← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

الميت علينا أن ندعو له بالمغفرة والرحمة. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم الحزن على الميت ؟ وهل يعارض الرضا بالقضاء والقدر؟ فأجاب فضيلته بقوله: الحزن على الفائت من طبيعة الإنسان، ولا يؤاخذ الإنسان به، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال حين مات ابنه إبراهيم: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، ولكن إن اقترن بالحزن شيء من المحرم؛ كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور صار من هذه الناحية حراماً؛ لأنه اقترن بفعل محرم. أما مجرد الحزن الذي لا يصحبه شيء فقد حصل من النبي ﷺ ولهذا قال ﵊: "لا نقول إلا ما يرضي الرب" فلا نقول يا ويلاه، واثبوراه. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض الناس إذا مات لهم ميت وجاء العيد بعد ذلك فإنهم لا يقدمون لمن يزورهم حق الضيافة بل يعتادون نوعاً من الأكل كالتمر فقط إظهاراً لحزن أهل الميت عليه ما حكم ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: السؤال غير واضح، أما إذا كان يوم العيد لا يقدمون الضيافة المشروعة، وإنما يقدمون نوعاً من الطعام

стр. 6687

إظهاراً للحزن على الميت فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا يشبه شق الجيوب، ولطم الخدود، ونتف الشعر عند المصيبة. والواجب على الإنسان أن يرضى بالله ، وبما قدر عليه، ويصبر ويحتسب، ولا يجوز أن يعتاد هذا العمل الذي ذكر في السؤال. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: امرأة تقول: توفيت لي بنت تبلغ من العمر عشر سنوات تقريباً، وحزنت عليها حزناً شديداً وأخذت من ملابسها ثوباً واحداً واحتفظت به حتى إذا جاء موتي يوضع على رأسي، وجمعت من الشعر الذي يأتي بعد التمشيط من شعرها وشعر رأسي ومن شعر رؤوس جميع الأسرة، ووضعته في منديل وقلت يوضع تحت رأسي عند موتي. فهل في ذلك شيء من وضع الثوب على رأسي ومن تجميع الشعور ووضعها معي في قبري؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. فأجاب فضيلته بقوله: كل هذه الأعمال التي ذكرتها السائلة بدعة، وقد قال ﷺ : "كل بدعة ضلالة"، وهذا الثوب الذي احتفظت به إن كان يمكن الانتفاع به، أو التصدق به فإنه ينتفع به ويتصدق به، وإن كان لا يمكن الانتفاع به فإنه يحرق، أو يلقى في القمامة، وكذلك ما حفظته من الشعور من هذه البنت ومن غيرها من الأهل فإنها تدفن في مكان، أو تلقى، والمهم أن هذا العمل وهو

стр. 6688

جعلها معها في القبر عمل خاطىء، بدعي لا أصل له في الشرع، فعليك أن تتجنبي ذلك كله. والله الموفق. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عمي قتل في المعركة وقد بلغ بنا الحزن عليه أن قررنا زيارة قبره كل خميس وجمعة ولبسنا السواد مدة خمسة وثلاثين يوماً وقد رفع أهله قبره عن الأرض فما الحكم في هذه الأعمال هل هي صحيحة أم مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذه الأعمال غير صحيحة، والواجب على المرء إذا أصابته مصيبة أن يتلقاها بالصبر والاحتساب، لأن الحزن لا يرد شيئاً من المقدور، وقد قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَْمَوَالِ وَالأَْنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُو?اْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ . وقال النبي ﷺ لإحدى بناته وقد مات لها طفل، قال للرسول الذي أرسلته إلى النبي ﷺ : "مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى"، فالواجب عليكم أيها المصابون بفقد حبيبكم الصبر والاحتساب، والدعاء له بالمغفرة والرحمة، حيث إنه مسلم، وعلى هذا فإن زيارتكم لقبره،

стр. 6689

أو تكرير هذه الزيارة لقبره كل خميس وجمعة ليس بمشروع ولا ينبغي، وكذلك لبسكم السواد فإنه من البدع وإظهار الحزن، وهو شبيه بشق الجيوب ولطم الخدود الذي تبرأ النبي ﷺ من فاعله حيث قال: "ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية". أما رفع القبر فإنه أيضاً خلاف السنة، ويجب أن يسوى بالقبور التي حوله إذا كان حوله قبور، أو ينزل حتى يكون كالقبور المعتادة؛ لأن علي بن أبي طالب ﵁ قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : "ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته". * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: في قول الرسول ﵊ في ما يرويه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن الروح والنفس بمعنى واحد، والحديث قوله ﵊: "ألم تروا أن الإنسان إذا مات شخص بصره"؟ قالوا: بلى، قال: "فذلك حيث يتبع بصره نفسه"، والحديث الثاني حديث أم سلمة ﵂: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" رواه مسلم أيضاً،

стр. 6690

هل الروح هي النفس؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم الروح هي النفس التي تقبض كما قال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَْنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الا?ية. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يموت أحياناً من فيه شر فيأخذ الناس في بيان ما فيه من الشر بالرغم من ورود الحديث في صحيح البخاري: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدَّموا"، هل هم وقعوا في محذور؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم، إذا كان الغرض من ذلك السب والشماتة بالميت فهذا لا يجوز، وإذا كان الغرض منه التحذير من صنيعه وطريقه الذي يمشي عليها، فإن هذا لا بأس به؛ لأنه يقصد به المصلحة. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: قال ﵊ في ما يرويه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: "إذا خرجت روح المسلم تلقاها ملكان يصعدانها" قال حماد فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك، قال: "ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض

стр. 6691

صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه، ثم يقول الله: انطلقوا به إلى آخر الأجل، وكذلك الكافر، يقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل"؟ ما المقصود بآخر الأجل؟ فأجاب فضيلته بقوله: المقصود بذلك قيام الساعة. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز النظر إلى شريط الفيديو الذي يصور طريقة تغسيل وتكفين ودفن الميت بقصد الاتعاظ وإحياء الغفلة؟ ويصاحب هذه الصورة إرجوزة مطلعها: ليس الغريب غريب الشام واليمن ... إلخ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن إحياء القلوب بالمواعظ من الأمور المطلوبة، ولكن المواعظ بالأمور المحرمة لا تفيد، ولا يمكن الإصلاح بالأمر المحرم. وإنما تكون المواعظ من كتاب الله ، وبما صح عن رسول الله ﷺ ، وفي ذلك خير وكفاية لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مَّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ . فمواعظ القرآن كافية لكل ذي قلب، كما قال في سورة (ق) لما ذكر المواعظ العظيمة من ابتداء

