تطوف؛ لأنها لو كانت تطوف لم تكن لتحبس النبي ﷺ ، وكذلك حديث عائشة- ﵂ حين حاضت بسرف فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: "ما يبكيك لعلك نفست؟ " قالت: نعم. قال: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم " ثم أمرها أن تحرم للحج وأن تفعل ما يفعله الحاج غير أن لا تطوف بالبيت ولا بالصفا والمروة (١) وإنما تركت الطواف بالصفا والمروة لأنه يكون بعد الطواف بالبيت، وإلا فإن الطواف بالصفا والمروة لا يمتنع بسبب الحيض..
س٥٧٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المرأة الحائض إذا حاضت في الميقات فماذا تعمل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت المرأة حائضاً ووصلت إلى الميقات فإنها تغتسل وتحرم، وتبقى حتى تطهر، وإذا طهرت طافت وسعت وقصرت، وإذا كانت تخشى أن يرجع أهلها قبل أن تطهر فلا تحرم فإن قدر أنهم بقوا حتى طهرت فإنها تخرج إلى التنعيم وتحرم منه.
س ٥٧٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة استعملت مانعاً للحيض من أجل الحج ومع التعب نزل عليها شي مثل الكدرة فما حكمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بشي قالت أم عطية- رضي
стр. 8507
الله عنها- "كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً" (١) حتى وإن استمر ما دام لم يكن دماً خالصاً فليس بشي.
س ٥٧٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للحائض أن تعتمر أو تحج؟ وما هي الأمور التي يجب عليها أثناء ذلك عندما تحرم من الميقات ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحائض لها أن تحج وتعتمر وعند الميقات تفعل ما يفعله غيرها: تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم كغيرها من الناس، وتفعل ما يفعله الناس سواء بسواء إلا الطواف بالبيت؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس- ﵂ زوج أبي بكر ﵁ حين ولدت في ذي الحليفة محمد بن أبي بكر أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم (٢) ، وقال لعائشة- ﵂ حين حاضت "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت " (٣) فلم تطف بالبيت ولا بالصفا والمروة، وبقية أفعال النسك تفعله الحائض والنفساء كغيرها وتقف في عرفة وفي مزدلفة وترمي الجمرات وتدعو في عرفة وفي مزدلفة وبين الجمرات كسائر الناس.
стр. 8508
س ٥٧٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد قدمت للعمرة أنا وأهلي ولكن حين وصولنا إلى جدة أصبحت زوجتي حائضاً ولكني أكملت العمرة بمفردي دون زوجتي فما الحكم
بالنسبة لزوجتي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم بالنسبة لزوجتك أن تبقى حتى تطهر ثم تقضي عمرتها، لأن النبي ﷺ لما حاضت صفية ﵂ قال: "أحابستنا هي؟ " قالوا: إنها قد أفاضت.
قال: "فلتنفر إذن " (١) فقوله ﷺ : " أحابستنا هي؟ " دليل على أنه يجب على المرأة أن تبقى إذا حاضت قبل طواف الإفاضة حتى تطهر ثم تطوف، وكذلك طواف العمرة مثل طواف الإفاضة لأنه ركن من أركان العمرة، فإذا حاضت قبل الطواف انتظرت حتى
تطهر ثم تطوف.
س ٥٧٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ذهبت للعمرة ومرت بالميقات وهي حائض فلم تحرم وبقيت في مكة حتى طهرت فأحرمت من مكة فهل هذا العمل جائز ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل ليس بجائز، والمرأة التي تريد العمرة لا يجوز لها مجاوزة الميقات إلا بإحرام حتى لو كانت حائضاً فإنها تحرم وهي حائض وينعقد إحرامها ويصح. والدليل على ذلك أن أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر- ﵄
стр. 8509
ولدت والنبي ﷺ نازل في ذي الحليفة يريد حجة الوداع فأرسلت إلى النبي ﷺ كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي "، ودم الحيض كدم النفاس فنقول للمرأة الحائض إذا مرت بالميقات وهي تريد العمرة أو الحج نقول لها: (اغتسلي
واستثفري بثوب وأحرمي) . والاستثفار معناه أنها تشد على فرجها خرقة وتربطها ثم تحرم سواء بالحج أو العمرة، ولكنها إذا أحرمت ووصلت إلى مكة لا تأتي إلى البيت ولا تطوف به حتى تطهر،
ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة- ﵂ حين حاضت في أثناء العمرة قال لها: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري " هذه رواية البخاري ومسلم (١) ، وفي صحيح البخاري أيضاً ذكرت عائشة ﵂ أنها لما طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة (٢) فدل هذا على أن المرأة إذا أحرمت بالحج أو العمرة وهي حائض، أو أتاها الحيض قبل الطواف فإنها لا تطوف ولا تسعى حتى تطهر وتغتسل، أما لو طافت وهي طاهر وبعد أن انتهت من الطواف جاءها الحيض فإنها تستمر وتسعى ولو كان عليها الحيض، وتقصر من رأسا وتنهي عمرتها؛ لأن السعي بين الصفا والمروة لا يشترط له الطهارة.
стр. 8510
س ٥٧٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا نوت المرأة العمرة أو الحج وكانت حائضاً أو نفساء ماذا تعمل؟ وما الحكم لو حاضت بعد إحرامها أو بعد نهاية طوافها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا مرت المرأة بالميقات وهي تريد العمرة أو الحج وهي نفساء أو حائض، فإنها تفعل ما يفعله الطاهرات، أي تغتسل ولكنها تستثفر بثوب أي تتلجم به، وتحرم، فإذا طهرت طافت وسعت وقصَّرت وانتهت عمرتها، وأما إذا أتاها الحيض أو النفاس بعد الإحرام فإنها تبقى على
إحرامها حتى تطهر ثم تطوف وتسعى وتقصر. وأما إذا أتاها الحيض بعد الطواف فإنها تمضي في عمرتها ولا يضرها شيء، لأن ما بعد الطواف لا يشترط فيه الطهارة من الحدث ولا الطهارة
من الحيض.
