Полный текст (10 899 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6616
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم السفر من أجل العزاء بحيث يسافر الإنسان من مكانه الذي هو فيه إلى مكان التعزية؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أرى السفر للتعزية، اللهم إلا إذا كان الإنسان قريباً جداً للشخص، وكان عدم سفره للتعزية يعتبر قطيعة رحم، ففي هذه الحال ربما نقول: إنه يسافر للتعزية لئلا يُفضي ترك سفره إلى قطيعة رحم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل العزاء محدد بمكان معين أو بوقت معين ؟
فأجاب فضيلته بقوله: العزاء ليس محدداً بمكان؛ بل حيث ما وجدت المصاب: في المسجد، في الشارع، في أي مكان تعزيه، وليس محدداً بزمن أيضاً؛ بل مادامت المصيبة باقية في نفسه فإنه يعزى، ولكن ليس على التعزية التي اعتادها بعض الناس، بحيث يجلسون في مكان، ويفتحون الأبواب، وينيرون اللمبات، ويصفون الكراسي، وما أشبه ذلك فإن هذا من البدع التي لا ينبغي للناس أن يفعلوها، فإنها لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح ﵃.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم التعزية؟ وبأي لفظ تكون مع الدليل ؟
стр. 6617
فأجاب فضيلته بقوله: تعزية المصاب سنة، وفيها أجر وثواب، ومن عزى مصاباً كان له مثل أجره، ولكن اللفظ الذي يعزى به أفضله ما جاء في السنة: "اصبر واحتسب فإن لله ما أخذ، وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى".
فإن الرسول ﵊ أرسلت له إحدى بناته تخبره بطفل، أو طفلة عندها في سياق الموت، فقال الرسول ﷺ : "مُرْها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى"، وإن عزى بغير هذا اللفظ مثل أن يقول: أعظم الله لك الأجر، وأعانك على الصبر، وما أشبه فلا حرج؛ لأنه لم يرد شيء معين لابد منه.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: مسألة العزاء والاجتماع عليه فبعض الناس لو كلَّمتهم في هذا، يقولون: نحن نفعل هذا ولا نقصد به التعبُّد وإنما نقصد به العادة، كيف الرد عليهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا: إن التعزية سُنَّة، فالتعزية من العبادة، فإذا صيغت العبادة على هذا الوجه الذي لم يكن معروفاً في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، صارت بدعة، ولهذا جاء الثواب في فضل من عزى المصاب، والثواب لا يكون إلا على العبادات.
стр. 6618
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل للتعزية وقت محدد ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم نصًّا في هذه المسألة يحددها، والتعزية سببها المصيبة فمادامت آثار المصيبة باقية على المصاب فإن التعزية مشروعة، والناس يختلفون، فمنهم من لا تؤثر فيه المصيبة إطلاقاً، ومنهم من يتأثر، فنحن نعزي المصاب مادام متأثراً بمصيبته، والمقصود بالتعزية التقوية، وليس المقصود بالتعزية النياحة والندب وترقيق القلوب، بل المقصود التقوية، وأحسن ما يعزى به الإنسان ما عزى به النبي ﷺ إحدى بناته وقد أرسلت إليه رسولاً تطلب منه ﷺ أن يحضر فقال النبي ﷺ لهذا الرسول: "مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ، وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى". فما أعظم كلام الرسول ﵊، وما ألذه على السمع، وما أشد تأثيره على القلب، فقوله: "مرها فلتصبر ولتحتسب" هاتان الجملتان جملتان دالتان على الحكم، وهو وجوب الصبر والاحتساب، وقوله: "فإن لله ما أخذ وله ما أبقى" هذه جملة تطمئن الإنسان بأن كل شيء ملك لله، وقوله: "وكل شيء عنده بأجل مسمى" هذا الإيمان بالقدر، فإذا أردنا أن نعزي مصاباً فأحسن ما نعزيه به ما عزَّى به النبي ﷺ ابنته، ولكن مع ذلك لو أننا رأينا هذا المصاب لم يتأثر بمثل هذا الحديث، فنأتي بكلمات أخرى تناسب، فنقول: يا أخي هذا أمر الله، هذه حال الدنيا، وما أشبه ذلك حتى تزول عنه هذه المصيبة، أما أن نأتي
стр. 6619
بالعبارة المثيرة للأحزان فهذا لا يجوز.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: توفي أحد الأفراد وكان ضمن المعزين بعض النصارى فهل يجوز الاجتماع معهم في هذا العزاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز أن يعزى المصاب سواء كان المعزى له مسلماً أو كافراً، ولكن الاجتماع في البيت لتلقي المعزين بدعة لم يكن في عهد الرسول ﷺ ، ولا أصحابه ﵃ وإنما تغلق الأبواب، أي أبواب الذين مات ميتهم، ومن وجدهم في السوق، أو في المسجد ورآهم مصابين، عزَّاهم، لأن المقصود بالتعزية ليست التهنئة، المقصود بالتعزية تقوية الإنسان على الصبر، ولهذا أرسل النبي ﵊ رسول ابنته الذي أرسلته لتخبره عن ابن لها كان في سياق الموت فرد النبي ﵊ الرسول وقال له: "مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى"، ولم يذهب يعزيها حتى ردته وألحت عليه أن يحضر، ليس من أجل العزاء، ولكن من أجل حضور هذا الغلام أو الطفل المحتضر، ولم يكن معروفاً في عهد الصحابة ﵃ أن يجتمع أهل الميت ليتلقوا العزاء من الناس، بل كانوا يعدون صنعة الطعام في بيت أهل الميت، والاجتماع على ذلك من النياحة، والنياحة من
стр. 6620
كبائر الذنوب، فإن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة وقال: "النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب"، نعوذ بالله، فلهذا نحن ننصح إخواننا المسلمين عن فعل هذه التجمعات التي ليست خيراً لهم بل هي شر لهم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة الفاتحة عند التعزية مع رفع اليدين وماذا يقال عند التعزية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة الفاتحة عند التعزية مع رفع اليدين بدعة، ولم يكن النبي ﷺ يعزي أصحابه بذلك، وإنما التعزية معناها التقوية، أي تقوية المصاب على تحمل المصيبة، فكل لفظ يدل على المقصود يكفي، وقد عزى رسول الله ﷺ بعض بناته حيث قال للرسول الذي أرسلته إليه: "مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى". فمثل هذه الكلمات من أحسن ما يكون للتعزية أن يأمر المصاب بالصبر واحتساب الأجر على الله ، وأن يبين له أن الكل ملك لله ، له ما أخذ، وله ما أبقى، وأن كل شيء عنده بأجل مسمى معين، لا يتقدم ولا يتأخر، فالحزن والتسخُّط ونحو ذلك من الأشياء التي تنافي الشرع هي لا ترد قضاءً، ولا تزيل مصيبة، فالواجب أن يصبر الإنسان ويحتسب، وأحسن ما يعزى به الإنسان
стр. 6621
هو ما عزى به الرسول ﷺ ابنته من هذه الكلمات. والله أعلم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن تعزية النساء للنساء بما فيها من تبرج وخروج أمام الرجال فأيهما أفضل أن تخرج النساء لتعزي النساء وتعزي الرجال أم الأفضل لها أن تبقى في البيت؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: يجب أن نعرف أن العزاء ليس تهنئة، حتى يجتمع الناس عليه ويسهرون، وربما يوقدون الأنوار وتجد المسكن كأنه في حفلة زواج، كما شاهدنا في بعض البلدان وكما نسمع أيضاً.
