أو مطلقاً مقيداً، أو منسوخاً غير محكم، فيتسرع في الفتيا على ضوئه دون أن يراجع بقية الأدلة، وهذا غلط محض يحصل به إضلال المسلمين عن دينهم، ويحصل به البلبلة والإشكال حتى فيما يقوله العلماء الذين يفتون عن علم؛ لأن هذا الإفتاء الذي حصل لهم بغير علم والذي فيه مخالفة الحق ربما يضعه الشيطان في قلوبهم موضع القبول، فيحصل بذلك عندهم التباس وشك، لهذا نقول لإخواننا: إياكم والتسرع في الفتيا واحمدوا ربكم أنه ألزمكم أن لا تقولوا بشيء إلا عن علم أو عن بحث تصلونا فيه على الأقل إلى غلبت في الظن، وكم من مفسدة حصلت بالإفتاء بغير علم، فربما يحصل بذلك إفطار في صوم، أو قضاء صوم غير واجب، أو ربما تصل إلى حد أبلغ وأكبر مما ذكر، ويرد علينا أمور كثيرة في هذا الباب والله المستعان.
س ٤٣١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل منتدب لمكة للعمل في موسم الحج وقال: إن أذن لي مرجعي بالحج فسوف أحج. وأخذ معه ملابس الإحرام، والغالب على ظنه أن مرجعه سوف يأذن له، فإذا أذن مرجعه فمن أين يحرم؟ وهل يلزمه الرجوع للميقات الذي مر به ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الرجل الذي في مهمة لا يدري أيؤذن له أو لا، لا يلزمه الإحرام من الميقات، فإن أذن له أحرم من المكان الذي فيه الإذن.
стр. 8402
س ٤٣٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة ذهبوا للحج بالنقل الجماعي ولم ينتبه السائق للميقات إلا بعد أن تجاوزه بمائة كيلو فطالبه الركاب بالرجوع للميقات ليحرموا منه فرفض
العودة إليه وواصل الرحلة حتى وصلوا إلى جدة فماذا يلزمهم ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الواجب على السائق أن يتوقف عند الميقات ليحرم الناس منه؛ فإن نسي ولم يذكر إلا بعد مائة كيلو كما قال السائل فإن الواجب عليه أن يرجع بالناس حتى يحرموا من الميقات، لأنه يعلم أن هؤلاء يريدون العمرة أو يريدون الحج فإذا لم يفعل وأحرموا من مكانهم أي بعد تجاوز الميقات بمائة كيلو فإن عليهم على كل واحد فدية يذبحها في مكة، ويوزعها على الفقراء لأنهم تركوا واجباً من واجبات النسك سواء في حج أو عمرة، وفي هذه الحال لو حاكموا هذا السائل لربما حكمت المحكمة عليه بغرم ما ضمنوه من هذه الفدية، لأنه هو الذي تسبب لهم في غرمها، وهذا يرجع إلى المحكمة إذا رأى القاضي أن من المصلحة أن يقول للسائق: عليك قيمة الفدا التي ذبحها هؤلاء؟ لأنك أنت الذي اعتديت عليهم والنسيان منك أنت فرطت أولا ثم اعتديت عليهم ثانيا بمنعهم من حق الرجوع.
س ٤٣٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل لم يعقد نية الإحرام إلا بعد أن تجاوز الميقات جاهلاً، وكذلك لبس ثوبه قبل أن يحلق شعره ناسياً ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أما المسألة الأولى: الذي لم يحرم
стр. 8403
من الميقات جاهلاً فلا إثم عليه، لكن عليه عند العلماء أن يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء لأنه ترك واجباً. والثانية وهي كونه لبس قبل أن يقصر ناسياً فلا شيء عليه أيضًا.
س ٤٣٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد الذهاب إلى مكة في أول يوم من أيام الحج بدون أن يحرم فإذا جاء اليوم الثامن أحرم مفردا فهل يصح هذا الفعل ومن أين يحرم ؟
لْأجاب فضيلته بقوله-: الواجب على من أراد الحج والعمرة إذا مر بالميقات أن يحرم منه، ولا يحل له أن يؤخر؛ لقول النبي ﷺ : "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام
من الجحفة، وأهل اليمن من يلملم، وأهل نجد من قرن " (١) وفي لفظ "أمر النبي ﷺ أن يهل أهل المدينة من ذي الحليفة" (٢) إلى آخره، فلا يحل للإنسان إذا مر بالميقات وهو يريد الإحرام بالحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات بلا إحرام، فإن فعل قلنا له: ارجع وأحرم من الميقات، فإن أحرم من غير الميقات لزمه عند العلماء دم يذبح في مكة ويوزع على الفقراء في مكة.
س ٤٣٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: رجل ترك الإحرام من الميقات للعمرة فما حكم ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أولا: يجب أن نعلم أنه لا يحل
стр. 8404
لإنسان أن يتجاوز الميقات وهو يريد الحج أو العمرة إلا أن يحرم منه، لأن النبي ﷺ وقت المواقيت، وأمر بالإحرام منها لمن أتاها وهو يريد الحج أو العمرة.
ثانيا: إذا فعل الإنسان هذا- أي تجاوز الميقات بلا إحرام وهو يريد الحج أو العمرة- فإنه آثم عاص لله ورسوله، وعليه عند أهل العلم فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء، ولا يأكل منها شيئاً، جبراً لما ترك من واجب الإحرام حيث ترك واجباً في الإحرام، وهو ألن يكون الإحرام من الميقات.
س ٤٣٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أديت فريضة الحج ولم أحرم بالحج من الميقات إلا بعد أن تجاوزت هذا الميقات، لأنني كنت أجهل مناسك الحج، وقرأت بأن الإحرام من أركان الحج، ومن ترك الإحرام فلا حج له، فماذا يلزمني هل أعيد الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن المواقيت التي وقتها الرسول ﵊ يجب على كل من مر بها وهو يريد الحج أو العمرة أن يحرم منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بذلك، فمن تجاوزها وهو يريد الحج أو العمرة ولم يحرم وأحرم من دونها فإن عليه عند أهل العلم فدية جبراً لما ترك من الواجب، يذبحها بمكة ويوزعها كلها على الفقراء، ولا يأكل منها شيئاً.
وأما قول العلماء: إن الإحرام ركن، فمرادهم بالإحرام نية
стр. 8405
النسك، لا أن يكون الإحرام من الميقات؛ لأن هناك فرقاً بين نية النسك وبين كون النية من الميقات، فمثلاً قد يتجاوز الإنسان الميقات ولا يحرم ثم يحرم بعد ذلك فيكون هنا أحرم وأتى بالركن، لكنه ترك واجباً وهو كون الإحرام من الميقات، والرجل حسب ما فهمنا من سؤاله قد أحرم بلا شك، لكنه لم يحرم من الميقات فيكون حجه صحيحاً، ولكن عليه فدية عند أهل العلم تذبح في مكة وتوزع على الفقراء، إن استطاع أن يذهب هو بنفسه وإلا فليوكل أحداً، وإن لم يجد من يوكله ولم يستطع أن يذهب فمتى وصل إلى مكة في يوم من الأيام أدى ما عليه.