стр. 6692

خلق الإنسان إلى انتهاء جزائه بالثواب أو العقاب قال تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَالِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ . أما ما ذكره السائل عن ظهور الميت والغاسل يغسله وترنم من حوله بهذه الأبيات السالفة الذكر: ليس الغريب غريب الشام واليمن إن الغريب غريب اللحد والكفن فهذا أمر لا يصح أن يكون طريقاً للموعظة، وعلى هذا فليتجنب، وليأت ببدله بما هو من كتاب الله جل وعلا، وما صح عن رسول ﷺ ففيهما الشفاء والنور. والله الموفق. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: فكرت طويلاً في حفر قبر لي ولكني متردد خشية أن أحرم من يحضر موتي من أجر الحفر أرجو الإفادة؟ فأجاب فضيلته بقوله: المقبرة إن كانت مسبلة فإنه يحرم عليه أن يحفر له قبراً فيها، وذلك لأنه يتحجر مكاناً السابق إليه أولى به من غيره، والأماكن العامة لا يجوز لأحد أن يختص فيها مكاناً، بل هي لمن سبق، وقد روي أن النبي ﷺ قيل له: ألا نبني لك بيتاً يعني خيمة في منى، فقال ﷺ : "منى مناخ من سبق". وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يحفر له قبراً في مقبرة مسبلة،

стр. 6693

وهذا هو الغالب عندنا في بلادنا. أما لو كانت المقبرة ملكاً خاصاً له كما يوجد في بعض البلاد الإسلامية يشتري أرضاً يدفن فيها من يموت من أقاربه فإن له أن يحفر ذلك قبل موته. وأقول: إن هذا ليس أمراً مشروعاً وإن كان جائزاً، ولا أعلم فيه سنة عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم ثم إنه من الجهل فإن الإنسان لا يدري بأي أرض يموت، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾ . فإنه قد يحفر هذا القبر ويموت في أرض أخرى. والله الموفق. سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عندما يموت الشخص ويوضع في قبره هل يعلم أنه انتقل إلى الدار الا?خرة، وهل يذكر أهله وأولاده؟ فأجاب فضيلته بقوله: أما كونه يشعر إذا انتقل إلى الدار الا?خرة فإنه يشعر من حين يأتيه ملك الموت ليقبض روحه، ويعلم أن روحه خرجت من جسده بنظره إليها. فإن النبي ﷺ أخبر أن الروح إذا قبضت تبعها البصر ولهذا يشخص بصر الميت. دخل النبي ﷺ على أبي سلمة ﵁ وقد شخص بصره يعني انفتح فأغمضه النبي ﷺ وقال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين،

стр. 6694

وافسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه". دعا له بخمس دعوات عظيمة. اللهم اغفر له، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه. وما كان في الدنيا فقد أدرك فإن الله تعالى خلفه في عقبه بأن تزوجت أم سلمة ﵂ بعد انقضاء عدتها من النبي ﷺ ، ثم صار أولاد أبي سلمة في حجر النبي ﷺ فخلفه النبي ﷺ في عقبه استجابة لدعوة النبي ﷺ . وخلاصة القول: إن الميت يدري أنه مات، وأنه انتقل إلى الدار الا?خرة. أما كونه يدري إذا وضع في قبره وما أشبه ذلك فهذا لم يثبت به سنة عن النبي ﷺ ، وهو من أمور الغيب التي لا يجوز الجزم بها إلا بنص من الكتاب والسنة الصحيحة. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هو القرين؟ وهل يرافق الميت في قبره ؟ فأجاب فضيلته بقوله: القرين هو الشيطان مسلط على الإنسان بإذن الله ، يأمره بالفحشاء وينهاه عن المعروف، كما قال : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . ولكن إذا منّ الله على العبد بقلب سليم،

стр. 6695

صادق متجه إلى الله ، مريد للا?خرة، مؤثر الله على الدنيا فإن الله تعالى يعينه على هذا القرين حتى يعجز عن إغوائه. ولذلك ينبغي للإنسان كلما نزغه من الشيطان نزع أن يستعذ بالله من الشيطان الرجيم، كما أمر الله، حيث قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . والمراد بنزغ الشيطان أن يأمرك بترك الطاعة، ويأمرك بفعل المعصية. فإذا أحسست من نفسك الميل إلى ترك الطاعة، فذلك من الشيطان، أو الميل إلى فعل المعصية فهذا من الشيطان، فبادر بالاستعاذة بالله منه يعيذك الله منه، وأما كون هذا القرين يمتد بأن يكون مع الإنسان في قبره، فلا، فالظاهر والله أعلم بمجرد أن يموت الإنسان يفارقه؛ لأن مهمته التي كان مسخراً لها قد انتهت: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: قال أحد أئمة المساجد: إن رسول الله ﷺ أخبر أن مدة بقاء الميت المؤمن في قبره يجعلها الله له كصلاة العصر أو الظهر فهل هذا صحيح؟ فأجاب فضيلته بقوله: اعلم أن الزمن بالنسبة للميت

стр. 6696

يذهب سريعاً كأنه ليس بشيء، أمات الله رجلاً مائة عام فلما بعثه قال: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَءَايَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهي مائة سنة. كذلك أهل الكهف لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعاً، وهو نوم، والنوم ليس كالموت، الموت أسرع في ذهاب الوقت، وهؤلاء الأموات الذين ماتوا لهم منذ سنين طويلة تجدهم كأنهم ما مرت عليهم دهور طويلة، كأنهم الا?ن ماتوا قال الله تعالى: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ * إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُو?اْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ . * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "يتبع الميت ثلاثة: فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله" كيف أن ماله يتبعه؟ فأجاب فضيلته بقوله: قال أهل العلم رحمهم الله تعالى: هذا في الميت الذي له أرقاء يتبعونه، والأرقاء أمواله يباعون ويشترون. وقال بعض العلماء: المراد بماله هو ما يكرم من أجله، يعني أن الناس غير أقاربه وغير أهله يخرجون معه من أجل ماله إذا كان