فالعزاء المقصود به تقوية المصاب على الصبر، وتقوية المصاب على الصبر لا تكون في الأمور الظاهرية والحسية، إنما يكون بتذكيره باليقين بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن هذا من عند الله. وكما عزَّى النبي ﷺ بعض بناته حين قال للرسول الذي بعثه إليها بعد أن أرسلت إليه قال: "مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى"، هذا العزاء وليس المقصود به إظهار الفرح لنطرد الحزن، هذه تعزية حسية فقط أو ظاهرية لا تعطي القلب يقيناً، وإنابة إلى الله ورجوعاً إليه.
التعزية أن نقول للرجل المصاب: يا أخي اصبر، احتسب، هذه الدنيا والملك لله، له ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء مقدر
стр. 6622
بأجل لا يتقدم ولا يتأخر وننصرف. فهذا الاجتماع الذي أشرت إليه غير مشروع، بل كان الصحابة ﵃ يعدون الاجتماع لأهل الميت وصنع الطعام من النياحة والنياحة من كبائر الذنوب.
وإذا كان أهل الميت أقرابها بحيث إذا لم تأتوا تعزونهم صار في نفوسهم شيء، يذهب بهن خمس دقائق ثم يقول لها: نمشي، ارجعي.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تعزية أهل الكتاب وغيرهم من الكفار إذا مات لهم ميت مما يفهم منه إكرامهم؟ وما حكم حضور دفنه والمشيء في جنازته؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز تعزيته بذلك، ولا يجوز أيضاً شهود جنائزهم وتشييعهم، لأن كل كافر عدو للمسلمين، ومعلوم أن العدو لا ينبغي أن يواسى أو يشجع للمشي معه، كما أن تشييعنا لجنائزهم لا ينفعهم؛ ومن المعلوم أيضاً أنه لا يجوز لنا أن ندعو لهم لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَءَامَنُو?اْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُو?اْ أُوْلِى قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ .
* * *
стр. 6623
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم اصطفاف أهل الميت عند باب المقبرة لتلقي تعازي الناس بعد دفن الميت مباشرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأصل أن هذا لا بأس به؛ لأنهم يجتمعون جميعاً من أجل سهولة الحصول على كل واحد منهم ليعزى، ولا أعلم في هذا بأساً.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تقبيل أقارب الميت عند التعزية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: تقبيل أقارب الميت عند التعزية لا أعلم فيه سنة، ولهذا لا ينبغي للناس أن يتخذوه سنة، لأن الشيء الذي لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ ينبغي للناس أن يتجنبوه.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل نقبل تعزية أهل الكتاب أو غيرهم من الكفار للمسلمين في حالة موت المسلم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم نقبل منهم التعزية، يعني إذا عزونا فلا حرج أن نقبل منهم التعزية، وندعو لهم بالهداية.
* * *
س ٧١٣ سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا مات
стр. 6624
للكافر قريب فهل يعزى؟
فأجاب فضيلته بقوله: تعزية الكافر إذا مات له من يعزى به من قريب أو صديق في هذا خلاف بين العلماء.
فمن العلماء من قال: إن تعزيتهم حرام.
ومنهم من قال: إنها جائزة.
ومنهم من فصل في ذلك فقال: إن كان في ذلك مصلحة كرجاء إسلامهم، وكف شرهم الذي لا يمكن إلا بتعزيتهم، فهو جائز وإلا كان حراماً.
والراجح أنه إن كان يفهم من تعزيتهم إعزازهم وإكرامهم كانت حراماً وإلا فينظر في المصلحة.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض العامة يقولون إن إقامة التعزية والوليمة من حقوق الميت وما هي حقوق الميت على أهله؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس على أهل الميت حقوق بعد موته إلا أن يجهزوه بالتغسيل، والتكفين، والصلاة عليه، ودفنه، وقضاء دينه، وإنفاذ وصيته، وينبغي لهم أن يدعوا له ويستغفروا له، وأما أن يلزموا بشيء فلا أعلم سوى ما ذكرت لك، وأما الدعاء له فهو من بره ومن الإحسان إليه.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة القرآن؟ وخاصة سورة (يس) في العزاء ؟
стр. 6625
فأجاب فضيلته بقوله: العزاء ليس فيه قراءة قرآن، وإنما هو دعاء يدعى به للمعزى، وللميت عند الحاجة إليه، وأما قراءة القرآن سواء سورة (يس) أم غيرها من كلام الله ، فهو بدعة ومنهي عنه لقول الرسول ﷺ : "كل بدعة ضلالة".
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم وضع الكراسي في المسجد لتقبل العزاء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: العزاء داخل المسجد غير مشروع، فالمساجد لم تُبن للعزاء، إنما بنيت للصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، وما أشبه ذلك، ويمنع من وضع الكراسي فيها للعزاء لما فيه من تضييق على المسجد وحدوث فوضى فيه، فإن كل أناس يريدون أن يضعوا فيه كراسي عزاء، مع أن أصل وضع الكراسي من أجل الاجتماع للعزاء غير معروف عند السلف، سواء كان في المسجد، أو في غيره.
стр. 6626
* * *
رسالة
فضيلة الشيخ الوالد محمد بن صالح العثيمين سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد.
