Полный текст (10 899 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.
стр. 6721
فِىكِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى﴾ . فإذا كان هذا جاهلاً ولا يدري ويريد بقوله: "أن الله افتكره" يعني أخذه فقط فهذا لا يكفر، لكن يجب أن يُطهر لسانه عن هذا الكلام، لأنه كلام موهم لنقص رب العالمين ويجيب بقوله: "توفاه الله" أو نحو ذلك.
* * *
стр. 6722
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم قول: (إلى روح الفقيد، أيتها الروح المقيمة فينا) ؟
فأجاب فضيلته بقوله: بعض الناس يقول إذا عمل عملاً صالحاً هذا هدية إلى روح فلان أو لروح فلان، وهذه الكلمة لا حاجة لها؛ لأن الإنسان ينوي العمل للشخص المسلم قبل أن يبدأ به، ونيته في قلبه تغني عن التلفظ، لكن لو تلفظ وقال: اللهم اجعل ثواب ما أعمله لفلان فلا حرج.
أما قولهم: روح الفقيد بيننا، فلا يحل لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ونحن لا نعلم أن روح الفقيد بيننا، أو فينا، لذلك يكون هذا القول داخلاً فيما نهى الله عنه.
* * *
رسالة
من ... إلى سماحة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين وفقه الله إلى كل خير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
لقد انتشر في هذا الزمن كثير من الأمور المشتبه فيها والتي تتعلق بالجنازة وتشييعها، نرجو من سماحتكم أن تبينوا للناس الحكم الشرعي فيها وجزاكم الله خيراً، وهي كما يأتي:
١ نقل الميت من بلد إلى آخر وتكرار الصلاة عليه في أكثر من مسجد.
٢ اصطفاف أقارب الميت أو من سيقوم بدفنه مع الإمام حال الصلاة مع سعة المكان.
٣ دخول المشيعين المقبرة بسياراتهم من غير حاجة وسبق الجنازة إليها مما يسبب ازدحام السيارات وإذهاب الخشوع المقصود من تشييع الجنازة وزيارة القبور.
٤ تسليم الناس بعضهم على بعض وتبادل التحيات مع المعانقة والمصافحة في داخل المقبرة.
٥ التحدُّث في أمور الدنيا.
٦ بقاء أهل الميت في المنزل لاستقبال المعزين لمدة ثلاثة أيام مع الإعلان في الصحف عن مكان العزاء وكتابة
стр. 6723
المراثي فيها وإقامة الولائم أثناء العزاء لأهل الميت من أقاربهم وغيرهم.
أثابكم الله ونفعنا وجميع المسلمين بعلمكم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ ... حفظه الله تعالى
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
كتابكم المؤرخ ٢٢/٢١ من السنة الماضية وصل، وما تضمنه من الأسئلة فإليكم جوابها سائلين الله تعالى أن يوفقنا للصواب.
١ نقل الميت من بلد إلى آخر وتكرار الصلاة عليه، إن كان المقصود به تكرار الصلاة عليه فهذا بدعة منكرة مخالفة لهدي السلف الصالح، ومخالفة لأمر النبي ﷺ بالإسراع بالميت، وفيها فتح باب لتباهي الناس بأمواتهم، حتى يكون تشييع الميت كأنه حفل عرس. ويغني عنه أن يصلى عليه في البلد الآخر صلاة الغائب إن قلنا بمشروعيتها.
والصحيح أنه لا يصلى على الميت صلاة الغائب إلا من مات في محل لم يصل عليه فيه، أو بأمر الإمام.
أما الأول فلأن النبي ﷺ صلى على النجاشي صلاة الغائب، وأما الثاني فلئلا يشق عصا الطاعة في أمر اجتهادي.
وإن قصد بنقل الميت اختيار أن يدفن في بلد آخر إما لكون
стр. 6724
الدفن فيه أفضل، أو لكون أهله فيه ونحو ذلك فهذا لا بأس به، لكن إن منع منه الإمام خوفاً من تزاحم الناس على المكان الفاضل، وضيق المكان، والعجز عن القيام بواجب الدفن فلا ينقل، وكذلك لو كان يتحمل نفقات باهظة تضر بحق الورثة في التركة ونحو ذلك.
وربما يكون النقل واجباً كما لو مات بدار كفار ليس فيها مقابر للمسلمين ولا يمكن دفنه في هذه الدار في مكان آخر فإنه لابد من نقله إلى بلاد المسلمين.
وأما نقل الميت من مسجد إلى آخر في البلد ليصلى عليه في عدة مساجد فهو أيضاً من البدع المنكرة، وفيه من المحذور ما سبق والميت يؤتى إليه، ولا يطاف به بين الناس ليصلى عليه.
٢ اصطفاف أقارب الميت مع الإمام حين الصلاة عليه إن كان المكان ضيقاً لا يمكنهم أن يصطفوا خلف الإمام ولو بينه وبين الصف الأول فلا بأس، لأن هذا حاجة، ويقفون عن يمين الإمام وعن شماله، وإن كان المكان واسعاً فلا يصفون مع الإمام، لأن هذا خلاف السنة في صلاة الجماعة، لكن رأينا بعض أقارب الميت يتقدمون عمداً ليصفوا مع الإمام ظنًّا منهم أن هذا سنة، وهذا غلط ينبغي للأئمة أن ينبهوا عليه، ويبينوا للناس أن هذا ليس من السنة.
٣ دخول السيارات للمقبرة من غير حاجة لا ينبغي؛ لأنها أحياناً تضيق على الناس، وتجعل مشهد الجنائز كمشهد الأعراس مما ينسي الناس تذكرة الا?خرة.
٤ لا أعلم أصلاً عن السلف فيما يصنعه الناس أخيراً من المصافحة والمعانقة عند التعزية، وكذلك الاصطفاف للمعزين
стр. 6725
لكن بعض الناس قالوا: إنهم يصطفون من أجل راحة المعزين حتى لا يتعبوا في طلب أهل الميت، لاسيما إذا كان المشيعون كثيرين، وأهل الميت ذوي عدد، وهذا ربما يكون غرضاً صحيحاً، وإن كان لا يعجبني فعلهم.