س ٥٨٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قد يحمل المرأة حبها للخير أن تستعمل بعض الموانع لمنع الدورة الشهرية لأجل العمرة أو لأجل صلاة رمضان فما حكم ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما من أجل صلاة رمضان أو الصيام فلا تستعملها؛ لأن الأمر واسع- والحمد لله- وهذا شيء كتبه الله على بنات آدم، كما قال النبي ﷺ (١) وهذه الحبوب بلغني من أطباء مخلصين صادقين أن فيها أضراراً عظيمة، وأما العمرة فهذه ربما يرخص فيها؛ لأن العمرة مشكلة تفوت لو جاء الحيض من
стр. 8511
حين الإحرام قبل الطواف ورجعوا قبل أن تطوف فهي مشكلة، فالعمرة ربما يرخص فيها، وأما من أجل الصيام والقيام وقراءَة القرآن فلا.
س ٥٨١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم فيمن حاضت بعد وصولها لمكة وأهلها يريدون السفر من مكة فهل ينتظرون أم يسافرون سواء كانت مسافة قصر أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حاضت قبل أن تطوف فإنها تبقى حتى تطهر ثم تطوف وتكمل العمرة إلا إذا كانت قد اشترطت عند الإحرام إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني، فإنها في هذه
الحال تتحلل وتخرج مع أهلها ولا حرج عليها.
س ٥٨٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما صفة التلبية وهل تستحب على كل حال أم أن لها مواطن تستحب فيها؟ وما هو القول الراجح في وقتها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: صفة التلبية أن يقول الإنسان: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ومعنى قول الإنسان: (لبيك) أي إجابة لك يا رب، لإرادة التكرار، وليس المعنى أن الإنسان يجيب ربه مرتين فحسب، بل المعنى أنه يجيبه مرة بعد أخرى، فالتثنية هنا مراد بها مجرد التكرار والتعدد، فمعناها إجابة الإنسان ربه وأقامته على طاعته، ثم أنه بعد هذه الإجابة يقول: "إن الحمد والنعمة لك
стр. 8512
والملك " الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، فإذا كرر صار ثناء والنعمة هي ما يتفضل الله به على عباده من حصول المطلوب ودفع المكروه، فالله وحده هو المنعم كما قال الله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) (١) وقوله: (الملك) يعني والملك لك، فالله تبارك تعالى هو المالك وحده، كما يدل على هذا قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (٢) وقوله: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (٣) .
وقوله: (لا شريك لك) أي لا أحد يشاركك بما يختص بالله من صفاته الكاملة بما في ذلك انفراده بالملك والخلق والتدبير والألوهية، هذا موجز لمعنى التلبية التي يلبي بها كل مؤمن حاج أو معتمر، وهي مشروعة من ابتداء ارتداء الإحرام إلى رمي جمرة العقبة في الحج، وفي العمرة من ابتداء الإحرام إلى الشروع في الطواف.
س ٥٨٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- ما هي التلبية التي صحت عن النبي ﷺ ؟ ومتى تقطع التلبية ؟
стр. 8513
فأجاب فضيلته بقوله: التلبية التي صحت عن النبي ﷺ قوله: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك " (١) وروى الإمام أحمد زيادة "لبيك إله الحق " (٢) . وإسناده حسن.
وتقطع التلبية في العمرة إذا شرع في الطواف، وفي الحج إذا شرع في رمي جمرة العقبة يوم العيد، لما روى الترمذي من حديث ابن عباس- ﵄ يرفع الحديث: أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر (٣) . صححه الترمذي، لكن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعفه الأكثرون، وعن ابن عباس- ﵄ أن أسامة ﵁ كان رديف النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل ﵁ من مزدلفة إلى منى فكلاهما قال: (لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) أخرجاه في الصحيحين (٤) وعند مالك
يقطع التلبية في العمرة إذا وصل الحرم، وقيل: إذا وصل البيت أو رآه.
стр. 8514
ومعنى (لبيك) : إقامة على طاعتك وإجابة لدعوتك. ولفظه لفظ المثنى ومعناه الكثرة.
س ٥٨٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف تكون صفة الإحرام بالحج أو العمرة هل يحرم الإنسان وهو في المسجد أم وهو فى السيارة، وما حكم رفع اليدين واستقبال القبلة عند قوله
لبيك اللهم حجاً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء ﵏ من أين يبتدىء الإحرام.
فقال بعضهم: من حين أن يصلي في المسجد يعقد النية.
وقال بعضهم: إذا ركب السيارة.
وقال بعضهم: إذا كان محرماً من ذي الحليفة إذا علا البيداء، والأقرب أنه يلبي إذا ركب السيارة.
ولا يشرع له عند التلبية أن يتوجه إلى القبلة ويرفع يديه؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ .
س ٥٨٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الأفضل أن يلبي الإنسان نية النسك إذا ركب السيارة أو بعد الركعتين في الميقات وما هي صيغة التلبية إذا ركب السيارة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأظهر أنه يلبي إذا ركب السيارة؛ لأن النبي ﷺ لبى حين ركب، وإن لبى قبل ذلك بعد الصلاة فلا
стр. 8515
حرج، لكن ما دام الأمر فيه سعة فإنه إذا أخر حتى يركب السيارة فيكون أفضل.
وصفة التلبية أن تقول: لبيك اللهم حجاً، إن كنت بحج أو لبيك عمرة، إن كنت بعمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
س ٥٨٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل نتلفظ بنية الدخول في النسك في التلبية؟ وهل يشرع أن يقول: اللهم إني أريد العمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: التلبية هي أن تقول لبيك عمرة إذا كانت عمرة، ولبيك حجاً إذا كانت حجّاً، وأما أن يقول: اللهم إني أريد العمرة: أو أريد الحج. فهذا لم يرد عن النبي ﷺ .
