فأجاب فضيلته بقوله: المحارم للمرأة زوجها وكل رجل تحرم عليه تحريماً مؤبداً بقرابة، أو رضاع، أو مصاهرة فهؤلاء هم المحارم، فأما من تحرم عليه تحريما غير مؤبد فليس بمحرم لها، مثل: أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها، فإن أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها يحرمنّ على الرجل ما دامت الزوجة في عصمته تحريماً غير مؤبد، فلا يكن محارم له، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن ينظر إلى أخت زوجته ولا إلى عمة زوجته، ولا إلى خالة زوجته، لأنهنّ من غير المحارم وقوله بنسب أي بقرابة،
والمحرمات بالقرابة سبع مذكورات في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) (١) والمحرمات بالرضاعة كالمحرمات
بالنسب سواء بسواء، لقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) وقول النبي ﷺ " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " (٢) فيحرم على الرجل أمه من
الرضاع، وبنته من الرضاع، وأخته من الرضاع، وعمته من الرضاع، وخالته من الرضاع، وبنت أخيه من الرضاع، وبنت أخته من الرضاع.
وأما المحرمات بالمصاهرة فإنهنّ أربع: أم الزوجة، وبنتها، وزوجة الابن، وزوجة الأب، فأما زوجة الأب، وزوجة
стр. 8227
الابن، وأم الزوجة فيكنّ محارم بمجرد العقد، وأما بنات الزوجة فلا يكن محارم إلا بعد الدخول بالزوجة أي بعد وطئها، وبناء على ذلك فلو أن رجلاً تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يجامعها، وكان لها بنت من غيره فله أن يتزوج هذه البنت بعد أن تنتهي عدة أمها التي طلقها، ولو كان لهذه الزوجة أم لم يحل له أن يتزوج أمها بل هي من محارمه، لأن أم الزوجة لا يشترط لكونها محرمة أن يدخل
بالزوجة بخلاف بنت الزوجة.
س ٢٤٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم سفر المرأة مع غير محرم لها، وهذا الرجل معه أخته مسافة ثلاثمائة كيلومتر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تسافر المرأة إلا مع محرم، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذك، فقال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فسأله رجل وقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا. فقال النبي ﷺ : " انطلق فحج مع امرأتك "
س ٢٤١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا أعمل بالمملكة وأريد أن أحضر الوالدة لكي تحج معي، وهي تبلغ من العمر الخامسة والخمسين ولا يوجد محرم لها يحضرها من مصر أريد بهذا العمل أن أبرها فما حكم هذا العمل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم هذا أن أمه ليس عليها فريضة
стр. 8228
ما دامت لا تجد محرماً، ولا يحرج لا يضيق صدره، فإن الله تعالى قد يسر العبادة، ولهذا نص الله ﵎ على شرط الاستطاعة في الحج فقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (١) والمرأة إذا لم يكن لها محرم فإنها لا تستطيع الحج، إذن أنه لا يجوز لها أن تسافر إلا مع ذي محرم، فإن تيسر له أن يذهب إلى مصر وأن يأتي بها، أو أن تأتي أمه مع محرم لها من هناك ويتلقاهم فهذا خير، وإن لم يتيسر فلا حرج على الجميع.
س ٢٤٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حجت المرأة بدون محرم فهل عليها الحج مرة أخرى ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حجّت المرأة بلا محرم فهي عاصية لله ورسوله، لأن النبي ﷺ قال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا قال: "انطلق فحج مع امرأتك " (٢) لكن الحج مجزىء، يعني لا يلزمها أن تعيده مرة أخرى، بل عليها أن تتوب إلى الله وتستغفر مما حصل منها.
س ٢٤٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل المرأة محرم لامرأة أخرى مع رجل أجنبي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي
стр. 8229
وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، المرأة لا تكون محرماً للمرأة، لكن تزول بها الخلوة، وعلى هذا فإذا سافرت امرأة مع رجل ليس من محارمها ومعها امرأة، فإن ذلك حرام على المرأتين جميعاً، إلا إذا كان الرجل محرماً لإحداهما، فإنه لا يحرم على المرأة التي كان محرماً لها أن تسافر معه، لكنه حرام على المرأة الأخرى، هذا بالنسبة للسفر، لأنه لا يجوز لامرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم. وتهاون بعض الناس في هذه المسألة اليوم مما يؤسف له، فإن بعض
الناس صار يتهاون فتسافر المرأة بلا محرم، ولا سيما في الطائرات (١) ، فالمسألة هذه خطيرة خطيرة جداً، والخلاصة أن أي امرأة تريد سفراً فيجب أن يكون معها محرم بالغ عاقل. أما الخلوة في البلد فلا يجوز للمرأة أن تخلو بالسائق في السيارة، ولو إلى مدى قصير، لقول النبي ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم " (٢) ولكن إذا كان مع المرأة امرأة أخرى وكان السائق أميناً فهنا لا خلوة فلا حرج أن تركب في السيارة هي والمرأة ما دام أن ركوبها ليس سفراً، وحينئذ نقول: زالت الخلوة بالمرأة المصاحبة ولا نقول: إن المرأة المصاحبة تعتبر محرماً، بل نقول: إن الممنوع في البلد أن يخلو الرجل بالمرأة، في خلاف السفر، فالسفر الممنوع أن تسافر المرأة بلا محرم، وبين المسألتين فرق واضح.
стр. 8230
س ٢٤٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم السفر بالطائرة بدون محرم علماً بأن محرمي ودعني في المطار الأول، ثم أستقبلني المحرم الثاني، في المطار الثاني، وذلك بأن سفري كان
ضروريا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أري جواز سفر المرأة بلا محرم، لا في الطائرة، ولا في السيارة، لعموم قول النبي ﷺ : "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم "
فإن قال قائل: إن الطائرة لم تكن معروفة في عهد النبي ﷺ ؟ قلنا: نعم إنها غير معروفة، لكنها معلومة عند الله ، ولو كان الحكم يختلف لبينه الرسول ﷺ بيانا شافياً: إما تصريحاً أو إشارة، فلما لم يصدر فيه شيء من ذلك علمنا بأن سفر المرأة بلا محرم محرّم في الطائرة وغيرها.
وأما قول بعضهم: إن الطائرة بمنزلة السوق بالنسبة للأسواق التي يجتمع فيها الرجال والنساء بدون محرم، فجوابه أن يقال: السوق ليس بسفر، والحكم الشرعي معلق بالسفر، فما دام ركوب الطائرة من بلد إلى بلد يسمى سفراً فهي مسافرة، وأما تعلل بعضهم بأنها في الطائرة آمنة لكون محرمها يشيعا حتى تركب، والآخر يستقبلها إذا وصلت. فهذا ليس بصحيح، أي ليس تعللا صحيحاً، أولاً: أن المحرم يشيع والغالب أنه لا يصل معها إلى ذات الطائر وأنها تبقى في صالة الانتظار ثم تركب مع الناس.