٥ التحدُّث في أمر الدنيا لمتبعي الجنازة مخالف لما ينبغي أن يكون المتبع عليه من التفكُّر في حاله ومآله، وأنه الا?ن يشيع الموتى وغداً يشيعه الأحياء، ولا يدري متى يكون، ثم إن فيه كسراً لقلوب المصابين بالميت من أقاربه وأصدقائه، وقد كره بعض العلماء لمتبع الجنازة أن يتحدث في أمر الدنيا، وأن يجلس إلى صاحبه يمازحه ويضاحكه، ولهذا كان النبي ﷺ يجلس إلى أصحابه ﵃ في المقبرة قبل أن يتم اللحد، فيحدثهم بما يناسب، ففي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس (أي رأسه) فجعل ينكت بمخصرته وذكر الحديث، وفي المسند وسنن أبي داود وغيرهما من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثاً، ثم حدثهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن حال المؤمن وحال الكافر عند الموت، وبعده. وهو
стр. 6726
حديث طويل عظيم، وبه وبحديث علي نعرف أن المشروع لمتبعي الجنائز أن يكون حديثه فيما يتعلق بالموت وما بعده.
هذا وقد أخذ بعض الناس من الحديثين أنه ينبغي أن يعظ الناس في هذه الحال، فيقوم خطيباً بين الناس يتكلم بما يتكلم به، لكن لا وجه لأخذه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقم خطيباً في أصحابه، بل كان جالساً بينهم يتحدث إليهم حديث الجالس إلى من كان بجنبه؛ لأنه إما أن يسكت، أو يتكلم بأمر لا يناسب المقام، أو يتكلم بما يناسب المقام وهذا هو الحاصل من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
٦ بقاء أهل الميت في المنزل لاستقبال المعزين ليس معروفاً في عهد السلف الصالح، ولهذا صرح بعض العلماء بأنه بدعة، وقال في (الإقناع وشرحه) : ويكره الجلوس لها أي للتعزية بأن يجلس المصاب في مكان ليعزوه. ولما ذكر حكم صنع الطعام لأهل الميت قال: وينوي فعل ذلك لأهل الميت لا لمن يجتمع عندهم فيكره؛ لأنه معونة على مكروه، وهو اجتماع الناس عند أهل الميت، نقل المروذي عن أحمد، هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديداً، ثم ذكر حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة". وقال النووي في (شرح المهذب) : وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته،
стр. 6727
ونقله أبو حامد في (التعليق) وآخرون عن نص الشافعي قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم. ا. هـ.
ثم إن فتح أهل الميت الباب ليأتيهم من يعزيهم كأنما يقولون للناس بلسان الحال: يا أيها الناس إنا قد أصبنا فعزونا، وكونهم يعلنون في الصحف عن مكان العزاء هو دعوة بلسان المقال أيضاً. وهل من السنة إعلان المصيبة ليعزى لها؟ أليس الواجب على المرء أن يصبر لحكم الله وقضائه، وأن يجعل ذلك بينه وبين ربه، وأن يتعزى بالله تعالى عن كل هالك؟! ثم إن الأمر قد تطور في بعض المناطق إلى أن تُهيأ السرادق، وتصف الكراسي، وتضاء الأنوار، ويكثر الداخل والخارج حتى لا تكاد تفرق بين هذا وبين وليمة العرس، وربما استأجروا قارئاً يقرأ كما يزعمون لروح الميت مع أن الإجارة على هذا فاسدة، والقارىء الذي قرأ من أجل المال لا ثواب له، فيكون في هذا إضاعة للمال، وإغراء لهؤلاء القرَّاء على الإثم.
فإن قال قائل: أليس قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاء خبر قتل جعفر وصاحبيه جلس في المسجد يعرف فيه الحزن؟
فالجواب: بلى، ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجلس ليعزيه الناس، ولذلك لم يبلغنا أن أحداً جلس عنده
стр. 6728
ليعزيه، فليس فيه دليل لفتح أبواب البيوت والجلوس لتلقي العزاء.
وأما الإعلان عن موت الميت في الصحف فإن كان لمصلحة مثل أن يكون الميت واسع المعاملة مع الناس بين أخذ وإعطاء وأعلن موته لعل أحداً يكون له حق عليه فيقضى أو نحو ذلك فلا بأس. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٤/١/١٤١٨ هـ.
* * *
стр. 6729
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:
فقد كتب أحد الكتاب مقالاً دعا فيه أحد المصابين بحادث للتوبة إلى الله ، وجاء فيه العبارة الا?تية: (.. أتمنى بعد أن يمن الله بالشفاء العاجل على (فلان) أن يولي وجهه إلى البيت الحرام يؤدي شعيرة العمرة شكراً لمولاه وينطلق زائراً للمسجد النبوي الشريف ويصلي في الروضة ويقف أمام قبر المصطفى يجدد البيعة القلبية والفكرية ويعلن البراء من كل تقصير) انتهى. فما رأيكم في هذا؟ والله يحفظكم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا شك أن الإنسان إذا منَّ الله عليه بحصول نعمة، أو اندفاع نقمة، فأخرج مالاً، أو صلى، أو عمل عملاً صالحاً، شكراً لله تعالى على منته بذلك فلا حرج؛ لأن العمل الصالح من الشكر؛ ولأن أبا لبابة أخرج بعض ماله لما منَّ الله عليه بالتوبة، لكن كونه يقف أمام
стр. 6730
قبر النبي ﷺ يجدد البيعة، ويعلن البراء من كل تقصير هو البدعة المنكرة؛ لأن النبي ﷺ ميت ولا يمكن أن يبايع أحداً بعد موته، ويعلن أمام قبره البراء من كل تقصير، فالتوبة تكون بين العبد وبين ربه ﵎. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٤/٤/١٤١٨ هـ.
стр. 6731
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل لمن يموت بسبب إصابته بعين، فضل أو زيادة أجر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم أن له زيادة أجر أو فضل؛ لأن هذا من الأمور التي يبتلي الله بها العبد، اللهم إلا أن يقال هذا يشبه مَنْ مات بغرق أو حرق، وعلى كل يرجى له الخير، أما الجزم بذلك فلا نستطيع الجزم به.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: شخص مصاب بمرض أعصاب مزمن حسب كلام الطبيب، وسبب له هذا المرض كثيراً من المشاكل، منها: رفع الصوت على الوالدين، وقطيعة الرحم، ووجود القلق والخجل والخوف، فهل تُرفَع عنه التكاليف الشرعية؟ وهل عليه شيء في أعماله تلك؟ وبماذا تنصحونه جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تُرفَع عنه الأحكام الشرعية مادام عقله باقياً، أما لو فقد عقله ولم يستطع السيطرة على عقله حينئذ يكون معذوراً، والذي أنصحه به أن يكثر من الدعاء، ومن ذكر الله ، ومن الاستغفار، ومن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عندما يثور غضبه لعل الله أن يكشف عنه.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يصاب الإنسان أحياناً بهموم وغموم فما الأشياء التي تزيل الهموم
стр. 6732
والغموم التي تصيب المسلم؟ وهل يشرع أن يرقي الإنسان نفسه؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: يجب أن تعلم أن الهموم والغموم التي تصيب المرء هي من جملة ما يُكفّر عنه بها ويُخفّف عنه من ذنوبه، فإذا صبر واحتسب أثيب على ذلك، ومع هذا فإنه لا حرج على الإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة لزوال الهم والغم، كحديث ابن مسعود ﵁ الذي أخرجه أهل السنن بسند صحيح: "اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي". فإن هذا من أسباب فرج الهم والغم. وكذلك قوله تعالى: ﴿لاَّ اله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . فإن يونس ﵊ قالها: قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذالِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ . ولا حرج أن يرقي الإنسان نفسه، فإن الرسول ﵊ كان يرقي نفسه بالمعوذات عند منامه ينفث بيديه، فيمسح بهما وجهه وما استطاع من جسده.