стр. 6697

تاجراً فعبر بالمال عن التابعين من أجل المال، ولهذا نجد الفقير إذا صلي عليه في المسجد لا يتبعه إلا الذين يحملون النعش فقط، أربعة، أو خمسة، أو ستة، لكن إذا كان غنيًّا ملأوا المسجد إلا ما شاءالله، فهذا تبع المال. وربما يقال: المال ما يغطى به من أكسية أو نحوها يرجع فيكون هذا هو المراد بالمال لكن هذا ضعيف. فالمعنى إما أن يقال: إن المراد بالمال العبيد الأرقاء، أو يراد بالمال ما يكرم به من أجله، وهو كثرة الناس الذين ليسوا من أهل الميت. والله أعلم. سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل الميت يسمع السلام والكلام ويشعر بما يفعل لديه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم والسنة قد بينت فيها بعض الأشياء، فقد صح عن النبي ﷺ "أن العبد إذا وضع في قبره وانصرف الناس عنه فإنه يسمع قرع نعالهم"، وأخبر الرسول ﷺ أنه ما من مسلم يمر بقبر مسلم فيسلم عليه، وهو يعرفه في الدنيا، إلا رد الله عليه روحه، فرد ﵇. وهذا الحديث صححه ابن عبد البر ﵀ وذكره ابن القيم ﵀ في كتاب (الروح) ولم يتعقبه، وربما يؤيد هذا أن الرسول ﵊ كان إذا خرج إلى المقابر قال: "السلام عليكم دار

стр. 6698

قوم مؤمنين". وعلى كل تقدير مهما قلنا بأن الميت يسمع فإن الميت لا ينفع غيره ولو سمعه، يعني أنه لا يمكن أن ينفعك الميت إذا دعوت الله عند قبره كما أنه لا ينفعك إذا دعوته نفسه، ودعاؤك الله عند قبره، معتقداً لذلك مزية وبدعة من البدع، ودعاؤك إياه شرك أكبر مخرج من الملة. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل عذاب القبر على البدن أو على الروح ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأصل أنه على الروح لأن الحكم بعد الموت للروح، والبدن جثة هامدة، ولهذا لا يحتاج البدن إلى إمداد لبقائه، فلا يأكل ولا يشرب، بل تأكله الهوام، فالأصل أنه على الروح، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الروح قد تتصل بالبدن فيعذب أو ينعم معها، وإن لأهل السنة قولاً آخر بأن العذاب أو النعيم يكون للبدن دون الروح، واعتمدوا في ذلك على أن هذا قد رُئي حسًّا في القبر فقد فتحت بعض القبور ورُئي أثر العذاب على الجسم، وفتحت بعض القبور ورئي أثر النعيم على الجسم. وقد حدثني بعض الناس أنهم في هذا البلد هنا في (عنيزة) كانوا يحفرون لسور البلد الخارجي، فمروا على قبر فانفتح اللحد فوجد فيه ميت قد أكلت كفنُه الأرض وبقي جسمه يابساً لكن لم تأكل منه شيئاً، حتى إنهم قالوا: إنهم رأوا لحيته وفيها الحنا وفاح عليهم

стр. 6699

رائحة كأطيب ما يكون من المسك، فتوقفوا وذهبوا إلى الشيخ وسألوه فقال دعوه على ما هو عليه واجنبوا عنه، احفروا من يمين أو من يسار. فبناء على ذلك قال العلماء إن الروح قد تتصل بالبدن فيكون العذاب على هذا وهذا، وربما يستأنس لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "إن القبر ليضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه"، فهذا يدل على أن العذاب يكون على الجسم لأن الأضلاع في الجسم، والله أعلم. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما المراد بالقبر هل هو مدفن الميت أو البرزخ ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أصل القبر مدفن الميت، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ، قال ابن عباس: أي أكرمه بدفنه. وقد يراد به البرزخ الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة وإن لم يدفن كما قال تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، يعني من وراء الذين ماتوا؛ لأن أول الا?ية يدل على هذا ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّى? أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَقَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ .

стр. 6700

ولكن هل الداعي إذا دعا "أعوذ بالله من عذاب القبر" يريد من عذاب مدفن الموتى، أو من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة؟ الجواب: يريد الثاني؛ لأن الإنسان في الحقيقة لا يدري هل يموت ويدفن، أو يموت وتأكله السباع، أو يحترق ويكون رماداً ما يدري ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾ فاستحضر أنك إذا قلت من عذاب القبر أي من العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل عذاب القبر ثابت ؟ فأجاب فضيلته بقوله: عذاب القبر ثابت بصريح السنة وظاهر القرآن وإجماع المسلمين هذه ثلاثة أدلة: أما صريح السنة فقد قال النبي ﵊: "تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر". وأما إجماع المسلمين فلأن المسلمين يقولون في صلاتهم: "أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر" حتى العامة الذين ليسوا من أهل الإجماع ولا من العلماء.

стр. 6701

وأما ظاهر القرآن فمثل قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُو?اْءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ . ولا شك أن عرضهم على النار ليس من أجل أن يتفرجوا عليها، بل من أجل أن يصيبهم من عذابها، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى? إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو?اْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُو?اْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ الله أكبر إنهم لشحيحون بأنفسهم لا يريدون أن تخرج ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ . فقال: ﴿اليوم﴾ و"ال" هنا للعهد الحضوري اليوم يعني اليوم الحاضر الذي هو يوم وفاتهم ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ . إذن فعذاب القبر ثابت بصريح السنة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين، وهذا الظاهر من القرآن يكاد يكون كالصريح لأن الا?يتين اللتين ذكرناهما كالصريح في ذلك. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل عذاب القبر يشمل المؤمن العاصي أو هو خاص بالكفار ؟ فأجاب فضيلته بقوله: عذاب القبر المستمر يكون للمنافق والكافر. وأما المؤمن العاصي فإنه قد يعذب في قبره لأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر

стр. 6702

بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الا?خر فكان يمشي بالنميمة". وهذا معروف أنهما كانا مسلمين. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا لم يدفن الميت فأكلته السباع أو ذرته الرياح فهل يعذب عذاب القبر؟ فأجاب فضيلة بقوله: نعم، ويكون العذاب على الروح، لأن الجسد قد زال وتلف وفني، وإن كان هذا أمراً غيبيًّا لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله من هذا العذاب ولو كان قد فني واحترق؛ لأن الأمر الأخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدنيا. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كيف نجيب من ينكر عذاب القبر ويحتج بأنه لو كشف القبر لوجده لم يتغير ولم يضق ولم يتسع؟ فأجاب فضيلته بقوله: يجاب من أنكر عذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لوجد أنه لم يتغير بعدة أجوبة منها: أولاً: أن عذاب القبر ثابت بالشرع، قال الله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُو?اْءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ، وقوله ﷺ : "فلولا أن تدافنوا