ثانياً: أنه على فرض أنه أوصلها إلى باب الطائرة وركبت أمام عينه، فإن الطائرة قد يعتريها ما يمنعها من الاقلاع إما لخلل فني،
стр. 8231
أو لتغير جوي، أو لأي سبب، وهذا يقع، فإذا قيل للركاب: تفرقوا فمن الذي يؤويها، وإذا قدر أنها أقلعت في الوقت المحدد فهل استمرار سيرها مضمون إلى المطار الذي قصدته؟ غير مضمون، قد يحدث في الجو في أثناء طيرانها ما يمنع هبوطها في المطار الذي قصدته، وقد يكون فيها خلل فني مما يجعلها تذهب يميناً أو شمالا إلى مطارات أخرى، فإذا ذهبت إلى مطارات أخرى، وهبطت في المطار فمن الذي ينتظرها هناك، ثم إذا سلمنا وفرضنا أنها وصلت إلى المطار المقصود بسلام، فمحرمها الذي يقابلها هل نحن نضمن أن يأتي في الوقت المحدد؟ لا، لا نضمن ذلك قد يعتريه نوم، أو مرض، أو خلل في سيارته، أو زحام في الطريق، أو ما أشبه ذلك من الموانع، دلا يأتي في الوقت المحدد، وتبقى إذا نزلت المطار أين تذهب فيحصل بذلك شر، وهذه المسائل وإن كانت نادرة وبالألف مرة واحدة، أو بعشرة آلاف مرة واحدة، لكن ما الذي يمنعنا أن نقول: لا تركب الطائرة إلا بمحرم امتثالا لأمر الرسول ﵊ حيث قال: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " ونسلم من هذه التقديرات كلها.
فنصيحتي لأخواتي ولإخواني المسلمين أن يتقوا الله وأدن يمنعوا نساءهم من السفر إلا بمحرم، والحمد لله الأمر متيسر حتى وإن كان المحرم عنده شغل يمكنه أن يركب بهذه الطائرة ويوصلها إلى أهلها، أو إلى المكان الذي تريده ثم يرجع بطائرة أخرى، أو يكون المحرم الثاني مستقبلاً لها يأخذها معه ويرجع بطائرته. والله الموفق.
стр. 8232
س ٢٤٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة عزمت على أداء فريضة الحج وقطعت تذكرة الطائرة ثم مات زوجها فهل يجوز لها أن تذهب إلى الحج في أثناء عدتها وليس لها محرم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحق لها أن تذهب إلى الحج في أثناء عدتها، بل يجب عليها أن تبقى في البيت الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، ثم تحج في العام القادم. أما لو مات في أثناء الطريق فلا حرج عليها أن تكمل المشوار وتكمل حجها، ثم تعود إلى بلدها فور انتهاء الحج لتقضي العدة في بيتها.
س ٢٤٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للزوج أن يمنع زوجته من أداء فريضة الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للرجل أن يمنع زوجته من فريضة الحج، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإذا كانت الزوجة عندها مال ولها محرم ومستعد بأن يحج بها، وهي لم تؤد الفريضة، فغلط من زوجها أن يمنعها ولها أن تحج مع غيره من محارمها، لكن إن خافت أن يطلقها فإن لها أن تتأخر، لأن طلاقها ضرر عليها، وقد قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (١) .
س ٢٤٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كانت المرأة لا يوجد لها محرم ولم تؤد فريضة الحج، ويوجد نساء يردن الحج
стр. 8233
فهل تحج معهن وهن ملتزمات وموثوقات جداً جداً أم يسقط عنها الحج في هذه الحالة، أرجو الإجابة مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الحج لا يجب على هذه المرأة التي لم تجد محرماً، لقول الله ﵎ (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) وهذه المرأة وإن كانت مستطيعة استطاعة حسية فإنها غير مستطيعة استطاعة شرعية، وذلك أنه لا يحل للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم، لقول ابن عباس- ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فقام رجل قال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "انطلق فحج مع امرأتك " (١) فأمره النبي ﷺ أن يدع الغزوة، وأن ينطلق فيحج مع امرأته، ولم يستفصل النبي ﷺ في هذه الحال: هل المرأة معها نساء ملتزمات؟ وهل هي آمنة أو غير آمنة؟ هل هي شابة أو عجوز؟ فلما لم يستفصل، بل أمر هذا الرجل أن يدع الغزوة ويذهب ليحج مع امرأته. دل ذلك على العموم، وأنه لا يحل لامرأة أن تسافر للحج ولا لغيره إلا مع ذي محرم، حتى وإن كانت آمنة على نفسها، وإن كانت مع نساء، وفي هذه الحال هي غير مستطيعة شرعاً، فلو توفيت ولاقت الله فإنها لا تكون مسئولة عن هذا الحج، لأنها معذورة، لكن من العلماء من قال:
стр. 8234
إن المحرم ليس شرط لوجوب الحج. وعلى هذا فلا يلزمها أن تستنيب من يحج عنها إذا كانت قادرة بمالها، لأن شرط الوجوب إذا انتفى يسقط مثل ما يسقط بانتفاء الوجوب، ومن العلماء من قال: إن المحرم شرط لوجوب الأداء، أي للزوم حجها بنفسها، وبناء على هذا يلزمها أن تستنيب من يحج عنها إذا كان عندها مال، وإذا توفيت فإنه يجب إخراج الحج عنها من تركتها.
فنقول لهذه السائلة: اطمئني فأنت الآن لست آثمة إذا لم تحجي، بل إذا حججتي فأنت آثمة، وإذا مت ليس في ذمتك شيء، لأنك غير مستطيعة شرعاً، وكثير من الناس يكون مشتاقاً إلى الحج ومحباً للحج، فيرتكب بعض المحرمات من أجل تحقيق رغبته وإرادته ومحبته، وهذا غير صحيح، بل الصحيح أن تتبع ما جاء به الشرع في هذه الأمور وفي غيرها، فإذا كان الله تعالى لم يلزمك بالحج فلا ينبغي أن تلزم نفسك بما لا يلزمك، ومثال ذلك: أن بعض الناس يكون في ذمته دين لأحد فتجده يذهب للحج وذمته مشغولة بهذا الدين، مع أن الحج، في هذه الحال لا يجب عليه، بل هو بمنزلة الفقير لا تجب عليه الزكاة، فكذلك هذا الذي عليه الدين لا يجب عليه الحج، ولا يكون آثماً بتركه، ولا مستحقاً للعقاب إذا لاقى الله ، لأنه معذور، فوفاء الدين واجب، والحج مع الدين ليس بواجب، والعاقل لا يقوم بما ليس بواجب ويدع ما هو واجب، لذلك نصيحتي لإخواني
الذين عليهم ديون ولم يحجوا من قبل نصيحتي لهم أن يدعو الحج حتى يغنيهم الله ، ويقضوا ديونهم ثم يحجوا.
стр. 8235
لكن لو كان الدين مؤجلاً، وكان عند الإنسان مال وافر بحيث يضمن لنفسه أنه كل ما حل قسط من هذا الدين فإنه يقضيه، فإنه يحج به ولا بأس بذلك.
س ٢٤٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يتعلل بعض الناس في سفر المرأة لوحدها في الطائرة أن هذه الطائرة موجود فيها كثير من النساء وكثير من الرجال، فيقول: إن الفتنة
مأمونة فما تعليقكم على ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: التعليق على ذلك ليس المقصود الأمن وعدم الأمن، بدليل أن النبي ﷺ لم يستفصل في الحديث الذي ذكرناه آنفاً، ولو كان المدار على الأمن لاستفصل النبي ﷺ عن هذا، ثم إن الأمن ليس مأموناً في سفر الطائرة: أولاً لأن
الطائرة ربما تقلع في الموعد المقرر وربما تتأخر لأسباب فنية أو جوية، فتبقى المرأة في المطار هائمة تائهة، لأن محرمها قد رجع إلى بيته، بناء على أنها دخلت الصالة، أو أذن لهم بركوب الطائرة، ثم تأخرت الطائرة، وإذا قدر أن هذا المحظور زال وأن الطائرة أقلعت متجهة إلى محل هبوطها، فغير المأمون أن تهبط في المكان الذي حدد فيه الهبوط، لأنه يجوز أنه تغير الجو فلا يمكنها الهبوط في المكان المقرر، ثم تذهب الطائرة لمكان آخر لتهبط فيه، وحينئذٍ تبقى هذه المرأة هائمة تائهة، أو تتعلق بمن لا
يؤمن من فتنته، وإذا قدرنا أنها وصلت إلى المطار التي قرر هبوطها فيه، فإن محرمها الذي سيستقبلها قد يعيقه عائق عن
стр. 8236
وصوله للمطار: إما زحام في السيارات، وإما عطل في سيارته وإما نوم، وإما غير ذلك. فلا يأتي في موعد هبوط الطائرة، وتبقى هذه المرأة هائمة تائهة، وإذا كان الحج ليس واجب لمن ليس عندها محرم فالأمر والحمد لله واسع، وليس فيه إثم، ولا ينبغي للمرأة أن تتعب نفسياً من أجل هذا، لأنها في هذه الحال غير مكلفة به، فإذا كان الفقير العادم للمال ليس عليه زكاة وقلبه مطمئن بكونه لا يزكي، فكذلك هذه المرأة التي ليس عندها محرم ينبغي أن يكون قلبها مطمئناً لعدم حجها.