стр. 6733
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عمن يتسخَّط إذا نزلت به مصيبة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الناس حال المصيبة على مراتب أربع:
المرتبة الأولى: التسخُّط، وهو على أنواع:
النوع الأول: أن يكون بالقلب، كأن يسخط على ربه يغتاظ مما قدره الله عليه فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالأَْخِرَةَ ذالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالأَْخِرَةَ ذالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
النوع الثاني: أن يكون باللسان، كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وهذا حرام.
النوع الثالث: أن يكون بالجوارح، كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب.
المرتبة الثانية: الصبر، وهو كما قال الشاعر:
والصبر مثل اسمه مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل فيرى أن هذا الشيء ثقيل عليه لكنه يتحمله، وهو يكره وقوعه ولكن يحميه إيمانه من السخط، فليس وقوعه وعدمه سواء عنده وهذا واجب لأن الله تعالى أمر بالصبر فقال: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ
стр. 6734
تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُو?اْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُو?اْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
المرتبة الثالثة: الرضا، بأن يرضى الإنسان بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء فلا يشق عليه وجودها، ولا يتحمل لها حملاً ثقيلاً، وهذه مستحبة وليست بواجبة على القول الراجح، والفرق بينها وبين المرتبة التي قبلها ظاهر؛ لأن المصيبة وعدمها سواء في الرضا عند هذا، أما التي قبلها فالمصيبة صعبة عليه، لكنه صبر.
المرتبة الرابعة: الشكر، وهو أعلى المراتب، وذلك بأن يشكر الله تعالى على ما أصابه من مصيبة، حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته، وربما لزيادة حسناته كما قال ﷺ : "ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ، ولا همٍّ ولا حَزَن، ولا أذى، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه".
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: أحد الصحابة ﵁ لما مات حضر جنازته سبعون ألف ملك، وعندما دفنه الرسول ﷺ قال: "لقد ضُمَّ ضمة ثم فرج عنه" هل هذا حاصل لكل واحد منا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الصحابي هو سعد بن معاذ
стр. 6735
رضي الله عنه وهو سيد الأوس ومعروفة قصته مع بني قريظة الذين كانوا حلفاءه حين غدروا بالنبي ﷺ فغزاهم وحاصرهم أكثر من عشرين ليلة، فلما تعبوا من الحصار سألوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأعطاهم النبي ﷺ ذلك، وكان سعد ﵁ في خيمة له في المسجد؛ لأنه أصيبت أكحله في يوم الأحزاب فبنى عليه الرسول ﷺ قبة يعني خيمة في المسجد ليزوره عن قُرب.
وكان ﵁ لما سمع أن بني قريظة وهم حلفاؤه قد نقضوا العهد قال: اللهم لا تمتني حتى تُقر عيني بهم، يعني بأن يؤخذوا بما نقضوا العهد.
بعد ذلك أرسل إليه النبي ﷺ وقال له: إن حلفاءك أرادوا أن ينزلوا على حكمك، فجاء ﵁ من مسجد النبي ﷺ إلى مكان بني قريظة راكباً على حمار، فلما أقبل قال: "قوموا إلى سيدكم"، فقاموا إليه، ونزل ثم اجتمع رؤساء اليهود بالنبي ﷺ من أجل أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وكان اليهود ينتظرون أن يحكم سعد فيهم بما حكم به عبد الله بن أبي في بني النضير، لكن فرق بين عبد الله بن أبي رأس المنافقين وبين سعد بن معاذ ﵁.
لما حضروا قال: حكمي نافذ عليكم؟ قالوا: نعم. قال: وعلى مَن هنا؟ ولم يقل على النبي ﷺ وهذا من أدبه ما قال: حكمي نافذ على الرسول قال: وعلى من هنا، قال: أحكم فيهم أن تُقتل مقاتلتهم، وتُسبى نساؤهم وذريتهم، فقال النبي ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات"، ثم نفذ حكمه فقتل
стр. 6736
المقاتلة وسبى النساء والذرية.
وبعد ذلك انبعث الدم من جرح سعد بن معاذ ومات ﵁ يعني بقي حتى استجاب الله دعوته؛ أقر الله عينه ببني قريظة حتى صار حكمهم بيده، ولما حكم وانتهت قضيتهم انبعث الدم فمات ﵁ وورد في الصحيح أن عرش الرب جل وعلا اهتز لموته. الله أكبر! وفي ذلك يقول حسان بن ثابت ﵁:
وما اهتز عرش الله من أجل هالك سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو أما الضمة فقد ورد أن القبر ضمه ﵁ ولكن فيما أظن أن هذا الحديث فيه ضعف؛ لأن الأحاديث الصحيحة تدل على أن الرجل إذا سأله الملكان وأجاب بالصواب فسح له في قبره، فإن صح الحديث فالمعنى أنه أول ما دخل ضمه القبر ثم يفسح له، وقد ذكر أن ضمة القبر للمؤمن كضمة الأم الرحيمة لولدها، يعني ليس هو ضمٌّ يُؤلم أو يُؤذي، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من السعداء.
* * *
стр. 6737
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نبذة في تغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والا?خرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، وإمام المتقين، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً.
أما بعد: فهذه نبذ تتعلق بتغسيل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه.
وقبل أن نشرع في المقصود نقدم هذه الفقرات:
١ غسل الميت المسلم وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية، فينبغي لمن قام بذلك أن ينوي أنه مؤد لهذه الفريضة، لينال أجرها وثوابها من الله تعالى. أما الكافر فلا يجوز تغسيله، ولا تكفينه، ولا دفنه مع المسلمين.