وأوجه هؤلاء وغيرهم ممن يعبدون الله تعالى على غير علم فإن كثيراً من الناس يصلون ويخلون بالصلاة وهم لا يعلمون وإن كان هذا قليلاً؛ لأن الصلاة والحمد لله تتكرر في اليوم خمس مرات ولا نخفى على أحكامها الكلية العامة على أحد، لكن الحج هو الذي يقع فيه الخطأ كثيراً لا من العامة ولا من بعض طلبة العلم الذين يفتون بغير علم، لذلك أنصح إخواني المسلمين وأقول: إذا أردتم الحج فاقرأوا أحكام الحج على أهل العلم الموثوقين بعلمهم وأمانتهم، أو ادرسوا من مؤلفات هؤلاء العلماء ما تهتدون به إلى كيفية أداء الحج، وأما أن تذهبوا إلى الحج مع الناس ما فعل الناس فعلتموه، وربما أخللتم بشيء كثير من الواجب فهذا خطأ، وإني أضرب لهؤلاء الذين يعبدون الله تعالى على غير علم مثلاً برجل أراد أن يسافر إلى المدينة وهو لا يعرف الطريق فهل هو يسافر بدون أن يعرف الطريق؟ أبداً لا يمكن أن يسافر إلا إذا عرف
стр. 8406
الطريق، إما برجل يكون دليلاً له يصاحبه، وإما بوصف دقيق يوصف له المسير، وإما بخطوط مضروبة على الأرض ليسير الناس عليها، وإما أن يذهب هكذا يعوم في البر فإنه لا يمكن أن يذهب، وإذا كان هذا في الطريق الحسي فلماذا لا نستعمله في الطريق المعنوي الطريق الموصل إلى الله؟! فلا نسلك شيئاً مما يقرب إلى الله إلا ونحن نعرف أن الله تعالى قد شرعه لعباده، هذا هو الواجب على كل مسلم أن يتعلم قبل أن يعمل، ولهذا بوَّب البخاري- ﵀ في كتابه الصحيح فقال: (باب العلم قبل القول والعمل) ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (١) .
س ٤٣٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد العمرة ولكنه ذهب إلى قريب له في الشرائع ولم يحرم من الميقات يريد الراحة عند قريبه ثم يرجع إلى الميقات ويحرم منه فهل هذا جائز
وما الأفضل في حقه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن لا يتجاوز الميقات حتى يحرم، ويمكنه أن يستريح عند أقاربه وهو محرم، والناس لا يرون في هذا بأسًا ولا خجلاً ولا حياءً، لكن لو فعل وقال: أستريح ثم
أرجع إلى الميقات وأحرم منه فلا حرج.
стр. 8407
س ٤٣٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قدم مكة في أشهر الحج للعمل ولم يحرم ثم نوى الحج وهو بمكة فمن أين يحرم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قدم الإنسان إلى مكة لا يريد الحج ولا العمرة، وإنما يريد العمل أو التجارة أو زيارة قريب أو عيادة مريض، ثم بدا له أن يحج أو يعتمر فإنه يحرم من المكان الذي بدا له أن يحج أو يعتمر فيه، إلا أنه إذا نوى العمرة وهي في الحرم فإنه يخرج إلى الحل.
س ٤٣٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- رجل قدم للعمل وأحرم بالحج وهو عرفة يشتغل فهل يجوز ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يحرم الإنسان بالحج في عرفة ولا بأس أن يشتغل وهو محرم، سواء اشتغل لنفسه أو اشتغل لغيره بأجرة، لقول الله ﵎: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .
س ٤٤٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قدمت إلى مكة الكرمة من أجل العمل فيها وأديت فريضة الحج عن نفسي، وفي السنة الثانية أردت أن أحج عن والدتي المتوفاة وقد سألت بعض الناس عن كيفية الإحرام، فقالوا لي: اذهب إلى جدة وأحرم من هناك وفعلاً ذهبت إلى جدة وأحرمت من هناك، وأتممت مناسك الحج فهل حجتي هذه صحيحة أم يلزمني شيء آخر أفعله أفيدوني بارك الله فيكم ؟
стр. 8408
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كنت في مكة فإن إحرامك بالحج يكون من مكانك الذي أنت فيه بمكة، ولا حاجة أن تخرج إلى جدة ولا إلى غيرها، ففي حديث ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ وقّت المواقيت ثم قال: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة".
أما إذا كنت تريد أن تحرم بعمرة وأنت في مكة فإنه لابد أن تخرج لأدنى الحل- أي إلى خارج حدود الحرم- حتى تهلَّ بها، ولهذا لما طلبت عائشة- ﵂ من النبي ﷺ أن تأتي بعمرة أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر- ﵄ أن يخرج بها إلى التنعيم حتى تهلَّ منه (١) .
وعلى هذا الذي قال لك: لابد أن تخرج إلى جدة لا وجه لقوله، وحجك صحيح إن شاء الله تعالى ما دام متمشياً على منهاج الرسول ﷺ ويكون لأمك كما أردته.
س ٤٤١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل بمكة المكرمة وينزل إلى مصر في إجازة سنوية فهل يلزمه الإحرام من الميقات إذا رجع إلى مكة ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا رجع الإنسان من بلده إلى مكة وكان قد أدى فريضة العمرة فإنه لا يلزمه الإحرام بعمرة ثانية لأن العمرة لا تجب في العمر أكثر من مرة كالحج، ولكنه إذا شاء أن
стр. 8409
يحرم فإنه يجب عليه أن يكون إحرامه من أول ميقات يمر به؛ لأن النبي ﷺ وقت المواقيت وقال: "هن لهن ولا من أتى عليهن من غير أهلهن " فمثلاً إذا كان من أهل مصر وذهب في الإجازة إلى مصر، ثم رجع إلى مقر عمله في السعودية ففي هذه الحال يجب أن يحرم من الميقات إذا كان يريد العمرة، وإن كان لا يريد العمرة فلا بأس أن يدخل بدون إحرام إلا إذا كان لم يؤد العمرة أولاً فإنه يجب عليه أن يبادر ويحرم بالعمرة من الميقات.
س ٤٤٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل لأهل مكة أن يحرموا من بيوتهم أم من مسجد التنعيم ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا يجوز لأحد أن يحرم من مكة لا أهل مكة ولا غيرهم إلا في الحج فقط، وأما العمرة فلا بد أن يخرجوا إلى التنعيم، أو إلى غيره من الحل، فمثلاً إذا كان في الرصيفة أو في غربي مكة ورأى أن الأسهل عليه أن يخرج عن طريق جدة ويحرم من الحديبية من جانبها الذي في الحل فلا بأس، أو كان في العوالي وأراد أن يخرج إلى عرفة ويحرم منها فلا بأس، لأن المقصود أن يحرم من الحل سواء من التنعيم أو من غيره.
س ٤٤٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يسكن في جدة وأهله في مكة وأحرم من بيت أهله في مكة ثم قضى حجه فما الواجب عليه وهل يجب عليه طواف الوداع ؟
стр. 8410
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا نوى أن يذهب إلى أهله ويحج معهم فليس عليه شيء ويحرم من مكة.