стр. 6703

لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع" ثم أقبل بوجهه فقال: "تعوذوا بالله من عذاب النار"، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: "تعوذوا من عذاب القبر"، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر". وقول النبي ﷺ في المؤمن: "يفسح له في قبره مد بصره" إلى غير ذلك من النصوص فلا يجوز معارضة هذه النصوص بوهم من القول بل الواجب التصديق والإذعان. ثانياً: أن عذاب القبر على الروح في الأصل، وليس أمراً محسوساً على البدن، فلو كان أمراً محسوساً على البدن لم يكن من الإيمان بالغيب ولم يكن للإيمان به فائدة لكنه من أمور الغيب، وأحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا. ثالثاً: أن العذاب والنعيم وسعة القبر وضيقه، إنما يدركه الميت دون غيره، والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنه قائم وذاهب وراجع، وضارب ومضروب، ويرى أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، والذي حوله لا يرى ذلك ولا يشعر به. والواجب على الإنسان في مثل هذه الأمور أن يقول: سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل عذاب القبر دائم أو منقطع ؟

стр. 6704

فأجاب فضيلته بقوله: أما إن كان الإنسان كافراً والعياذ بالله فإنه لا طريق إلى وصول النعيم إليه أبداً ويكون عذابه مستمرًّا. وأما إن كان عاصياً وهو مؤمن، فإنه إذا عذب في قبره يعذب بقدر ذنوبه وربما يكون عذاب ذنوبه أقل من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة وحينئذ يكون منقطعاً. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يخفف عذاب القبر عن المؤمن العاصي ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم، قد يخفف، لأن النبي ﷺ مرَّ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستبرىء" أو قال: "لا يستتر من البول، وأما الا?خر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة، وقال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". وهذا دليل على أنه قد يخفف العذاب، ولكن ما مناسبة هاتين الجريدتين لتخفيف العذاب عن هذين المعذبين؟ ١ قيل: لأنهما أي الجريدتين تسبحان ما لم ييبسا، والتسبيح يخفف من العذاب على الميت، وقد فرّعوا على هذه العلة المستنبطة التي قد تكون مستبعدة أنه يسن للإنسان أن يذهب إلى القبور ويسبح عندها من أجل أن يخفف عنها. ٢ وقال بعض العلماء: هذا التعليل ضعيف؛ لأن الجريدتين تسبحان سواء كانتا رطبتين أم يابستين، لقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ

стр. 6705

السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَْرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَاكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَْرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَاكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ، وقد سُمع تسبيح الحصى بين يدي الرسول ﷺ ، مع أن الحصى يابس، إذن ما العلة؟ العلة: أن الرسول ﷺ ترجى من الله أن يخفف عنهما من العذاب مادامت هاتان الجريدتان رطبتين، يعني أن المدة ليست طويلة وذلك من أجل التحذير من فعلهما، لأن فعلهما كبير كما جاء في الرواية "بلى إنه كبير" أحدهما لا يستبرىء من البول، وإذا لم يستبرىء من البول صلى بغير طهارة، والا?خر يمشي بالنميمة يفسد بين عباد الله والعياذ بالله ويلقي بينهم العداوة، والبغضاء، فالأمر كبير، وهذا هو الأقرب أنها شفاعة مؤقتة تحذيراً للأمة لا بخلاً من الرسول ﷺ بالشفاعة الدائمة. ونقول استطراداً: إن بعض العلماء عفا الله عنهم قالوا: يسن أن يضع الإنسان جريدة رطبة، أو شجرة، أو نحوها على القبر ليخفف عنه، لكن هذا الاستنباط بعيد جدًّا ولا يجوز أن نصنع ذلك لأمور: أولاً: أننا لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي ﷺ . ثانياً: أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميت، لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب وما يدرينا فلعله ينعم، لعل هذا الميت ممن منَّ الله عليه بالمغفرة قبل موته لوجود سبب من أسباب المغفرة الكثيرة فمات وقد عفا رب العباد عنه، وحينئذ لا يستحق عذاباً.

стр. 6706

ثالثاً: أن هذا الاستنباط مخالف لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلم الناس بشريعة الله فما فعل هذا أحد من الصحابة ﵃ فما بالنا نحن نفعله. رابعاً: أن الله تعالى قد فتح لنا ما هو خير منه، فكان النبي ﵊ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الا?ن يسأل". * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل عذاب القبر من أمور الغيب أو من أمور الشهادة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: عذاب القبر من أمور الغيب، وكم من إنسان في هذه المقابر يعذب ونحن لا نشعر به، وكم جار له منعم مفتوح له باب إلى الجنة ونحن لا نشعر به، فما تحت القبور لا يعلمه إلا علام الغيوب، فشأن عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا الوحي الذي جاء به النبي ﵊، ما علمنا عنه شيئاً، ولهذا لما دخلت امرأة يهودية إلى عائشة وأخبرتها أن الميت يُعذَّب في قبره فزعت حتى جاء النبي ﷺ وأخبرته وأقر ذلك ﵊، ولكن قد يطلع الله تعالى عليه من شاء من عباده، مثل ما أطلع نبيه ﷺ ، على الرجلين اللذين يعذبان، أحدهما يمشي بالنميمة، والا?خر لا يستنزه من البول. *