٢ الغاسل مؤتمن على الميت فيجب عليه أن يفعل ما يلزم في تغسيله وغيره.
٣ الغاسل مؤتمن على الميت فيجب عليه أن يستر ما رآه فيه من مكروه.
٤ الغاسل مؤتمن على الميت فلا ينبغي أن يمكن أحداً من الحضور عنده إلا من يحتاج إليه لمساعدته في تقليب الميت وصب الماء ونحوه.
٥ الغاسل مؤتمن على الميت فينبغي أن يستعمل الرفق به والاحترام، وأن لا يكون عنيفاً، أو حاقداً عليه عند خلع ثيابه
стр. 6738
وتغسيله وغير ذلك.
٦ لا يغسل الرجل المرأة إلا أن تكون زوجته، ولا المرأة الرجل إلا أن يكون زوجها، إلا من دون سبع سنين فيغسله الرجل والمرأة سواء كان ذكراً أم أنثى.
٧ يستحب للغاسل إذا فرغ أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، فإن لم يغتسل فلا حرج عليه.
* كيفية تغسيل الميت
الواجب في تغسيل الميت أن يغسل جميع جسده بالماء حتى ينقى، والأفضل أن يعمل ما يلي:
١ يضع الميت على الشيء الذي يريد أن يغسله عليه منحدراً نحو رجليه.
٢ يلف خرقة على عورة الميت من السرة إلى الركبة قبل أن يخلع ثيابه لئلا ترى عورته بعد الخلع.
٣ يخلع ثياب الميت برفق.
٤ يلف الغاسل على يده خرقة فيغسل عورة الميت من غير كشف حتى ينقيها، ثم يلقي الخرقة.
٥ يبل خرقة بماء فينظف بها أسنان الميت ومناخره.
٦ يغسل وجه الميت، ويديه إلى المرفقين، ورأسه ورجليه إلى الكعبين، يبدأ باليد اليمنى قبل اليسرى، وبالرجل اليمنى قبل اليسرى.
٧ لا يدخل الماء في فم الميت ولا أنفه اكتفاء بتنظيفهما بالخرقة.
٨ يغسل جسده كله ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك
стр. 6739
حسب حاجة الجسم إلى التنظيف والتنقية، يبدأ بالجانب الأيمن من الجسم قبل الأيسر.
٩ الأفضل أن يخلط الماء الذي يغسله به بسدر؛ لأنه أبلغ في الإنقاء فيضرب الماء المخلوط بالسدر بيده حتى تظهر رغوته، فيغسل بالرغوة رأسه ولحيته، وبالباقي بقية الجسم.
٠١ الأفضل أن يخلط بالغسلة الأخيرة كافوراً (وهو نوع معروف من الطيب) .
١١ إذا كان للميت شعر فإنه يسرح ولا يلبد ولا يقص شيء منه.
٢١ إذا كان الميت امرأة نقض شعرها إن كان مجدولاً، فإذا غسل ونقي جدل ثلاث جدائل، وجعلن خلف ظهرها.
٣١ إذا كانت بعض أعضاء الميت منفصلة فإنها تغسل وتضم إليه.
٤١ إذا كان الميت متفسخاً بحروق أو غيرها، ولا يمكن تغسيله فإنه ييمم عند كثير من أهل العلم، فيضرب الميمم يديه بالأرض ويمسح بهما وجه الميت وكفيه.
* كيفية تكفين الميت
الواجب في تكفين الميت خرقة تغطي جميع بدنه، لكن الأفضل كما يلي:
١ يكفن الرجل في ثلاث خرق بيض، يوضع بعضها فوق بعض، ثم يوضع الميت عليها، ثم يرد طرف العليا من جانب الميت الأيمن على صدره، ثم طرفها من جانبه الأيسر، ثم يفعل باللفافة الثانية، ثم الثالثة كذلك، ثم يرد طرف اللفائف من عند رأسه ورجليه ويعقدها.
стр. 6740
٢ تبخر الأكفان بالبخور، ويذر بينها شيء من الحنوط (والحنوط أخلاط من الطيب يصنع للموتى) .
٣ يجعل من الحنوط على وجه الميت، ومغابنه، ومواضع سجوده.
٤ يوضع شيء من الحنوط في قطن فوق عينيه، ومنخريه، وشفتيه.
٥ يوضع شيء من الحنوط في قطن بين إليتيه، ويشد بخرقة.
٦ تكفن المرأة في خمس قطع: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين. وإن كفنت كما يكفن الرجل فلا حرج في ذلك.
٧ تحل عقد الكفن عند وضع الميت في قبره.
* كيفية الصلاة على الميت
١ يصلى على الميت المسلم صغيراً كان أم كبيراً، ذكراً كان أم أنثى.
٢ يصلى على الحمل إذا سقط وقد بلغ أربعة أشهر، ويفعل به كما يفعل بالكبير فيغسل، ويكفن قبل الصلاة عليه.
٣ لا يصلى على الحمل إذا سقط قبل تمام أربعة أشهر؛ لأنه لم تنفخ فيه الروح، ولا يغسل، ولا يكفن، وإنما يدفن في أي مكان.
٤ يقف الإمام في الصلاة على الميت عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة، ويصلي الناس وراءه.
٥ يكبر في الصلاة على الميت أربع تكبيرات، يقرأ في التكبيرة الأولى بعد التعوذ والبسملة سورة الفاتحة.
стр. 6741
ويصلي على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية فيقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ويدعو للميت بعد التكبيرة الثالثة. والأفضل أن يدعو بما ورد عن النبي ﷺ في ذلك، فإن لم يعرفه دعا بما يعرف.
ويقف بعد الرابعة قليلاً، ثم يسلم، وإن قال قبل السلام: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الا?خرة حسنة، وقنا عذاب النار فلا بأس بذلك.
* كيفية دفن الميت
١ الواجب أن يدفن الميت في قبر يمنعه من السباع متوجهاً إلى القبلة، وكلما عمقه فهو أفضل.
٢ الأفضل أن يكون القبر لحداً، وذلك بأن يحفر للميت حفرة في عمق القبر مما يلي القبلة.
٣ يجوز أن يكون القبر شقًّا، وذلك بأن يحفر للميت حفرة في عمق القبر في وسطه، إذا دعت الحاجة لذلك، بأن تكون الأرض رخوة.
٤ يوضع الميت في قبره على جنبه الأيمن متوجهاً إلى القبلة.
٥ ينصب عليه اللبن نصباً، ويسد ما بينها بالطين المثرى لئلا ينهال التراب على الميت.