وإذا أراد أن يخرج إلى جدة فيجب عليه أن يطوف طواف الوداع.
س ٤٤٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل منتدب للعمل في مكة ولما وصل مكة أذن له مرجعه بالحج فمن أين يحرم هل يلزمه الرجوع للميقات ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: يحرم من مكانه بالحج. فإن أذنوا له في منى أحرم من منى، وإن أذنوا له في عرفة أحرم من عرفة.
س ٤٤٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد مكة من أجل العمل ولكن يريد إذا دخل مكة أن يسمح له رؤساؤه أن يعتمر، فإذا تجاوز الميقات هل يدخل محرماً أو لابسًا ثوبه ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا قصد الإنسان مكة للعمل فمر بالميقات وكان أدى من قبل فريضة الحج والعمرة فإنه لا يجب عليه الإحرام من الميقات لأن الحج والعمرة واجبان مرة واحدة في العمر، فإن كان قد أداهما ومر بالميقات وهو لم يرد الحج ولا العمرة فإنه لا يلزمه الإحرام؛ لأنه وجوب الإحرام من الميقات إنما يكون على من أراد الحج والعمرة، كما يدل على حديث ابن عباس- ﵄ لما ذكر المواقيت فقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو
стр. 8411
العمرة" (١) أما الداخل لمكة للعمل وكان أدى الحج والعمرة ولكنه أراد الإحرام فيما بعد فإنه يحرم من مكة إن كان يريد الحج، وإن كان يريد العمرة فإنه لابد أن يخرج إلى الحل ويحرم من الحل، إما التنعيم، أو الجعرانة، أو الحديبية على طريق جدة؛ لأن النبي ﷺ لما طلبت عائشة- ﵂ منه أن تأتي بالعمرة أمر أخاه عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم فتهل بالعمرة من هناك (٢) .
س ٤٤٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من خرج من الرياض إلى مكة ولم يقصد لا حجاً ولا عمرة ثم بعد وصوله مكة أراد الحج فأحرم من جدة قارناً فهل يجزئه الإحرام من جدة أم لابد من ذهابه إلى المواقيت المعلومة ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا تجاوز الإنسان الميقات وهو لا يريد حجاً ولا عمرة فليس عليه شيء، وإذا تجددت له النية للحج بعد أن تجاوز المواقيت فإنه يحرم من المكان الذي تجددت له فيه
النية، لقوله ﷺ : "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" (١) .
س ٤٤٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سافرت إلى الحجاز ولم يكن عندي نية للعمرة وعندما وصلت إلى جدة ومكثت فيها أياما وجدت ما يشجعني على أداء العمرة فهل أعتمر
стр. 8412
مع العلم أني لم أعتمر قبل ذلك أبداً؟
فأجاب فضيلته بقوله-: نقول في هذا الحال لك أن تحرم من جدة؛ لأنك في الأول لم ترد العمرة، ولكن يجب أن تعلم أن العمرة واجبة على الفور، وأن الواجب عليك أن تنوي العمرة حين مررت بالميقات ثم تؤدي العمرة وترجع إلى جدة، ولكن ما دام الأمر كما قال السائل: إنه قد ذهب إلى جدة وهناك وجد من يشجعه على العمرة فأحرم من هنالك وأدى العمرة نقول: لا حرج عليه، وليس عليه فدية، وعمرته هذه مجزئة عن عمرة الإسلام.
س ٤٤٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة سافروا للحج ثم تعطلت السيارة دون الميقات وقطع الغيار لا توجد إلا في مكة فهل المرسل من قبل الجماعة لشراء قطع الغيار يجب عليه
الإحرام لكونه سيمر بالميقات وهو مريد للحج والعمرة وبعد خروجه من مكة وإصلاح السيارة يؤدي نسكاً مرة ثانية أم يبقى في إحرامه ويشتري قطع الغيار ويؤدي مع الجماعة ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا يجب عليه الإحرام حين دخوله لشراء قطع الغيار؛ لأنه مر بالميقات وهو لا يريد الحج ولا العمرة وإنما يريد شراء حاجته ثم يرجع، وإذا رجع مع أصحابه أحرم معهم.
س ٤٤٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي مواقيت الحج الزمانية؟ وهل للعمرة ميقات زماني ؟
стр. 8413
فأجاب فضيلته بقوله-: مواقيت الحج الزمانية تبتدىء بدخول شهر شوال، وتنتهي إما بعشر ذي الحجة أي بيوم العيد، أو بآخر يوم من شهر ذي الحجة وهو القول الراجح لقول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) وأشهر جمع، والأصل في الجمع أن يراد به حقيقته، ومعنى هذا الزمن أن الحج يقع في خلال هذه الأشهر الثلاثة، وليس يفعل في أي يوم منها، فإن الحج له أيام معلومة، إلا أن مثل الطواف والسعي- إذا قلنا بأن شهر ذي الحجة كله وقت للحج- فإنه يجوز للإنسان أن يؤخر طواف الإفاضة وسعي الحج لآخر يوم من شهر ذي الحجة، ولا يجوز له أن يؤخرهما عن ذلك، اللهم إلا لعذر، كما لو نفست المرأة قبل طواف الإفاضة وبقى النفاس عليها حتى خرج ذي الحجة فهي معذورة في تأخير طواف الإفاضة، هذه هي المواقيت الزمانية للحج.
أما العمرة فليس لها ميقات زمني، فتفعل في أي يوم من أيام السنة، لكنها في رمضان تعدل حجة، وفي أشهر الحج اعتمر النبي ﷺ فكل عمره ﵊ في أشهر الحج، فعمرة الحديبية كانت في ذي القعدة، وعمرة القضاء كانت في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة، وعمرة الحج كانت مع الحج في ذي القعدة. وهذا يدل عن أن العمرة في أشهر الحج لها مزية وفضل لاختيار النبي ﷺ هذه الأشهر لها.
стр. 8414
س ٤٥٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي أشهر الحج ؟.
فأجاب فضيلته بقوله-: أشهر الحج كما قال الله : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) (١) وأشهر جمع شهر، والجمع أقله ثلاثة والثلاثة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
س ٤٥١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الإحرام قبل المواقيت المكانية ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: حكم الإحرام قبل المواقيت مكروه؛ لأن النبي ﷺ وقتها، وكون بعض الناس يحرم قبل أن يصلها فيه شيء من التقدم على حدود الله تعالى، ولهذا قال النبي ﷺ في الصيام: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم، أو يومين، إلا رجل
كان يصوم صوما فليصمه " (٢) وهذا يدل على أنه ينبغي لنا أن نتقيد بما وقته الشرع من الحدود الزمانية والمكانية، ولكنه إذا أحرم قبل أن يصل إليها فإن إحرامه ينعقد.
وهنا المسألة أحب أن أنبه إليها وهي: أن الرسول ﷺ لما وقت هذه المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (٣) فمن كان من أهل نجد ومر بالمدينة
стр. 8415
فإنه يحرم من ذي الحليفة، ومن كان من أهل الشام ومر بالدينة فإنه يحرم من ذي الحليفة، ولا يحل له أن ينتظر إلى أن يصل إلى ميقات أهل الشام الأصلي، هذا القول الراجح من أقوال أهل العلم.