س ٥٨٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ماذا يقول الإنسان في بداية الإحرام إذا كان الحاج وكيلاً عن غيره؟ وماذا يقول كذلك في يوم عرفة ويوم النحر وعند رمي الجمار وغير ذلك
من المواقف ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول: لبيك عن فلان، لحديث ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة فقال: "من شبرمه؟ " قال: أخ لي أو قريب لي. فقال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حج
стр. 8516
عن شبرمة" (١) فتقول: لبيك عن فلان فإذا نسيت اسمه فقل لبيك عمن أعطاني وكالة في الحج أو ما أشبه هذا من العبارات، والله تعالى يعلمه، ولا يلزم أن تقول هذا عند الطواف، أو السعي، أو
الوقوف، أو المبيت بمزدلفة، أو رمي الجمار، فإذا نويته من أول الإحرام كفى، أو العمرة ما دام محرماً بحج أو عمرة.
س ٥٨٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة لتلبية النساء ما مدى صحة حديث عائشة ﵂ الذي قيل: إن عائشة سمع صوتها وهي تلبي فسأل: من هذه؟ فقالت عائشة هل ترفع المرأة صوتها في التلبية أم ليس لها تلبية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: التلبية سنة للرجال والنساء وهي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وينبغي أن يذكر نسكه إن كان محرماً بعمرة أو حج فيقول مع التلبية: لبيك عمرة إن كان محرماً بعمرة، أو لبيك بحجة إن كان محرماً للحج، أو لبيك عمرة وحجاً إن كان محرماً بالقران.
والرجل يرفع صوته بذلك، لأن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم
стр. 8517
بالإهلال " (١) أما المرأة فلا ترفع صوتها بذلك لما يخشى من رفع صوتها من الفتنة، وأما الحديث الذي ذكره السائل عن عائشة ﵂ فلا أعلم عنه شيئاً.
стр. 8518
باب محظورات الإحرام
* حلق الشعر.
* تقليم الأظافر.
* تغطية الرأس.
* لبس المخيط.
* الإزار المخيط.
* حكم من عجز عن لبس الإحرام.
* تغيير لباس الإحرام.
* الطيب.
* قتل الصيد.
* عقد النكاح.
* الجماع.
* المباشرة.
* إحرام المرأة.
* البرقع والنقاب.
* القفازات والشراب.
*تغطية الوجه ولبس الحلي.
стр. 8519
س ٥٨٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي محظورات الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: محظورات الإحرام هي الممنوعات بسبب الإحرام، بمعنى المحرمات التي سببها الإحرام، وذلك أن المحرمات نوعان: محرمات في حال الإحرام وحال الحج، وإليها أشار الله تعالى بقوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) فكلمة (فسوق) عامة تشمل ما كان الفسق فيه بسبب الإحرام وغيره بمحرمات خاصة بسبب الإحرام إذا تلبس الإنسان بالإحرام فإنها تحرم عليه وتحل له في حال الحل.
فمن محظورات الإحرام: الجماع وهو أشد المحظورات إثماً وأعظمها أثراً، ودليله قوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) فإن الرفث هو الجماع ومقدماته، وإذا وقع الجماع قبل التحلل الأول في الحج فإنه يترتب عليه أمور خمسة:
الأول: الإثم، والثاني: الفساد للنسك، والثالث: وجوب الاستمرار فيه، والرابع: وجوب فدية يذبحها ويفرقها على الفقراء. والخامس: وجوب القضاء من العام القادم.
وهذه آثار عظيمة تكفي المؤمن في الانزجار عنه، والبعد عنه.
ومن المحظورات أيضاً: المباشرة لشهوة والتقبيل والنظر
стр. 8520
بشهوة، وكل ما كان من مقدمات الجماع؛ لأن هذه المقدمات تفضي إلى الجماع.
ومن محظورات الإحرام: عقد النكاح؛ لقول النبي ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب " (١) .
ومن محظوراته: الخطبة فلا يجوز لإنسان أن يخطب امرأة وهو محرم لحج أو عمرة.
ومن محظورات الإحرام: قتل الصيد، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) (٢) .
ومن محظوراته أيضاً: الطيب بعد عقد الإحرام سواء في البدن، أو الثوب، أو المأكول، أو المشروب، فلا يحل لمحرم استعمال الطيب على أي وجه كان بعد عقد إحرامه، لقول النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة فمات: "لا تحنطوه " (٣) والحنوط أطياب تجعل في الميت عند تكفينه، فأما أثر الطيب الذي تطيب به عند الإحرام فإنه لا بأس به ولا تجب إزالته، لقول
عائشة- ﵂: "كنت أطيِّب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ". وقالت: "كنت أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم " (٤) .
ومن محظورات الإحرام لبس الرجل القميص والبرانس
стр. 8521
والسراويل والعمائم والخفاف، هكذا أجاب الرسول ﷺ حينما سئل ماذا يلبس المحرم؟ فقال: "لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف " (١) إلا من لا يجد إزاراً فليلبس السراويل، ومن لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وما كان بمعنى هذه المحظورات فهو مثلها فالكوت والفانيلة والصدرية والغترة والطاقية والمشلح كل هذه بمعنى المنصوص عليه، فيكون لها حكم المنصوص عليه، وأما لبس الساعة والخاتم وسماعة الأذن، ونظارة العين، والكمر الذي تكون فيه النقود وما أشبهها فإن ذلك لا يدخل في المنهي عنه لا بالنص ولا
بالمعنى، وعلى هذا فيجوز للمحرم أن يلبس هذه الأشياء، وليعلم أن كثيراً من العامة فهموا من قول أهل العلم (إن المحرم لا يلبس المخيط) ، أن المراد بالمخيط ما فيه خياطة، ولهذا تجدهم كثيراً يسألون عن لبس الكمر المخيط، وعن لبس الإزار أو الرداء المرقع وعن لبس النعال المخروزة وما أشبه ذلك، ظنّاً منهم أن العلماء يريدون بلبس المخيط لبس ما كان فيه خياطة، والأمر ليس كذلك، وإنما مراد العلماء بذلك ما يلبس من الثياب المفصلة على الجسم على العادة المعروفة.
وتأمل قول الرسول ﷺ : " لا يلبس القميص ولا السراويل " إلى آخره، يبين لك أن الإنسان لو تلفف بالقميص بدون لبس فإنه لا حرج عليه، فلو جعل القميص إزاراً لفه على ما بين سرته
стр. 8522
وركبته فإنه لا حرج عليه في ذلك؛ لأن ذلك لا يعد لبساً للقميص.