стр. 6707

والحكمة من جعله من أمور الغيب هو: أولاً: أن الله أرحم الراحمين فلو كنا نطلع على عذاب القبور لتنكد عيشنا، لأن الإنسان إذا اطلع على أن أباه أو أخاه، أو ابنه، أو زوجه، أو قريبه يعذب في القبر ولا يستطيع فكاكه، فإنه يقلق ولا يستريح وهذه من نعمة الله سبحانه. ثانياً: أنه فضيحة للميت، فلو كان هذا الميت قد ستر الله عليه ولم نعلم عن ذنوبه بينه وبين ربه ثم مات وأطلعنا الله على عذابه، صار في ذلك فضيحة عظيمة له ففي ستره رحمة من الله بالميت. ثالثاً: أنه قد يصعب على الإنسان دفن الميت كما جاء عن النبي ﵊: "لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر". ففيه أن الدفن ربما يصعب ويشق ولا ينقاد الناس لذلك، وإن كان من يستحق عذاب القبر عذب ولو على سطح الأرض، لكن قد يتوهم الناس أن العذاب لا يكون إلا في حال الدفن فلا يدفن بعضهم بعضاً. رابعاً: أنه لو كان ظاهراً لم يكن للإيمان به مزية؛ لأنه يكون مشاهداً لا يمكن إنكاره، ثم إنه قد يحمل الناس على أن يؤمنوا كلهم لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُو?اْءَامَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ فإذا رأى الناس هؤلاء المدفونين وسمعوهم يتصارخون لا?منوا وما كفر أحد لأنه أيقن بالعذاب، ورآه رأي العين

стр. 6708

فكأنه نزل به، وحكم الله عظيمة، والإنسان المؤمن حقيقة هو الذي يجزم بخبر الله أكثر مما يجزم بما شاهده بعينه؛ لأن خبر الله لا يتطرق إليه احتمال الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينك يمكن أن تتوهم فيه، فكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال، وإذا هي نجمة، وكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال وإذا هي شعرة بيضاء على حاجبه وهذا وهم، وكم من إنسان يرى شبحاً، ويقول: هذا إنسان مقبل وإذا هو جذع نخلة، وكم من إنسان يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً، لكن خبر الله لا يتطرق إليه الاحتمال أبداً. نسأل الله لنا ولكم الثبات، فخبر الله بهذه الأمور أقوى من المشاهدة، مع ما في الستر من المصالح العظيمة للخلق. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل سؤال الميت في قبره حقيقي وأنه يجلس في قبره ويُناقش ؟ فأجاب فضيلته بقوله: سؤال الميت في قبره حقيقي بلا شك والإنسان في قبره يجلس ويناقش ويُسأل. فإن قال قائل: إن القبر ضيق فكيف يجلس؟! فالجواب: أولاً: أن الواجب على المؤمن في الأمور الغيبية أن يقبل ويصدق، ولا يسأل كيف؟ ولم؟ لأنه لا يسأل عن كيف ولم إلا من شك، وأما من آمن وانشرح صدره لأخبار الله تعالى ورسوله ﷺ ، فيسلم ويقول الله أعلم في كيفية ذلك.

стр. 6709

ثانياً: أن تعلّق الروح بالبدن في الموت ليس كتعلقها به في حال اليقظة، فللروح مع البدن شئون عظيمة لا يدركها الإنسان، وتعلقها بالبدن بعد الموت لا يمكن أن يقاس بتعلقها به في حال الحياة، وها هو الإنسان في منامه يرى أنه ذهب، وجاء، وسافر، وكلم أناساً، والتقى بأناس أحياء وأموات، ويرى أن له بستاناً جميلاً، أو داراً موحشة مظلمة، ويرى أنه راكب على سيارة مريحة، ويرى مرة أنه راكب على سيارة مقلقة كل هذا يمكن مع أن الإنسان على فراشه ما تغير حتى الغطاء الذي عليه لم يتغير ومع ذلك فإننا نحس بهذا إحساساً ظاهراً، فتعلق الروح بالبدن بعد الموت يخالف تعلقها به في اليقظة أو في المنام ولها شأن آخر لا ندركه نحن، فالإنسان يمكن أن يجلس في قبره ويسأل ولو كان القبر محدوداً ضيقاً. هكذا صح عن النبي ﷺ ، فمنه البلاغ، وعلينا التصديق والإذعان قال الله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى? أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ . * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كلنا يعرف مصير المشركين في الآخرة لكن ما مصير أطفالهم الصغار إذا ماتوا وهم لم يدركوا بعد؟ وهل يُغسَّلون ويكفَّنون ويصلى عليهم؟

стр. 6710

فأجاب فضيلته بقوله: إذا مات أطفال الكفار وهم لم يبلغوا سن التميز وكان أبواهم كافرين فإن حكمهم حكم الكفار في الدنيا أي لا يغسلون، ولا يكفنون، ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون مع المسلمين؛ لأنهم كفار بوالديهم. هذا في الدنيا، أما في الا?خرة فالله أعلم بما كانوا عاملين، وأصح الأقوال فيهم أن الله يختبرهم يوم القيامة بما يشاء من تكليف، فإن امتثلوا أدخلهم الله الجنة، وإن أبوا أدخلهم النار، وهكذا نقول في أهل الفترة، ومن لم تبلغهم الرسالات فالله أعلم بما كانوا عاملين، يختبرون ويكلفون بما يشاء الله ، وما تقتضيه حكمته، فإن أطاعوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل صحيح أنه إذا أدخل المؤمن القبر تأتيه حورية ينقطع عقدها فينظم هذا العقد حتى تقوم الساعة؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بصحيح، الصحيح أن الإنسان إذا أدخل في قبره وسأله الملكان، وأجاب بالصواب، فسح له في قبره مد البصر، وأتاه من روح الجنة ونعيمها، ويأتيه عمله الصالح في أحسن صورة ويبقى عنده. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض من يموت لهم ميت يحرصون أن يدفنوه بجانب طفل ويتفاءلون بذلك وأن له مزية ما حكم هذا الشيء؟

стр. 6711

فأجاب فضيلته بقوله: هذا الشيء لا أصل له، والإنسان في قبره يعذب، أو ينعم بحسب عمله، لا بحسب من كان جاراً له، فلذلك لا أصل لهذه المسألة إطلاقاً، فالإنسان في الحقيقة في قبره يعذب، أو ينعم بحسب أعماله، سواء كان جاره من أهل الخير، أو من غير أهل الخير. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم إلقاء الموعظة في العزاء لتذكير الناس ؟ أو إلقاء موعظة عند الدفن في المقبرة؟ فأجاب فضيلته بقوله: سبق بيان أن الاجتماع في العزاء ليس له أصل عند السلف الصالح، وأصله غير مشروع وبناء على ذلك فإذا كان غير مشروع، فلا اجتماع ولا خطبة. أما الخطبة عند الدفن في المقبرة، فلم يرد عن النبي ﵊ أنه قام خطيباً يخطب الناس، إنما ورد أن النبي ﷺ انتهى إلى المقبرة، والقبر لم يلحد بعد، فجلس وحوله أصحابه فجعل يحدثهم عن الإنسان حين احتضاره، وبعد دفنه، وكذلك كان قائماً على قبر إحدى بناته وهي تدفن فحدثهم، ﵊ ولكن ليس بحديث قام فيه خطيباً، أو واعظاً. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض العوام إذا حضر إلى المقبرة اتخذها موطناً للقيل والقال في