س ٤٥٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الإحرام بالحج قبل دخول المواقيت الزمانية ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: اختلف العلماء- ﵏ في الإحرام بالحج قبل دخول أشهر الحج، فمنهم من قال: إن الإحرام بالحج قبل أشهره ينعقد ويبقى محرماً بالحج إلا أنه يكره أن يحرم بالحج قبل دخول أشهره.
ومن العلماء من قال: إنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره فإنه لا ينعقد، ويكون عمرة- أي يتحول إلى عمرة- لأن العمرة كما قال الرسول ﷺ "دخلت في الحج " وسماها الرسول ﷺ الحج الأصغر كما في حديث عمرو بن حزم المرسل المشهور الذي تلقاه الناس بالقبول (١) .
س ٤٥٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يصح الإحرام بالحج قبل أشهره ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: في هذا خلاف بين أهل العلم مع الاتفاق أنه لا يشرع أن يحرم بالحج قبل أشهره، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فإذا أحرم الإنسان بالحج في
стр. 8416
رمضان مثلاً فمن أهل العلم من يقول: إن إحرامه ينعقد ويكون متلبسا بالحج، لكنه يكره، ومنهم من يقول: إنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، لقول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) . فجعل الله تعالى ترتب أحكام الإحرام على من فرضه في أشهر الحج فدل ذلك على أن أحكام الإحرام لا تترتب على من فرضه في غير أشهر الحج، وإذا لم تترتب الأحكام فمعنى ذلك أنه لم يصح الإحرام.
س ٤٥٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: اعتمرنا في شهر رمضان وقد أحرمنا قبل وصول الطائرة مطار الملك عبد العزيز بجدة بنصف ساعة أو أكثر فما حكم هذا الإحرام وما هو ميقات
أهل الخليج العربي ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الحمد لله رب العالمين وأصلى وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فإنه قبل الجواب على هذا السؤال نقدم مقدمة وهي: أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يؤدي عبادة أن يفهم أحكامها أولاً قبل أن يتلبس بها، لئلا يقع في محظور منها، أو في ترك واجب؛ لأن هذا هو الذي أمر الله به (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (١) فبدأ بالعلم قبل العمل (اعلم واستغفر) ثم إن هذا الطريق هو الواقع النظري العقلي أن يعرف الإنسان طريق البلد قبل أن يسير إليه، ولا يختص هنا بالحج والعمرة اللذين يجهل كثير من الناس
стр. 8417
أحكامهما، بل يتناول جميع العبادات أن لا يدخل الإنسان فيها حتى يعرف ما يجب فيها، وما يمنع.
وأما بالنسبة لما ذكره السائل فإن الإحرام قبل الوصول إلى مطار الملك عبد العزيز الذي هو مطار جدة الجديد بنصف ساعة يبدو أنه إحرام صحيح، لأن المواقيت لا نظن أنها تتجاوز نصف ساعة بالطائرة من مطار جدة، فعلى هذا يكون إحرامهم بالعمرة قبل الوصول للمطار بنصف ساعة إحراماً صحيحاً ليس فيه شيء إن شاء الله.
وأما بالنسبة لميقات أهل الخليج فإن ميقات أهل الخليج هو ميقات غيرهم، وهي المواقيت الخمسة التي وقتها رسول الله ﷺ لمن أتى إلى مكة يريد الحج أو العمرة، وهي ذو الحليفة المسماة أبيار علي لأهل المدينة ولمن مر بها من غيرهم، والجحفة وهي لأهل الشام ولمن مر بها من غيرهم، وقد خربت الجحفة وصار الناس يحرمون بدلاً عنها من رابغ. وقرن المنازل لأهل نجد ومن مر به من غيرهم ويسمى الآن السيل الكبير، ويلملم لأهل اليمن ومن مر بها من غيرهم، وتسمى الآن السعدية، وذات عرق لأهل العراق (١) وقتها عمر- رضي الله- عنه وفي السنن عن النبي أنه وقتها وهي المسماة بالضريبة، هذه المواقيت لمن مر بها يريد الحج أو العمرة من أي قطر من أقطار الدنيا، فإذا مرَّ من طريق لا يمر بهذه المواقيت فإنه يحرم إذا حاذى هذه المواقيت؛ لأن عمر
﵁ أتاه أهل العراق وقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي
стр. 8418
- ﷺ وقت لأهل نجد قرناً، وإنها جور عن طريقنا- يعني مائلة عن طريقنا- فقال أمير المؤمنين عمر: (انظروا إلى حذوها من طريقكم) فقوله ﵁ (انظروا إلى حذوها) يدل على أنه من حاذى هذه المواقيت براً، أو بحراً، أو جواً أن يحرم، فإذا حاذى أقرب ميقات له وجب عليه الإحرام.
والظاهر لي أن طرق الخليج الجوية تمر من محاذاة قرن المنازل، وهو أقرب المواقيت إليها، وإذا لم يكن هذا صحيحاً فيسأل قائد الطائرة أين يكون طريقها، فإذا علم أنه حاذى أقرب ميقات إليه وجب عليه الإحرام منه، ولا يجوز لأهل الخليج ولا لغيرهم أن يؤخروا الإحرام حتى ينزلوا إلى جدة فإن هذا- وإن قال به من قال من الناس- قولٌ ضعيفٌ لا يعول عليه، وما ذكرناه عن عمر بن الخطاب- ﵁ وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم يدل على بطلان هذا القول إلا من وصل إلى جدة قبل أن يحاذي ميقاتاً مثل أهل سواكن في السودان، فإن أهل العلم يقولون: إنهم يصلون إلى جدة قبل أن يحاذوا رابغاً، أو يلملم؛ لأن جدة في زاوية بالنسبة لهذين الميقاتين فعلى هذا فيحرم أهل سواكن ومن جاء من هذه الناحية من جدة.
س ٤٥٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف يحرم المسافر بالجو ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: يحرم المسافر بالجو كما ذكرنا قبلا
стр. 8419
أي إذا حاذى الميقات يحرم، ولكن كي يصنع قبل إحرامه نقول: ينبغي له أن يغتسل في بيته، وأن يلبس ثياب الإحرام سواءً في بيته أو في الطائرة حين تستقل به الطائرة، وإذا بقي عليه إلى مطار جدة
حوالي نصف الساعة فليحرم، أي فليلبي يقول. لبيك عمرة إن كان محرماً بعمرة، أو لبيك حجًّا إن كان محرماً بحج.
س ٤٥٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم: إن أشهر الحج ثلاثة شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فهل ينعقد الحج، أيام التشريق ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أشهر الحج: يرى بعض العلماء أنها شهران وعشرة أيام، ويرى الآخرون أنها شهران وثلاثة عشر يوما تنتهي بآخر أيام التشريق، والظاهر أنها ثلاثة أشهر شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، ولا ينعقد الحج في أيام التشريق؛ لأن النبي ﷺ قال: "الحج عرفة" (١) . وقد فات يوم عرفة.