ومن المحرمات في الإحرام: تغطية الرجل رأسه بملاصق معتاد كالطاقية والعمامة والغترة، فأما تظليل الرأس بالشمسية، أو سقف السيارة أو بثوب يرفعه بيديه على رأسه فهذا لا بأس به، لأن المحرم تغطية الرأس لا تظليله، وقد ثبت عن النبي ﷺ في حديث لأم الحصين- ﵂ قالت: (رأيت النبي ﷺ راكباً وأسامة وبلال أحدهما آخذ بخطام ناقته، والثاني رافع ثوبه) (١) .
أو قال: (ثوباً يظلله به من الحر حتى رمى جمرة العقبة) ، ولا يحرم على المحرم أن يحمل عفشه على رأسه، لأن ذلك لا يعد تغطية، وإنما المراد به الحمل.
ومن محظورات الإحرام: أن تنتقب المرأة أي تضع النقاب على وجهها؛ لأن النقاب لباس الوجه، وقد نهى رسول الله ﷺ المرأة أن تنتقب وهي محرمة (٢) . فالمشروع للمرأة في حال الإحرام أن تكشف وجهها إلا إذا كان حولها رجال غير محارم لها فإنه يجب عليها أن تستر الوجه، وفي هذه الحال لا بأس أن يلاصق الساتر بشرتها ولا حرج عليها في ذلك.
ومن محظورات الإحرام: لبس القفازين وهما جوارب اليدين، وهذا يشمل الرجل والمرأة فلا تلبس المرأة القفازين في حال الإحرام، وكذلك الرجل لا يلبس القفازين لأنهما لباس كالخفين بالنسبة للرجل.
стр. 8523
ومن محظورات الإحرام أيضاً: حلق الرأس.
وحكم هذه المحظورات: الصيد، بين الله ما يترتب عليه، فقال: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) (١) فإذا كان هذا الصيد مما له مثل من النعم أي من الإبل، أو البقر، أو الغنم فإنه يذبح مثله في مكة ويتصدق به على الفقراء، أو يجعل بدل المثل طعاماً يشترى ويوزع على الفقراء، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً. أما إذا لم يكن له مثل فإن العلماء يقولون: يخيَّر بين الإطعام والصيام فيقوَّم الصيد بدراهم ويطعم ما يقابل هذه الدراهم الفقراء في مكة، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.
وفي حلق الرأس بيَّن الله- أن الواجب فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك، وبيَّن رسول الله ﷺ أن الصيام ثلاثة أيام، وأدت الصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك شاة يذبحها (٢) ، وهذه الشاة توزع على الفقراء، وحلق الرأس حرام إلا لمن تأذى بالشعر كما سنتعرض له. وهذه الفدية لا يؤكل منها شيء، وتسمى عند أهل العلم فدية الأذى، لأن الله تعالى ذكرها في ذلك حين قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (٣) .
стр. 8524
قال أهل العلم: فدية الأذى واجبة في كل محظور من محظورات الإحرام ما عدا الجماع قبل التحلل الأول في الحج وجزاء الصيد؛ لأن في الأول بدنة، وفي الثاني المثل، أو ما يقوم مقامه، فكل المحظورات عندهم ما عدا ما ذكرنا التي فيها فدية فديتها فدية الأذى، فدخل في ذلك لبس القميص، والسراويل، والبرانس وما أشبهها، وتغطية الرأس للرجل، وتغطية الوجه للمرأة، والطيب والمباشرة وما أشبه ذلك، هكذا قال أهل العلم في هذه المحظورات.
س ٥٩٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تشمل تغطية الرأس أن يضع الناس ورقة أو كرتوناً أو بطانية مثلاً على رأسه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، يشمل هذا، ولهذا إذا احتاج لتظليل رأسه فليرفع هذا عن رأسه قليلاً حتى لا يباشره.
س ٥٩١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو الفرق بين النقاب وبين البرقع للمرأة؟ وهل يجوز لبس البرقع ؟
فأجاب فضيلته بقوله: البرقع أخص من النقاب؛ لأن النقاب خمار معتاد يتدلى من رأسها ويفتح لعينيها، أما البرقع فإنه قد فصل للوجه خاصة، وغالباً يكون فيه من التجميل والنقوش ما لا يكون في النقاب ولا يجوز لها أن تلبسه أيضاً؛ لأنه إذا منعت من النقاب فالبرقع من باب أولى.
стр. 8525
س ٥٩٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم ارتكاب المحظورات ناسياً أو جاهلاً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا أن نقول: إن محظورات الإحرام تنقسم إلى أقسام: منها ما لا فدية فيه أصلاً، ومثَّل له العلماء: بعقد النكاح والخطبة قالوا: إن هذا ليس فيه فدية، ومنها ما فديته فدية الأذى، ومنها ما فديته بدنة، ومنه ما فديته جزاء، وكل شيء فيه فدية فإن فاعله لا يخلو من ثلاث حالات.
الأولي: أن يفعله عالماً ذاكراً مختاراً بلا عذر، وفي هذه الحال يترتب عليه الإثم، وما يجب فيه من الفدية.
الثانية: أن يفعله متعمداً عالماً مختاراً، لكن لعذر فهذا ليس عليه إثم، ولكن عليه فدية، مثل أن يحلق رأسه لأذى أو شبهه.
الثالثة: أن يفعل هذه المحظورات ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فهذا ليس عليه شيء لا إثم ولا فدية أيّاً كان المحظور، لعموم قول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (١) .
وقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (٢) . وقوله تعالى في جزاء الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (٣) . فإذا اشترطت العمدية في
جزاء الصيد مع أن قتل الصيد إتلاف فما عداه من باب أولى،
стр. 8526
وعلى هذا فنقول: إذا فعل أحد شيئاً من هذه المحظورات ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فليس عليه شيء لا إثم ولا فدية، ولا يفسد نسكه، ولا يتعلق بذلك شيء أصلاً حتى ولو كان الجماع.