стр. 6712

أمور الدنيا فما نصيحتكم لمن زار المقبرة وذهب تبعاً للجنازة وبماذا يشتغل؟ فأجاب فضيلته بقوله: نصيحتنا لمن زار المقبرة أن يدعو بما جاء في السنة: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم"، ولا ينبغي لمن زارها أن يتحدث بشيء من أمور الدنيا أو شيء يوجب الضحك والقهقهة، وما أشبه ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: "زوروا القبور فإنها تذكر بالا?خرة"، فالسنة في زيارة القبور أن يكون متذكراً، خاشعاً متخشعاً، متذكراً مآله، وأنه سوف يؤول إلى ما آل إليه هؤلاء. والله المستعان. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض العوام في القرى يتخذ مقبرة خاصة لنسائه وإخوانه وأبنائه ولنفسه وغير عامة للمسلمين ما حكم ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: ليس في هذا بأس، ولكن قد يخشى أن كل طائفة من الناس الذين اتخذوا هذه المقابر تشيد مقبرة، ويحصل في هذا تفاخر، فالذي ينبغي لولاة الأمور أن يمنعوا مثل هذا، وأن يجعلوا المقبرة عامة لجميع المسلمين، كما كانت المقبرة مقبرة أهل المدينة البقيع عامة لجميع المسلمين، يدفن هذا الرجل،

стр. 6713

ويدفن إلى جنبه من هو أكبر منه وأعظم قدراً، وهذا هو السنة المتبعة في مقابر المسلمين. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض الناس إذا مات لهم ميت خارج المدينة النبوية أو بداخلها يحرصون على دفنه بالبقيع ويحرصون على أن يكون ميتهم بمقدمة المقبرة ولعلهم يعتقدون أن المقدمة أفضل من المؤخرة ما حكم ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الميت قريباً من المدينة فإحضاره للبقيع طيب وحسن، لأن النبي ﷺ قال: "اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد"، أما إذا كان بعيداً فلا. أما اختيارهم بأن يكون في مقدمة المقبرة ظنًّا منهم أنه أفضل، فهذا لا أصل له، فالمقبرة سواء أولها وآخرها. * * *

стр. 6714

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: يوجد في بعض المناطق ظاهرة منتشرة وهي: أنه بعد موت الميت ودفنه يقوم أحد الحاضرين عند القبر ويطلب من الناس الجلوس على الركب فيلقي كلمة يحث فيها الناس على الالتزام بالدين، وبعد ذلك يدعو للميت بصوت مرتفع فيؤمن الحاضرون على دعائه فما حكم هذا العمل أثابك الله؟ فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. إن طلب أحد الحاضرين من مشيعي الجنازة أن يجثوا على الركب، ثم يلقي كلمة يحث الناس فيها على الالتزام بالدين، ثم يدعو للميت ويؤمن الحاضرون على ذلك، أقول إن طلب ذلك، وإلقاء الموعظة عليهم، ثم الدعاء للميت، من البدع المحدثة التي لم تكن معروفة في عهد النبي ﷺ ولا عهد السلف الصالح، وقد ثبت عن النبي ﷺ التحذير من البدع، وبيان أن كل بدعة ضلالة، ولم يكن يعرف عن النبي ﷺ أنه كان يقوم خطيباً يعظ الناس لا قبل دفن الميت، ولا بعده، وغاية ما ورد عنه في الموعظة أنه أتى أصحابه ﵃ وهم في البقيع في جنازة يلحد لها فجلس النبي ﷺ وجلس أصحابه حوله كأن على رؤوسهم الطير،

стр. 6715

ومعه عود ينكت به الأرض فرفع رأسه وقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين، ثم حدثهم عن حال الميت حين موته، وبعد دفنه، في حديث طويل رواه الإمام أحمد ﵀ وغيره عن البراء بن عازب ﵁ وروى البخاري ﵀ نحوه من حديث علي ﵁. وأما دعاؤه للميت بعد الدفن فقد كان إذا فرغ من دفنه وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يسأل". ولم يكن ﷺ يدعو بصوت مرتفع يؤمن الناس عليه. ولا ريب أن خير الهدي هدي محمد ﷺ ولو كانت هذه الأمور المحدثة خيراً لكان أسبق الناس إليها رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃. فعلى إخواننا المسلمين أن يتمشوا في أحيائهم وأمواتهم على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الأَْخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ . وفق الله الجميع للإخلاص في القصد والاتباع في العمل، وأعاذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن إنه سميع الدعاء. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٤/٣/١٤١٨ هـ.

стр. 6716

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يوجد في بعض المناطق ظاهرة وهي زراعة الأشجار وبعض النباتات على القبر أو حوله ويتعاهد بعض الناس سقايتها ورشها بالماء بحيث إن الداخل إلى المقبرة يجدها مليئة بالأشجار والنباتات الأخرى المزروعة، فما حكم ذلك جزاكم الله خيراً؟ فأجاب فضيلته بقوله: المقبرة مدفن الموتى، وليست أرض زراعة، ولكن لعل هؤلاء يريدون أن يتشبهوا بالنبي ﷺ حين مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير أي في أمر شاق عليهما أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الا?خر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة فقيل: لم صنعت هذا؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". فإن كان هذا مرادهم فقد أخطأوا من وجوه: الأول: أنه ليس من هدي النبي ﷺ أن يفعل ذلك في كل قبر وإنما فعله في قبرين كشف له أنهما يعذبان، ففعل هذا في كل ميت بدعة مخالفة لما كان عليه النبي ﷺ . الثاني: أنه إساءة ظن بالميت بأنه يعذب، فيكون قدحاً في الميت، لأن النبي ﷺ علل وضع الجريدة بأنهما يعذبان، أفيعتقد هؤلاء أن آباءهم، أو أمهاتهم، أو أبناءهم، أو أقاربهم، أو أصحابهم كانوا يعذبون؟!