في بعض مدن.... نرى الناس اتخذوا التقبيل في العزاء عادة لزموها، وبما أن العزاء سنة توقيفية، بحثت عن دليل شرعي لهذا الفعل أعني التقبيل في العزاء فلم أجد نصاً شرعياً ولا رأياً اجتهادياً في ذلك فيما وقفت عليه من الكتب، وغاية ما وجدته ما نقله ابن قدامة ﵀ في المغني عن الإمام أحمد ﵀ حيث قال: إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية، وإن شئت لم تأخذ. وقال الدكتور الزحيلي (في فقه الإسلام وأدلته) : ولا تكره المصافحة، أو أخذ المعزي بيد من عزاه.
والشيخ الألباني على ما له من الباع الطويل في الحديث وعلومه لم ينقل لنا في كتابه أحكام الجنائز في هذه المسألة شيئاً. بل نقل في كتابه (سلسلة الأحاديث الصحيحة الجزء الأول ص ٨٤٢ ٢٥٢) ما فهمت منه أن التقبيل لا يشرع إلا فيما دل عليه نص شرعي كتقبيل القادم من السفر والأولاد والزوجة ونحو ذلك مما جاءت به السنة، فنرغب من فضيلتكم إبداء رأيكم في هذه المسألة حيث تتوفر الدواعي
стр. 6627
لبيانها للناس، بارك الله فيكم وسددكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الأمر كما ذكرتم فليس في التقبيل عند العزاء سنة متبعة، ولا نقله أحد من أهل العلم عن السلف، فتركه أولى وأحوط، لاسيما أنه يحصل به تأذي المعزى - بفتح الزاي - أحياناً، ثم إنه ربما يحصل به تطور إلى أبعد من ذلك كما يفعل في بعض الجهات من الاجتماعات المذمومة. ونسأل الله لنا ولإخواننا الهداية والتوفيق لما يرضاه. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٨٢/٣/١٤١٣ هـ.
стр. 6628
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هناك عادة في بعض البلاد أنه إذا مات الميت يؤخذ من المعزين نقود تسجل في سجل وتكون لأهل الميت فما حكم هذه العادة؟ وهل يحل هذا المال؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه العملية بدعة لم تكن معروفة عند السلف، وإنما المعروف الذي جاءت به السنة أنه لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب، ﵁ قال النبي ﷺ : "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم". فإذا علمنا أن المصابين بهذا الميت قد انشغلوا عن إصلاح غدائهم، أو عشائهم بما أصابهم من الحزن، فإنه من السنة أن يبعث إليهم طعام.
وأما أن يسجل المعزون، وأن يرى المعزون أن عليهم ضريبة يدفعونها فهذا من البدع، وإذا كان كذلك فإن المال المأخوذ على هذا العمل بدعة لا يحل ولا يجوز.
والواجب على الإنسان أن يصبر ويحتسب عوض مصيبته من الله ، فإن المشروع للمؤمن إذا أصيب بمصيبة أن يقول ما أثنى الله على قائليه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُو?اْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ ، وكما ثبت في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: "ما من مسلم يصاب بمصيبة، ثم يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها،
стр. 6629
إلا آجره الله وأخلف له خيراً منها".
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نلاحظ كثيراً من الناس أنهم يخصصون ثلاثة أيام للعزاء، يبقى أهل الميت في البيت فيقصدهم الناس، وقد يتكلف أهل الميت في العزاء بأعراف الضيافة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا أصل له، فالعزاء يمتد مادامت المصيبة لم تزل عن المصاب لكنه لا يكرر بمعنى أن الإنسان إذا عزى مرة انتهى. أما تقييده بالثلاث فلا أصل له.
وأما الاجتماع للتعزية في البيت فهذا أيضاً لا أصل له، وقد صرح كثير من أهل العلم بكراهته، وبعضهم صرح بأنه بدعة. والإنسان لا يفتح الباب للمعزين، يغلق الباب، ومن صادفه في السوق وعزاه فهذا هو السنة، ما كان الرسول ﷺ ولا أصحابه ﵃ يجلسون للعزاء أبداً، وهذا أيضاً ربما يفتح على الناس أبواباً من البدع كما يحدث في بعض البلاد الإسلامية.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عند العزاء يصافح الناس أهل الميت، وقد يقبلونهم فهل لهذا أصل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا أيضاً ليس له أصل. المصافحة إذا كان الإنسان لم ير صاحبه من قبل مسنونة عند اللقاء، وأما التقبيل فلا وجه له إطلاقاً.
стр. 6630
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هي الأدعية المأثورة في التعزية؟ وبم يرد المعزَّى ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أحسن ما يعزَّى به ما قاله النبي ﷺ لإحدى بناته: "إن لله ما أخذ، وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فاصبر واحتسب"، هذا أحسن شيء.
والمعزَّى يقول: شكر الله لك، وأعاننا الله على التحمل والصبر.
стр. 6631
* * *
رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
يوجد لدينا عادة منتشرة وهي: أنه إذا مات الميت اجتمع أهل القرية وربما شاركهم غيرهم من القرى الأخرى في بيت الميت بما فيهم بعض أهل الوظائف أحياناً لمدة ثلاثة أيام، ويكون الحضور ما بين الخمسة عشر إلى الستين أحياناً، ويأتون معهم بالقهوة والشاي، فيحضر كل واحد منهم ثلاجة شاي، أو قهوة، ويستقبلون المعزين الذين يأتون من قرى أخرى، وهذا برضا قريب الميت، بل بطلبه أحياناً، علماً أن هؤلاء الحضور قد عزوا صاحب المصيبة عند الدفن، أو في اليوم الأول. وعندما قلنا لهم: هذه بدعة، بدليل حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ الذي قال فيه: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد الدفن من النياحة". وهذه ما عملها السلف. قالوا: هذه عادتنا ولا فيها نياحة ولا فيها بكاء، وإنما استقبال المعزين من القبائل والقرى الأخرى، وتصبير أهل الميت، وكيف يأتي الناس ولا نكون في استقبالهم؟! علماً أن المعزين إذا أتوا من قرية أو قبيلة أخرى قام هؤلاء جميعاً وقوفاً لاستقبالهم
стр. 6632
وهكذا. فما حكم هذا العمل؟ وما حكم من جلس فيه؟ وما حكم جلوس أهل الميت وأقاربهم فقط لاستقبال المعزين؟ وهل يحد العزاء بهذه الثلاثة الأيام؟ وكيف كان السلف يعزي بعضهم بعضاً؟ نرجو توضيح السنة في ذلك بشيء من التفصيل وذكر الأدلة حتى نقوم بتوزيع الفتوى على الأهالي وقراءتها في المساجد إن شاءالله.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا شك أن تعزية المصاب بموت قريب أو غيره من الأمور المطلوبة شرعاً، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة، إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة". أخرجه ابن ماجه، والمقصود من التعزية تقوي المصاب على تحمل المصيبة والصبر عليها، ومن أحسن ما يعزى به المصاب أن يقال له: "اصبر واحتسب إن لله ما أخذ وله ما أعطى، كل شيء عنده بأجل مسمى. فإن رأى منه شدة في الحزن فلا بأس أن يزيد على ذلك قولاً مناسباً.
