع. وهذا ضعيف جدًّا لمن تأمله.
وأما القياس فيقال: أي فرق بين من أراد أن يقيم ستاًّ وتسعين ساعة ومن أراد أن يقيم سبعا وتسعين ساعة؟! حيث ينقطع حكم السفر في حق الثاني دون الأول، مع أن كل واحد منهما لا يريد إقامة مطلقة وإنما أراد إقامة مربوطة بحاجة أو عمل متى حصل واصل سفره، وكل منهما يعتبر نفسه غريبا في محل إقامته، وظاعناً عنه فأي فرق بينهما؟! ولا يرد على هذا التنظير بالفرق بين شخص له خمس عشرة سنة إلا ساعة، وشخص له خمس عشرة سنة كاملة حيث يقضي للثاني بالبلوغ دون الأول؛ لأن مسألة البلوغ فرق الشارع فيها بين حال البلوغ وعدمها، وجعل لكل حال حكماً، فلابد من التمييز بين الحالين بضابط يفصل بينهما، وهو تمام خمس عشرة سنة عند من اعتبر البلوغ بهذا السن، وإلا لما أمكن معرفة ذلك، بخلاف إقامة المسافر فإن الشارع لم يفرق فيها بين الحالين، ولم يجعل لكل حال حكماً، قال شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى ص ١٣٨ ج ٢٤: ((والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ١٨٤ من المجلد المذكور: ((وقد بين في غير هذا الموضع أنه
стр. 5848
ليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله صلي الله عليه وسلم إلا مقيم ومسافر، والمقيم هو المستوطن، ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة) ، وقد قال قبل ذلك ص ١٣٧ من المجلد المذكور: ((فمن جعل للمقام حدًّا من الأيام: إما ثلاثة، وإما أربعة، وإما عشرة، وإما اثني عشر، وهي تقديرات متقابلة، وقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام إلى مسافر، وإلى مقيم مستوطن -إلى أن قال- والثالث مقيم غير مستوطن، وأوجبوا عليه إتمام الصلاة، والصيام، وأوجبوا عليه الجمعة وقالوا: (لا تنعقد به وإنما تنعقد بمستوطن، وغير مستوطن، وغير مستوطن تقسيم لا دليل عليه من جهة الشرع) .أهـ.
ومن العجب أن بعض المحددين بأربعة أيام قال: إذا لم نوجب الإتمام على من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام لزم أن يقصر الصلاة من نوى إقامة سنين متعددة ولا قائل به.
والجواب على هذا نقول إذا أن هذا مقتضى النص فلا حاجة إلى أن نعلم قائلاً به؛ لأن النص وحده كاف عن كل قول، وقد سبق لك أن هذا هو مقتضى النصوص في ظاهر عموماتها وإطلاقاتها.
وأيضا فقد قال به من نقلنا قوله من الصحابة، والتابعين في ظاهر ما روي عنهم. وأيضا هو مذهب الأئمة الثلاثة مالك، وأبي حنيفة، وأحمد فيما إذا أقام لحاجة لا يدري متى تنقضي ولو أقام سنين، وأحد
стр. 5849
الأقوال في مذهب الشافعي، وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون نقله عنه ابن القيم في زاد المعاد ص ٣٠ ج ٣.
وبهذا تبين أن مقتضى النصوص، وأقوال السلف، والنظر، والقياس الصحيح: أن المسافر إذا كانت إقامته مقيدة بحاجة، أو زمن ومتى زال ذلك القيد رجع إلى وطنه، فإن إقامته هذه لا تقطع حكم السفر، وله أن يترخص فيها ترخص المسافر ولو طالت مدة الإقامة ولو نواها من قبل، فمن طابت نفسه بذلك فليعمل به فإنه حق -إن شاء الله- ومن لم تطب نفسه به وأراد أن يعمل بقول من يفرق بين تقييد الإقامة بزمن وتقييدها بحاجة أو عمل على ما سبق تقريره فنرجو أن لا يكون عليه حرج في ذلك إن شاء الله تعالى.
وهذا بالنسبة لقصر الصلاة وتقدير مدة المسح على الخفين بثلاثة أيام واضح لدينا لا نتوقف في الإفتاء فيه وأما في صيام رمضان فلا ريب أن من جاز له القصر جاز له الفطر، وأن الإنسان مادام على سفر فله الفطر بالنص والإجماع، لكن تأكد الفطر ليس كتأكد القصر ولذلك لم يصح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه أتم الصلاة في سفره أربعاً، ولا صح عن أحد من أصحابه معه، وأما الصوم فصح أن الصحابة معه منهم الصائم، ومنهم المفطر، ولم يعب بعضهم بعضا، بل صح عنه صلي الله عليه وسلم أنه كان مع أصحابه في سفر في يوم شديد الحر وليس فيهم صائم سوى رسول الله صلي الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة (١) .
стр. 5850
وكان ابن حزم ﵀ يرى أن المسافر إذا أقام في خلال السفر يوماً وليلة وجب عليه الصوم، وإن جاز له القصر إلى تمام واحد وعشرين يوماً تم الصلاة على رأيه.
وعلى هذا فنقول: ينبغي للمقيم من المسافرين أن يصوم رمضان في قوته، ولا يؤخره إلا أن يصادف ذلك أيام حر ويكون عليه فيه شيء من المشقة فله الفطر ويقضيه في الأيام الباردة من السنة ولا يؤخره إلى رمضان الثاني خشية أن تتراكم عليه الشهور فيثقل عليه قضاؤها أو يعتذر. والله أعلم.
جواب السؤال الخامس:
هؤلاء الطيارون الذين يبقون لمدة ثلاث سنوات ونحوها لتعلم الطيران والتدرب عليه في حكم المسافرين على القول الراجح، الذي قررناه بأدلته في جواب السؤال الرابع، لكن الأولى أن يحصلوا على فرصة يصومون بها رمضان في سنته ولو متقطعاً، ولا يؤخرونه للسنة الثانية لئلا تتراكم عليهم الشهور فيثقل عليهم قضاؤها أو يتعذر.
جواب السؤال السادس:
إذا حانت صلاة المغرب وأنت تجوب طرق المدينة الكبيرة، ولم يتيسر لك الوقوف في مكان تؤدي به صلاة المغرب، فلا حرج عليك أن تؤخرها بنية الجمع بينها وبين صلاة العشاء؛ لأنك معذور بعذرين:
أحدهما: السفر على القول الراجح الذي قررناه.
стр. 5851
والثاني: الحرج والمشقة عليك بصلاة المغرب في وقتها، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: أنه خطب يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدرت النجوم، فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني يقول: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة. رأيت النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وفي رواية عنه قال: جمع النبي صلي الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 5852
رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم.... حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله..... وبعد.