س ٤٥٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للإنسان أن يحرم بالحج وقد فات يوم عرفة في أيام التشريق أو بعد انتهاء أيام التشويق للعام القادم لأنه في أشهر الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا أحرم للعام للقادم فقد أحرم
стр. 8420
بالحج قبل أشهره، فينبني هذا على الخلاف: هل ينعقد الحج قبل أشهره؟ من العلماء من قال: ينعقد لكن مع الكراهة، ومنهم من قال: لا ينعقد، وعلى هذا يحول الإحرام إذا أحرم بالحج قبل أشهره
إلى العمرة ويطوف ويسعى ويقصر، وفي العام القادم يأتي بالحج.
س ٤٥٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز الإحرام قبل الميقات ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا ينبغي للإنسان أن يحرم بعمرة أو حج إلا من الميقات الذي وقت النبي ﷺ . والمواقيت خمسة وهي: ذو الحليفة والمسماة أبيار علي وهي لأهل المدينة ولمن مر بها. والجحفة وهي قرية خربت وصار الناس يحرمون بدلاً عنها من رابغ وهي لأهل الشام ولمن مر بهم، ويلملم ويقال لها: السعدية فهي ميقات أهل اليمن لمن مر بها، وقرن المنازل وهو
السيل الكبير وهو لأهل نجد ولمن مر به، وأما ذات عرق فهي التي تسمى الضريبة وهي لأهل العراق ولمن مر بها من غيرهم، وهذه المواقيت من أراد الحج والعمرة لا يجوز أن يتجاوزها حتى
يحرم منها لقول النبي ﷺ : "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة"، فقوله (يهل) خبر بمعنى الأمر، ولا ينبغي للإنسان أن يحرم قبل الوصول إلى هذه المواقيت، وقد نص أهل العلم على أن هذا مكروه.
стр. 8421
س ٤٥٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للإنسان إذا سافر للعمرة أو الحج بالطائرة أن يحتاط ويحرم قبل الميقات بقليل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإحرام بالطائرة ينبغي للإنسان أن يحتاط فيه، وذلك لأن الطائرة سريعة المرور فلهذا ينبغي أن يحتاط ويحرم قبل خمس دقائق أو دقيقتين ونحو ذلك.
س ٤٦٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في بعض البلاد الأفريقية يحرمون في المطار قبل المغادرة إلى مكة لأن الطائرات في بلدانهم لا يعرفون شيئاً عن الميقات فلذلك يسيرون بهؤلاء ولا
يخبرونهم عن الميقات فهم يحرمون في المطار قبل المغادرة بهذا السبب فما حكم ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هؤلاء الذين يأتون بالطائرة من بلادهم ولا يقوم أهل الطائرة بتبليغهم نقول: لا بأس أن تحرموا من المطار.
س ٤٦١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المسافر للحج أو العمرة بالطائرة إذا أخذ بالأحوط وذلك لسرعة الطائرة وأحرم قبل الوصول للميقات فما حكمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يكون في الطائرة نرى أنه يحتاط أي يحرم قبل خمس دقائق؛ لأنه لو أخر حتى يحاذي الميقات فالطائرة في دقيقة واحدة تأخذ مسافة طويلة، لهذا نقول:
стр. 8422
احتاط، ومن ثم كان القائمون على الطائرة- جزاهم الله خيراً- يعلنون قبل الوصول إلى الميقات أولاً بنصف ساعة أو ثلث ساعة، ثم بعشر دقائق.
س ٤٦٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس من باب الاحتياط وخوفاً من مرور الطائرة بالميقات بسرعة يحرمون عند صعود الطائرة مع أن قائد الطائرة يعلن بوقت كاف قبل
الوصول إلى محاذاة الميقات فما حكم هذا العمل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بحسن، والعلماء قالوا: يكره أن يحرم قبل الميقات، ولا داعي للاحتياط هنا.
س ٤٦٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض سكان جدة إذا أرادوا العمرة يأتون مكة ويحرمون منها فما حكم ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا فيه تفصيل فإذا كان الإنسان ساكناً في جدة ونزل إلى مكة لغير العمرة لغرض من الأغراض ثم بدا له في مكة أن يحرم، نقول: أحرم من التنعيم، أو من عرفة، المهم من أدنى الحل، وأما الذي قصد أن يعتمر وهو من أهل جدة فيجب أن يحرم من جدة ولا يؤخر.
تم بحمد الله تعالى
المجلد الحادي والعشرون
ويليه بمشيئة الله
المجلد الثاني والعشرون.
стр. 8423
باب الإحرام
стр. 8424
س ٤٦٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الاغتسال للمحرم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاغتسال للمحرم سنة، لثبوت ذلك عن النبي ﷺ سواء اغتسل مرة أو مرتين، ولكنه يجب أن يغتسل إذا احتلم وهو محرم فيغتسل من الجنابة، وأما الاغتسال للإحرام فهو سنة.
س ٤٦٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم وضع الطيب قبل الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: التطيب عند الإحرام بعد الاغتسال سنة؟ وذلك أن النبي ﷺ تطيب لإحرامه، قالت عائشة ﵂: "كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم " (١) وكان يُرى وبيص المسك في مفارق رأسه ﷺ وهو محرم (٢) .
س ٤٦٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تطييب ثياب الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ولا الورس " (٣) .
стр. 8425
س٤٦٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على الإنسان أن يغتسل في اليوم الذي ينوي فيه العمرة، أم أن له أن يغتسل قبلها بيوم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاغتسال عند الإحرام سنة، فإنه ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل (١) ، ولأن أسماء بنت عميس ﵂ نفست فأمرها ﷺ أن تغتسل وتحرم (٢) ، ومن اغتسل قبل الإحرام بيوم لم ينفعه ذلك، ولكن الحج أو العمرة صحيح، لأن الاغتسال ليس بشرط في الحج أو العمرة، بل إنه سنة إن فعله الإنسان أثيب عليه، وإن تركه فلا إثم عليه. والله الموفق.
س ٤٦٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأيكم فيمن يغتسل في بيته ويسافر للحج أو العمرة وينوي إذ! وصل إلى الميقات خصوصاً في الأيام الباردة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يغتسل في بيته ويسافر إذا كان اغتساله عند السفر، ولكنه إن تمكن من أن يغتسل في الميقات فهو أفضل.
стр. 8426
س ٤٦٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يوجد بعض المحرمين يحرم بإزار دون رداء. فما حكم عمرته ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإزار يستر عورته فإن نسكه صحيح، أما إذا كان الإزار لا يستر عورته فإن نسكه غير صحيح؛ لأن من شروط الطواف ستر العورة، كما جاء في الحديث الصحيح: "لا يطوف بالبيت عريان " (١) فإذا كان الإزار ساتراً للعورة فإنه يصح النسك، ولكن الأفضل أن يحرم بإزار ورداء.