س ٥٩٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نرجو توضيح محظورات الإحرام التي يجب على الإنسان تجنبها خلال فترة الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: محظورات الإحرام هي الممنوعات التي يمنع منها الإنسان بسبب الإحرام، ومنها:
أولاً: حلق شعر الرأس، لقوله تعالى: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ، وألحق العلماء بحلق الرأس حلق الشعر من جميع الجسم، وألحقوا به أيضاً تقليم الأظفار، وقصها.
ثانياً: استعمال الطيب بعد عقد الإحرام؛ سواء في ثوبه أو بدنه أو في أكله، أو في تغسيله، أو في أي شيء يكون. فاستعمال الطيب محرم في الإحرام، لقوله ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه " (١) . والحنوط أخلاط من الطيب تجعل في الميت. ثالثاً: الجماع، لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (٢) .
رابعاً: المباشرة لشهوة، لدخولها في عموم قوله: (فلا
стр. 8527
رفث) ولأنه لا يجوز للمحرم أن يتزوج ولا أن يخطب، فلأن لا يجوز أن يباشر من باب أولى.
خامساً: قتل الصيد، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (١) وأما قطع الشجر فليس بحرام على المحرم إلا ما كان داخل الأميال، سواء كان محرماً أم غير محرم، ولهذا يجوز في عرفة أن يقلع الأشجار ولو كان محرماً، ولا يجوز في مزدلفة
ومنى أن يقلعها ولو كان غير محرم، لأن قطع الشجر متعلق بالحرم لا بالإحرام.
سادساً: ومن المحظورات في الإحرام أيضاً، وهي خاصة بالرجل لبس القميص، والبرانس، والسراويل، والعمائم، والخفاف، لقول النبي ﷺ ، وقد سئل ما يلبس المحرم؟ فقال: "لا يلبس القميص ولا البرانس، ولا السراويل، ولا العمائم، ولا الخفاف " (٢) إلا أنه ﷺ استثنى من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين.
وهذه الأشياء الخمسة صار العلماء يعبرون عنها بلبس المخيط، وقد توهم بعض العامة أن لبس المخيط هو لبس ما فيه خياطة، وليس الأمر كذلك، وإنما قصد أهل العلم بذلك أن يلبس
стр. 8528
الإنسان ما فصل على البدن، أو على جزء منه كالقميص والسراويل، هذا هو مرادهم، ولهذا لو لبس الإنسان رداءً مرقعاً، أو إزاراً مرقعاً فلا حرج عليه، ولو لبس قميصاً منسوجاً بدون
خياطة كان حراماً.
سابعاً: ومن محظورات الإحرام وهو خاص بالمرأة النقاب، وهو أن تغطي وجهها، وتفتح لعينيها ما تنظر به، فإن النبي ﷺ نهى عنه (١) ، ومثله البرقع، فالمرأة إذا أحرمت لا تلبس النقاب ولا البرقع، والمشروع أن تكشف وجهها إلا إذا مر الرجال غير المحارم بها، فالواجب عليها أن تستر وجهها ولا يضرها إذا مس وجهها هذا الغطاء.
وبالنسبة لمن فعل هذه المحظورات ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه، لقول الله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)) (٢) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (٣) ، فهذه النصوص تدل على أن من فعل المحظورات ناسياً أوجاهلاً فلا شيء عليه.
وكذلك إذا كان مكرهاً لقوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)) فإذا
стр. 8529
كان هذا في الإكراه على الكفر، فما دونه أولى.
ولكن إذا ذكر من كان ناسياً وجب عليه التخلي عن المحظور، وإذا علم من كان جاهلاً وجب عليه التخلي عن المحظور، وإذا زال الإكراه عمن كان مكرهاً وجب عليه التخلي عن المحظور، مثال ذلك لو غطى المحرم رأسه ناسياً ثم ذكر فإنه يزيل الغطاء، ولو غسل يده بالطيب ثم ذكر وج عليه غسلها
حتى يزول أثر الطيب وهكذا.
س ٥٩٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حجت والدتي قبل أربع سنوات، ولكن قبل أدائها لفريضة الحج أي في يوم الخامس من ذي الحجة جاءتها العادة الشهرية وقد فكرت هذه الوالدة في تأجيل أداء الفريضة إلا أننا أصررنا على أن تؤديها لأننا كنا على أهبة الاستعداد حيث سمعنا بأنه يجوز للحائض أن تعتمر وتحج إلا أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر، وبناء على ذلك اتجهنا إلى مكة المكرمة ولكن الوالدة ارتكبت العديد من المحظورات وهي جاهلة في ذلك فقد قامت بتمشيط شعرها ولا شك بأنه سوف يتساقط الشعر أثناء التمشيط، كلما أنها تنقبت وبعد ذلك قامت بأداء جميع الأركان والواجبات إلا أنها وعندما حان وقت طواف الإفاضة اغتسلت وطافت بالبيت على اعتقادها أنها قد طهرت إلا أنها اكتشفت بأنها لم تطهر حيث عاد نزول الدم مرة أخرى، وعند
ذلك تركت طواف الوداع حيث كانت تعتقد بأنه غير واجب عليها، أفتونا مأجورين ؟
стр. 8530
فأجاب فضيلته بقوله: كل ما فعلته والدة السائلة عن جهل من المحظورات فليس عليها إثم ولا فدية، فمشط رأسها لا يضرها، وانتقابها لا يضرها لأنها كانت في ذلك جاهلة وبقية أركان الحج وهي حائض لا يضرها الحيض شيئاً، ولم يبق عندنا إلا طواف الإفاضة وقد طافت كما في السؤال قبل أن تطهر من الحيض، وحينئذ يجب عليها الآن أن تسافر إلى مكة لأداء طواف الإفاضة، ولا يحل لزوجها أن يقربها حتى تطوف طواف الإفاضة ولكن ينبغي أن تحرم بالعمرة من الميقات وتطوف وتسعى وتقصر للعمرة، ثم بعد هذا تطوف طواف الإفاضة، وإنما قلنا ذلك: لأنها مرت بالميقات وهي تريد أن تكمل الحج، فالأفضل والأولى لها أن تحرم بالعمرة وتتم العمرة، ثم تطوف طواف الإفاضة، ثم
ترجع إلى بلدها، فإن رجعت من حين أن طافت طواف الإفاضة فهو كان عن الوداع إلا أن بقيت بعده في مكة فلا تخرج حتى تطوف للوداع.