المسافرون للدارسة مسافرون تثبت في حقهم أحكام السفر على القول الصحيح إذ لا دليل على انقطاع حكم السفر في حقهم، وعلى هذا فتجري عليهم أحكام السفر وهي:
الجمع بين الصلاتين اللتين يجمع بعضهما إلى بعض، وهما الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، ولا يجوز تأخير المجموعتين عن وقت الأخيرة منهما، فلا يجوز تأخير الظهر والعصر المجموعتين إلى غروب الشمس، ولا تأخير المغرب والعشاء المجموعتين إلى ما بعد نصف الليل.
قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين.
المسح على الجوربين ثلاثة أيام.
واعلم أن المسافر لا تسقط عنه الجمعة إذا كان في مكان تقام فيه الجمعة، ولم يكن عليه مشقة في حضورها لعموم قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) (الجمعة: من الآية٩) فيجب عليه حضور الجمعة ليصلي مع المسلمين.
ولا تسقط عنه صلاة الجماعة لعموم الأدلة أيضا، ومنها قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ
стр. 5853
مَعَكَ) (النساء: من الآية١٠٢) الآية، وهذا في صلاة الخوف وكانت في السفر، فأوجب الله تعالى فيها الجماعة ولم يسقطها مع اجتماع الخوف والسفر، فكيف إذا انفرد أحدهما أفلا يكون وجوبها أولى؟
وإذا صلى المسافر خلف من يتم الصلاة وجب عليه إتمام الصلاة سواء أدرك الصلاة من أولها أم في أثنائها لقول النبي صلي الله عليه وسلم: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (١) .
ويصلكم إن شاء الله صورة جواب حول الموضوع، أرجو الله تعالى فيه النفع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢١/٧/١٤٠٧هـ.
стр. 5854
رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ ... حفظه الله
السلام عليم ورحمة الله وبركاته.
فقد بعث إلي أحد الإخوان من الرياض رسالتكم التي سميتموها (....) وحقيقتها التعليق على فتوى صدرت مني لبعض الإخوان حول تحديد المدة التي ينقطع بها حكم السفر حيث رجحت فيها ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيميه، وتلميذه ابن القيم وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ محمد رشيد رضا -رحمهم الله تعالى جميعاً- من أن الإقامة التي ينقطع بها حكم السفر لا تتحدد بأيام، بل متى كان الإنسان في سفره فحكم السفر باق في حقه ولو أقام مدة طويلة إذا كانت إقامته مربوطة بعمل، أو حاجة، أو زمن محدد ولم ينو إقامة مطلقة.
وذلك لأنه ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أن نية الإقامة لغرض لا ينقطع بها حكم السفر، سواء علم متى تنقضي تلك المدة أم لم يعلم، فقد ثبت أنه أقام في حجة الوداع أربعة أيام بمكة قبل أن يخرج إلى منى وان يقصر الصلاة، وهذه الإقامة كانت اتفاقاً لا قصداً، ولو كانت قصداً يختلف الحكم فيما زاد عليها لبين ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم فقد كان صلي الله عليه وسلم أعلم الناس بما تقتضيه أقواله، وأفعاله، وأحواله من دلالات، وأنصحهم للخلق، وأبلغهم في بيان الحق.
وليس لدينا لفظ عام يقتضي أن مطلق إقامة المسافر في غير
стр. 5855
بلده ينقطع به حكم السفر حتى نقول إن هذه المدة التي أقامها النبي صلي الله عليه وسلم في مكة عام الحج مستثناة من العموم فيبقى ما زاد على حكم العام، ثم إن هذه المادة (س ف ر) أصل كما في مقاييس اللغة لابن فارس على الانكشاف والجلاء. قال ((من ذلك السفر سمي بذلك لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم) . وإذا كان كذلك فليس في الشرع، ولا في اللغة ما يدل على تحديد المدة التي لا ينقطع بها السفر.
وقد قرأت رسالتكم المذكورة، ولا ريب أن من قصد الحق وبذل جهده في الحصول عليه فهو مأجور، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وخطؤه مغفور لحسن قصده وبذل سعيه.
وقد نقلتم في الرسالة عن شيخ الإسلام في كتاب الصيام من الاختيارات أن المسافر متى عزم على إقامة أقل من أربعة أيام جاز له الفطر. أهـ.
وهو كما نقلتم، لكن لا يخفى فضيلتكم أن ما يدل عليه هذا الكلام بخصوصه لا يعارض ما صرح به في غير موضع من الفتاوى، ومنها ما أشرنا إليه في الفتوى في المجلد الرابع والعشرين من مجموعة ابن قاسم ص ١٣٧، ١٣٨، ١٨٤ حيث ذكر أنه قد بين أنه ليس في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله صلي الله عليه وسلم إلا مقيم، ومسافر، والمقيم هو المستوطن، ومن سوى هؤلاء فهو مسافر، وأن من جعل حد للمقام من الأيام إما ثلاثة، وإما أربعة، وإما عشرة، وإما اثني عشر، وهي تقديرات متقابلة، وأن تقسيم المقيم إلى مستوطن،
стр. 5856
وغير مستوطن لا دليل عليه من جهة الشرع، وأن التمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو أمراً معلوماً لا بشرع، ولا لغة، ولا عرف.
ولا يخفى على فضيلتكم أيضاً ما قاله في الاختيارات نفسها في باب صلاة أهل الأعذار من أن الصلاة تقصر في كل ما يسمى سفراً سواء قل أو كثر، وسواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو لا، وروى هذا عن جماعة من الصحابة.
ولا يخفى على فضيلتكم أيضا ما نقله عنه تلميذه ابن مفلح في كتابه الفروع حيث قال ص٦٣-٦٤ ج ٢ ط آل ثاني: ((وإن نوى مسافر إقامة مطلقة، وقيل بموضع يقام فيه ذكر أبو المعالي (وه) أتم، وكذا عن نوى مدة فوق أربعة أيام...... واختار، واختار شيخنا القصر والفطر، وأنه مسافر ما لم يجمع على إقامة ويستوطن إقامته لقضاء حاجة بلا نية إقامة (و) لا يعلم فراغ الحاجة قبل المدة.ا.هـ. المقصود منه.
فهذه التصريحات من كلام شيخ الإسلام، ونقل صاحب الفروع عنه وهو من أعلم تلاميذه باختياراته في الفقه لا يمكن أن تعارض بمفهوم كلامه في الصيام في الاختيارات؛ لأن المفهوم لا يعارض المنطوق.