س ٢٤٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم في سفر المرأة علماً بأنه سوف يكون معها محرم حتى المطار الذي تسافر منه، ثم ينتظرها محرم في المطار الذي سوف تصل إليه، فهل يحل لها السفر أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمرأة أن تسافر بدون محرم لا في الطائرة، ولا في السيارة، ولا في السفينة، لعموم قول رسول الله ﷺ الثابت في الصحيحين من حديث ابن عباس- ﵄: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " أو "إلا ومعها ذي محرم " وهذا النهي للتحريم، لأن ذلك هو الأصل فيما نهى الله عنه ورسوله ﷺ .
س ٢٥٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل متزوج وله بنت من غير زوجته فهل والد زوجته محرم لابنته بالنسب
стр. 8237
والمصاهرة أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: والد الزوجة ليس محرماً لبنت زوج ابنته، لأنه لا علاقة بينه وبينها، بل لو شاء أن يتزوجها فله ذلك، نعم ليس بينهما نسب ولا مصاهرة. فالمصاهرة تنحصر في أصول الزوج وفروعه، وأصول الزوجة وفروعها فقط، فأصول الزوج وفروعه حرام على الزوجة، وأصول الزوجة وفروعها حرام على الزوج، وهذا الأربعة يثبت فيها التحريم بمجرد العقد، إلا بنات
الزوج، فلا بد من الدخول لقوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) إلى قوله تعالى: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) (١)
فأنت إذا أردت أن ييسر عليك الأمر فانظر هل من أصول الزوجة وفروعها، أو من أصول الزوج
وفروعه فإذا لم يكن كذلك فلا تحريم.
س ٢٥١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يوجد لدينا خادمة في المنزل بدون محرم، وسوف أقوم بأداء فريضة الحج في العام القادم إن شاء الله، وأود أن اصطحب الخادمة مع عائلتي لأداء
الفريضة متكفلاً بجميع لوازمها، فهل يجوز اصطحابها حيث إن الحج قد لا يتوفر لها أداؤه إلا معنا، أفيدونا وجزاكم الله خيراً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: قبل الرد على هذا السؤال أحذر إخواننا الذين أنعم الله عليهم في هذه البلاد بوفرة المال والخيرات
стр. 8238
من الانهماك في جلب الخادمات، لأن هذا من الترف، بل من الإسراف، حتى إننا نسمع أن بعض الناس لا يكون إلا هو وزوجته في البيت مع تمكن المرأة من القيام بجميع شؤون المنزل، ومع
ذلك يجلب خادمة لهما، فأنا أحذر إخواني من هذا الأمر الجارف الذي أصبح لدينا أمراً يتسابق الناس إليه، تقول زوجته: أريد خادمة. فيذهب ويأتي لها بخادمة. لذا أنصح ألاّ يأتي أحد بخادمة
إلا للضرورة التي لابد منها.
ثم الذي أرى أنه إذا كان هناك ضرورة فلا يجلب الإنسان إلا خادمة مسلمة، لأن الرسول ﷺ أمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وإذا أتى بخادمة، فالذي أراه ألّا تكون شابة جميلة، لأنها محل فتنة لا سيما إذا كان عنده شباب، لأن الشيطان يجر من ابن آدم مجرى الدم (١) ، وألا يجلب الخادمة إلا ومعها محرم، لأنه ﷺ : نهى أن تسافر المرأة بلا محرم.
وإذا كانت بمحرم فلا يرد الإشكال الذي سأل عنه، فمحرمها سوف يحج معها، أما إذا لم يكن معها محرم بأن أتى بها المحرم ثم عاد فلا يحجون بها، بل تبقى عند من يثقون به، فإن لم يكن هناك من يثقون به فتحج معهم للضرورة، وحجها صحيح. والله الموفق.
стр. 8239
س ٢٥٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: ابتلينا بالخادمات في البيوت فإذا جاءت الخادمة كان من الشروط أن تؤدي فريضة الحج، فماذا يصنع من كان كفيلاً لها هل يقوم بتنفيذ هذا الشرط ولو كان مخالفًا لأوامر الله ورسوله ﷺ أم يطلب منها إحضار محرماً
لها ليحج بها، أم يدفع لها مالاً مقابل عدم الوفاء بهذا الشرط .
فأجاب فضيلته بقوله: نعم هذه ثلاثة أمور بينها السائل لكن هناك أمر رابع لم يبينه، وهو الواجب من الأصل: الواجب أن الخادم إذا اشترطت أن يحج بها يقول: نعم أنا ألتزم بهذا بشرط المحرم، أما إذا لم يكن معك محرم فإنه لا يجوز أن تحجي أنت، ولا يجوز أن أسمح لك أنا ما دام الأمر في يدي، ثم إن هؤلاء مسكينات، الحج عندهن أغلى من كل شيء، فلو أنها أيست منه من الأول وقيل ليس هناك حج إلا بمحرم، لدخلت على بصيرة، ثم نقنع هذه المسكينة نقول لها: إن الحج فريضة، لكنه فريضة على من؟ على المستطيع، وأنت لا تستطيعين الآن بدون محرم، فليس عليك حج واطمئني ليس عليك إثم، وإذا لقيت ربك فإنك تلقينه بدون أن تكون عاصية أو آثمة، ونهون عليك الأمر فإن أبت إلا الوفاء قلنا: لا يمكن هذا، لكن اختاري إما أن ننتظر حتى يقدم لك أحد من محارمك، وإما أن نعطيك عوضاً عن الحج الذي اشترطي علينا.
لكن هنا مسألة: لو كان الأهل سيحجون جميعاً وعندهم خادم ليس لها محرم فهنا لا بأس أن تحج معهم، لأن وجودها في البيت كوجودها معهم في السفر ولا فرق، ولأنها إذا بقيت في
стр. 8240
البيت فهو أخطر عليها مما إذا ذهبت معهم بلا شك، والواجب دفع أعلى المفسدتين بأدناهما.
س ٢٥٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بينتم في السؤال السابق في سؤال الخادمة أنها يمكنها أن تحج معهم إذا كانوا سيؤدون فريضة الحج، فهل يأثمون بذلك؟ وهي هل عليها إثم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نحن ذكرنا أن هذا من باب الضرورة، لأن ذهابها معهم أسلم من بقائها في البيت، وعللنا ذلك بأنه من باب دفع أعلى المفسدتين، بأدناهما وأقلهما، لكن كما قيل: إذا لم يكن إلا الأسنة مركبة فما حيلة المضطر إلا ركوبها.