стр. 6717

الثالث: أن الماء الذي تسقى به هذه الأشجار سوف ينزل إلى قاع قبر الميت، وقد ذكر بعض العلماء أن القبر ينبش إذا كان حوله ماء تلحق الميت منه نداوة، كما في الغاية وشرحها ١/٧١٩ فكيف بمن يصبون الماء حوله فينزل إليه؟! فنصيحتي لهؤلاء أن يتركوا هذا الفعل ويريحوا ميتهم وأنفسهم من هذا العناء، والله الموفق. ١٤/٣/١٤١٨ هـ. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل المسلم إذا دخل الجنة يتعرف على أقاربه الذين في الجنة؟ وهل يذكر أهله بعد موته ويعرف أحوالهم؟ فأجاب فضيلته بقوله: أما الشطر الأول من السؤال وهو إذا دخل الإنسان الجنة هل يتعرف على أقاربه فجوابه: نعم، يتعرف على أقاربه وغيرهم من كل ما يأتيه سرور قلبه لقول الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَْنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَْعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتَلَذُّ الأَْعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . بل الإنسان يجتمع بذريته في منزلة واحدة، إذا كان في الذرية دون منزلته، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ . وأما الشق الثاني من السؤال وهو: معرفة الميت ما يصنعه أهله في الدنيا، فإنني لا أعلم في ذلك أثراً صحيحاً يعتمد عليه،

стр. 6718

ولكن بعض الوقائع تدل على أن الإنسان قد يعرف ما يأتي على أهله، فقد حدثني شخص أنه بعد موت أبيه أضاع وثيقة له، وصار يطلبها ويبحث عنها فرأى في المنام أن أباه يكلمه من نافذة المجلس ويقول له: إن الوثيقة مكتوبة في أول صفحة من الدفتر الفلاني، لكن الورقة لاصقة بجلدة الدفتر فافتح الورقة تجد الوثيقة في ذلك المكان. ففعل الرجل فرآها كما ذكر أبوه. وهذا يدل على أن الإنسان قد يكون له علم بما يصنعه أهله من بعده. والله أعلم * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل تصح كلمة المرحوم للأموات مثلاً أن نقول المرحوم فلان؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان القائل وهو يتحدث عن الميت قال: "المرحوم، أو المغفور له" أو ما أشبه ذلك، خبراً فإنه لا يجوز؛ لأنه لا يدري هل حصلت له الرحمة أم لم تحصل له، والشيء المجهول لا يحل للإنسان الجزم به؛ لأن هذه شهادة له بالرحمة والمغفرة من غير علم، والشهادة من غير علم محرمة. وأما إذا قال ذلك على وجه الدعاء والرجاء، بأن الله يرحمه، فإن ذلك لا بأس به، ولا حرج فيه، ولا فرق بين أن تقول المرحوم، أو فلان ﵀؛ لأن كلتا الكلمتين صالحتان للخبر وللدعاء، فهو على حسب نية القائل، ولا شك أن الذين يقولون: "فلان المرحوم، أو المغفور له" لا يريدون بذلك الخبر والشهادة بأنه مرحوم أو مغفور له، وإنما يريدون بذلك الرجاء والتفاؤل والدعاء، وعلى هذا فهذه الكلمة لا حرج ولا بأس فيها.

стр. 6719

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن قول "فلان المرحوم " أو "تغمده الله برحمته" أو "انتقل إلى رحمة الله"؟ فأجاب فضيلته بقوله: قول "فلان المرحوم" أو "تغمده الله برحمته" لا بأس بها؛ لأن قولهم: "المرحوم" من باب التفاؤل والرجاء، وليس من باب الخبر، وإذا كان من باب التفاؤل والرجاء فهو لا بأس به. وأما قولهم: "انتقل إلى رحمة الله" فهو كذلك فيما يظهر لي أنه من باب التفاؤل، وليس من باب الخبر، إلا أن هذا من أمور الغيب ولا يمكن الجزم به، وكذلك لا يقال: "انتقل إلى الرفيق الأعلى". * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم قول: "البقية في حياتك " عند التعزية ورد أهل الميت بقولهم: "حياتك الباقية"؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا أرى فيها مانعاً إذا قال الإنسان "البقية في حياتك"، ولكن الأولى أن يقال: "إن في الله خلفاً من كل هالك، إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فاصبر واحتسب" لأن المحافظة على الألفاظ النبوية في التعزية وغيرها أولى، كذلك الرد عليه إذا غير المعزي هذا الأسلوب فسوف يتغير الرد. * * *

стр. 6720

سئل فضيلة الشيخ: ما حكم قولهم "دفن في مثواه الأخير "؟ فأجاب فضيلته بقوله: قول القائل "دفن في مثواه الأخير" حرام ولا يجوز؛ لأنك إذا قلت في مثواه الأخير فمقتضاه أن القبر آخر شيء له، وهذا يتضمن إنكار البعث، ومن المعلوم لعامة المسلمين أن القبر ليس آخر شيء، إلا عند الذين لا يؤمنون باليوم الا?خر، فالقبر آخر شيء عندهم، أما المسلم فليس آخر شيء عنده القبر، وقد سمع أعرابي رجلاً يقرأ قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فقال: "والله ما الزائر بمقيم" لأن الذي يزور يمشي فلابد من بعث وهذا صحيح. لهذا يجب تجنب هذه العبارة فلا يقال عن القبر إنه المثوى الأخير، لأن المثوى الأخير إما الجنة، وإما النار في يوم القيامة. * * * سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن قول الإنسان إذا سئل عن شخص قد توفاه الله قريباً قال: "فلان ربنا افتكره"؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مراده بذلك أن الله تذكر ثم أماته فهذه كلمة كفر، لأنه يقتضي أن الله ينسى، والله لا ينسى، كما قال موسى ﵊، لما سأله فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الاُْولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى

стр. 6721

فِىكِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى﴾ . فإذا كان هذا جاهلاً ولا يدري ويريد بقوله: "أن الله افتكره" يعني أخذه فقط فهذا لا يكفر، لكن يجب أن يُطهر لسانه عن هذا الكلام، لأنه كلام موهم لنقص رب العالمين ويجيب بقوله: "توفاه الله" أو نحو ذلك. * * *