والواجب على الإنسان ألا يقوم بعبادة ولا سيما الحج الذي لا يكون إلا نادراً في حياة الإنسان حتى يعرف ما يجب في هذه العبادة، وما يمتنع فيها، وينبغي أن يعرف أيضاً ما يسن فيها، وما يكره، وأما كونه يمشي بدون هدى فهذا على خطر عظيم، وإذا كان الإنسان لو أراد السفر إلى بلد من البلدان لن يسافر إلا وقد عرف الطريق، فكيف بالسفر إلى الآخرة كيف يخاطر ويمشي في طريق إلى الله؟ ثم إن من الناس من يبقى مدة بعد فعل العبادة ثم يسأل بعد ذلك، وهذا قد يكون معذوراً من جهة أنه لم يخطر بباله
стр. 8531
أنه أساء فيها ثم مع كلام الناس والمناقشات يتبين له أنه أخطأ فيسأل، ونضرب لهذا مثلاً: كثير من الناس يخفى عليه أن الإنسان إذا جامع زوجته وجب عليه الغسل وإن لم ينزل، فتجده قد عاشر
أهله مدة طويلة على هذا الوجه ولا يغتسل ثم بعد سنتين أو ثلاث يسأل، وهذا خطرعظيم؛ لأن هذه الصلاة آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، ولهذا نقول:- وإن لم ترد في السؤال- إن الإنسان إذا أنزل المني بشهوة وجب عليه الغسل في جماع أو غير جماع، حتى بالتفكير وإذا جامع وجب عليه الغسل سواء أنزل أم لم ينزل، فلذلك ننصح إخواننا إذا أرادوا العبادة أن يتعلموها قبل أن يفعلوها، وإذا قدر أنهم فعلوها بدون سؤال ثم أساءوا فيها فليبادروا بالسؤال حتى تبرأ ذممهم، وحتى يلقوا الله- وهم لا يطالبون بشيء ما أوجب الله عليهم.
س ٥٩٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من فعل شيئاً من محظورات الإحرام بعد أن لبس إحرامه هل عليه شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام بعد أن لبس إحرامه وهو لم يعقد النية بعد فلا شيء عليه؛ لأن العبرة بالنية لا بلبس الثوب، ولكن إذا كان قد نوى ودخل في النسك فإنه إذا فعل شيئاً من المحظورات ناسياً، أو جاهلاً فلا شيء عليه، ولكن يجب عليه مجرد ما يزول العذر، ويذكر إن كان ناسياً ويعلم إن كان جاهلاً يجب عليه أن يتخلى من ذلك المحظور، مثال هذا: لو أن رجلاً نسي فلبس ثوباً وهو محرم فلا
стр. 8532
شيء عليه ولكن من حين ما يذكر يجب عليه أن يخلع هذا الثوب، وكذلك لو نسي فأبقى سراويله عليه ثم ذكر بعد أن عقد النية ولبى فإنه يجب عليه أن يخلع سراويله فوراً ولا شيء عليه، وكذلك لو كان جاهلاً فإنه لا شيء عليه، مثل أن يلبس فنيلة ليس فيها خياطة بل منسوجة نسجاً يظن أن المحرم لبس ما فيه خياطة فإنه لا شيء عليه، ولكن إذا تبين له أن الفنيلة وإن لم يكن فيها توصيل فإنها
من اللباس الممنوع فإنه يجب عليه أن يخلعها.
والقاعدة العامة في هذا أن جميع محظورات الإحرام إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه لقوله: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (١) فقال الله تعالى: قد فعلت، لقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (٢) . ولقوله تعالى في خصوص الصيد وهو من محظورات الإحرام: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (٣) ولا فرق في ذلك بين أن يكون محظور الإحرام من اللباس والطيب ونحوهما، أو من قتل الصيد وحلق شعر الرأس ونحوها، وإن كان بعض العلماء فرق بين هذا وهذا، ولكن الصحيح عدم التفريق؛ لأن هذا من المحظور الذي يعرض الإنسان فيه للجهل والنسيان والإكراه، واعلم أن الفدية في حلق الرأس ذكرها الله تعالى في القرآن في قوله: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ
стр. 8533
صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) الصيام ثلاثة أيام، والإطعام إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة.
س ٥٩٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأي فضيلتكم في رجل حج بنية القِران فلما طاف القدوم سعى وقصر حيث رأى الناس يقصرون وبقي على إحرامه حتى كمَّل الحجة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: رأينا أنه لا شيء عليه. فهذا الرجل الذي أحرم قارناً ثم طاف وسعى ورأى الناس يقصرون فقصَّر لا بنية التحلل واستمر على إحرامه، فليس عليه شيء، لأن غاية ما حصل منه أنه قص شعره جاهلاً؛ ففعل محظوراً من محظورات الإحرام جاهلاً، ومحظورات الإحرام إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أومكرهاً فلاشيء عليه.
س ٥٩٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج قصر من بعض شعره جهلاً منه وتحلل فما يلزمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحاج الذي قصر من بعض شعره جاهلاً بذلك ثم تحلل لا شيء عليه في هذا التحلل لأنه جاهل ولكن يبقى عليه إتمام التقصير لشعر رأسه.
وإني بهذه المناسبة أنصح إخواني إذا أرادوا شيئاً من العبادات أن لا يدخلوا فيها حتى يعرفوا حدود الله- فيها، لئلا يتلبسوا بأمر يخل بهذه العبادة، لقوله تعالى لنبيه ﷺ :
стр. 8534
(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)) . وقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) . فكون الإنسان يعبد الله على بصيرة عالماً بحدوده في هذه العبادة خير بكثير من كونه يعبد الله على جهل، بل مجرد تقليد لقوم يعلمون أو لا يعلمون.