س ٢٥٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لدينا خادمة في البيت فإذا أردنا أن نحج أو نعتمر أو نسافر إلى أي بلد فهل يجوز أن نأخذها وليس لها محرم أفيدونا جزاكم الله خيرا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أليست هذه الخادمة امرأة؟ بلى امرأة إذن ما الذي يخرجها عن قول الرسول: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " (١) نعم لو فرض أن خادمة لا يمكن أن تبقى بعدهم في
البيت لأن ليس في البلد من يحميها ففي هذه الحال تذهب معهم للضرورة.
стр. 8241
س ٢٥٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم سفر الخادمة مع الرجل الذي ليس محرماً لها، وما رأيك بمن يستعمل حملة خاصة بالخادمات فيحج بهن، وهو ليس من محارمهن وليس
معها لا كفيل ولا محرم فما رأيك بهذا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول النبي ﷺ : "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " (١) . وليس لنا أن نخرج عن قول الله وقول رسوله ﷺ مهما كان الأمر، لكن الخادمة إذا كانت في البيت وليس معها محرم واضطر الناس للسفر بها لأنه لم يبق في البيت أحد، فحينئذ يسمح لها أن تسافر معهم، لأن هذا ضرورة، وبقاءها في البيت وحدها أشد ضرراً مما إذا سافرت معهم وأشد خطرا.
فإذا قال قائل: لماذا لا نقول له: أعطها أقاربك، أو أصدقائك، حتى ترجع؟ نقول: نفس الشيء أيضا ربما إذا أعطيتها أقاربي، أو أصدقائي ربما يكون قلبي مشوشاً ماذا حصل على هذه المرأة، فيبقى الإنسان غير مطمئن، فهذه المسألة تجوز في حالة واحدة، وهي: إذا كان الناس معهم خادمة ولا يمكن أن يبقوها وحدها في البيت فهنا تسافر معهم، ولا إثم فيه- إن شاء الله تعالى- على أني أقول هذا، وأنا أستغفر الله أتوب إليه.
والحملة من باب أولى لا تجوز، لكن مع الأسف أن الناس تهاونوا في هذا الأمر، وصاروا يودعون هؤلاء النساء كأنهن غنم مع راعي لا يدرون عنها، نسأل الله السلامة.
стр. 8242
س ٢٥٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقول رجل وامرأة مسنين عندهما خادمة تريد الذهاب إلى الحج، وقد أصرت عليهما مع أنه ليس لها محرم، وقد حجز لها في إحدى حملات هذا البلد، ويسألان هل عليهما إثم في ذلك، مع أنها جاءت إليهم بدون محرم، ويصعب عليها أن تأتي مرة أخرى مع محرم لأداء فريضة الحج أفتنا جزاك الله خيراً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرى أن لا يجوز أن تذهب الخادمة بدون محرم حتى مع نساء، وإن كان بعض العلماء يقول: إذا كانت المرأة مع نساء آمنة فلا بأس أن تحج، لكن إذا نظرنا إلى الحديث الصحيح، وهو أن النبي ﷺ خطب وقال: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا كذا؟ فقال: "انطلق
فحج مع امرأتك " فأمره أن يدع الغزو ويحج مع امرأته، ولم يقل الرسول ﵊: هل معها نساء؟ هل هي شابة؟ هل هي عجوز؟ هل هي جميلة؟ هل هي قبيحة؟ لم يستفسر. ومن
قواعد العلماء: (أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال) لذلك أرى أن لا يسمح لها بالذهاب إلى الحج، ثانيا: أرى أن عليهما أن يطمئناها ويقول لها: إن الحج غير واجب عليها، وأنت في حل، وإذا لقيتي ربك فإنك تلقينه غير ناقصة ركن من أركان الإسلام، وانتظري حتى يأذن الله تعالى بتيسيره أمرك مع محرم. وأما الاعتذار أنها جاءت بلا محرم فهذا عجيب أن يعتذر عن الداء بداء مثله أو أشد، كونها جاءت بلا
стр. 8243
محرم لا يبرر أن تحج بلا محرم لأن مجيئها بلا محرم غلط، وكم من بلية حصلت لكون الخادمة ليس لها محرم في البيت، نسأل الله السلامة والعافية.
س ٢٥٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الحج والعمرة بالخادمة إذا لم يكن معها محرم: وما حكم استقدام الخادمة بدون محرم أو نقل كفالتها ممن استقدمها مسبقاً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذان سؤالان: الأول إذا حج أهل البيت وعندهم خادمة وليس معها محرم فليحجوا بها. وذلك لأن حجهم بها أحفظ لها من أن تبقى في البيت وحدها، أو يعيروها لأحد من الناس، فنرى أن تذهب معهم، لأنها باقية معهم في البيت بلا محرم.
وأما النسبة لاستقدام النساء بلا محرم فكنت بالأول أتساهل فيه بعض الشيء، وأقول: إذا جاء بها محرمها ثم رجع، فالأمر سهل، لكن حصلت وقائع من بعض ضعيفي الإيمان، وأوجبت لي أن أقول: لا يجوز أن تستقدم خادمة إلا بمحرمها الذي يبقى معها.
س ٢٥٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استقدام الخادمة من الخارج بغير محرم إذا كانت مسلمة، حيث إن هذا الأمر حاصل عند كثير من الناس حتى ممن يعتبرون من طلاب العلم. ويحتجون بأنهم مضطرون إلى ذلك. وبعضهم يحتج بأن
стр. 8244
إثم سفرها بغير محرم عليها هي. أو على مكتب الاستقدام. أرجو تبيين ذلك والله يحفظكم ويجزيكم خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: استقدام الخادمة بدون محرم معصية للرسول ﷺ ، فإنه صح عنه أنه قال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " (١) ولأن قدومها بلا محرم قد يكون سبباً للفتنة منها وبها، وأسباب الفتنة ممنوعة، فإن ما أفضى إلى المحرم محرم.
وأما تساهل بعض الناس في ذلك فإنه من المصائب، ولا حجة لهم في قولهم: إنه ضرورة، لأننا لو قدرنا الضرورة للخادمة فليس من الضرورة أن تأتي بلا محرم.
كما أنه لا حجة لقول بعضهم: إن إثم سفرها بلا محرم عليها هي، أو على مكتب الاستقدام. لأن من فتح الباب لفاعل المحرم كان شريكاً له في الإثم لإعانته عليه، وقد أمر الله تعالى ورسوله ﷺ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واستقدام الخادمة بلا محرم إقرار للمنكر لا إنكار له. وأسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إنه سميع قريب.
س ٢٥٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن مجموعة من الشابات المسلمات من جنسيات مختلفة، نعمل بإحدى الدول الخليجية معلمات وطبيبات، والدولة توفر لنا سكن جماعي للمعلمات العازبات، علما بأن السفر من وإلى الدولة هذه
стр. 8245
بالطائرة، فهل نعتبر مخالفات لحديث المصطفى ﷺ بأنه: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاث ليال من غير ذي محرم؟ وهل المال الذي نجمعه يعتبر مالا حراماً؟ وما حكم سفرنا وإقامتنا من غير محرم لمدة عام في جماعة من النسوة المسلمات؟ نرجوا منكم التوجيه جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، من المعلوم أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث عبد الله بن عباس- ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب ويقول: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " ولم يقيده بثلاث، والتقييد اختلف مقداره، فبعضه يوم وليلة، وبعضهم ثلاثة أيام، ولهذا اعتبر العلماء- ﵏ أن السفر مطلق، فكل ما يسمى سفراً فإنه لا يجوز للمرأة أن تقوم به إلا مع ذي محرم، لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، وفي حديث ابن
عباس الذي ذكرته قال فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ فقال: "انطلق فحج مع امرأتك " فأمره النبي ﷺ أن يدع الغزو، وأن يخرج مع امرأته يحج معها، وهذا دليل على تأكد المحرم، وفي هذا الحديث لم يستفصل النبي، هل مع زوجتك نساء؟ هل هي آمنة؟ أو هل هي شابة أم عجوز؟ كل ذلك لم يكن، فدل على أن الأمر عام، وأن الحكم لا يختص بحال دون حال، وأنه لا يجوز للمرأة أن
تسافر إلا مع ذي محرم.