стр. 6722

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم قول: (إلى روح الفقيد، أيتها الروح المقيمة فينا) ؟ فأجاب فضيلته بقوله: بعض الناس يقول إذا عمل عملاً صالحاً هذا هدية إلى روح فلان أو لروح فلان، وهذه الكلمة لا حاجة لها؛ لأن الإنسان ينوي العمل للشخص المسلم قبل أن يبدأ به، ونيته في قلبه تغني عن التلفظ، لكن لو تلفظ وقال: اللهم اجعل ثواب ما أعمله لفلان فلا حرج. أما قولهم: روح الفقيد بيننا، فلا يحل لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ونحن لا نعلم أن روح الفقيد بيننا، أو فينا، لذلك يكون هذا القول داخلاً فيما نهى الله عنه. * * * رسالة من ... إلى سماحة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين وفقه الله إلى كل خير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: لقد انتشر في هذا الزمن كثير من الأمور المشتبه فيها والتي تتعلق بالجنازة وتشييعها، نرجو من سماحتكم أن تبينوا للناس الحكم الشرعي فيها وجزاكم الله خيراً، وهي كما يأتي: ١ نقل الميت من بلد إلى آخر وتكرار الصلاة عليه في أكثر من مسجد. ٢ اصطفاف أقارب الميت أو من سيقوم بدفنه مع الإمام حال الصلاة مع سعة المكان. ٣ دخول المشيعين المقبرة بسياراتهم من غير حاجة وسبق الجنازة إليها مما يسبب ازدحام السيارات وإذهاب الخشوع المقصود من تشييع الجنازة وزيارة القبور. ٤ تسليم الناس بعضهم على بعض وتبادل التحيات مع المعانقة والمصافحة في داخل المقبرة. ٥ التحدُّث في أمور الدنيا. ٦ بقاء أهل الميت في المنزل لاستقبال المعزين لمدة ثلاثة أيام مع الإعلان في الصحف عن مكان العزاء وكتابة

стр. 6723

المراثي فيها وإقامة الولائم أثناء العزاء لأهل الميت من أقاربهم وغيرهم. أثابكم الله ونفعنا وجميع المسلمين بعلمكم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ ... حفظه الله تعالى وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. كتابكم المؤرخ ٢٢/٢١ من السنة الماضية وصل، وما تضمنه من الأسئلة فإليكم جوابها سائلين الله تعالى أن يوفقنا للصواب. ١ نقل الميت من بلد إلى آخر وتكرار الصلاة عليه، إن كان المقصود به تكرار الصلاة عليه فهذا بدعة منكرة مخالفة لهدي السلف الصالح، ومخالفة لأمر النبي ﷺ بالإسراع بالميت، وفيها فتح باب لتباهي الناس بأمواتهم، حتى يكون تشييع الميت كأنه حفل عرس. ويغني عنه أن يصلى عليه في البلد الآخر صلاة الغائب إن قلنا بمشروعيتها. والصحيح أنه لا يصلى على الميت صلاة الغائب إلا من مات في محل لم يصل عليه فيه، أو بأمر الإمام. أما الأول فلأن النبي ﷺ صلى على النجاشي صلاة الغائب، وأما الثاني فلئلا يشق عصا الطاعة في أمر اجتهادي. وإن قصد بنقل الميت اختيار أن يدفن في بلد آخر إما لكون

стр. 6724

الدفن فيه أفضل، أو لكون أهله فيه ونحو ذلك فهذا لا بأس به، لكن إن منع منه الإمام خوفاً من تزاحم الناس على المكان الفاضل، وضيق المكان، والعجز عن القيام بواجب الدفن فلا ينقل، وكذلك لو كان يتحمل نفقات باهظة تضر بحق الورثة في التركة ونحو ذلك. وربما يكون النقل واجباً كما لو مات بدار كفار ليس فيها مقابر للمسلمين ولا يمكن دفنه في هذه الدار في مكان آخر فإنه لابد من نقله إلى بلاد المسلمين. وأما نقل الميت من مسجد إلى آخر في البلد ليصلى عليه في عدة مساجد فهو أيضاً من البدع المنكرة، وفيه من المحذور ما سبق والميت يؤتى إليه، ولا يطاف به بين الناس ليصلى عليه. ٢ اصطفاف أقارب الميت مع الإمام حين الصلاة عليه إن كان المكان ضيقاً لا يمكنهم أن يصطفوا خلف الإمام ولو بينه وبين الصف الأول فلا بأس، لأن هذا حاجة، ويقفون عن يمين الإمام وعن شماله، وإن كان المكان واسعاً فلا يصفون مع الإمام، لأن هذا خلاف السنة في صلاة الجماعة، لكن رأينا بعض أقارب الميت يتقدمون عمداً ليصفوا مع الإمام ظنًّا منهم أن هذا سنة، وهذا غلط ينبغي للأئمة أن ينبهوا عليه، ويبينوا للناس أن هذا ليس من السنة. ٣ دخول السيارات للمقبرة من غير حاجة لا ينبغي؛ لأنها أحياناً تضيق على الناس، وتجعل مشهد الجنائز كمشهد الأعراس مما ينسي الناس تذكرة الا?خرة. ٤ لا أعلم أصلاً عن السلف فيما يصنعه الناس أخيراً من المصافحة والمعانقة عند التعزية، وكذلك الاصطفاف للمعزين

стр. 6725

لكن بعض الناس قالوا: إنهم يصطفون من أجل راحة المعزين حتى لا يتعبوا في طلب أهل الميت، لاسيما إذا كان المشيعون كثيرين، وأهل الميت ذوي عدد، وهذا ربما يكون غرضاً صحيحاً، وإن كان لا يعجبني فعلهم. ٥ التحدُّث في أمر الدنيا لمتبعي الجنازة مخالف لما ينبغي أن يكون المتبع عليه من التفكُّر في حاله ومآله، وأنه الا?ن يشيع الموتى وغداً يشيعه الأحياء، ولا يدري متى يكون، ثم إن فيه كسراً لقلوب المصابين بالميت من أقاربه وأصدقائه، وقد كره بعض العلماء لمتبع الجنازة أن يتحدث في أمر الدنيا، وأن يجلس إلى صاحبه يمازحه ويضاحكه، ولهذا كان النبي ﷺ يجلس إلى أصحابه ﵃ في المقبرة قبل أن يتم اللحد، فيحدثهم بما يناسب، ففي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس (أي رأسه) فجعل ينكت بمخصرته وذكر الحديث، وفي المسند وسنن أبي داود وغيرهما من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثاً، ثم حدثهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن حال المؤمن وحال الكافر عند الموت، وبعده. وهو
следующие страницы →