وأما ما ذكر في الفتوى من كلام ابن القيم حيث قال ص ٢٩ج ٣: وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة في ذلك الموضع أهـ.
стр. 5857
فلا يخفى على فضيلتكم أن هذا الكلام من ابن القيم - كما تفضلتم في تعليقكم في الرسالة- يدل على قرن المقيم في البلد بالمستوطن بها، وككلامها لا يسوغ له استباحة رخص السفر. ولكن ماذا يعني ابن القيم ﵀ بالإقامة؟ أيعني بها مطلق الإقامة الصادق بإقامة اليوم واليومين والساعة والساعتين؟ أم يعني بها الإقامة المحددة بمدة تبلغ أربعة أيام أو أقل أو أكثر حسب أقوال المحددين؟ أم يعني بها الإقامة المطلقة التي ينهى المسافر بها سفره ويلقي عصا التسيار ولا يقيدها بعمل ولا زمن؟ هذه هي الاحتمالات التي يحتمل أن يعني بها الإقامة:
أما الاحتمال الأول: فلا يمكن لمخالفته النص.
وأما الاحتمال الثاني: فلا يمكن أيضاً إذ لو كان معيناً لحدد الإقامة به، ولأنه صرح في صرح في كلامه هذا أن طول هذه المدة وقصرها سواء، ولأنه قال في نفس الصفحة، فهذا هدي رسول الله صلي الله عليه وسلم ما ترى، وهو الصواب، ثم ذكر في الصفحة التالية والتي بعدها مذاهب الناس في التحديد، ومنها ما قاله عن عائشة ﵂ يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد.
وإذا لم يمكن أن يعني ابن القيم بالإقامة الاحتمالين الأولين تعين الاحتمال الثالث وهو أن يعني بها الإقامة المطلقة التي ينهي بها المسافر سفره، ويلقى عصا التسيار ولا يقيدها بزمن ولا عمل، وذلك لأنه أنهى سفره وصار كالمستوطن، إلا أن الفرق بينهما أن المستوطن يتخذ البلد وطناً يأتي بأهله إليها إن كان ذا أهل ويقطع بنيته صلته ببلده، أما المقيم بدون استطيان فهو الذي يقيم في البلد
стр. 5858
ولا يعتبرها وطناً له, ولا ينقل أهله إليها غالباً يقيم في البلد الذي أنهى بها سفره إقامة مطلقة إما للعمل, أو للتجارة, أو للزراعة أو نحو ذلك, كما يوجد في كثير من البلاد الأوربية التي يعمل فيها كثير من المسلمين ولم يقيدوا مدة بقائهم فيها بعمل ينتظرون إنجازه, ولا بمدة ينتظرون انتهاءها, فهؤلاء وأمثالهم مقيمون في البلاد التي يعملون فيها لا يترخصون برخص السفر وإن كانوا غير مستوطنين.
هذا يدل عليه كلام ابن القيم ﵀ والفرق بين هؤلاء ومن حددوا إقامتهم بزمن أو عمل ينتظرون انتهاءه ظاهر.أسأل الله تعالى رب جبرائيل وميكائيل, وإسرافيل, فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, الحاكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون أن يهدينا جميعاً لما اختلف فيه من الحق بإذنه, إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم, أسأله تعالى أن يهب لنا منه رحمة وفرقاناً, ورسوخاً في العلم, وثباتاً على الحق, وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا, ونعوذ به تعالى أن نضل, أو نضل, أو نزل, أو نزل, أو نجهل, أو يجهل علينا. ثم أرجو أن يكون هذا فاتحة اتصال بيننا للتعاون فيما يهم المسلمين من أمور دينهم وديناهم, فإن العلماء اليوم في حاجة ماسة بل ضرورة ملحة إلى تفهم دينهم, واتفاق كلمتهم, واجتماع قوتهم في الرد على أعداء الله تعالى ليعظم شأنهم, وتملأ القلوب هيبتهم وتنفذ كلمتهم. والله الموفق, والحمد رب العلمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين, وآله وصحبه أجمعين.
والله يحفظكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 5859
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم. . . حفظك الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم الكريم المؤرخ. . . وصل, سرنا صحتك, وصحة الوالد, والأخوان, والأهل, الحمد لله على ذلك, ونسأل الله تعالى أن يزيدنا وإياكم من نعمه, ويرزقنا شكرها.هذا قد قرأت الشيخ. . . . التي أرفقتموها بكتابكم, وهي بعنوان رسالة أحكام قصر الصلاة في السفر) وهي في الحقيقة تعليق على الفتوى الصادرة مني في ٢٣/٥/١٣٩٨هـ ,ولكن هذا التعليق لم يتضمن التعليق على كل ما فيها من التدليل والتعليل ,كما هو واضح لمن قارن بينها وبين الفتوى, وعلى كل فما منا إلا راد ومردود عليه ,والإنسان لا يكلف فوق طاقته التي فهم بها نصوص الشريعة, والشيخ لا يلام لا أحب من أهل العلم أن يجهد كل واحد نفسه في الرد على الآخر في المسائل الاجتهادية التي تتجاذبها الأدلة؛ لأن قول كل واحد ليس حجة على الآخر, وفهمه للنصوص ودلالاتها, وعلمه بمصادرها ومواردها لا يلزم أن يكون مساوياً للثاني, ثم إن الإنسان قد ينفر من قول سمعه لغرابته عنده,
стр. 5860
ثم يأخذ يفكر فيه ويردده حتى يتبين له وجهه, فتطمئن نفسه إليه ويقلبه, وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ راجع أبا بكر ﵁ في قتال مانعي الزكاة, احتج بقول النبي صلي الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) . فقال أبو بكر (والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة, فإن الزكاة حق المال, والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله (وفي رواية عقالاً) رواه قتيبة بن سعيد عن الليث قال البخاري, قال ابن بكير, وعبد الله عن الليث: عناقاً وهو أصح لقاتلتهم على منعها) . قال عمر (فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه للحق) (١) وأفيدكم بأنني لن أرد على رسالة الشيخ. . . حول الفتوى وذلك للأسباب التالية:
١- أنني لا أحب أن يجهد الإنسان نفسه في الأخذ والرد بين إخوانه من أهل العلم في المسائل الاجتهادية التي تتجاذبها الأدلة لما في ذلك من ضياع الوقت, وفتح باب الجدل والانتصار للرأي, وإنما على المرء أن ينظر في كلام من رد عليه فإن تبين أن الصواب معه وجب عليه أن يحمد الله تعالى حيث هيأ له من يبين له الصواب ويفتح له باب الحق, ووجب عليه أن يرجع إلى الصواب, فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
стр. 5861
٢- أن الشيخ. . . . لم يعلق على جميع ما فيها من دليل وتعليل حتى يتبين لي صواب رده أو خطؤه.