وأما اجتماع أقارب الميت في بيت واحد، وتوافد الناس عليهم من كل جهة، وصنع الطعام، وتهيئة الكراسي، وإيقاد
стр. 6633
الكهرباء ونحو ذلك، فكله خلاف السنة، وخلاف ما كان عليه الصحابة الكرام ﵃ بل إن ذلك يعد من النياحة عندهم، قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁ كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة، رواه أحمد. وقال الشوكاني (في نيل الأوطار) : أخرجه أيضاً ابن ماجه، وإسناده صحيح.
وإذا كان الصحابة ﵃ يعدون ذلك من النياحة، وهم أعلم الأمة بمقاصد الشريعة، وأقومهم عملاً بها، وأسدهم رأياً، وأطهرهم قلوباً فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" فهل يرضى أحد أن يعذب أبوه، أو أمه، أو ابنه، أو بنته، أو أحد من أقاربه بشيء من صنعه؟! وهل يرضى أحد أن يسيء إلى هؤلاء وهو الذي أصيب بهم؟! إذا كان صادقاً في محبتهم ومصيبتهم فليتجنب ما يكون سبباً في تعذيبهم.
ومن مفاسد هذا الاجتماع إلى أهل الميت المشقة على الناس في الحضور من كل جهة، لاسيما في أيام الحر والبرد والأمطار والرياح، وذلك أنه لما صار هذا الشيء عادة عندهم صار المتخلف عنه عرضة للقدح بالسب في حضوره، والغيبة في غيبته، وصار يأتي كالمكره، وربما ترك أشغالاً تهمه، وربما تعرض للخطر في الطرقات الوعرة.
стр. 6634
ومن مفاسد هذا الاجتماع: أنه يحضر إليه الرجال والنساء فيحصل للنساء من البكاء والنحيب والعويل ما ينافي الصبر، وربما وصل إلى النياحة التي جعلها النبي ﷺ من الكفر، ولعن النائحة والمستمعة، وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب".
ومن مفاسد هذا الاجتماع: ما يحصل به من إضاعة المال، حيث ينفق عليه أموال في أمر غير مشروع، وربما تكون من تركة الميت وفيها وصية، أو ميراث ليتامى، أو غير مرشدين، وقد قال الله تعالى في الوصية ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . وقال في أموال اليتامى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ ، ومن المعلوم أن إنفاقه في هذا الأمر ليس بالتي هي أحسن.
ومن مفاسد هذا الاجتماع: أنه ربما يحضر قارىء يقرأ القرآن يرتله بصوت يهيج الأحزان، ويثير كوامن النفوس، والقرآن إنما نزل ليسكن النفوس، ويطمئن القلوب، ويهدىء الأحزان.
وربما أخذ القارىء على قراءته أجرة من تركة الميت أو غيرها وهو إذا قرأ من أجل أخذ الأجرة لم يكن له ثواب عند الله تعالى، بل هو آثم بذلك، فيكون أهل الميت قد أعانوا هذا الا?ثم على إثمه فاشتركوا في ذلك، وغرموا ما غرموا من المال.
стр. 6635
وربما كان هذا القارىء يقرأ والناس من حوله ولاسيما الصغار ومن لا يهتمون باستماع القرآن في ضجيج وكلام وغفلة، ولا تليق مثل هذه الحال في مجلس يتلى فيه كلام الله .
ومن مفاسد هذا الاجتماع: أنه يحصل فيه أحياناً إضاعة الصلاة مع الجماعة، لاسيما مع كثرة الناس، وانشغال بعضهم ببعض، وضعف أصوات المؤذنين، ولا يخفى وجوب صلاة الجماعة على الرجال.
ولهذا وغيره أنصح إخواني المسلمين إلى ترك هذه الأعمال والرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح فإن الخير في هديهم، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، وقد عرفت ما سبق في حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁.
ومن أكبر العون على ترك ذلك أن ينظر إخواننا طلبة العلم في هذا الأمر، ويقيسوه بعمل السلف الصالح، ويبينوا للناس ما هو الحق فإن قاصدي الحق من العامة لا يحيدون عنه إذا تبين لهم.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً من دعاة الحق وأنصاره وممن رأى الحق حقًّا واتبعه، ورأى الباطل باطلاً واجتنبه، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. كتبه محمد بن صالح العثيمين في ٣١/١/١٤٢١ هـ.
стр. 6636
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن العادة الموجودة في أكثر القرى وهو أنه إذا مات ميت قام أهل بيته ويكون ذلك من أولاده بدعوة الناس إلى وليمة غداء أو عشاء بقصد أن هذه الدعوة صدقة عن الميت ويجتمع الناس على تلك العزيمة، ثم بعد ذلك يقوم أقارب الميت بعزيمة أبناء الميت وأقاربه ويستمر ذلك في بعض الأحيان إلى ثلاثة أيام أو أربعة، ويقوم النوع الثاني: أنه في حالة إذا مات ميت قام أقاربه أو أصدقاؤه في عزيمة أبناء ذلك الميت ثم يجتمع الناس عند أقاربه ويعزون أبناء الميت في غير بيتهم وبعد ذلك تستمر عزائم على وجبه غداء أو عشاء لمدة ثلاثة أيام فأكثر، لذا يا فضيلة الشيخ نرجو توضيح الحكم الشرعي فيما سبق وما هي طريقة العزاء الصحيح هذا والله يحفظكم ويرعاكم.
فأجاب فضيلته بقوله: صنع أهل الميت الوليمة ودعوة الناس إليها يعد من النياحة، كما جاء ذلك في حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. رواه الإمام أحمد. وقال في (نيل الأوطار) : أخرجه أيضاً ابن ماجه، وإسناده صحيح. قال البناء في شرح ترتيب المسند: واتفق الأئمة الأربعة على كراهة صنع أهل الميت طعاماً للناس يجتمعون عليه، مستدلين بحديث جرير بن عبد الله المذكور في الباب وظاهره التحريم، لأن النياحة حرام، وقد
стр. 6637
عده الصحابة ﵃ من النياحة فهو حرام. ا. هـ.