٦ يدفن القبر بعد ذلك، ولا يرفع، ولا يشيد بجص أو غيره.
٧ لا يجوز الدفن في ثلاثة أوقات:
١
стр. 6742
إذا طلعت الشمس حتى ترتفع قدر رمح.
٢ إذا وقفت عند الزوال حتى تزول.
٣ إذا بقي عليها مقدار رمح عند الغروب حتى تغرب.
ومقدار الوقتين الأول والأخير نحو ربع ساعة، ومقدار الثاني نحو سبع دقائق.
كتب ذلك محمد الصالح العثيمين في ٢/٢/١٤٢٠ هـ
والحمد لله رب العالمين
стр. 6743
المجلد الثامن عشر
كتاب الزكاة
١ سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما المقصود بالزكاة في اللغة والشرع؟ وما العلاقة بين المفهومين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الزكاة في اللغة الزيادة والنماء، فكل شيء زاد عدداً، أو نما حجماً فإنه يقال له: زكاة، فيقال: زكَّى الزرع إذا نما وطاب، وأما في الشرع فهي: التعبد لله تعالى بإخراج جزء واجب شرعاً في مال معين لطائفة أو جهة مخصوصة.
والعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي: أن الزكاة وإن كان ظاهرها نقص كمية المال، لكن آثارها زيادة المال بركة وكمية، فإن الإنسان قد يفتح الله له من أبواب الرزق ما لا يخطر بباله، إذا قام بما أوجب الله عليه في ماله. قال تعالى: ﴿وَمَآءَاتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللهِ وَمَآ ءاتَيْتُمْ مِّن زكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ﴿يخلفه﴾ أي: يأتي بخلفه وبدله، وقال النبي ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال» ، وهذا أمر مُشاهد فإن الموفقين لأداء ما يجب عليهم في أموالهم يجدون بركة فيما ينفقونه، وبركة في ما بقي عندهم، وربما يفتح الله لهم أبواب رزق يشاهدونها رأي العين بسبب إنفاقهم أموالهم في سبيل الله، ولهذا كانت الزكاة في الشرع ملاقية للزكاة في اللغة من حيث النماء والزيادة، ثم إن في الزكاة أيضاً زيادة أخرى وهي زيادة الإيمان في قلب صاحبها، فإن الزكاة من الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة تزيد من إيمان الرجل؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة أن الأعمال الصالحة من الإيمان،
стр. 6744
وأن الإيمان يزداد بزيادتها، وينقص بنقصها، وهي أيضاً تزيد الإنسان في خلقه فإنها بذل وعطاء، والبذل والعطاء يدل على الكرم والسخاء، والكرم والسخاء لا شك أنه خلق فاضل كريم، بل إن له آثاراً بالغة في انشراح القلب، وانشراح الصدر، ونور القلب وراحته، ومن أراد أن يطلع على ذلك فليجرب الإنفاق، يجد الا"ثار الحميدة التي تحصل له بهذا الإنفاق، ولاسيما فيما إذا كان الإنفاق واجباً مؤكداً كالزكاة، فالزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهي التي تأتي كثيراً مقرونة بالصلاة التي هي عمود الإسلام، وهي في الحقيقة محك تبين كون الإنسان محبًّا لما عند الله ؛ لأن
المال محبوب عند النفوس، وبذل المحبوب لا يمكن إلا من أجل محبوب يؤمن به الإنسان وبحصوله، ويكون هذا المحبوب أيضاً أحب مما بذله، ومصالح الزكاة وزيادة الإيمان بها وزيادة الأعمال وغير ذلك أمر معلوم يحصل بالتأمل فيه أكثر ما ذكرنا الآن.
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما آثار الزكاة التي تنعكس على المجتمع وعلى الاقتصاد الإسلامي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: آثار الزكاة على المجتمع وعلى الاقتصاد الإسلامي ظاهرة أيضاً، فإن فيها من مواساة الفقراء والقيام بمصالح العامة ما هو معلوم ظاهر من مصارف هذه الزكاة، فإن الله قال في مصارف هذه الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وهؤلاء
стр. 6745
الأصناف الثمانية منهم من يأخذها لدفع حاجته، ومنهم من يأخذها لحاجة المسلمين إليه، فالفقراء والمساكين والغارمون لأنفسهم، وابن السبيل والرقاب، هؤلاء يأخذون لحاجتهم، ومنهم من يأخذ لحاجة الناس إليه: كالغارم لإصلاح ذات البين، والعاملين عليها والمجاهدين في سبيل الله، فإذا عرفنا أن توزيع الزكاة على هذه الأصناف يحصل بها دفع الحاجة الخاصة لمن أعطيها، ويحصل بها دفع الحاجة العامة عن المسلمين عرفنا مدى نفعها للمجتمع وفي الاقتصاد تتوزع الثروات بين الأغنياء والفقراء، حيث يؤخذ من أموال الأغنياء هذا القدر ليصرف للفقراء، ففيها توزيع للثروة حتى لا يحصل التضخم من جانب، والبؤس والفقر من جانب آخر، وفيها أيضاً من صلاح المجتمع ائتلاف القلوب، فإن الفقراء إذا رأوا من الأغنياء أنهم يمدونهم بالمال ويتصدقون عليهم بهذه الزكاة التي لا يجدون فيها منة عليهم، لأنها مفروضة عليهم من قبل الله، فإنهم بلا شك يحبون الأغنياء
ويألفونهم، ويرجون ما أمرهم الله به من الإنفاق والبذل، بخلاف إذا ما شح الأغنياء بالزكاة، وبخلوا بها، واستأثروا بالمال، فإن ذلك قد يولد العداوة والضغينة في قلوب الفقراء، ويشير إلى هذا ختم الآية الكريمة التي بها بيان لمصالح الزكاة، يقول الله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ .
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم الزكاة في الإسلام؟ ومتى فرضت ؟
стр. 6746
فأجاب فضيلته بقوله: الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها؛ لقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام» وهي فرض بإجماع المسلمين، فمن أنكر وجوبها فقد كفر، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام، أو ناشىء في بادية بعيدة عن العلم وأهله فيعذر، ولكنه يُعلّم، وإن أصر بعد علمه فقد كفر مرتدًّا، وأما من منعها بخلاً وتهاوناً ففيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يكفر، وهو إحدى روايتين عن الإمام أحمد، ومنهم من قال: إنه لا يكفر، وهذا هو الصحيح، ولكنه قد أتى كبيرة عظيمة، والدليل على أنه لا يكفر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ذكر عقوبة مانع زكاة الذهب والفضة، ثم قال: «حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار» . وإذا كان يمكن أن يرى له سبيلاً إلى الجنة فإنه ليس بكافر؛ لأن الكافر لا يمكن أن يرى سبيلاً له إلى الجنة، ولكن على مانعها بخلاً وتهاوناً من الإثم العظيم ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ﴾ . وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ
стр. 6747
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَاذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ . فعلى المرء المسلم أن يشكر الله على نعمته بالمال، وأن يؤدي زكاته حتى يزيد الله له في ماله بركة ونماء.