٣- أن الإنسان يدين الله تعالى فيما يقول ويفتي به منطوقاً أو مكتوباً, فإذا قال أو أفتى بما يرى أنه الحق فليس عليه أن يقبل أو يرد, وربما يرى أن من نعمة الله تعالى عليه - إذا كان مخطئاً - أن ييسر له من يرد عليه حتى لا يرتكب الناس خطأه.
وأنا كلما تأملت هذه المسألة أعني مسألة انقطاع حكم السفر بتعيين مدة الإقامة لم يتبين لي فيها تفريق بين مدة ومدة, ولم أجد في النصوص ما تطمئن إليه نفسي من التفريق, فإن المقيم في بلد ما للدراسة مدة معينة كالمقيم فيها للعلاج هذه المدة إذ كل منهما ينتظر متى تنتهي مهمته, وكل منهما لو حصل أن يحجز على أول رحلة بعد انتهاء مهمته لفعل, وكل منهما لم يلق عصا التسيار بل عصاه على عاتقه ينتظر متى ينتهي فيغادر, فلا والله أجد فرقاً, وأسأل الله تعالى فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, والحاكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون أن يهديني لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
هذا ملزم, والله يحفظكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في ٧/٧/١٣٩٩هـ.
стр. 5862
رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم. . . . حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم إلينا من الولايات المتحدة غير المؤرخ وصل إلينا قبل أيام وفيه تطلبون الإجابة على الأسئلة الواردة فيه, فهذه هي الإجابة مرتبة حسب الأسئلة (١) نرجو الله تعالى التوفيق فيها للصواب.
جـ١:الطلبة المسافرون إلى أمريكا أو غيرها ليسوا ينوون الإقامة حتى ينتهي دراستهم فمتى انتهت رجعوا إلى بلادهم سواء طالت مدة دراستهم أم قصرت.
وقد اختلف فلا يترخصون برخص السفر من القصر, والجمع, والفطر في رمضان, والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها بدلاً من يوم وليلة, أو أن حكم السفر باق في حقهم؛ لأن حد السفر ينطبق عليهم فهم غرباء في غير بلادهم, ويعتبرون أنفسهم مسافرين ما أقاموا في تلك البلاد إلا للحاجة, وعلى هذا فيترخصون برخص السفر من القصر والجمع, والفطر في رمضان, ومسح الخفين ثلاثة أيام؟
والقول الراجح عندي: أن السفر لا ينقطع حكمه في حقهم وأنهم يترخصون برخصة وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه ,
стр. 5863
وتلميذه ابن القيم, والشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدرر ص ٣٧٥/٤,وشيخنا عبد الرحمن الناصر السعدي, والشيخ محمد رشيد رضا وذلك لأن النبي صلي الله عليه وسلم أقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة (٢) ,وأقام في تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (٣) وأقام في مكة عام حجة الوداع عشرة أيام أربعة قبل الخروج إلى منى, وستة بعد ذلك كما في صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال (خرجنا مع النبي صلي الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين، ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة, فسئل أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً) (٤)
ولما كانت هذه الإقامات مختلفة المدد, ولم يختلف حكمها ولم ينقطع حكم السفر بها دل على أنه لا ينقطع حكم السفر بمدة وإن طالت ما دامت إقامة المسافر لحاجة, ولو كان لانقطاع حكم السفر مدة معينة لبينها الله ورسوله؛ لأن الله تعالى يعلم أن المسافرين تتفاوت مدد إقامتهم في البلاد التي سافروا إليها, والنبي صلي الله عليه وسلم يعلم ذلك وأيضاً وقد قدم عام حجة الوداع في اليوم الرابع من ذي الحجة فبقي يقصر الصلاة (٥) وقد كان يعلم أن من الحجاج من يقدم قبل ذلك إما السنة, أو قبلها, أو بعدها, ولم يقل ((من قدم قبل اليوم الرابع فقد انقطع حكم سفره فليتم الصلاة) ولو كانت
стр. 5864
شريعة الله تعالى أن المسافر إذا أقام أكثر من أربعة أيام انقطع حكم سفره ولزمه إتمام الصلاة وغيره من أحكام الإقامة لوجب على النبي صلي الله عليه وسلم أن يبلغه لأمته فلما لم يقع ذلك علم أنه ليس من الشريعة.
وأن من قدم بلداً لحاجه دينية, أو دنيوية ومن نيته أن يرجع إلى بلده بعد انقضائها فهو مسافر بدون تحديد مدة قال شيخ الإسلام ابن تيميه في رسالته (أحكام السفر والإقامة) ص ٨٢صلي الله عليه وسلم (فمن جعل للمقام حداً من الأيام فقد قال قولاً لا دليل عليه من جهة الشرع, وهي تقديرات متقابلة تتضمن تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام مسافر, ومقيم, ومستوطن, ومقيم غير مستوطن ,وتقسيم المقيم إلى مستوطن وغيره لا دليل عليه من جهة الشرع) .قال (والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس أمراً معلوماً بشرع, ولا لغة, ولا عرف) قال (والقول بأن من قدم المصر فقد خرج عن حد السفر ممنوع, بل مخالف للنص والإجماع والعرف) . ا. هـ.
إذا تبين ذلك فإن المقيمين للدراسة أو للعلاج ونحوه في أمريكا وغيرها من المسافرين يجوز لهم قصر الصلاة الرباعية إلى الظهر والعصر, أو بين المغرب والعشاء, لكن الأفضل عدم الجمع إلا من حاجة, ويجوز لهم الفطر في رمضان لكن الصوم أفضل , ومع المشقة يؤخرونه إلى أيام الشتاء, ولا أرى أن يؤخروا صوم سنة إلى أخرى لئلا تتراكم عليهم الشهور فتثقل عليهم فيعجزوا عنها.
حرر في ١٠/١/١٤٠٣ هـ
***
стр. 5865
١١٠٨ سئل فضيلة الشيخ: نحن نعمل في مدينة ينبع وخلال فترة الإجازة نقوم بزيارة الأهل في بلدنا فهل تنطبق علينا أحكام المسافرين؟ وهل للقصر مدة معينة؟ ومتى تبدأ أحكام السفر؟ وهل يجوز الجمع قبل السفر؟ وهل نصلي السنن الرواتب في السفر؟ أفتونا جزاكم الله خيراً وحفظكم من كل مكروه .