س ٥٩٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم تمشيط شعره ؟
فأجاب فضيلته بقوله: تمشيط المحرم شعره لا ينبغي، لأن الذي ينبغي للمحرم أن يكون أشعث أغبر، ولا حرج عليه أن يغسله، وأما تمشيطه فإنه عرضة لتساقط الشعر، ولكن إذا سقط شعر من المحرم بدون قصد إما لحك رأسه أو لفركه وما أشبه ذلك فإنه لا حرج عليه في هذا؛ لأنه غير متعمد إزالته، وليعلم أن جميع محظورات الإحرام إذا لم يتعمدها الإنسان ووقعت منه على سبيل الخطأ، أو على سبيل النسيان فإنه لا حرج عليه فيها، لأن الله قال في كتابه: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)) (١) .
وقال : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (٢) فقال الله تعالى: قد فعلت.
وفي خصوص الصيد وهو من محظورات الإحرام قال الله
стр. 8535
تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)) (١) وهذا القيد وهو قوله (متعمداً) يفيد أن من قتله غير متعمد فليس عليه جزاء، وهذا القيد قيد احترازي؛ لأنه قيد مناسب للحكم، وذلك أن المتعمد هو الذي يناسبه إيجاب الجزاء، وأما غير المتعمد فلا يناسبه إيجاب الجزاء لما علم من هذا الدين الإسلامي من أنه دين السماحة والسهولة واليسر، وعلى هذا فنقول: جميع محظورات الإحرام بدون استثناء إذا فعلها الإنسان جاهلاً، أو ناسياً، فإنه لا يترتب عليه شيء من أحكامها لا من وجوب الفدية، ولا من فساد النسك فيما يفسد النسك كالجماع ولا غير ذلك.
هذا هو الذي تقتضيه الأدلة الشرعية التي أشرنا إليها، والله الموفق.
س ٥٩٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تقليم الأظافر في الحج والشخص متلبس بالإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشهور عند أهل العلم أن تقليم الأظافر في حال الإحرام لا يجوز، قياساً على تحريم الترفه بحلق شعر الرأس، وعلى هذا القول وهو قول جمهور أهل العلم يجب أن نبتعد عن تقليم أظافر اليدين وأظافر الرجلين.
стр. 8536
س ٦٠٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قمت بتقليم أظافري في اليوم الثامن في منى وعلي إحرامي لأنني كنت أعتقد أن المحظور هو قص الشعر فقط وأن تقليم الأظافر لا شيء فيه، إلا
أن شخصاً نبهني على ذلك جزاه الله خيراً لكنه شدد علي تشديداً جداً لأنه قال: لابد من عودتك إلى الميقات أو إلى مكة المكرمة لتحرم من جديد هل هذا صحيح؟ وما الذي يلزمني ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمك شيء في قص الأظافر؛ لأنك قصصتها وأنت تظن أن ذلك لا بأس به، ومن فعل شيئاً من محظورات الإحرام جاهلاً، أو ناسياً، أو غير مختار فلا شيء عليه، ولا فرق بين إزالة الشعر، وتقليم الأظافر والطيب واللبس وغيرها، كلها على حد سواء، إذا فعل الإنسان شيئاً من محظورات الإحرام جاهلاً، أو ناسياً، أو غير مختار له فلا شيء عليه، لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وهذا عام، ولقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)) (١) . فهذا عام، ولقوله تعالى في المكره: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ) (٢) فإذا كان المكره على الكفر وهو أعظم المحرمات لا شيء عليه، فما دونه من المحرمات من باب أولى، وقال النبي ﷺ : " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم
стр. 8537
صومه " (١) . وقال رسول الله ﷺ : " ليس في النوم تفريط " (٢) .
وقال تعالى في خصوص الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (٣) وبهذه النصوص وغيرها من النصوص نستفيد أن فعل المحظور في العبادة أيّاً كانت إذا كان صادراً عن نسيان، أو جهل فإنه لا شيء فيه ولا يؤثر في العبادة شيئاً، فها هو معاوية بن الحكم- ﵁ تكلم في صلاته وهو جاهل ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة، والحاصل أن هذا الذي قلم أظافره في اليوم الثامن بعد إحرامه لا شيء عليه إطلاقاً.
وأما من أفتاه بأنه يجب أن يرجع إلى الميقات، أو إلى مكة ليحرم منها، فإن هذه فتوى باطلة لا أصل لها، وأحذر هنا وفي كل المناسبات أحذر المسلمين من طلبة العلم وغيرهم أن لا يتكلموا في الفتوى إلا إذا كان لهم مستند شرعي؛ لأن المقام مقام خطير والمفتي معبر عن الله فيما أفتى به فليتق الله.
س ٦٠١: ما حكم تقليم الأظافر في الحج والشخص متلبس بالإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: تقليم الأظافر في الحج لا ينبغي؛ لأن ذلك من الترفه والحج موضوعه أن يكون الإنسان أشعث أغبر، فلا ينبغي له أن يقلم أظافره، وقد ذهب كثير من أهل العلم
стр. 8538
أو أكثرهم إلى أن تقليم الأظافر من محظورات الإحرام وأن ذلك حرام عليه، وأنه إذا قلم ثلاثة أظفار فأكثر وجب عليه إما فدية يذبحها ويتصدق بها على الفقراء، وإما إطعام ستة مساكين لكل
مسكين صاع، وإما صيام ثلاثة أيام، فعلى كل حال لا ينبغي للمرء أن يعرض نفسه لمثل هذه الأمور التي هي موضع خلاف بين أهل العلم، والتي أجمع العلماء على أنه ينبغي وأنه من المشروع أن يتجنبها.
س ٦٠٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أديت فريضة الحج في العام الماضي، وقبل أداء الفريضة يوم ستة من ذي الحجة وأنا محرم قمت بتقصير أظافري، فهل عليَّ كفارة؟ مع العلم بأنني
ليس عندي معرفة بذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليك كفارة ولا فدية؛ لأنك جاهل لا تدري، وليعلم أن هناك قاعدة شرعية في كتاب الله- وهي رفع المؤاخذة بالذنب لمن كان جاهلاً أو ناسياً،
وذلك بقول الله- : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) ، فقال الله: " قد فعلت " أي رفع عنا المؤاخذة بالنسيان والخطأ.