стр. 8246
أما ما ذكر في السؤال من أنهن نساء من أجناس شتى حضرن إلى بعض الدول الخليجية للتعليم والطب وغير ذلك فإن هذا الأمر كما قلنا: في صدر السؤال إنهن حائرات، فأنا أيضاً حائر فيه، ولا أفتي فيه بشيء، والله أعلم.
س ٢٦٠: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: هل يجب على الرجل أن يحج بزوجته فيكون محرما لها، وهل هو مطالب بنفقة زوجته أيام الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجب على الزوج أن يحج بزوجته إلا أن يكون مشروطاً عليه حال عقد الزواج، فيجب عليه الوفاء به، وليس مطالباً بنفقة زوجته، إلا أن يكون الحج فريضة، ويأذن
لها فيه، فإنه يلزمه الإنفاق عليها بقدر نفقة الحضر فقط.
س ٢٦١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيها أكثر تقربا لله الحج نافلة أم الحج عن الآخرين ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج نافلة أكثر تقربًا لله ، والحج عن الآخرين ليس فيه فضل إلا الإحسان الذي حججت عنه، أما أجر الحج فليس لك منه شيء، لأنك رغبت عنه وأهديته
لهذا الشخص فليس لك إلا الإحسان، فلو أن الإنسان حج عن شخص فإنه ليس له أجر الحج، لأن هذا الرجل رغب عن ثواب هذا الحج وجعله لآخر، لكن له أجر الإحسان إلى الغير، كما لو
أحسن إليه بهديه، ولذلك نعلم أن من السفه في العقل والضلال
стр. 8247
في الدين ما يفعله بعض الناس يصلي ركعتين أو يصوم يومين ويقول: إنهما عن محمد ﷺ يعني يهدي الطاعات إلى رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم نقول: هذا ضلال في الدين وسفه في العقل. أما كونه سفها في العقل لأن النبي ﷺ لا يحتاج إلى
هديتك كل عمل خير تفعله فللنبي ﷺ مثل أجره، فلا يحتاج أن تهدي إليه طاعة، وأما كونه ضلالاً في الدين فإنا نقول لهذا الرجل المبتدع أنت أشد حباً للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أبي بكر؟ إن قال نعم. قل له: كذبت، وإن قال: لا أبو بكر أشد حبًا للرسول ﷺ مني وكذلك بقية الخلفاء وكذلك بقية الصحابة ﵃ فقل: هل أهدوا القرب والطاعات للرسول ﵊؟ لا. ولهذا فأنت ضال في دينك لأنك ابتدعت ما لم يفعله السلف الصالح.
س ٢٦٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المرأة إذا لم يوجد لها محرم وهي لم تؤد فرضها فأيهما أفضل لها أن توكل أو تحج مع خالتها أو عمتها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا لم تجد المرأة محرماً لها، فإن الحج غير واجب عليها، لأنها لا تستطيعه شرعاً والحج لا يجب إلا على المستطيع، ولا يجوز لها أن تحج بلا محرم مع خالتها، أو عمتها.
стр. 8248
س ٢٦٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ليس لها محرم إلا أخوها من الرضاع، وهي تحتجب منه حياءً فهل يجوز لها أن تحج معه أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لها أن تحج معه، لأنه محرم لها شرعاً وكونها تحتجب منه لا يمنع ذلك.
س ٢٦٤: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: تزوجت والدتي من رجل بعد وفاة والدي، وكان والدي قد حجج أمي، أما الرجل الذي تزوجها فوعدها بالحج فتجهزت له، ولما دخل شهر ذي
الحجة طلبت منه فرفض، بحجة أنه سوف يقوم بالحج مع أحد أصدقائه، فاقتنعت أمي، ولكنه لم يحج إنما قصد أن لا يحجج أمي، ومر بها أهلها وهم في طريقهم إلى مكة فسافرت معهم دون علم منه، أو رضاه، وذلك من اثنتي عشرة سنة، وقد طلقها منذ خمس سنوات، فهل هذا الحج صحيح؟ أم ماذا عليها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: قبل الإجابة أود أن أبين أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج بدون رضا زوجها، حتى ولو كان في البلد، فكيف تحج بدون رضاه، فهذا حرام، ولا يجوز لها، ويجب على الزوج الذي وعد زوجته بالحج أن يوفي بوعده، فيحج بها، لا سيما إن كان هذا مشروطاً عليه في العقد، لقول النبي ﷺ : "إن أحق الشروط أن توفوا به، ما استحللتم به الفروج " (١) .
وإذا كان هذا الوعد بعد العقد، فإن العلماء اختلفوا في
стр. 8249
الوفاء به، والصواب: وجوب الوفاء به إذا لم يكن على الواعد ضرر، وذلك لأن النبي ﷺ جعل إخلاف الوعد من صفات المنافقين (١) تحذيراً من إخلافه، أما بالنسبة لما وقع من أمك من الحج فإنه صحيح تبرأ به الذمة، ولكن عليها أن تتوب إلى الله وتستغفره.
س ٢٦٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: قد حججت حجتين؟ الأولى: مع أختي وأمي بواسطة زوج أختي، وقد أحرمت مع أمي وأختي فهل حجي هذا صحيح؟ والحج الثاني مع رجل قد عقد عليّ أبوه عقداً لا غير، وقد طلقني قبل الدخول، لأن زوجي لم تحصل له رخصة لكي يحججني، وقد أوصى الرجل الذي عقد عليّ أبوه لكي يحججني وكان معه زوجته وخالته فهل حجي هذا صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب الأول: أن المرأة لا تكون محرماً للمرأة، فكونك حججت مع زوج أختك بمصاحبة أمك فهذا لا يجوز؟ لأن زوج أختك ليس محرماً لك، ولكنه محرم لزوجته ولأمك؟ لأنها أم زوجته، ولكن عليك أن تتوبي إلى الله، وأن تستغفري من ذنبك، وأما الحج فهو صحيح.
الشق الثاني من السؤال: إن حجك صحيح؛ لأن ابن الرجل الذي عقد عليك ولم يحصل منه دخول يكون محرماً لك؛ لأن
стр. 8250
الرجل إذا عقد على المرأة عقداً صحيحاً يكون أبوه محرماً لها، وصار آباؤه محارم لها، وأبناؤه أيضاً محارم لها، وكذلك تكون أم الزوجة وجداتها محرماً للزوج، وهذه الأطراف الثلاثة تثبت فيهم
المحرمية بمجرد العقد.
وأما بنات الزوجة، وبنات أولادها، وبنات بناتها فإنهن لا يكن محارم للزوج إلا إذا كان قد دخل بالأم، أي قد جامعها، فلو عقد إنسان على المرأة ولها بنات من غيره ثم طلقها قبل الدخول بها، فإنه يجوز له أن يتزوج من بناتها، لأنه لم يدخل بها، وكذلك لو جاءها بنات من بعده من زوج آخر فإنه يجوز له أن يتزوج بهؤلاء البنات اللاتي لم يدخل بأمهن، أما لو دخل بالأم فإنه يحرم عليه بناتها من غيره، سواء من زوج سابق، أو زوج لاحق. والله الموفق.