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت ينبع هي محل سكناكم فإن زيارتكم لأهلكم سفر يحل لكم أن تترخصوا برخص السفر من قصر الصلاة والفطر في رمضان, والمسح على الخفين ثلاثة أيام ونحو ذلك, ولكن إذا كنتم في مكان تقام الصلاة جماعة فصلوا مع الجماعة, فإن فاتتكم الصلاة, أو كنتم بعيدين فصلوا قصراً. وليس للقصر أو الإقامة مدة معينة على القول الصحيح ما دمتم عازمين على الرجوع إلى أوطانكم, أما إن نويتم الإقامة المطلقة فقد انقطع حكم السفر في حقكم.
وتبدأ أحكام السفر إذا فارق المسافر وطنه وخرج من عامر قريته أو مدينته. ولا يحل لكم أن تجمعوا بين الصلاتين حتى تغادروا البلد إلا أن تخافوا أن لا يتيسر لكم صلاة الثانية أثناء سفركم.
وأما السنن الرواتب فإنه يسقط منها عن المسافر راتبه الظهر, والمغرب, والعشاء, وما عدا ذلك من النوافل فإنه باق على حكمه.١٤/٢/١٤١٤هـ.
стр. 5866
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم. . . . . حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم الكريم المؤرخ الشهر الماضي سرنا صحتكم الحمد لله على ذلك.
سؤالكم عن المبعوثين للدراسة هل ينقطع حكم السفر في حقهم حيث إنهم مقيمون لمدة تزيد على الحد المحدود عند كثير من أهل العلم أو أكثرهم, أو يبقى حكم السفر في حقهم فيجوز لهم الجمع والقصر.
وجوابه: أن العلماء اختلفوا في حكم هذه المسألة على أقوال تزيد على العشرة, وذلك لأنه ليس فيها سنة صحيحة صريحة تفضل بين المختلفين في حكمها, وغالب هذه الأقوال تقديرات ليس عليها دليل بل الدليل على خلافها.
والصواب: أن المقيمين لحاجة ينتظرون متى تنقضي حاجتهم ثم يرجعون إلى بلادهم أن سفرهم لا ينقطع, وأنهم يترخصون برخص السفر من القصر, والجمع, وغيرهما سواء أقاموا للدراسة, أو علاج, أو زيارة قريب أو غير ذلك, وسواء علموا متى تنتهي حاجتهم, أم لم يعلموا, لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يحدد لأمته حداً ينتهي به
стр. 5867
حكم السفر, وقد أقام في سفره إقامات مختلفة يقصر فيها الصلاة, ولو كان الحكم يختلف بين إقامة وإقامة لبينه, لدعاء الحاجة إلى بيانه, فقد أقام صلي الله عليه وسلم في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة (١) ,وأقام في تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة (٢) ,وأقام عام حجة الوداع في مكة عشرة أيام كما في الصحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁ منها أربعة قبل خروجه لمنى, وستة في مشاعر الحج (٣) . وهذا القول الذي اخترناه هو الذي يدل عليه ظاهر السنة, وقال به من الصحابة: عبد الله بن عمر, وعبد الله بن عباس في أحد القولين عنه, وعبد الرحمن بن سمرة, وأنس بم مالك, ومن التابعين: سعيد بن المسيب, وعلقمة, ومسروق, والشعبي (٤) . واختاره شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ وقال صلي الله عليه وسلم (إن التمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس معلوماً لا بشرع, ولا لغة, ولا عرف, وليس في كتاب الله, ولا سنة رسوله صلي الله عليه وسلم إلا مقيم ومسافر والمقيم هو المستوطن, ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة) . ذكر هذا في موضعين في الفتاوى. اختاره أيضاً الشيخ محمد رشيد رضا وشيخنا عبد الرحمن الناصر السعدي - رحمهم الله تعالى جميعاً -. هذا ملزم والله يحفظكم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 5868
رسالة
قال فضيلة الشيخ - حفظه الله ورعاه -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مسألة قصر المسافر الصلاة إذا طالت مدته: من تأمل عمومات الكتاب, والسنة, وراجع لام شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم تبين له قوة هذا القول, وأن رخص السفر ثابتة للمسافر وإن طالت مدة إقامته ما دام لم ينو استيطاناً, ولا إقامة مطلقة وقد ذكر شيخنا عبد العزيز بن باز من السنة الخامسة في ربيع الثاني سنة ١٣٩٣هـ ص ١٢٥ ما نصه (أما إذا نوى إقامة معينة تزيد على أربعة أيام وجب عليه الإتمام عند الأكثر, وقال أهل العلم: له القصر ما دام لم ينو استيطان في ذلك الموضع وإنما أقام لعارض متى زال سافر وهو قول قوي تدل عليه أحاديث كثيرة وبكل حال فقد أحسنت فيما فعلت (وكان السائل قد أكد أنه حين عزم على الجلوس مدة معينة أتم الصلاة) لأنك بالإتمام لما نويت الإقامة المعينة الزائدة على أربعة أيام خرجت من الخلاف وأخذت بالأحوط. أهـ.
فقد ذكر الشيخ - حفظه الله - أن القول بجواز القصر قول قوي تدل عليه أحاديث كثيرة, وقد بلغني أخيراً أنه كان يفتي بقول أكثر أهل العلم وهو المنع من القصر في هذا.
والفقهاء ﵏ لا يعطون مثل هذا حكم المقيم من
стр. 5869
كل وجه, فتراهم يقولون: إن الحكم السفر ينقطع في حقه, ويعطي حكم المقيم في وجوب الإتمام, والصوم, والاقتصار على يوم وليلة في مسح الخفين, ولكن لا يعطونه حكم المقيم في وجوب صلاة الجمعة والقيام بخطبتها, فيقولون: إن الجمعة لا تلزمه بنفسه, وأنه لو اجتمع في بلد ما عدد كثير ليس معهم من المستوطنين من تلزمه الجمعة فلا جمعة عليهم, بل ولا تصح منهم الجمعة, ولا أن يقوم أحد منهم بخطبتها, ولا يحسبون من العدد الذي تنعقد بهم الجمعة فقد قسموا الناس في هذه المسألة ثلاثة أقسام: مسافر, ومقيم, ومستوطن, فالمسافر غير المقيم لا تلزمه الجمعة بنفسه ولا بغيره, والمسافر المقيم إقامة تمنع القصر تلزمه بغيره لا بنفسه ولا تنعقد به ولا يكون إماماً ولا خطيباً فيها, والمستوطن تلزمه بنفسه وتنعقد به ويكون إماما وخطيباً فيها, قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ ٢١/١٣٧ من مجموع الفتاوى لابن قاسم: فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام إلى: مسافر, وإلى مقيم مستوطن......, والثالث مقيم غير مستوطن أوجبوا عليه إتمام الصلاة, والصيام, وأوجبوا عليه بمستوطن, وهذا التقسيم وهو تقسيم المقيم إلى: مستوطن ,وغير مستوطن, ولا دليل عليه من جهة الشرع, وقال أيضاً ٢٤/١٨٤: وقد بين في غير هذا الموضع أنه ليس في كتاب الله, ولا سنة رسوله إلا مقيم ومسافر, والمقيم هو المستوطن, ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة.أهـ.