وكذلك النوع الثاني مخالف لهدي النبي ﷺ وأصحابه فإنهم لم يكونوا يدعون أهل الميت ويصنعون لهم الولائم المتتابعة، وهو مع كونه مخالفاً لهدي النبي ﷺ وأصحابه ﵃ مكلف لصانعي الطعام الداعين، وللمدعوين أيضاً لما فيه من إنفاق المال على وجه غير مشروع، وإضاعة الأوقات في غير فائدة.
وطريقة العزاء المشروع إذا رأيت مصاباً محزوناً أن تقول له: اصبر واحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، وإن زاد دعاء مناسباً قليلاً فلا بأس. ٤٢/١/٩١٤١هـ.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يوجد لدينا عادة وهي أنه إذا دفن ميت يقوم أقرب الناس إليه بتوجيه دعوة للناس في المقبرة بأن العشاء أو الغداء هذه الليلة عنده، وكذلك يقوم أحدهم ويقول: اقرؤوا الفاتحة وذلك بعد الانتهاء من الدفن مباشرة، ثم يذهبون بعد ذلك لشراء البقر والغنم ويقومون بذبحها ويقسمونها على الجماعة حسب العادة المتداولة بينهم ولو لم يفعلوا هذا (أي أقرباء الميت) لقال الناس عنهم: إنهم لا يحبون ميتهم.. فهل ما ذُكِر صحيح؟ أفتونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل يتضمن ثلاثة أشياء:
стр. 6638
أولاً: دعوة المشيعين إلى الطعام لبيت الميت، أو أحد أقربائه.
ثانياً: طلب قراءة الفاتحة بعد الدفن.
ثالثاً: شراء البقر والأغنام أو غيرها مما يذبح ويوزع وكل هذه الأعمال بدع منكرة، وذلك لأن خير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، ومن المعلوم أن هدي محمد ﷺ لا يتضمن مثل هذا، بل إن الصحابة ﵃ يعدون الاجتماع عند أهل الميت وصنع الطعام من النياحة، والنياحة لا يخفى حكمها على من اطلع على السنة فإن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب"، فالواجب الكف عن هذه العادة المنكرة، وأن تحفظ الأموال عن بذلها في هذا العمل المحرم.
وأما العمل الثاني: وهو طلب قراءة الفاتحة من الحاضرين فهو أيضاً بدعة، فإن النبي ﵊ لم يكن إذا دفن الميت يقول للناس: اقرؤوا عليه الفاتحة، أو شيئاً من القرآن، بل كان إذا فرغ من دفنه وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يسأل". ولم يكن هوالذي يستغفر بهم لهذا الميت فيدعو ويؤمنون. بل قال: "استغفروا لأخيكم" وكل واحد يقول: اللهم اغفر له، اللهم ثبته.
стр. 6639
والمشروع بعد الدفن أن يقف الناس عليه، وكل واحد يقول على انفراد: اللهم اغفر له، اللهم ثبته، يقولها ثلاثاً، ثم ينصرف، فإن الرسول ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثاً.
وأما العمل الثالث: وهو شراء البقر والغنم وغيرها من الأنعام فتذبح وتوزع فهو أيضاً بدعة منكرة، ولم يكن من هدي النبي ﷺ ولا أصحابه ﵁ وفيه أيضاً إضاعة للمال، وقد ثبت عن النبي أنه نهى عن إضاعة المال.
وعلى هذا فيجب منعه والإعراض عنه، وأما لوم الناس لأهل الميت إذا لم يفعلوا هذا بقولهم: إنهم لا يحبون ميتهم، فهذا جهل منهم.. بل إن الذي يتجنب هذه الأشياء هو الذي يحب ميته حقيقة، وهو الذي يحب ما أحبه الله تعالى ورسوله ﷺ ، وهو الذي يبتعد عن البدع التي سماها رسول الله ﷺ ضلالة.
لهذا أنصح إخواني المسلمين أن يرجعوا في أمورهم كلها إلى ما كان عليه سلفهم الصالح ففيهم الخير، وفيهم البركة، وأما ما اعتاده الناس من الأمور التي تخالف الشرع فإن الواجب على طلبة العلم خصوصاً، وعلى كل من علم حكمها عموماً أن يحذروا الناس منها، وأن يبينوا لهم الحق. فالناس ولله الحمد على فطرهم؛ لأن غالبهم إذا ذُكِّر تذكَّر ورجع إلى الصواب وترك ما هو عليه من المخالفة.
* * *
س ٧٢٣ سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: في بعض
стр. 6640
البلاد إذا مات الميت يأتون بسيارة عليها مكبر صوت ويطوفون في القرى ويقولون: توفي إلى رحمة الله فلان الفلاني ويعدون مكاناً يستقبلون فيه الناس ويصنعون لهم الطعام ويأتون بالمقرىء يقرأ فما حكم هذه الأشياء؟ وهل الميت يستفيد من قراءته على أنه يأخذ أجراً على قراءته؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا محرم من عدة أوجه:
أولاً: هو من النعي الذي نهى النبي ﷺ عنه. فإن النبي ﷺ كان ينهى عن النعي، وهو الإخبار بموت الميت، إلا إذا كان الميت لم يدفن وأخبرنا بموته، من أجل كثرة المصلين عليه، فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وأمر الناس فخرجوا فصلوا عليه.
ثانياً: أن هذا العمل من عمل الجاهلية، وقد نهينا عن التشبه بهم.
ثالثاً: أنه نياحة حيث يجتمع الناس إلى أهل الميت ويصنعون الطعام ويأكلونه.
رابعاً: أنه متضمن لمحرم وهو الاستئجار في قراءة القرآن فإن هذا عمل محرم، لأن القرآن لا تقع تلاوته إلا قربة لله. وما لا يقع إلا قربة لا يصح أن تؤخذ عليه الأجرة.