وأما قول السائل: متى فرضت الزكاة؟
فجوابه: أن الزكاة فرضت في أصح أقوال أهل العلم بمكة، ولكن تقدير الأنصبة والأموال الزكوية وأهل الزكاة كان بالمدينة.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يقول الله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزكاةَ﴾ فما المراد بالزكاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزكاةَ وَهُمْ بِالأَْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يراد بالزكاة زكاة النفس وهو تطهيرها من الشرك، لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ فيكون قوله: ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزكاةَ وَهُمْ بِالأَْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ تفسيراً لقوله: «للمشركين» بمعنى الذين لا يؤتون أنفسهم زكاتها بالتخلي عن الشرك ووسائله.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بالزكاة زكاة المال، ويكون تركهم للزكاة وتركهم البذل من أوصافهم، وإن كان هذا ليس بزكاة
стр. 6748
لأنه بالنسبة لهم لا يقبل منهم زكاة ولا غيرها ماداموا على شركهم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن شروط وجوب الزكاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: شروط وجوب الزكاة: الإسلام والحرية، وملك النصاب، واستقراره، ومضي الحول إلا في المعشرات.
فأما الإسلام فإن الكافر لا تجب عليه الزكاة، ولا تقبل منه لو دفعها باسم الزكاة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاّ" أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ .
ولكن ليس معنى قولنا: إنها لا تجب على الكافر ولا تصح منه أنه معفي عنها في الآخرة بل إنه يعاقب عليها لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِى جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الُخَآئِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ وهذا يدل على أن الكفار يعذبون على إخلالهم بفروع الإسلام، وهو كذلك.
وأما الحرية فلأن المملوك لا مال له، إذ أن ماله لسيده، لقول النبي ﷺ : «من باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه
стр. 6749
المبتاع» . فهو إذن غير مالك للمال حتى تجب عليه الزكاة، وإذا قدر أن العبد ملك بالتمليك فإن ملكه في النهاية يعود لسيده؛ لأن سيده له أن يأخذ ما بيده، وعلى هذا ففي ملكه نقص ليس بمستقر استقرار أموال الأحرار، فعلى هذا تكون الزكاة على مالك المال، وليس على المملوك منها شيء، ولا يمكن أن تسقط الزكاة عن هذا المال.
وأما ملك النصاب: فمعناه أن يكون عند الإنسان مال يبلغ النصاب الذي قدره الشرع، وهو يختلف باختلاف الأموال، فإذا لم يكن عند الإنسان نصاب فإنه لا زكاة عليه؛ لأن ماله قليل لا يحتمل المواساة.
والنصاب في المواشي مقدر ابتداءً وانتهاءً، وفي غيرها مقدر ابتداءً وما زاد فبحسابه.
وأما مضي الحول: فلأن إيجاب الزكاة في أقل من الحول يستلزم الإجحاف بالأغنياء، وإيجابها فيما فوق الحول يستلزم الضرر في حق الفقراء، فكان من حكمة الشرع أن يقدر لها زمن معين تجب فيه وهو الحول، وفي ربط ذلك بالحول توازن بين حق الأغنياء وحق أهل الزكاة.
وعلى هذا فلو مات الإنسان مثلاً، أو تلف المال قبل تمام الحول سقطت الزكاة، إلا أنه يستثنى من تمام الحول ثلاثة أشياء:
الأول: ربح التجارة.
стр. 6750
الثاني: نتاج السائمة.
الثالث: المعشرات.
أما ربح التجارة فإن حوله حول أصله، وأما نتاج السائمة فحول النتاج حول أمهاته، وأما المعشرات فحولها وقت تحصيلها والمعشرات هي الحبوب والثمار.
مثال ذلك في الربح أن يشتري الإنسان سلعة بعشرة آلاف ريال، ثم قبل تمام حول الزكاة بشهر تزيد هذه السلعة، أو تربح نصف الثمن الذي اشتراها به، فيجب عليه زكاة رأس المال وزكاة الربح، وإن لم يتم للربح حول لأنه فرع، والفرع يتبع الأصل.
وأما النتاج مثل أن يكون عند الإنسان من البهائم نصاب ثم في أثناء الحول يتوالد هذا النصاب حتى يبلغ نصابين، فيجب عليه الزكاة للنصاب الذي حصل بالنتاج وإن لم يتم عليه الحول، لأن النتاج فرع فيتبع الأصل. وأما المعشرات فحولها حين أخذها مثل الحبوب والثمار، فإن الثمار في النخل مثلاً لا يتم عليه الحول حين يجز فتجب الزكاة عند جزه، وكذلك الزرع يزرع ويحصد قبل أن يتم عليه الحول، فتجب الزكاة عند حصاده، لقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُو"اْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ فهذه الأشياء الثلاثة تستثنى من قولنا: إنه يشترط لوجوب الزكاة تمام الحول.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في الفتاوى ص ٣٠٢ هذه الجملة: (الزكاة تصير على رأس المال منه، وعلى المصلحة إن
стр. 6751
كان هو حال وإلا فبقسطه) فما معنى قول الشيخ - رحمه الله تعالى -؟
فأجاب فضيلته بقوله: معنى قول الشيخ - رحمه الله تعالى - أن الدين إن كان حالاًّ وجبت زكاة أصله وربحه، وإن كان مؤجلاً وجبت زكاة أصله، أما ربحه فيجب بقسطه، فمثلاً إذا بعت عليه ما يساوي ألفاً ًبألف ومائتين إلى سنة، وكان حول زكاة الألف يحل في نصف السنة وجب عليك زكاة ألف ومائة فقط عند تمام حول الألف، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يلزم من زكاة الربح إلا ما تم حوله، وقد سبق ما يدل على وجوب الزكاة في الربح وإن لم يتم حوله؛ لأنه تبع لأصله لا يشترط له تمام الحول؛ ولأن الدين ثابت كله بأصله وربحه، والله أعلم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا كان عند الإنسان بيت أو دكان يؤجره فهل يبدأ حول الأجرة للزكاة من حين العقد أو من استلام الأجرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يبتدىء حول الزكاة من العقد؛ لأن الأجرة تثبت بالعقد وإن كانت لا تستقر إلا باستيفاء المنفعة فإذا استوفى المنفعة وقبض الأجرة وقد تم لها سنة أي العقد وجب عليه إخراج زكاتها، وأما إذا قبضها في نصف السنة وأنفقها قبل أن تتم السنة فليس عليه زكاة فيها، فإذا قدر أنه أجر هذا الدكان بعشرة آلاف، ولما مر ستة أشهر أخذ خمسة آلاف ثم أنفقها، فإن الخمسة
стр. 6752
التي أخذها ليس فيها زكاة؛ لأنها لم يتم عليها الحول من العقد، وأما الخمسة الباقية التي يأخذها عند تمام الحول فعليه زكاتها؛ لأنها تم عليها الحول من العقد.