стр. 5870
وهذا يقتضي أن الناس ينقسمون إلى قسمين فقط: مسافر ,ومستوطن ,فالمسافر له أحكام السفر, والمستوطن له أحكام الاستيطان, أما يكون هناك قسم ثالث يكون بين، بين ويأخذ من أحكام هؤلاء وهؤلاء فهذا يحتاج إلى دليل.
стр. 5871
١١٠٩ سئل فضيلة الشيخ: في أحد أشرطتكم المسجلة ذكرتم أن القول الراجح عندكم (أن حكم السفر لا ينقطع بأربعة أيام أو أكثر ما دام نيته الرجوع إلى بلده) فهل هذا هو القول الصحيح عندكم ومازلتم تفتون به؟ أفتونا جزاكم الله خيراً وحفظكم .
فأجاب فضيلته بقوله: ما سمعتم في الشريط من أن القول الصحيح عندي أن حكم السفر لا ينقطع بأربعة أيام يقيمها, أو أكثر ما دام نيته الرجوع إلى بلده للأدلة التي سمعتم, وما زال ذلك هو القول الصحيح عندي.
ولكني أرى أن من سمع النداء وجبت عليه الإجابة سواء كان مسافراً أم مقيماً لعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة, ولا دليل على استثناء المسافر من ذلك, ومتى ائتم المسافر بالقيم وجب عليه الإتمام, لقول النبي صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (١) .
* * *
стр. 5872
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ,أما بعد:
فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين حفظه الله ورعاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فضيلة الشيخ: المرابطون في سبيل الله في الثغور يسألون عن كيفية الصلاة هل يصلون جماعات أو فرداً؟ وهل يقصرون ويجمعون أم يقصرون فقط أم يجمعون فقط؟ نرجو الإجابة مشكورين إذ أنهم مختلفون, فمنهم من يصلي جماعة, ومنهم من يقصر, ومنهم من يجمع, فنرجو منكم حفظكم الله ورعاكم أن تجيبونا بالدليل, ولكم منا جزيل الشكر والعرفان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الجواب على هؤلاء أن يصلوا جماعة ولا يحل لهم أن يصلوا فرادى؛ لأن الله تعالى أمر المجاهدين بالصلاة جماعة أمام العدو, فقال تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُم
стр. 5873
وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء: من الآية١٠٢) . فأوجب عليهم صلاة الجماعة مع أنهم في مواجهة العدو, فما بالك فيمن هم مرابطون غير مواجهين. وأما القصر فإنهم يصلون قصراً؛ لأنهم مسافرون لم يقيموا بمكانهم بنية الإقامة الدائمة, وإنما أقاموا لحاجة متى انتهت رجعوا قد صح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه أقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين. وأقام ابن عمر – ﵄ – بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة, قد حبسه الثلج. ورواه البيهقي بسند قال فيه النووي إنه شرط الصحيحين, وروى البيهقي أيضاً عن أنس بن مالك – ﵁ – أن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة, قال النووي: إسناده صحيح, وكذلك صححه الحافظ ابن حجر – ﵀. وهذا القول هو الصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم والشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب, والشيخ محمد رشيد رضا, وشيخنا عبد الرحمن الناصر سعدي.
والمسألة فيها خلاف بين العلماء فيما إذا عزموا على إقامة أكثر من أربعة, فلا يكن بينهم – أي بين المرابطين – اختلاف من أجل القصر أو الإتمام؛ لأنه لا حرج في هذا ولا هذا فإن قصروا فعلى خير, وهذا أقرب إلى السنة, وإن أتوا فلا حرج, وقد بسطنا هذه المسألة في رسالة مستقلة (١) .
стр. 5874
وأما الجمع فالأفضل أن لا يجمعوا إلا لحاجة وإن جمعوا فلا حرج على القول الصحيح.
كتبه محمد الصالح العثيمين في ٣٠/٤/١٤١١هـ.
стр. 5875
١١١٠ سئل فضيلة الشيخ: عن طالبات يسكن في بلد للدراسة فقط ومتى انتهت الدراسة رجعن إلى بلدهن ووطنهن فهل لهن قصر الصلاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: قصر الصلاة للطالبات اللاتي بقين للدراسة فقط لاتخاذ بلد الدراسة وطناً فيه خلاف بين أهل العلم – رحمهم الله تعالى – ومن الحسن أن يراجع في ذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى جمع ابن قاسم ٢٤/١٣٧_ ١٨٤ وككلام ابن القيم في الهدى ٣/٢٩ وتفسير القرطبي ٥/٣٥٧ والمجموع شرح المهذب ٤/٢١٩,٢٢٠ لتتبين آراء العلماء في ذلك, وأن القول الصحيح ما رجحه شيخ الإسلام وابن القيم – رحمهما الله – من أن المسافر يقصر ولو زادت مدة إقامته على أربعة أيام.
وقد كتبت في ذلك رسالة بينت فيها أدلة الكتاب, والسنة والآثار على ذلك, ومع هذا فلا إنكار على من يتم ولا يقصر, ولا على من يقصر ولا يتم؛ لأن المسألة مسألة اجتهاد, ولهذا حصل فيها الخلاف بين العلماء حتى بلغ أكثر من عشرة أقوال. ولا ينبغي أن تكون هذه المسألة ونحوها من مسائل الخلاف مثاراً للجدل الطويل أو سبباً للعداوة والبغضاء, فمن اطمأنت نفسه إلى قول من هذه الأقوال وانشرح به صدره ورآه أقرب إلى الحق
стр. 5876
لا طلاعه على سبب رجحانه بأدلته, أو لترجح ثقته فليأخذ به ولا يكون بذل متتبعاً للرخص بل هو بذلك متحر للحق طالب للصواب. والله والموفق والسلام.