س ٤٧٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا وقع على ثوب الإحرام دم قليل أو كثير فهل يصلى فيه وفيه الدم، وماذا يفعل المحرم في الطواف والسعي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدم إذا كان طاهراً فإنه لا يضر إذا وقع على الإحرام أو غيره من الثياب، والدم الطاهر من البهيمة هو الذي يبقى في اللحم والعروق بعد ذبحها: كدم القلب ودم الفخذ
ونحو ذلك، وأما إذا كان الدم نجساً فإنه يغسل سواءً في ثوب الإحرام أو غيره، وذلك الدم المسفوح، فلو ذبح شاة مثلاً وأصابه من دمها فإنه يجب عليه أن يغسل هذا الذي أصابه، سواءً وقع على ثوبه أو على ثوب الإحرام، أو على بدنه، إلا أن العلماء ﵏ قالوا: يعفى عن الدم اليسير لمشقة التحرز منه.
стр. 8427
وأما قوله: "وماذا على المحرم في الطواف والسعي "، فعليه ما ذكره العلماء من أنه يطوف بالبيت ويجعل البيت عن يساره، ويبدأ بالحجر الأسود وينتهي عند الحجر الأسود، سبعة أشواط لا تنقص، وكذلك يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط لا تنقص، يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة، وما يفعله الحجاج معروف في المناسك فليرجع إليه هذا السائل.
س٤٧١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما السنة في الإزار والرداء للمحرم وهل يشترط أن يكونا جديدين ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يشترط في الإزار والرداء أن يكونا جديدين، ولكن يستحب أن يحرم في ثوبين نظيفين أبيضين، وكلما كانا أنظف فهو أحسن، لأن الله تعالى جميل يحب الجمال.
س ٤٧٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرمة أن تغير الثياب التي أحرمت فيها؟ وهل للإحرام ثياب تخصه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمرأة المحرمة أن تغير ثيابها إلى ثياب أخرى، سواء كان ذلك لحاجة أم لغير حاجة، لكن بشرط أن تكون الثياب الأخرى ليست ثياب تبرج وجمال أمام الرجال، وعلى هذا فإذا أرادت أن تغير شيئاً من ثيابها التي أحرمت بها فلا حرج عليها.
وليس للإحرام ثياب تخصه بالنسبة للمرأة بل تلبس ما
стр. 8428
شاءت، إلا أنها لا تلبس النقاب ولا تلبس القفازين، والنقاب هو الذي يوضع على الوجه ويكون فيه نقب للعين، وأما القفازان فهما اللذان يلبسان في اليد، ويسميان شراب اليدين.
وأما الرجل فإن له لباساً خاصاً في الإحرام وهو الإزار والرداء، فلا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا العمائم، ولا البرانس ولا الخفاف.
س ٤٧٤ (*) : سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم أداء السنة في مسجد الميقات وكم عددها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك سنة تختص بمسجد الميقات ولا بالإحرام، فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان إذا أراد أن يحرم صلى ركعتين، لكنه أهلّ بعد صلاة بمعنى أنه صلى الفريضة ثم أهل أي لبى، ولهذا كان القول الراجح ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ أنه ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن ينبغي أن يجعل الإحرام بعد صلاة: فإن كان وقت فريضة انتظر حتى يصلي الفريضة ويحرم، وإن كان في وقت نافلة كصلاة الضحى مثلاً، أوصلاة ركعتين بعد الوضوء، أو صلاة تحية المسجد فليكن إحرامه بعد هذه الصلاة، أما أن ينوي صلاة خاصة للإحرام فإن هذا لا أعلم فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 8429
س ٤٧٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم ركعتي الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ركعتا الإحرام وهما الركعتان اللتان يصليهما من أراد الإحرام غير مشروعتين؟ لأنه لم يرد عن النبي ﵊ أن للإحرام صلاة تخصه، وإذا لم يرد عن النبي ﵊ مشروعيتهما فإنه لا يمكن القول بمشروعيتهما، إذ إن الشرائع إنما تتلقى من الشارع فقط، ولكنه إذا وصل إلي الميقات وكان قريباً من وقت إحدى الصلوات المفروضة فإنه
ينبغي أن يجعل عقد إحرامه بعد تلك الصلاة المفروضة؟ لأن النبي ﷺ أهل دبر الصلاة (١) ، كذلك لو أراد الإنسان أن يصلي سنة الوضوء بعد اغتسال الإحرام وكان من عادته أن يصلي سنة الوضوء فإنه يجعل الإحرام بعد هذه السنة.
س ٤٧٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم يجعل الإحرام بعد سنة الوضوء إن كان من عادته أنه يصليها. فإذا لم يكن من عادته أنه يصليها فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرى أنه لا بأس، فلا يلزم أن الإنسان إذا فعل شيئاً أن يفعله في كل حال، فما دام السنة في الوضوء مشروعة وأراد أن يصلي فهذا لا بأس به ولا حرج حتى لو كان من
عادته أنه لا يصليها.
стр. 8430
س ٤٧٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عندي كتاب لفضيلتكم قلتم فيه: عند نية الإحرام يصلي ركعتين الفريضة إذا كان وقت فريضة وإلا صلى ركعتين يقصد بها سنة الوضوء فما
معنى هذا الكلام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: معنى هذا الكلام أن الإنسان إذا اغتسل عند الميقات يريد الإحرام بحج أو عمرة فإن كان في وقت صلاة فريضة مثل أن يكون قد حان صلاة الظهر أو صلاة العصر صلى تلك الفريضة ثم أحرم بعدها، وإن لم يكن وقت فريضة كما لو كان وصوله إلى الميقات في وقت الضحى أو في الليل بعد صلاة العشاء فإنه في هذه الحال بعد أن يغتسل ويتوضأ يصلي ركعتين سنة الوضوء؛ لأنه يسن بعد كل وضوء أن يصلي الإنسان ركعتين، فإذا صلى هاتين الركعتين فإنه يحرم بعدهما وبه يعلم أنه ليس للإحرام صلاة تخصه، لأنه لم يرد عن الرسول ﷺ أنه صلى للإحرام صلاة تخصه، وعلى هذا فإذا لم يكن هذا وارداً عن النبي ﷺ فإنه يقتصر على ما جاءت به السنة، وهو أن يحرم عقب صلاة مشروعة بغير الإحرام: إما سنة الوضوء، أو ركعتي الضحى، أو صلاة الفريضة إن كان وقت فريضة.
س ٤٧٨: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: هل للإحرام صلاة تخصه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصواب أنه ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إن كان وقت فريضة جعل إحرامه بعدها كما فعل
стр. 8431
النبي ﷺ (١) ، أما أن يتقصد للإحرام صلاة خاصة فلا. ولو أحرم بدون صلاة مفروضة كما لو صادف إحرامه ضحى ولم يصل فلا شيء عليه.
س ٤٧٩: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: هل للإحرام صلاة تخصه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس للإحرام صلاة تخصه لكن إذا وصل الإنسان إلى الميقات وهو قريب من وقت الفريضة فالأفضل أن يؤجل الإحرام حتى يصلي الفريضة ثم يحرم، أما إذا وصل إلى الميقات في غير وقت فريضة فإنه كما هو معلوم يغتسل كما يغتسل من الجنابة ويتطيب ويلبس ثياب الإحرام، ثم إن أراد أن يصلي صلاة الضحى فيما إذا كان في وقت الضحى، أو أن يصلي سنة الوضوء فيما إذا لم يكن في وقت الضحى وصلى سنة الوضوء وأحرم بعد ذلك فحسن، وأما أن يكون هناك صلاة خاصة للإحرام فإن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ .
س ٤٨٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل ورد نص عن الرسول ﷺ في الركعتين عند الإحرام ولم يوافق ذلك فريضة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لم يرد عن النبي ﷺ في ذلك صلاة خاصة للإحرام، ولهذا نقول إن كان في وقت فريضة أحرم بعد الفريضة، وإلا أحرم بدون صلاة، وإن صلى بنية الوضوء فهذا
стр. 8432
حسن، أو كان في وقت الضحى وصلى بها سنة الضحى فهذا حسن أيضاً.
س ٤٨١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل للإحرام صلاة تخصه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ فمنهم من قال: إن الإحرام له صلاة تخصه؛ لأن جبريل أتى النبي ﷺ وقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة وحجة، أو عمرة في حجة (١) .
ومنهم من قال: إنه ليس له صلاة تخصه، وأن جبريل قال للنبي ﷺ : صلِّ في هذا الوادي المبارك؛ يعنى صلاة الفرض، فإن النبي ﷺ أهل دبر صلاة مفروضة.
ولكن إذا أراد الإنسان بعد اغتساله للإحرام، ووضوئه أن يصلي ركعتين سنة الوضوء فهذا خير ويكون الإحرام عقب سنة الوضوء.
ولكن هل يهل من حين أن يحرم؟ أم يهل إذا ركب؟
من العلماء من يقول: لا يهل إلا إذا ركب، ومنهم من قال: يهل عند إحرامه، ويهل إذا ركب، ويهل إذا علت به ناقته على البيداء، إذا كان محرماً من ميقات أهل المدينة.
стр. 8433
س ٤٨٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز التلفظ بالنية لأداء العمرة أو الحج أو الطواف والسعي بالبيت الحرام؟ ومتى يجوز التلفظ بها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: التلفظ بالنية لم يرد عن النبي ﷺ ، لا في الصلاة ولا في الطهارة ولا في الصيام ولا في أي شيء من عباداته ﷺ ، حتى في الحج أو العمرة. لم يكن ﷺ يقول: اللهم إني أريد كذا وكذا: ما ثبت عنه ذلك ولا أمر به
أحداً من أصحابه، غاية ما ورد في هذا الأمر أن ضباعة بنت الزبير ﵂ شكت إليه أنها تريد الحج وهي شاكية (مريضة) فقال لها النبي ﷺ : "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني، فإن لك على ربك ما استثنيتى" (١) وإنما كان الكلام هنا باللسان لأن عقد الحج بمنزلة النذر، والنذر يكون باللسان. لأن الإنسان لو نوى أن ينذر في قلبه لم يكن ذلك نذراً ولا ينعقد النذر، ولما كان الحج مثل النذر في لزوم الوفاء عند الشروع فيه أمرها النبي ﵊ أن تشترط بلسانها، وأن تقول: (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) . وأما ما ثبت به الحديث عن رسول الله ﷺ ، ومنه قوله: "إن جبريل أتاني وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة أو عمرة وحجة" (٢) ، فليس معنى ذلك أنه يتلفظ بالنية، ولكن معنى ذلك أنه يذكر نسكه في تلبيته،
стр. 8434
وإلا فالنبي ﵊ ما تلفظ بالنية.
س ٤٨٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في شرحكم لرياض الصالحين قلتم: إن كل نية يتلفظ بها في كل عمل فهي بدعة، ومثلتم بالصلاة والصوم والحج، فهل التلفظ بنية الحج داخل في البدعة أم أن ذلك سهو ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بسهو، بل التلفظ بنية الحج كالتلفظ بنية الصوم والزكاة والصلاة، يعنى أنه لا يقول الإنسان: اللهم إني نويت الحج، لكن ينوي بقلبه ويعرب عما في قلبه بلسانه، فيقول: لبيك عمرة. وأما أن ينطق بالنية قبل أن يدخل في النسك فيقول: اللهم إني نويت كذا، فهذا بدعة؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه قال حين أراد الإحرام بالعمرة أو الحج: اللهم إني نويت العمرة، أو اللهم إني نويت الحج.
س ٤٨٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يشكل على بعض الناس النطق بالنية إذا قال الحاج لبيك عمرة مثلاً أو قول المضحي هذه عن فلان أي تسمية صاحب الأضحية عند الذبح فأرجو رفع الإشكال ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا إشكال في ذلك، لأن قول المضحي: هذه عني وعن أهل بيتي، إخبار عما في قلبه، لم يقل: اللهم إني أريد أن أضحي. كما يقوله من ينطق بالنية، بل أظهر ما
стр. 8435
في قلبه فقط، وإلا فإن النية سابقة من حين أن أتى بالأضحية وأضجعها وذبحها فقد نوى، وكذلك يقال في النسك: لبيك حجاً، لبيك عمرة، وليس هذا من باب ابتداء النية، لأنه قد نوى من قبل، ولهذا لا يشرع أن نقول: اللهم إني أريد العمرة، اللهم إني أريد الحج، بل انوِ بقلبك ولبِّ بلسانك، وأما التكلم بالنية في غير الحج والعمرة والأضحية فهذا أمر معلوم أنه ليس بمشروع، فلا يسن للإنسان إذا أراد أن يتوضأ أن يقول: اللهم إني أريد أن أتوضأ، اللهم إني نويت أن أتوضأ أو بالصلاة: اللهم إني أريد أن أصلي، اللهم إني نويت أن أصلي. كل هذا غير مشروع، وخير الهدي هدي محمد ﷺ .
س ٤٨٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عند الإحرام كانت نيتي عمرة متمتعة بها إلى الحج، ولكن لفظت حجاً متمتعة به إلى العمرة، والعمل كان بالنية لا باللفظ، فما هو الموقف من
هذا العمل وهذا الحج وهل هو صحيح بالنية أم باللفظ ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الذي لفظت به سبقة لسان غير مقصود منك فلا أثر له، لقول النبي ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى" (١) . فإذا كانت نيتك أن تحرمي بالعمرة متمتعة بها إلى الحج ولكن غلطت وقلت: أحرمت بالحج متمتعة به إلى العمرة، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا
стр. 8436
يضر، لأن العبرة بما في القلب، وسبق اللسان بغير ما قصد الإنسان لا يضره شيئاً. والله الموفق.
س ٤٨٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: قبل ثلاث سنوات ونصف نويت أداء فريضة الحج وقمت من منزلي بنية الحج، وذهبنا وأحرمت من الميقات وقلت: نويت نية العمرة،
وبعدها سألني زوجي فقال لي: ماذا نويت؟ فقلت له؟ نويت حجة. وهي حجة الفرض وبعدها ذهبت إلى منى وأديت جميع مناسك الحج، ووقفت بعرفة، وكانت كل أدعيتي في جميع المناسك أن يتقبل الله مني حجتي. فماذا تكون هذه حجة أم عمرة؟ وماذا عليّ أفيدونا جزاكم الله خيراً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت أولاً نويت العمرة ثم نويت الحج فإنك تكونين قد أدخلت الحج على العمرة، فإذا فعلت ذلك فإنك تكونين قارنة وهذا كاف للحج والعمرة.