* * *
стр. 6753
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
س ١: والدنا توفي من مدة سنة وخمسة شهور وعنده أراضي، ولما توفي أصبحت الأراضي ملك الورثة، وبعد وفاته بستة شهور قام الورثة ببيع الأراضي وقسموا الورث فيما بينهم، وهذه المبالغ قسمت مدة خمسة شهور هل يزكى على هذه المبالغ وهي لم تكمل سنة؟
س ٢: أيهما أفضل الوضوء بماء بارد أو بماء دافىء في الشتاء؟
أفتونا جزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ج ١: لا زكاة عليكم حتى يحول الحول
ج ٢: الوضوء بالماء الدافىء أفضل.
أملاه محمد الصالح العثيمين في ١١/٩/٢١٤١هـ.
стр. 6754
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن رجل مات وترك مالاً ولم يحل عليه الحول ، وظل هذا المال فترة لم يوزع على الورثة فهل إذا حال الحول عليه تخرج زكاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالنسبة للميت الذي مات قبل أن يتم الحول فلا زكاة عليه، لأنه مات قبل الوجوب، فلا يقضى عنه.
أما بالنسبة للورثة فالذي يبلغ نصيبه نصاباً عليه الزكاة إذا تم الحول على موت مورثه، والذي ماله قليل لا يبلغ النصاب وليس عنده ما يكمله به فإنه لا زكاة عليه.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يشترط في الزكاة مضي الحول فما كيفية إخراج زكاة الرواتب الشهرية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أحسن شيء في هذا أنه إذا تم حول أول راتب استلمه فإنه يؤدي زكاة ما عنده كله، فما تم حوله فقد أخرجت زكاته في الحول، وما لم يتم حوله فقد عجلت زكاته، وتعجيل الزكاة لا شيء فيه، وهذا أسهل عليه من كونه يُراعي كل شهر على حدة، لكن إن كان ينفق راتب كل شهر قبل أن يأتي راتب الشهر الثاني فلا زكاة عليه؛ لأن من شروط وجوب الزكاة في المال أن يتم عليه الحول.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هناك استحقاقات لبعض الموظفين العاملين في قطاعات الدولة المختلفة، وهذه
стр. 6755
الاستحقاقات لا يتم صرفها لمستحقيها في بعض الأحيان إلا بعد مضي عدة سنوات، فهل تجب فيها الزكاة؟ وهل تكون الزكاة لسنة واحدة فقط؟ أم تجب لمجموع السنوات التي أمضتها هذه المبالغ لدى الدولة؟ وفي حالة كون صاحب الاستحقاق عليه دين فهل يزكي على ما استلم من استحقاق وما تبقى يسدد به الدين؟ أم تسقط عنه الزكاة لسداد دينه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قبض الموظف ماله عند الحكومة فإن كان قبل تمام السنة فلا زكاة فيه حتى تتم عليه سنة، وإن قبضه بعد تمام السنة فإنه يزكيه مرة واحدة، سواء مضى عليه سنة واحدة أو سنتان أو أكثر. وسواء كان عليه دين أم لم يكن؛ لأن الدين لا يمنع وجوب الزكاة في الأموال التي بيد المدين على القول الراجح. قاله كاتبه محمد الصالح العثيمين في ٤/٦/١٤١٠ هـ.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم زكاة الديون ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الديون التي في ذمة الناس سواء كانت ثمناً لمبيع، أو أجرة، أو قرضاً، أو قيمة متلف أو أرش جناية، أو غير ذلك مما يثبت في الذمة تنقسم إلى قسمين:
الأول: أن تكون مما لا تجب الزكاة في عينه كالعروض بأن يكون عند الإنسان لشخص ما مئة صاع من البر أو أكثر، فهذا الدين لا زكاة فيه، وذلك لأن الزروع أو الحبوب لا تجب الزكاة في عينها إلا لمن زرعها.
стр. 6756
وأما الثاني: فهي الديون التي تجب الزكاة في عينها كالذهب والفضة، وهذا فيه الزكاة على الدائن لأنه صاحبه، ويملك أخذه والإبراء منه فيزكيه كل سنة إن شاء زكاه مع ماله، وإن شاء أخر زكاته، وأخرجها إذا قبضه، فإذا كان لشخص عند آخر مائة ألف فإن من له المئة يزكيها كل عام، أو فإن الزكاة تجب على من هي له كلها لكنه بالخيار: إما أن يخرج زكاتها مع ماله، وإما أن ينتظر حتى يقبضها ثم يزكيها لما مضى، هذا إذا كان الدين على موسر، فإن كان الدين على معسر فإن الصحيح أن الزكاة لا تجب فيه؛ لأن صاحبه لا يملك المطالبة به شرعاً، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فهو حقيقة عاجز شرعاً عن ماله فلا تجب عليه الزكاة فيه، لكن إذا قبضه فإنه يزكيه سنة واحدة فقط، وإن بقي في ذمة المدين عشر سنوات؛ لأن قبضه إياه يشبه تحصيل ما خرج من الأرض يزكى عند الحصول عليه، وقال بعض أهل العلم: لا يزكيه لما مضى، وإنما يبتدىء به حولاً من جديد، وما ذكرناه أحوط وأبرأ للذمة أنه يزكيه عن سنة واحدة لما مضى، ثم يستأنف به حوله، والأمر في هذا سهل، وليس من الصعب على الإنسان أن يؤدي ربع العشر من دينه الذي قبضه بعد أن أيأس منه، فهذا من شكر نعمة الله عليه بتحصيله. هذا هو القول في زكاة الديون.