* * *
١١١١ سئل فضيلة الشيخ: عن رجل مسافر دخل المسجد, ووجد جماعة يصلون المغرب, وهو قد صلى المغرب, فصلى معهم بنية العشاء, ولما قام الإمام للركعة الثالثة, وجلس وتشهد وسلم. فما حكم ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل رجل مسافر قد صلى المغرب, فوجدهم يصلون المغرب, فدخل معهم بنية صلاة العشاء. فمن العلماء من قال: لا يصح دخوله؛ لاختلاف الصلاتين نية وعملاً. ومنهم من قال: يصح ذلك, فإذا قام الإمام للثالثة أكمل الداخل التشهد وسلم من ركعتين, وهذا هو الصحيح. وله أن يقوم معه في الثالثة ويتم العشاء أربعاً.
وإذا دخل المسجد وهم يصلون العشاء وهو لم يصل المغرب. فعلى القول الأول لا يدخل معهم. وعلى القول الثاني يدخل معهم, فإذا قام الإمام للرابعة, وقد دخل معه من أول الصلاة, فإنه ينوي المفارقة, ويتشهد ويسلم, ويدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء, وإن دخل معه في الثانية فما بعده, فالأمر ظاهر. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٦/٨/١٤١٨هـ.
стр. 5877
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحن طلبة مبتعثون للدراسة في الخارج, هل تنطبق علينا أحكام السفر القصر وعدم وجوب صلاة الجمعة والجماعة ونحو ذلك؟
نرجو التكرم بالإيضاح والتفصيل. جزاكم الله خيراً ووفقكم لما يحبه ويرضاه.
بسم الرحمن الرحيم
إذا أقام المسافر في مكان لحاجة ينتظرها ومتى انتهت رجع إلى بلده فله حالان: الحال الأولى: أن لا يحدد مدة إقامته بزمن معين فله الترخص برخص السفر من القصر, والجمع, والفطر برمضان, والمسح على الخفين ثلاثة أيام, وإن طالت مدة إقامته, قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في زاد المعاد في كلام على فقه غزوة تبوك:والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها يقول: اليوم أخرج, وغداً أخرج, فإنه يقصر أبداً إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر يوماً ولا يقصر بعدها. وقال قبل ذلك: وقد قال أصحاب أحمد إنه لو أقام لجهاد عدو أو حبس سلطان أو مرض, قصر سواء غلب على ظنه انقضاء
стр. 5878
الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة, وهذا هو الصواب, ولكنهم شرطوا فيه شرطاً لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة, فقالوا: شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر, وهي ما دون الأربعة أيام, فيقال: من أين لكم بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئاً, ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام, وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته, فلم يقل لهم حرفاً واحداً لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال, وبيان هذا من أهم المهمات, وكذلك اقتدى الصحابة به بعده, ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئاً من ذلك. انتهى كلامه – ﵀. الحال الثانية: أن يحدد مدة معينة في إقامته للحاجة التي ينتظرها حال القادمين إلى مكة للحج أو العمرة أو لبلد يشترون منه تجارة أو يبيعونها ثم يرجعون إلى أوطانهم, أو للدراسة متى انتهت عادوا إلى أوطانهم, ونحو ذلك فقد اختلف أهل العلم – رحمهم الله تعالى – في حكم هذا هل يترخص برخص السفر سواء طالت مدة إقامته أم قصرت, أو لا يترخص إلا في مدة محدودة, وذكر النووي في ذلك أكثر من عشرة أقوال, وهي ما شيخ الإسلام ابن تيميه – ﵀ – تقديرات متقابلة. والراجح عندي أنه يترخص برخص السفر؛ لأنه مسافر حقيقة ما لم ينو استيطاناً أو إقامة مطلقة غير مقيدة بزمن ولا حاجة
стр. 5879
للأدلة التي ستراها – إن شاء الله تعالى – بصحبة هذا الجواب, لكنه لا يسقط عنه وجوب الجماعة لا وجوب الجمعة إذا أقيمت بل يجب عليه حضور الجماعة والجمعة, ولا يحل له التخلف عنهما إلا بعذر شرعي يبيح التخلف للمستوطن. فإن أدلة وجوب الجماعة عامة في السفر وغيره وأدلة وجوب الجمعة على من كان في مكان تقام فيه الجمعة عامة لم يستثن منها المسافر.
أما أدلة وجوب الجماعة فمنها قوله تعالى في سورة النساء: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا) - أي أتموا صلاتهم – (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء: من الآية١٠٢) . فأوجب الله الصلاة جماعة في حال مواجهة العدو, ومن المعلوم أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقاتل أعداءه وهو مسافر خارج المدينة فتبين بذلك أن السفر لا يسقط وجوب الجماعة حتى في حال القتال, ومواجهة الأعداء, ففي حال الأمن والاستقرار من باب أولى.
وفي صحيح مسلم (١) من حديث أبي هريرة – ﵁ – أن النبي صلي الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرس – أي نزل للنوم والراحة – فذكر القصة, وفيها أنهم لم يستيقظوا حتى طلعت الشمس, لا أمرهم أن يقتادوا رواحلهم إلى
стр. 5880
مكان آخر, ثم توضأ النبي صلي الله عليه وسلم وصلى بهم الصبح, فأنت ترى أنه لم يترك الجماعة بهم حتى في هذه الحال.
وأما أدلة وجوب الجمعة فمنها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الجمعة:٩) .
فوجه الله تعالى الأمر بالسعي إلى الجمعة إلى المؤمنين عموماً, ولم يستثن أحداً. وفي صحيح مسلم (١) عن أبي هريرة وابن عمر – ﵃ – أنهما سمعا رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات – أي عن تركهم إياها – أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) . وإذا كانت الجماعة واجبة على المسافر مع كونها أقل جمعاً من الجمعة عليه من باب أولى؛ لأنها لا تكون في الأسبوع إلا مرة؛ ولأنها أكثر جمعاً ولما يحصل من الفائدة في خطبتيها.
وقد نص فقهاؤنا – رحمهم الله تعالى – على وجوب صلاة الجماعة على المسافرين, فقال في الروض المربع – وهو من أخصر كتب الفقه – قال: قول الماتن: تلزم الرجال صلي الله عليه وسلم ولو سفراً في شدة خوف) . وهكذا في الإقناع والمنتهى والفروع وغيرها.
стр. 5881
ونصوا أيضاً على وجوب صلاة على المبتعثين ونحوهم ممن نوى إقامة أكثر من أربعة أيام.
وعلى هذا فلا يحل لأحد من المبتعثين للدراسة أن يدع الجمعة والجماعة بحجة أنه مسافر؛ لأن عمومات الأدلة على وجوب الجماعة والجمعة إذا أقيمت تشلهم ولا دليل على التخصيص.