وأما انتفاع الميت بذلك فإنه لا ينتفع قطعاً بل قد قال النبي ﵊: "إن الميت ليعذب بما نيح عليه"، فهو
стр. 6641
يعذب من هذا الصنيع، ولا ينتفع بالقراءة قراءة المقرىء لأن هذا المقرىء لا أجر له، قد استعجل أجره بما أخذ من الأجرة، فليس له في الا?خرة من خلاق. وإذا لم يكن له أجر في الا?خرة فإن الميت لا ينتفع بشيء. لذلك يجب أن يُنبه الفاعلون لهذا الأمر، وأن يحذروا منه، وأن يعلموا أنه ليس فيه إلا إضاعة المال، وإضاعة الأوقات، والوقوع في السيئات، والعياذ بالله.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هو العزاء المشروع ؟ وما رأيكم حفظكم الله فيما يفعله بعض الناس من الاجتماع في بيت أحد أقارب الميت وانتظار المعزين فيه، وقراءة الفاتحة للميت في نفس المكان؟
فأجاب فضيلته بقوله: العزاء مشروع لكل مصيبة، فيعزى المصاب وليس الأقارب فقط، فقد يصاب الإنسان بموت صديقه أكثر مما يصاب بموت قريبه، وقد يموت القريب للشخص ولا يصاب به ولا يهتم بموته، فالعزاء في الأصل إنما هو لمن أصيب فيعزى يعني يقوى على تحمل الصبر، فمعنى عزيته أي: قويته على تحمل الصبر، وأحسن ما يعزى به ما فعله النبي ﷺ حيث أرسل إلى إحدى بناته فقال: "مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى".
وأما اجتماع الناس للعزاء في بيت واحد فإن ذلك من البدع، فإن انضم إلى ذلك صنع الطعام في هذا البيت كان من النياحة،
стр. 6642
والنياحة كما يعلمه كثير من طلبة العلم من كبائر الذنوب فإن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب". وعلى هذا يجب على طلبة العلم أن يبينوا للعامة أن هذا غير مشروع، وأنهم إلى الإثم أقرب منهم إلى السلامة، وأن الواجب على خلف الأمة أن يتبعوا سلفها، فهل جلس النبي ﷺ للعزاء في أبنائه؟ أو في زوجته خديجة أو زينت بنت خزيمة ﵃ هل جلس أبو بكر الصديق ﵁؟ هل جلس عمر بن الخطاب ﵁؟ هل جلس عثمان بن عفان ﵁؟ هل جلس علي بن أبي طالب ﵁؟ هل جلس أحد من الصحابة ﵃ ينتظر من يعزيه؟ أبداً كل ذلك لم يحصل، ولا شك أن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وأما ما تُلقي من الا?باء وجرت به العادة فهذا يعرض على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وهدي السلف ﵃ فإن وافقه فهو مقبول، لا لأنه عادة بل لأنه وافق السنة، وما خالف فيجب أن يرفض، ولا ينبغي لطلبة العلم أن يخضعوا للعادات، وأن يقولوا كيف ننكر على آبائنا، وأمهاتنا، وإخواننا شيئاً معتاداً؛ لأننا لو أخذنا بهذه الطريقة وهي عدم الإنكار ما صلح شيء، ولبقيت الأمور على ما هي عليه بدون إصلاح.
وأما قراءة الفاتحة فهي بدعة أيضاً، بدعة على بدعة فما كان
стр. 6643
الرسول ﷺ يعزي بقراءة الفاتحة أبداً، ولا غيرها من القرآن، وأما قولهم إنه يقرأ بها على المريض ليشفى لأن النبي ﷺ قال: "وما يدريك أنها رقية" فهي يقرأ بها على المرضى فيشفون بإذن الله، لكن الميت ميت ولن يشفى ولن يبعث إلا يوم القيامة، وكل هذه الأشياء يجب على طلبة العلم أن ينزعوها من مجتمعاتهم وأن يعيدوا الناس إلى ما كان عليه السلف الصالح.
فإن قيل: إذاً متى نعزي؟
قلنا:
أولاً: العزاء ليس بواجب، وغاية ما فيه أنه سنة.
ثانياً: العزاء إنما يكون للمصاب الذي نعرف أنه تأثر بالمصيبة فنعزيه وندلي عليه بالمواعظ حتى يطمئن.
ثالثاً: أن العزاء المشروع ليس بالاجتماع في البيت، بل في أي مكان نلاقيه نعزيه سواء كان في المسجد، أو في السوق، أو في غير ذلك.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: مسألة العزاء والاجتماع عليه ، بعض الناس لو كلَّمناهم في هذا يقول: نحن نفعل هذا ولا نقصد به التعبد وإنما نقصد به العادة، وأن ترك المشاركة في الاجتماع يعتبر قطيعة رحم فكيف الرد عليهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا أن التعزية سنة،
стр. 6644
التعزية من العبادة، فإذا صيغت العبادة على هذا الوجه الذي لم يكن معروفاً في عهد الرسول ﷺ ، صارت بدعة، ولهذا جاء الثواب في فضل من عزى المصاب، والثواب لا يكون إلا على العبادت.
مسألة العزاء، فالعزاء إنما كان تركه قطيعة رحم، لأن الناس اعتادوه فصار الذي يتخلف عنه عندهم قاطع رحم، لكن لو أن الناس تركوه كما تركه الصحابة ﵃ والتابعون ﵏ ما صار تركه قطيعة رحم، صار تركه عادة، ولهذا لو أن طلبة العلم بينوا للناس هذا الأمر وبدأوا بأنفسهم هم، كما بدأنا بأنفسنا، والدنا توفي ولم نجلس للعزاء، ووالدتنا توفيت ولم نجلس للعزاء، لو أن أهل العلم فعلوا ذلك لكان فيه خير كثير، ولترك الناس هذه العادات، لاسيما في بعض البلاد إذا مررت ببيت مات فيه ميت تقول: هذا بيت فيه زواج، لأنك ترى فيه من الأنوار في الداخل والخارج والكراسي والأشياء التي تنافي الشرع، وفيها إسراف وفيها بذخ.
فالواجب على الإنسان أن يعرف الحق من الكتاب والسنة لا من عادات الناس، لو أن الناس تركوا هذه العادات وصار العزاء إن وجدوا في السوق، أو في المسجد عزي، وأيضاً يعزيه إذا كان مصاباً لا إذا كان قريباً، بعض الأقارب لا يهتم بموت قريبه، وربما يفرح إذا مات قريبه، قد يكون بينه وبين قريبه مشادات ومنازعات وخصومات فإذا مات قال: الحمد لله الذي أراحني من هذا.