والخلاصة أنه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: لا زكاة فيه: وهو إذا كان الدين مما لا تجب الزكاة في عينه، مثل أن يكون في ذمة شخص لا"خر أصواع من البر
стр. 6757
أو كيلوات من السكر أو من الشاي وما أشبه ذلك، فهذا لا زكاة فيه حتى ولو بلغ النصاب.
القسم الثاني: الدين الذي تجب الزكاة في عينه كالذهب والفضة، ولكنه على معسر فهذا لا زكاة فيه إلا إذا قبضه، فإنه يزكيه لسنة واحدة، ثم يستأنف به حولاً، وقيل: إنه يستأنف به حولاً على كل حال، ولكن ما قلناه أولى لما ذكرنا من التعليل.
القسم الثالث: ما فيه الزكاة كل عام، وهو الدين الذي تجب فيه الزكاة لعينه، وهو على موسر، فهذا فيه الزكاة كل عام، ولكن إن شاء صاحب الدين أن يخرج زكاته مع ماله، وإن شاء أخرها حتى يقبضه من المدين.
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن الديون التي في ذمم الناس هل فيها زكاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت الديون على مليء ففيها الزكاة كل عام، لكن صاحبها بالخيار: إن شاء أخرج الزكاة مع زكاة ماله، وإن شاء أخر زكاة الديون حتى يقبضها، فيزكيها لكل ما مضى.
أما إذا كانت الديون على غير مليء فلا زكاة فيها على القول الراجح، لكن إذا قبضها يؤدي زكاة سنة واحدة.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: لي أمانة عند رجل منذ أربع سنوات وزكيت عنها ثلاث سنوات، وطلبت
стр. 6758
الأمانة التي ادخرتها عنده في السنة الأخيرة فلم يعطني شيئاً منها، هل تجب الزكاة في السنة الأخيرة أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأمانة التي للإنسان عند الناس هي في الحكم الموجود في ماله، يجب عليه أن يزكيها إلا إذا منع منها، بمعنى أن الذي كانت عنده قد أنفقها وكان فقيراً، فإنه لا يجب عليك أن تؤدي زكاتها؛ لأن الدين الذي في ذمة الفقراء ليس فيه زكاة لكن إذا قبضتها فزكاها لسنة واحدة، وذلك لأن الديون التي في ذمة الفقراء يجب على أصحابها أن ينظروا هؤلاء الفقراء، وأن لا يطلبوا منهم الوفاء، ولا يطالبوهم به، فإنه لا يجوز للإنسان إذا كان له مدين فقير لا يجوز له أن يقول له: أعطني ديني، ولا يتكلم إليه ولا بربع كلمة، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . ومن المؤسف جداً أن يكون في بعض هذه الأمة من يشبهون اليهود في أكل الربا والعياذ بالله؛ فإن بعض الناس يأكلون الربا ويظلمون الناس، إذا حل الدين على الفقير الذي لا يستطيع وفاءه، ذهب هذا الطالب يتحيل على قلب الدين على الفقير فيدينه ليوفيه ويقلب عليه الدين، أو يقول: استدن من فلان وأوفني. ثم إذا أوفاه دينه مرة ثانية ليوفي الدائن الثاني، وهكذا حتى تنقلب المئات إلى ألوف، والألوف إلى مئات الألوف، ومئات الألوف إلى الملايين على هذا الفقير المعدم. وهؤلاء والعياذ بالله عصوا الله فلم يخافوا منه، ولم يرحموا هؤلاء الفقراء، والواجب عليك إذا كان لك عند فقير معسر دين أن
стр. 6759
تسكت ولا تطلب منه الدين ولا تطالبه به، وأنت إذا طالبته أو طلبته منه فإنك عاصٍ لله .
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عندي مبلغ خمسون ألف ريال ، وأعطيتها والدي ليحفظها وعندما قلت لوالدي: أخرج الزكاة عني. قال: إني قد صرفتها وسأعطيك بدلاً منها فيما بعد. فهل علَّي زكاة أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة مثل المسألة السابقة في الحقيقة، والظاهر من السؤال أن والده أنفقها أخرج هذه الدراهم وبقيت في ذمته، فإذا كانت في ذمة الوالد فمن العلماء من يقول: إن الدين الذي على الوالد لا زكاة فيه؛ لأنه لا يمكن الولد مطالبة أبيه بالدين، فهو كالدين الذي على المعسر، فلا يجب على الإنسان أن يؤدي زكاة دين كان على أبيه؛ لأنه لو أراد أن يطلبه من أبيه أو يطالبه به لم يتمكن من ذلك شرعاً، قال النبي ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» .
وقال بعض العلماء: إن الدين الذي في ذمة الوالد إذا لم ينوِ الوالد تملك هذه الدراهم فإنه تجب زكاته، والاحتياط أن يخرج زكاة الدين الذي في ذمة أبيه، لاسيما إذا كان أبوه موسراً وسهلاً لو أراد أن يستوفيه ولده أعطاه إياه بسرعة، فإنه ينبغي أن تجب الزكاة فيه حينئذ، وهذا أحسن وأولى أن يؤدي الزكاة عن الدين الذي في ذمة
стр. 6760
أبيه، إلا أن يكون الأب معسراً فإن كان معسراً فإنه كغيره من المدينين المعسرين لا تجب الزكاة في الديون التي عليهم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن زكاة الدين ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجب على من له دين على شخص أن يؤدي زكاته قبل قبضه؛ لأنه ليس في يديه، ولكن إن كان الدين على موسر فإن عليه زكاته كل سنة، فإن زكاها مع ماله فقد برئت ذمته، وإن لم يزكها مع ماله وجب عليه إذا قبضها أن يزكيها لكل الأعوام السابقة، وذلك لأن الموسر يمكن مطالبته فتركه باختيار صاحب الدين، أما إذا كان الدين على معسر أو غني لا يمكن مطالبته فإنه لا يجب عليه زكاته لكل سنة، وذلك لأنه لا يمكنه الحصول عليه، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، فلا يمكن أن يستلم هذا المال وينتفع به فليس عليه زكاته، ولكن إذا قبضه فمن أهل العلم من يقول: يستقبل به حولاً من جديد، ومنهم من يقول: يزكي لسنة واحدة، وإذا دارت السنة يزكيه أيضاً، وهذا أحوط. والله أعلم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا كانت جميع مستحقاتي من مشاريع سواء لدى الحكومة أو لدى الأفراد متأخرة وليس لديّ سيولة إلا من خلال الاقتراض من البنوك بزيادة ربوية فهل يحق لي أن أدفع الزكاة منها أو أنتظر حتى استلام مستحقاتي؟
следующие страницы →