ومن ظن أن قولنا بجواز الترخص برخص السفر لهؤلاء المبتعثين يقتضي سقوط الجماعة والجمعة عنهم ويبيح لهم الصلاة في بيوتهم فقد أخطأ في ظنه, فنحن نقول بوجوب الجماعة عليهم, ووجوب الجمعة إذا أقيمت في البلد الذي هم فيه, ولا يحل لهم التخلف عنهما إلا بعذر يبيح التخلف للمستوطنين. والله الموفق, والحمد لله رب العلمين, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه محمد الصالح العثيمين في ٥/١/١٤٠٧هـ.
стр. 5882
١١١٢ سئل فضيلة الشيخ: هل ينطبق حكم المسافر على سائقي السيارات والحافلات لعملهم المتواصل في نهار رمضان ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم ينطبق حكم السفر عليهم فلهم القصر, والجمع, والفطر. فإذا قال قائل: متى يصومون وعملهم متواصل؟
قلنا: يصومون في أيام الشتاء, لأنها قصيرة وباردة, أما السائقون داخل المدن فليس لهم حكم المسافر ويجب عليهم الصوم.
* * *
١١١٣ سئل فضيلة الشيخ: أختي تدرس بجامعة بعيدة عنا بحوالي مائة كيلو متر تقريباً, وبعد مضي عدة أيام تأتي إلينا وتمكث حوالي يومين أو ثلاث, فهل يجوز لها قصر الصلاة في هذه المدة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: في هذه المدة التي ترجع فيها إليكم لا يجوز لها أن تقصر الصلاة؛ وذلك لأنها رجعت إلى وطنها, والمسافر إذا رجع إلى وطنه يجب عليه إتمام الصلاة حتى وإن كان لا يمكث إلا أياماً يسيرة؛ لأنه عاد إلى الأصل. وأما إذا كان الإنسان مسافراً فإنه يجوز له قصر الصلاة.
فعلى هذا يلزم أختك إذا رجعت إليكم يلزمها أن تصلي صلاة تامة غير مقصورة.
* * *
стр. 5883
١١١٤ سئل فضيلة الشيخ: عن رجل يسافر للدراسة في الرياض يذهب مساء الجمعة ويرجع عصر الاثنين, فهل يأخذ أحكام المسافر في الصلوات وغيرها ؟
فأجب فضيلته بقوله: هو مسافر لا شك, لأنه يتخذ الدراسة وطناً, ولم ينو الإقامة مطلقاً, بل إقامته لغرض, ولكنه إذا كانت إقامته في بلد تقام فيه الجماعة, فيجب عليه أن يحضر الجماعة, وأما ما اشتهر عند بعض العوام أن المسافر لا جماعة، ولا جمعة، فهذا لا أصل له، فالجماعة واجبة على المسافر ولو كان في القتال كما في قوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) (النساء: من الآية١٠٢) . والجمعة واجبة على كل من سمع النداء لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الجمعة: من الآية٩) . لكن إذا فاتتك الصلاة هناك أو كنت في مكان بعيد عن المساجد، فإنك تصلي الرباعية ركعتين.
* * *
١١١٥ فضيلة الشيخ: نحن طلاب ندرس في إحدى الجامعات، فإذا سافرنا من مدينتنا إلى الجامعة نجلس أحياناً أربعة أشهر أو ثلاثة أشهر، فهل يجوز لنا تركك صلاة الجماعة والفطر في رمضان وترك السنن الرواتب؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذين يدرسون في خارج بلدهم مسافرين؛ لأنهم لا ينوون الإقامة المطلقة إطلاقاً، فلو أن أحدهم
стр. 5884
أعطي شهادته اليوم لرجع إلى بلده، لأنه مربوط بهذا العمل المؤقت المحدد، فهؤلاء وإن كانوا مسافرين إلا أننا نقول لا يجوز لهم ترك صلاة الجماعة في المساجد مع المسلمين إلا لعذر، وإذا صلوا خلف إمام يتم الصلاة صلوا أربعاً، سواء أدركوا مع الإمام ركعة، أو أكثر، أو أقل، لعموم قوله صلي الله عليه وسلم: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) (١) .
ولا ينبغي لهم تأخير صيام رمضان إلى رمضان الثاني، لأنه إذا أخر صيام رمضان في هذا العام مثلاً، وجاء العام الثاني وأخره للعام الثالث، تراكمت عليه الشهور، وربما يعجز، وربما يترك، فلذلك نرى أن الصيام وإن جاز له أن يفطر لأنه مسافر، لكن لا يؤخره إلى السنة الثانية، لئلا تتراكم عليه فيعجز.
أما بالنسبة للرواتب: فالمشهور عند العوام أن المسافر لا يتنفل، وهذا غلط، فالمسافر يتنفل كما يتنفل المقيم بذلك شيء صلاة الليل، وصلاة الضحى، والوتر، إلا ثلاث نوافل، وهي راتبه الظهر، وراتبه المغرب، وراتبه العشاء، فالسنة أن لا يصليها، وأما بقية النوافل فهي على ما كانت عليه، وهناك عبارة غير صحيحة يقول بعض الناس: ((السنة في السفر تركك السنة) ، فالسنة تركك راتبه الظهر، والمغرب، والعشاء فقط، أما الباقي فعلى ما هو عليه، يفعله المسافر كما يفعله المقيم تماماً.
* * *
стр. 5885
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
إلى سماحة الشيخ: محمد الصالح العثيمين حفظه الله
السلام عليم ورحمة الله وبركاته.
شيخنا الفاضل، لدي بعض الأسئلة الرجاء منك الإجابة عليها.
س١: خرجت من بلادي مهاجراً في سبيل الله، ومررت بعدة دول إسلامية، ولم أتمكن من الحصول على الإقامة بها، والآن تحصلت على الإقامة في إحدى الدول الكافرة، وإلى الآن أقصر الصلاة ولم أتمها، ونيتي عدم الإقامة فما حكم قصر صلاتي، هل أستمر في القصر إلى حد مغادرتي البلاد أو أتم صلاتي نظراً لوجود إقامة لدي مع عدم وجود النية للإقامة في هذه البلاد؟
س٢:ما حكم صلاة ركعتي سنة الفجر بالفاتحة فقط في الركعتين بدون قراءة أي آيات معها؟
س٣:توجد هنا في ديار الكفر المواد الغذائية المستخرجة من الحيوانات, فهل يجب علينا السؤال عن كيفية ذبح هذه الحيوانات؟ وإذا كان المكتوب فقط أنها مأخوذة من الحيوانات فهل يجب علينا السؤال عن نوع الحيوان؟ هل هو خنزير أو حيوان