فالتعزية للمصاب فقط كما جاء في الحديث: "من عزى
стр. 6645
مصاباً فله مثل أجره" فقال النبي ﷺ : "مصاباً" ولم يقل: "من عزى من مات له ميت" فمثل هذه المسائل يجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس الحق فيها، حتى يسير الناس فيه على الهدى لا على الهوى.
* * *
стр. 6646
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم ... سلمه الله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
إليكم أجوبة الأسئلة التي ذكرتم في كتابكم إلينا.
* جواب السؤال الأول: اجتماع أهل الميت للعزاء واستئجار قارىء يقرأ شيئاً من القرآن بدعة منكرة لوجوه:
الأول: أن اجتماع أهل الميت للعزاء لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ومن المعلوم أن تعزية المصاب من العبادات، وإذا كان النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يجتمعوا لها، كان الاجتماع لها بدعة؛ لأن الأصل في العبادات المنع إلا ما قام عليه الدليل، وإذا ثبت أنه بدعة فقد ثبت عن النبي ﷺ التحذير من البدع، وأن كل بدعة ضلالة. وقوله: "كل بدعة ضلالة" كلمة عامة من أقوى صيغ العموم، صادرة من أعلم الناس بشريعة الله ومدلولات الألفاظ التي يتكلم بها، ومن أنصح الناس لعباد الله، ومن أفصحهم نطقاً، وأبلغهم بياناً، لا يمتري بذلك مؤمن، ولم يأت عنه ﷺ حرف يستثني شيئاً من هذه القاعدة العامة.
وأما قوله ﷺ : "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" فليس المراد به أن يحدث في
стр. 6647
شرع الله ما ليس منه قطعاً، إذ لو كان هذا هو المراد لكان مناقضاً لقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة"، ولكانت الأمة تختلف في دينها كل حزب بما لديهم فرحون، ولحق عليها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ .
والمراد بالحديث: "من سن في الإسلام" أحد أمرين قطعاً:
١ فإما أن يراد به من سبق إلى العمل بسنة ثبتت مشروعيتها، ويدل لذلك سبب الحديث، فإن سببه كما في صحيح مسلم في باب الحث على الصدقة عن جرير بن عبد الله ﵁ أن قوماً من مضر أتوا رسول الله ﷺ حفاة عراة، مجتابي النِّمار أو العباء، فتمعَّر وجه رسول الله ﷺ لما رأى ما بهم من الفاقة، وفيه: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مُذْهَبَةٌ فقال رسول الله ﷺ : "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
٢ وأما أن يراد به إعادة سنة مشروعة بعد تركها، ومن ذلك قول عمر بن الخطاب ﵁: "نعمت البدعة هذه" يعني إقامة الجماعة في قيام رمضان، وعلى هذا يكون معنى قوله: "من سن" أي من أحيا سنة بعد أن تركت.
стр. 6648
وقد ذكر كثير من العلماء ﵏ حكم هذه المسألة، أعني الاجتماع للعزاء:
ففي (المنتهى) ، وهو عمدة المتأخرين من الحنابلة في المذهب: وكره جلوس لها أي للتعزية، قال في شرحه: يعني أنه يكره للمصاب أن يجلس في مكان ليعزوه، ويكره للمعزي أن يجلس عند المصاب للتعزية.
وفي (المقنع) : ويكره الجلوس لها يعني للتعزية قال في الشرح الكبير: وذكره أبوالخطاب؛ لأنه محدث. اه
وقال النووي في (شرح المهذب) : وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته وذكر تعليل ذلك ثم قال: واستدل له المصنف وغيره بدليل آخر وهو أنه محدث. اه
وقال الألباني في (أحكام الجنائز) : وينبغي اجتناب أمرين وإن تتابع الناس عليهما:
أالاجتماع للتعزية في مكان خاص كالدار، أو المقبرة، أو المسجد.
ب اتخاذ أهل الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء، وذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا نعد وفي رواية: نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة. وذكر الألباني في حاشية الكتاب المذكور عن ابن الهمام أن هذا بدعة قبيحة.
стр. 6649
وبهذا يتبين حكم الاجتماع للتعزية.
وأما قول من ابتلي بها: "إنها حسنة" فمردود بقول النبي ﷺ : "كل بدعة ضلالة".
وأما قوله: هناك أشياء كثيرة لم تكن على عهد النبي ﷺ وليست ببدعة.
فيقال: هذه الأشياء إن فعلها فاعلها على وجه القربة والتعبُّد فإنها بدعة وضلالة، وإن كانت من باب الوسائل إلى أمر مشروع كتصنيف العلوم، وطباعة الكتب ونحو ذلك فهي مشروعة مشروعية الوسائل.
وأما إحضار قارىء يقرأ للعزاء فإن كان بأجرة فلا ثواب له، بل هو آثم، وحينئذ لا ينتفع الميت بقراءته، وإن كان بغير أجرة فالقراءة للعزاء بدعة لا ثواب فيها.
والواجب على المؤمن أن يرجع إلى ما كان عليه سلف الأمة، فإنهم خير القرون، وأن لا يلتفت إلى ما أحدثه الناس في دين الله تعالى لا في هذا ولا غيره، فالخير كله في اتباع السلف، والشر كله في ابتداع من خلف. وفقنا الله وإياكم لاتباع السنة، والبعد عن البدعة.
والواجب على أهل العلم بيان الحق في هذا وغيره على نحو ما ذكره الله في قوله: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ولا يجوز لهم الذهاب إلى المجتمعين للعزاء إلا على سبيل النصيحة لهم.
стр. 6650
جواب السؤال الثاني: كيف تعاملون النصارى المشاركين لكم في العمل والمجاورين لكم في المنازل أن تعاملوهم بمثل ما يعاملونكم، فإن هذا من العدل الذي أمر الله تعالى به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ولا بأس بالإحسان إليهم تأليفاً لهم على الإسلام لا تودداً وتقرباً إليهم لقول الله تعالى: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُو?اْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ .
وأما موادتهم وموالاتهم فلا يحل لنا ذلك لقوله تعالى: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَْخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُو?اْءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَائِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَائِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الا?ية، وقوله: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ . وقوله: ﴿يَ ?اأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وأما تهنئتهم فإن كان لمناسبات دينية عندهم فهذا حرام بلا شك؛ لأنه يتضمن الرضا بما هم عليه من الكفر وتثبيتهم عليه وإدخال السرور عليهم، به وإن كان لمناسبات غير دينية كحصول مال أو ولد فلا بأس به إذا كانوا يفعلون ذلك معنا، لما فيه من العدل والإنصاف وإلا فلا نهنئهم به إلا أن يتضمن ترك ذلك إضراراً بنا.