س ٢٦٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تترك زوجها وأولادها الصغار وتذهب للعمل في دولة أخرى بعيدة عنهم؟ وما هي المدة التي يسمح بها الإسلام في بعد الزوجة
عن بعلها؟ وهل هناك ضرر من ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمرأة أن تسافر إلا بإذن زوجها، ولا يحل لها أن تسافر إلا بمحرم، لأن النبي ﷺ نهى أن تصوم المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه، فكيف بسفرها ومغادرتها وترك أولادها عند الزوج يتعب فيهم، وثبت عنه ﷺ أنه نهى أن
تسافر المرأة بدون محرم، وللزوج أن يمنع زوجته من السفر،
стр. 8251
سواء كان سفرها للعمل أو لغير العمل، لأن الزوج مالك، بل قد قال الله تعالى: (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) (١) سيدها يعني زوجها، فله السيادة عليها، وله أن يمنعها من السفر، بل له أن يمنعها من
مزاولة العمل حتى في البلد إلا إذا كان مشروطاً عليه عند العقد، فإن المسلمين على شروطهم، وعلى هذه المرأة أن تتقي الله ، وأن تكون مطيعة لزوجها غير مغضبة له، حتى يكون الله
عليها راضياً، وبهذا يتبين الجواب عن قولها. وكم مدة تبقى بعيدة عن زوجها فإنه ليس هناك مدة، بل لابد أن تبقى مع زوجها، فإن أذن لها في وقت من الأوقات وسافرت مع محرم وأمنت الفتنة،
بالخيار بيده يأذن لها ما شاء.
س ٢٦٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض النساء من داخل مكة يذهبن إلى الحج بدون محرم مع جماعات من النساء عن طريق النقل الجماعي فهل هذا جائز ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه لا يجوز للمرأة أن تحج إلا بمحرم، حتى وإن كانت من أهل مكة، لأن ما بين مكة وعرفات سفر على القول الراجح؛ ولهذا كان أهل مكة يقصرون مع النبي ﷺ في المشاعر.
س ٢٦٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المتوفى عنها هل يجوز لها الحج وهي في العدة؟ وكذلك المعتدة من غير الوفاة ؟
стр. 8252
فأجاب فضيلته بقوله: بالنسبة للمتوفى عنها فإنه لا يجوز لها أن تخرج من بيتها وتسافر للحج، حتى تقضي العدة، لأنها في هذه الحال غير مستطيعة، لأنه يجب عليها أن تتربص في البيت، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (١) فلابد أن تنتظر حتى تنتهي العدة.
وأما المعتدة من غير الوفاة فإن الرجعية حكمها حكم الزوجة فلا تسافر إلا بإذن زوجها، ولكن لا حرج عليه إذا رأى أن من المصلحة أن يأذن لها في الحج، وتحج مع محرم لها.
وأما المبانة فإن المشروع في حقها أن تبقى في بيتها أيضاً، ولكن لها أن تحج إذا وافق الزوج على ذلك، لأن له الحق في هذه العدة، فإذا أذن لها أن تحج فلا حرج عليه.
س ٢٦٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الرجل عندما يمر بحادث سيارة هل يتقدم لينقذ المصابين في الحادث، وإذا كان من بينهم نساء هل يجوز حمل هؤلاء النساء في سيارته مع عدم وجود
محرم لهن أم ماذا يفعل؟ فربما لو تركهن لتضاعف الألم وربما تحدث نتائج غير طيبة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول إنه يجب على المرء المسلم إذا رأى أخاه المسلم في أمر يخشى منه الهلاك يجب عليه أن يسعى لإنقاذه بكل وسيلة، حتى إنه لو كان صائماً صيام الفرض في رمضان وحصل شيء يخشى منه الهلاك على أخيه المسلم واضطر
стр. 8253
إلى أن يفطر لإنقاذه فإنه يفطر لإنقاذه، وعلى هذا فإذا مررت بحادث سيارة ورأيت الناس في حال يخشى عليهم من التلف، أو من تضاعف الضرر فإنه يجب عليك إنقاذهم بقدر ما تستطيع، وفي هذه الحال لا بأس أن تحمل النساء، وإن لم يكن معهن محارم لأن هذه ضرورة.
س ٢٧٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم ركوب المرأة مع السائق وحدها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ركوب المرأة مع السائق وحدها محرم، لأنه لا يجوز للمرأة أن تخلو برجل في السيارة غير محرم لها، لقول النبي: "لا يخلون رجل بامرأة" (١) وهذا النهي عام.
أما السفر فلا تسافر المرأة بلا محرم ولو كان معها غيرها، فهنا أمران: خلوة، وهذه حرام في الحضر والسفر، وسفر بلا خلوة، وهذا حرام أيضاً لقول النبي ﷺ :"لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم "
والحاصل أن ما يفعله بعض الناس من ركوب المرأة وحدها حرام، ولا يحل، لأنها في خلوة مع رجل، ويقول بعض الناس: إن هذا ليس بخلوة لأنها تمشي في السوق، فنقول: بل هو خلوة من أشد الخلوات خطراً، لأن غالب السيارات الآن تغلق الزجاجات فلو تكلم معها بكل كلام لم يسمعه أحد، ولأنه في
стр. 8254
الواقع خال بها، لأن السيارة بمنزلة الغرفة، ولأننا نسأل كثيراً عن مسائل يحدث فيها حوادث خطيرة جداً، فلا يستريب عاقل بأن ركوب المرأة مع السائق وحدها حرام لدخوله في الخلوة، ولأنه
يفضي إلى مفاسد، وفتن كثيرة.
س ٢٧١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: تضطر المرأة أحياناً للسفر وحدها في الطائرة كأن يرسلها زوجها لزيارة أهلها، حيث لا يستطيع الذهاب معها.. فما حكم الشرع في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الضرورة تحتاج إلى بيانها وتقديرها. وأما إرسالها للزيارة، فإننا نقول لك: لا ترسلها إلى زيارة أهلها بدون محرم ولو بالطائرة، والناس يتهاونون في مسألة الطائرة وهذا خطأ (١)
س ٢٧٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا سافر الزوج مع زوجته في الحج أو غيره، هل يجب عليه أن يركب معها في نفس السيارة التي هي فيها، إذا كان هناك أكثر من سيارة في هذا
السفرة فقد جرت عادة بعض الناس أن تركب النساء في سيارة والرجال في سيارة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن ركوب الإنسان مع محرمه من زوجة أو قريبة في نفس السيارة أحسن وأحوط، ولكن إذا كانت القافلة سيارات تمشي جميعاً، تنزل منزلاً واحدًا، وتيسير
стр. 8255
سيرا واحداً، فلا بأس أن يجعل النساء في سيارة، وأن يكون الرجال في السيارة الأخرى، ولكن لابد أن يحرص قائد السيارة على أن لا يغيب عن السيارة التي فيها الرجال المحارم، حتى يكون المحرم مراقباً للسيارة التي فيها محرمه.
س ٢٧٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة في بلاد بعيدة لا يتوفر لها المحرم، ولكن يتوفر لها الرقة المأمونة فمن الصعب أنها تجد محرمًا يحرم معها، ولكن تجد ابن عمها ويكون في سن كبير وهي كبيرة أيضاً، ففي هذه الحال هل عليها حج مع قدرتها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت المرأة قادرة على الحج بمالها لكنها لم تجد محرماً فإن الحج ساقط عنها، وليس عليها إثم لتركها، لأن الله تعالى يقول: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (١) وهذه المرأة لا تستطيع إليه سبيلا بحكم الشرع، إذ لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، ويقال لها: اطمئني بأنه لا شيء عليك وإن وجدت الرفقة وإن كانوا أمناء.