وما فعلتيه يكون أحد صفتي القران، لأن للقران صفتين:
الأولى: أن ينوي الإنسان العمرة والحج من أول إحرامه.
والثانية: أن ينوي العمرة أولاً ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها. والله الموفق.
س ٤٨٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الذي يجب على المسلم الذي ينوي الحج والعمرة في وقت واحد؟ وهل يقبل أن يحج لنفسه والعمرة يهديها للوالد ؟
стр. 8437
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان يريد الإحرام بالحج والعمرة جميعاً في آن واحد فإنه يقول عند الميقات: لبيك عمرة وحجة، ويبقى على إحرامه إلى يوم العيد، فإذا وصل إلى مكة أول ما يصل فإنه يطوف طواف القدوم، ويسعى بين الصفا والمروة للحج والعمرة جميعاً سعياً واحداً يكفيه لهما، ويبقى على إحرامه ويخرج مع الناس فيؤدي الحج، فإذا كان يوم العيد فرمى ونحر وحلق ذهب إلى مكة فطاف طواف الإفاضة ينوي به طواف العمرة والحج جميعاً هذا هو القارن، وعليه هدي يذبحه
يوم العيد أو في الأيام الثلاثة بعده، يأكل منه ويهدي ويتصدق منه، ويجوز الإنسان أن يجعل ثواب العمرة لأحد والديه، وثواب الحج له إذا كان قد أدى الفريضة من قبل، والأفضل للإنسان أن
يحرم أولاً بالعمرة ثم إذا انتهى منها حل وبقي حلالاً إلى اليوم الثامن ذي الحجة ثم يحرم بالحج، وهذا هو التمتع الذي أمر النبي ﷺ أصحابه به، وعليه فإذا وصل إلى الميقات أحرم بالعمرة، ثم إذا وصل إلى مكة طاف وسعى بين الصفا والمروة وقصر ولبس ثيابه، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج.
س ٤٨٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: امرأة تسأل تقول أنها لا تعلم بأنساك الحج الثلاثة ولا تعلم النية فيها وتقول لها خمس حجج وهي تحج يوم التروية تذهب مع الناس إذا ذهبوا عرفة
ذهبت وكذلك مزدلفة وترمي الجمار ليس لها نية محددة من الأنساك الثلاثة فتسأل عن صحة حجها في هذه الأعوام ؟
стр. 8438
فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر أن حجها صحيح لأنها كأنها تقول: أحرمت بما الناس محرمون به، والإحرام بما أحرم به فلان جائز، كما قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب في حجة الوداع وكان قد بعثه إلى اليمن مع أبي موسى الأشعري ﵄ فقال له: "بم أهللت؟ " فقال: بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: فإن معي الهدي، فجعله قارناً، وأما أبو موسى الأشعري فقال: إنه أهل بما أهل به رسول الله ﷺ ولكن لما
لم يكن معه هدي أمره أن يجعلها عمرة، لأن التمتع أفضل من القران، فهذه المرأة لا شك مما يظهر لنا أنها أحرمت بما أحرم به الناس، وإنها تقول: دربي درب الناس، لكن الواجب على الإنسان إذا أراد العبادة سواء حجًّا أو صوماً أو صدقة أو غير ذلك الواجب أن يتعلم قبل أن يتقدم، أما بعد أن فعل يأتي ويقول: ما الحكم؟ هذا لا شك أنه خلاف الأولى.
س ٤٨٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من حج مع الناس دون تحديد نسكه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ماذا قال هذا الحاج عند الإحرام: لبيك. ماذا؟ لبيك مع الناس؟ لابد أن يعين حج أو عمرة أو ما أشبه ذلك، لكن لو قال: لبيك بمثل ما أحرم به فلان، يعني معه طالب علم مثلاً، فقال لبيك بمثل ما أحرم به فلان، فيكفي وينظر فلان ماذا لبى به، ودليل ذلك أن النبي ﷺ بعث أبا موسى الأشعري وعلى بن أبي طالب- ﵄ إلى اليمن، وقدم عليه في
стр. 8439
مكة في حجة الوداع فقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب "بم أهللت؟ " قال. قلت: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ فقال: إن معي الهدي، فقال: فلا تحل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشرك علي بن أبي طالب في الهدي (١) فصار علي كأنه قد ساق الهدي ومن ساق الهدي فلا يمكن أن يحل إلا يوم العيد، أما أبو موسى فقال: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ . قال: اجعلها عمرة. اجعلها عمرة (٢) ؛ لأن أبا موسى لم يسق الهدي، والشاهد من هذا أنه يجوز أن يحرم الإنسان بما أحرم به فلان، ويسأل أنت
أحرمت بحج أو بعمرة ويمشي على ما هو عليه.
س ٤٩٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض العوام من الرجال والنساء حينما يأتون إلى المواقيت للعمرة يقولون: من أراد أن يدخل بشيء إلى مكة مثل شنطة أو بفلوس فليحرم بها معه،
فهل لهذا أصل وهل هو بدعة؟ وإذا نسي الإنسان أن يتطيب عند الإحرام فهل يتطيب بعد الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أصل لهذا إطلاقاً وهو غلط. ولا يسمى بدعة وإنما هو ناشىء عن الجهل، حتى لو فرضنا أن الإنسان أحرم بدون نعال ثم لبس النعال فلا شيء في ذلك.
أما قول بعض العوام: لا بد أن تحرم في نعالك ولا تفسخها
стр. 8440
حتى تنتهي من الإحرام يعني ما تغيرها، فهذا غلط، وتغير ثياب الإحرام إلى ثياب أخرى فالإحرام بها جائز، وتغير النعال ولبس النعال وإن كنت حين الإحرام غير لابس جائز.
أما الطيب إذا لم تتطيب قبل الإحرام فلا تتطيب بعد الإحرام.
س ٤٩١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو الاشتراط؟ وما حكمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: صفة الاشتراط أن الإنسان إذا أراد الإحرام يقول: (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) يعنى فإنني أحل، فإذا حبسني حابس أى منعني مانع عن إكمال النسك،
وهذا يشمل أي مانع كان، لأن كلمة حابس نكره في سياق الشرط فتعم أي حابس كان، وفائدة هذا الشرط أنه لو حصل له حابس يمنعه من إتمام النسك فإنه يحل من نسكه ولا شيء عليه.
وقد اختلف أهل العلم في الاشتراط:
فمنهم من قال: إنه سنة مطلقاً، أي أن المحرم ينبغي له أن يشترط، سواء كان في حال خوف أو في حال أمن، لما يترتب عليه من الفائدة، والإنسان لا يدري ما يعرض له.
ومنهم من قال: إنه لايسن إلا عند الخوف، أما إذا كان الإنسان آمناً فإنه لا يشترط.
ومنهم من أنكر الاشتراط مطلقاً.
والصواب القول الوسط، وهو أنه إذا كان الإنسان خائفاً من