وأما تعزيتهم فنعزيهم إذا كانوا يعزوننا لما فيه من العدل
стр. 6651
والإنصاف لكن ينبغي أن تكون تعزيتنا مفتاحاً لوعظهم ودعوتهم للإسلام.
هذا ما نراه في هذه المسائل ونسأل الله تعالى أن ينصر عباده المؤمنين على أعدائه الكافرين.
كتب هذه الأجوبة بيده محمد الصالح العثيمين في ٧/٠١/٧١٤١هـ.
стр. 6652
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم زيارة قبور الكفار وما يسمى بقبر الجندي المجهول ووضع الزهور عليها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة قبور الكفار للاتعاظ لا بأس بها، ولهذا استأذن النبي ﷺ ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، واستأذنه أن يزور قبرها فأذن له.
أما زيارته تعظيماً كما يفعل وتوضع عليها الزهور فهذا حرام ولا يجوز؛ لأنه تعظيم لهؤلاء الكفار.
والجندي المجهول إن كان مجهولاً فعلاً فلا يستحق أن يكرم، ولكن هؤلاء سلب الله عقولهم، فكما أنهم بهذا العمل مخالفون للشريعة فهم مخالفون للمعقول، إذ المستحق للإكرام هو الجندي المعروف بالشجاعة والدفاع سواء عن وطنه أو دينه، وهم أهل دين، وما أظن هذه وقعت إلا من رجل أحمق ثم تتابع الناس عليها.
وإن كان المقصود مجهول القدر وهو معلوم العين فإن كان كافراً فإنه لا يجوز أيضاً وحرام، وإن كان مسلماً فهو تكريم مبتدع، ولا يكرم جماد من الجمادات بأي اسم كان؛ لأن التحية إنما هي للحي الذي يستحقها. أما أشياء جماد تعظم فهذا أشبه ما يكون بفعل قوم نوح ﵊ حين نصبوا أصناماً لقوم صالحين وصاروا يعظمون هذه الأصنام. والله المستعان.
* * *
стр. 6653
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم شد الرحل والسفر لأجل تشييع جنازة أو لأجل تعزية مصاب في ميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما تشييع الجنازة فلا بأس بذلك، لأنه ليس كشد الرحل لزيارة القبور.
وأما للتعزية فأقله أن يكون مكروهاً، لأن هذا يستلزم تجمع الناس إلى دار المصابين، وقد قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁ كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ذكرتم في التعزية أنها قد تكون في غير الميت هل تسن التعزية في غير الميت وما صفة التعزية؟
فأجاب فضيلته بقوله: التعزية هي تقوية المصاب على تحمل الصبر، وانتظار الثواب سواء كان في ميت أو غيره، مثل أن يصاب بفقد مال كبير له، أو ما أشبه ذلك، فتأتي إليه وتعزيه وتحمله على الصبر حتى لا يتأثر تأثراً بالغاً.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل الاجتماع على العزاء ، وإقامة ولائم الطعام، وقراءة الفاتحة
стр. 6654
على روح الميت جائزة؟ ما رأيكم جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاجتماع للعزاء بدعة مكروهة، وإذا حصل معه إطعام المجتمعين، وإقامة ولائم الطعام لحضور المعزين صار من النياحة، قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁: كنا نعد وفي رواية نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام بعد دفنه من النياحة.
ولم يكن النبي ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون ولا أصحابه المهتدون ﵃ فيما نعلم يجتمعون لتلقي المعزين أبداً. غاية ما في الأمر أنه لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب ﵁ قال النبي ﷺ : "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم"، ولم يجتمع من آل جعفر، علي بن أبي طالب ﵁ وهو أخوه، ولا النبي ﷺ وهو ابن عمه، ولا أحد من أقاربه فيما نعلم، لم يجتمعوا إلى آل جعفر ليأكلوا من هذا الطعام.
ولا شك أن خير الهدي هدي النبي ﷺ ، وأن شر الأمور محدثاتها، والتعزية من العبادة، والعبادة لابد أن تكون على وفق ما جاءت به الشريعة، وقد صرح بعض أئمة العلم بأن الاجتماع بدعة، وصرح فقهاء الحنابلة ﵏ في كتبهم بأن الاجتماع مكروه، ومن العلماء من حرمه.
وإنك لتعجب في بعض البلدان، أنه إذا مات لهم الميت وضعوا السرادقات الطويلة العريضة، وعليها أنوار كبيرة كاشفة
стр. 6655
وغير كاشفة، والمقاعد، وهذا يخرج وهذا يدخل، كأنهم في وليمة عرس أو أشد. من قال هذا؟ من فعل هذا؟
أليس لنا في محمد ﷺ أسوة حسنة؟ ولهذا نجى الله بعض البلاد من هذه البدعة المكلفة مالياً، المهلكة للزمن وقتياً، المتعبة للأبدان، حتى إنهم يأتون من أطراف البلاد إلى هذا الاجتماع. سبحان الله لو كان هذا مشروعاً على سبيل الوجوب، أو الاستحباب لرأيت أنه ثقيل على النفوس. لكن لما كان مما لم يأمر به الله تعالى ورسوله ﷺ صار هيناً على النفوس. فتجد الناس يأتون من بعيد ليجتمعوا عند أهل الميت.
* أما ما ذكره السائل من قراءة الفاتحة، وسورة الإخلاص، وهذه الأذكار لا تزيد الأمر إلا شدة، ولا تزيده إلا بعداً من السنة، فهي بدعة.
فإذا قال قائل: فكيف نعزي الناس؟
فالجواب: التعزية ليست واجبة حتى نقول: لابد منها وأنها ضرورة، التعزية سنة، ولا تكون إلا للمصاب الذي نعلم أنه تأثر بموت هذا الميت، فنذهب إليه بدون ما يفتح الباب ويجمع الناس نذهب إليه إذا كان من أقاربنا الذي لابد أن نذهب إليهم، وأننا لو لم نذهب لقيل: هذا قاطع، نذهب إليه ونقول: اتق الله، واصبر واحتسب.
وأقول: نذهب إليه ليس على سبيل الاستحباب لكن خوفاً من معرة القطيعة، وإلا فها هو النبي ﷺ أرسلت إليه إحدى بناته تخبره أن طفلاً لها، أو طفلة في سياق الموت، فجاء الرسول يخبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
следующие страницы →