س ٢٧٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قادر على الحج ووالدته تقيم خارج المملكة فطلبت أمه أن يؤجل الحج إلى السنة القادمة لأنه إذا حج هذه السنة لم يسمح له بالحج إلا بعد
خمس سنوات فهل يجوز له أن يؤخر الحج مع قدرته عليه علماً بأن
стр. 8256
أمه على طريقة صوفية تدعو فيها الرسول ﷺ ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما عن سؤاله ينتظر أمه ليحج معها في السنة القادمة بناءً على طلب أمه وإشارته إلى أن والدته على طريقة غير مرضية من الطرق التي يدعو فيها صاحبها رسول الله ﷺ أو غيره من المخلوقين فإني أشير بل أنصح لهذه المرأة ومن أمثالها أن يتوبوا إلى الله عما هم عليه، وذلك لأن دعاء غير الله شرك وضلال وكفر. كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)) وقال الله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)) فدعاء النبي ﷺ ومن دونه من الخلق شرك وضلال؛ لأن هؤلاء لا يستطيعون أن يستجيبوا له، والواجب على المرء أن يتوب إلى الله من هذا الشرك، وألا يدعو إلا الله، وكلنا نعلم أن رسول الله نفسه كان لا يملك نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، وقد أمره الله تعالى أن يعلن ذلك لأمته، فقال الله له: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)) (١) وقال الله تعالى له آمراً أياه (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحي إلي) وكان الرسول نفسه يدعو الله سبحانه بنفسه بالمغفرة
والرحمة، ويدعو لأصحابه كذلك، ولو كان قادراً على أن يغفر لأحد أو يرحمه ما احتاج إلى دعاء الله سبحانه في هذا، فكل
стр. 8257
الخلق مفتقرون إلى الله، والله هو الغني الحميد، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)) (١) ولولا أن الشيطان تلاعب بعقول هؤلاء وأفكارهم لعلموا أن
الرسول ﷺ وغيره لا يملكون لأحد نفعاً ولا ضراً ولا دعوا الله سبحانه وحده لا شريك له: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) (٢) فإذا تابت هذه المرأة من هذا الشرك وأصلحت العمل فلتتجه إلى مكة لتؤدي
فريضة الحج إن كانت لم تؤدها قبل.
س ٢٧٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: إنني مقيمة في المملكة بحكم عملي بها، وقد ذهبت للحج العام الماضي ١٤٠٤ هـ وكان معي اثنتان من زميلاتي وليس معنا محرم.
فما حكم فعلنا وهل حجنا صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل وهو الحج بدون مَحْرَمٍ مُحَرَّمٌ، لقول النبي ﷺ فيما يرويه ابن عباس- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو يخطب: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم "، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي
خرجت حاجة، وإني قد أكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ فقال النبي ﷺ :"انطلق فحج مع امرأتك " (٣) .
стр. 8258
فلا يجوز للمرأة السفر بدون محرم، والمحرم من تحرم عليه على التأبيد بنسب، أو سبب مباح، ويشترط أن يكون بالغاً عاقلاً، وأما الصغير فلا يكون محرماً، وغير العاقل لا يكون محرماً أيضاً، والحكمة من وجود المحرم مع المرأة: حفظها وصيانتها، حتى لا تعبث بها أهواء من لا يخافون الله ، ولا يرحمون عباد الله.
ولا فرق بين أن يكون معها نساء أو لا، أو تكون آمنة أو غير آمنة، حتى ولو ذهبت مع نساء من أهل بيتها وهي آمنة غاية الأمن، فإنه لا يجوز لها أن تسافر بدون محرم، وذلك لأن النبي ﷺ لما أمر الرجل بالحج مع امرأته لم يسأله ما إذا كان معها نساء أم لا، وهل هي آمنة أم لا؟ فلما لم يستفصل عن ذلك، دل على أنه لا فرق، وهذا هو الصحيح.
وقد تساهل بعض الناس في وقتنا الحاضر، فسوغ أن تذهب المرأة في الطائرة بدون محرم، وهذا لا شك أنه خلاف النصوص العامة الظاهرة، والسفر في الطائرة كغيره تعتريه الأخطار (١) .
والحاصل أن المرأة عليها أن تخشى الله وتخافه، فلا تسافر لا إلى الحج ولا إلى غيره إلا مع محرم يكون بالغاً عاقلاً. والله المستعان.
س ٢٧٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يشترط في المحرم أن يكون بالغاً، فهناك رجل يعمل في الخارج ومعه زوجته وابنه الذي يبلغ التاسعة من العمر، فأرادت الزوجة أن تحضر
стр. 8259
زواجاً لأخيها فأرسلها زوجها عن طريق الطائرة مع هذا الابن واتصل على أهلها لاستقبالها في مطار المملكة فهل له ذلك وهل يكفي هذا الصبي في المحرمية جزاك الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: المحرم ذكر العلماء أنه لابد فيه من شرطين: البلوغ، والعقل، وأن من دون البلوغ لا يصح أن يكون محرماً، ومن ليس بعاقل لا يصح أن يكون محرماً، لأن المقصود بالمحرم هو صيانة الزوجة وحمايتها ومنع الاعتداء عليها، والصغار لا يقومون بهذا، فأقول الآن: المرأة حسب السؤال وصلت البلد فلا ترجع إلى زوجها إلا مع أحد محارمها الدْين بلغوا وعقلوا، أو يأتي زوجها ويأخذها معه أما الصغير الذي في التاسعة من عمره فإنه لا يكفي أن يكون محرماً.
س ٢٧٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: متى يكن الابن محرما لأمه هل هو بالبلوغ أم بالتمييز ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يكون محرماً إذا كان بالغاً عاقلاً، فمن لم يبلغ فليس بمحرم، ومن كان في عقله خلل فليس بمحرم.
س ٢٧٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم سفر المرأة من مدينة إلى مدينة بدون محرم، وإذا كانت في طلب العلم ؟
فأجاب فضيلته بقول: لا يحل للمرأة أن تسافر بلا محرم لا للعلم، ولا للحج، ولا للعمرة، ولا للزيارة، ولا لغير ذلك،
стр. 8260
لعموم قول النبي ﷺ : "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " لكن قد يظن بعض الناس أن هذا سفر، وليس بسفر مثل بعض النساء الآن يذهبن من بلدهن إلى بلد قريب للتعلم أو للتعليم فيرجعن بيومهن فهذا ليس بسفر، فإذا ذهبت امرأة من عنيزة إلى بريدة للتعلم، أو التعليم ومعها نساء ويرجعن بعد انتهاء الدرس إلى بيوتهن، فهذا ليس بسفر لكن لا يجوز لها أن تخلو بالسائق إذا لم يكن محرماً لها.
س ٢٧٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة متزوجة منذ ما يقارب من سنة هي عند أهلها لمرضها وقامت بأداء العمرة في شهر رمضان والحج في العام الماضي ولم تأخذ إذن الزوج ولم
تستمح منه مع العلم بأنها حاولت أن تخبره لكنه لم يكن موجوداً ولم تعرف مكانه فهل تأثم بذلك، وهل العمرة والحج صحيحان مع العلم بأنه لا يوجد بينها وبين زوجها خلاف، ولكنه أخبرت
والده وأهله بذهابها مع والديها ؟
فأجاب ﵀ بقوله: أما الحج والعمرة فصحيحان، لأنهما فرض، والفرض لا يملك الزوج أن يمنع زوجته منه إذا تمت الشروط، وأما كونها آثمة أو غير آثمة فإذا علمت أن زوجها يرضى بذلك فلا إثم عليها.
س ٢٨٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على الزوجة الغنية التي ليس لها محرم يحج بها أن تتزوج ولو كانت عجوزاً لغرض الحج ؟
стр. 8261
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجب عليها لأن القاعدة عند العلماء (أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب) فهذه المرأة لا يجب عليها الحج لكن لو تزوجت وصار محرماً وجب عليها الحج، فلا يجب عليها أن تحصل على محرم كما نقول: لا يجب على الرجل أن يتجر من أجل أن تجب عليه الزكاة، ولا يجب عليه أيضاً أن يتجر من أجل أن يجب عليه الحج، فهنا فرق بين ما لا يتم الواجب إلا به، وما لا يتم الوجوب إلا به، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وعليه فنقول هذه المرأة: لا يجب عليها أن تطلب الزوج من أجل أن يكون لها محرم فتحج.
س ٢٨١: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: امرأة توفيت قبل أن تؤدي فريضة الحج، ولقد رزقت والحمد لله بأولاد ويريدون الحج لوالدتهم المتوفية، ولكنهم لم يؤدوا فريضة الحج، فهل
يجوز أن يوكلوا من يحج عن والدتهم وإعطائه جميع مصاريف الحج أم يجوز لهم الحج عن والدتهم قبل أن يؤدوا الفريضة هم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً يجب تصحيح العبارة، فالصواب أن يقال: المتوفاة. لأن الله يتوفى الأنفس، وليست الأنفس متوفية وإن كان لها وجه في اللغة العربية، لكن الأفصح المتوفاة، فيقال: فلان متوفى، وفلانة متوفاة.
أما بالنسبة للإجابة على السؤال، فإن أمهم إن كانت لم تستطع الحج في حياتها فليس عليها حج، لأن الله اشترط لوجوب
стр. 8262
الحج الاستطاعة، فقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (١)) والغالب على الناس فيما مضى هو الفقر وعدم الاستطاعة، وحين إذن يكون حجهم عن أمهم نفلاً لا فريضة،
وأما إذا كان قد وجب عليها الحج، ولكنها أخرت وفرطت فهنا يؤدون عنها الحج على أنه فريضة، ولكن لا يحجون بأنفسهم عنها حتى يحجوا عن أنفسهم، لأن النبي ﷺ سمع رجلاً يلبي يقول: لبيك عن شبرمة فقال: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب لي قال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "هذه عنك ثم حج عن شبرمة" أما إذا أرادوا أن يعطوا غيرهم يحج عنها، وهم لم يؤدوا الحج عن أنفسهم فإن كانت الدراهم التي يعطونها غيرهم ليحج عن أمهم تكفيهم لو حجوا هم عن أنفسهم، وليس عندهم غيرها، وجب عليهم أن يحجوا عن أنفسهم، ولا يجوز أن يعطوا أحداً يحج عن أمهم، فإن كان عندهم مال واسع لكنهم لم يحصل لهم أن يحجوا هذا العام وأعطوا أحداً يحج عن أمهم فلا حرج في ذلك.
س ٢٨٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة طلقها زوجها بعد ما تلبست بالإحرام وهو محرم هل تتم نسكها أم تعود وتعتبر حصرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تعود، لأنه إذا طلق الإنسان زوجته الطلقة الأولى أو الثانية فهو محرم لها، يجوز أن تتجمل له وأن تتزين له وأن تفعل المغريات التي توجب أن يراجعها، ولهذا
стр. 8263
قال الله في الرجعيات: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) (١) .
كثير من الناس اليوم مع الأسف إذا طلق زوجته طردها من البيت، وهذا حرام عليه إلا أن تأتي بفاحشة مبينة. وكثير من النساء إذا طلقت ذهبت إلى أهلها، وهذا حرام عليها، (لَا تُخْرِجُوهُنَّ) . ثم قال في الآخر: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) . إذن المطلقة الرجعية تبقى في بيت زوجا تتجمل له وتتطيب وتفعل جميع المغريات لرجوعها إلى زوجها. وبالنسبة لهذه المرأة التي طلقها زوجها وهو محرمها نقول: إذا كان الطلاق الأول أو الثاني هو محرم لها. وإذا كان الثالث فليس بمحرم ولكن تمضي في حجها معه للضرورة.
س ٢٨٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- امرأة لها ولد يبلغ من العمر الخامسة والعشرين مات في حادث سيارة تريد أن تحج له وتتصدق عنه وتضحى عنه هل هذه الصدقات والحج تذهب إليه وتفيده في مماته ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الابن لم يحج الفريضة فلا بأس بالحج عنه، لأن امرأة سألت النبي ﷺ عن أمها أنها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، فأذن لها ﷺ أن
стр. 8264
تحج عن أمها (١) . أما إذا كان قد حج الفريضة فإن الدعاء له أفضل من الحج عنه، وأفضل من الصدقة عنه، وأفضل من الأضحية عنه، لأن النبي ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو
له " (٢) فأرشد النبي ﷺ إلى الدعاء، ولم يرشد إلى غيره مما يفعله الناس اليوم من صدقة، وأضحية، وصوم، وصلاة، ولكن لو فعلت هذا فلا بأس، ولا حرج عليها أن تتصدق عن ابنها، أو أن تحج عنه. أما الأضحية فالأفضل أن تكون أضحية واحدة عن أهل البيت جميعاً الأحياء والأموات، لأن النبي ﷺ ضحى بشاة واحدة عنه، وعن أهل بيته (٣) .
س ٢٨٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من مات ولم يحج وهو في الأربعين وكان مقتدراً على الحج مع أنه محافظ على الصلوات الخمس، وكان في كل سنة يقول: سوف أحج هذه
السنة، ومات وله ورثة هل يحج عنه وهل عليه شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء في هذا، فمنهم من قال: إنه يحج عنه وأن ذلك ينفعه، ويكون كمن حج لنفسه،
стр. 8265
ومنهم من قال: لا يحج عنه، وأنه لو حج عنه ألف مرة لم تقبل.
يعني لم تبرأ بها ذمته، وهذا القول هو الحق، لأن هذا الرجل ترك عبادة واجبة عليه مفروضة على الفور بدون عذر، فكيف يذهب عنها، ثم نلزمها إياها بعد الموت، ثم التركة الآن تعلق بها حق
الورثة، كيف نحرمهم من ثمن هذه الحجة وهي لا تجزىء عن صاحبها، وهذا هو ما ذكره ابن القيم- ﵀ في تهذيب السنن، وبه أقول: إن من ترك الحج تهاوناً مع قدرته عليه لا يجزىء عنه الحج أبداً، لو حج عنه الناس ألف مرة، أما الزكاة فمن العلماء من قال: إذا مات وأديت الزكاة عنه أبرأت الذمة، ولكن القاعدة التي ذكرتها تقتضي ألا تبرأ ذمته من الزكاة، لكني أرى أن تخرج الزكاة من التركة، لأنه تعلق بها حق الفقراء والمستحقين للزكاة، بخلاف الحج، فلا يؤخذ من التركة، لأنه لا يتعلق به حق إنسان، والزكاة يتعلق بها حق الإنسان، فتخرج الزكاة لمستحقيها، ولكنها لا تجزىء عن صاحبها، سوف يعذب بها عذاب من لم يزك، نسأل الله العافية، كذلك الصوم إذا علم أن
هذا الرجل ترك الصيام وتهاون في قضائه، فإنه لا يقضى عنه، لأنه تهاون وترك هذه العبادة، التي هي ركن من أركان الإسلام بدون عذر، فلو قضي عنه لم ينفعه، وأما، قوله ﷺ : " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " (١) فهذا فيمن لم يفرط، وأن من ترك القضاء جهراً وجهاراً بدون عذر شرعي فما الفائدة أن نقضي عنه.