وهذا عام في جميع محظورات الإحرام، وفي جميع محظورات الصلاة، وفي جميع محظورات الصيام. كل من فعل محظوراً في هذه العبادات عن نسيان أو جهل فإنه غير مؤاخذ به ولا إثم عليه ولا كفارة.
стр. 8539
فطبق هذه على جميع المحظورات، في العبادات، فلو تكلم الإنسان في الصلاة وهو جاهل فصلاته صحيحة، ولو أكل أو شرب وهو جاهل فصيامه صحيح، أو احتجم وهو صائم وهو يحسب أن الحجامة لا شيء فيها فصيامه صحيح، ولو أفطر الصائم قبل غروب الشمس يظنها غربت ولم تغرب فصيامه صحيح. فهذه القاعدة من الله وليست من قول البشر، قاعدة من الله لعباده، (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله: " قد فعلت ".
س ٦٠٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قمت بثقليم أظافري في اليوم الثامن وأنا جاهل، وأثناء تقليمي لها قال لي أحد الجالسين معي في الخيمة: إن هذا حرام وقد بطل إحرامك وعليك
أن تعود إلى مكانك في مكة وتحرم من جديد، ولما عرفت منه أن إحرامي بطل أكملت تقليم الأظافر ثم سألت شخصاً فقال لي: لم يفسد إحرامك وإنما عليك نسك وأنا لا أعرف النسك، وخجلت
أن أسأله فلم أسأله، أرجو إفادتي عما يأتي أولاً: حكم تقليم الأظافر. ثانياً: حكم المضي وتكميلها. ثالثاً: ما الذي يلزمني ؟
فأجاب فضيلته بقول: تقليم الأظافر حال الإحرام ذكر أهل العلم أنه لا يجوز إلحاقاً بذلك في حلق الرأس لما في الجميع من الترفه وإزالة الأذى، وأما بالنسبة لما جرى منك فإنه لا شيء عليك وإحرامك صحيح لا شيء عليك؛ لأنك جاهل لا تدري أن التقليم في هذه الحالة حرام، وكل إنسان يفعل شيئاً من محظورات
стр. 8540
الإحرام وهو جاهل لا يدري، أو ناسي لا يذكر فإنه لا شيء عليه لا نسك، ولا صدقة، ولا صيام لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (١) وقوله تعالي: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (٢) وقوله تعالى في خصوص الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (٣) . فقوله (متعمداً) يدل على أن غير المتعمد لا جزاء عليه.
وأما بالنسبة للذي أفتاك بأن إحرامك فاسد ويجب عليك أن ترجع فتحرم من موضعك فهذه الفتوى خطأ، وإنني أوجه إلى هذا المفتي المتجرىء وإلى أمثاله ممن يتجرأون على الحكم والإفتاء
للناس بغير علم إنني أوجه لهم النصيحة بأن يخافوا الله وأن يحذروا عقابه، فإن الله تعالى يقول في كتابه الكريم: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (٤) فالقول
على الله بما لا يعلم منه القول في شريعته بما لا يعلم، فلا يحل لأحد أن يفتي أحداً في شيء إلا عن علم بأن هذا الشيء حكمه كذا وكذا، وأما أن يفتيه بجهل فإن ذلك حرام عليه فليتق الله هؤلاء
الجاهلون الذي يفتون الناس بغير علم فيضلوا ويضلوا، فالواجب على المسلم إذا أشكل عليه شيء أن يسأل أهل العلم الذين عرفوا بالعلم والورع والاستقامة، فإنه ليس أيضاً كل من عرف بأنه مفتي
стр. 8541
يكون أهلاً للفتوى، فإننا نرى كثيراً من العوام يعتمدون في استفتاءاتهم على من ليس عندهم علم، وإنما هم تقدموا مثلاً في إمامة مسجد أو ما أشبه ذلك فظنوا أن عندهم علماً فصاروا يستفتونهم، وهؤلاء بحكم منصبه وإمامته صار الواحد منهم يستحي أن يقول: لا أعلم. وهذا لا شك أنه من جهلهم أيضاً، فإن الواجب على من سئل عن علم وهو لا يعلمه أن يقول: لا أعلم.
وقد ذكر بعض من تكلموا عن حياة الإمام مالك بن أنس- ﵀ إمام دار الهجرة، أن رجلاً أتاه من بلد بعيد في مسألة أرسله أهل البلد بها إلى الإمام مالك ليسأله فأقام عند مالك ما شاء الله،
ثم سأله عن هذه المسألة فقال له مالك: لا أعلم، فقال: إن أهل بلدي أرسلوني إليك، وكيف أقول لهم لا أعلم وأنت إمام دار الهجرة؟ قال: اذهب إليهم وقل: إني سألت مالك فقال: لا أعلم. هذا مع ما أعطاه الله من العلم والإمامة في الدين، فكيف بمن دونه؟!
النبي ﵊ أحياناً يسأل عن الشيء ولا يجيب عليه، ويجيب الله عنه، وانظر إلى ما في القرآن كثيراً يسألونك فيجيب الله عنه (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (١) . (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) (٢) (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) (٣) فإذا كان النبي عليه
стр. 8542
الصلاة والسلام يتوقف عن الإجابة في ما لم يعلم فيه حكم الله فكيف بغيره من الناس؟!
على كل حال نصيحتي لإخواني المسلمين أن يتقوا الله وأن لا يتجرئوا على الفتوى من غير علم، فإن ذلك ضلال وإضلال، وأسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً الثبات والاستقامة، وأن يجعلنا هداة مهتدين.
س ٦٠٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغطي رأسه عند النوم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كان أنثى فمعروف أنه يجوز أن تغطي رأسها، أما إذا كان رجلاً فلا يجوز لا عند النوم ولا في حال اليقظة، لكن لو أنه غطاه وهو نائم ثم استيقظ وجب عليه كشف رأسه ولا شيء عليه؛ لأن النائم مرفوع عنه القلم.
س ٦٠٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغطي رأسه للبرد ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن يغطيه لكن من خاف ضرراً فهو كالذي يكون به أذى من رأسه يغطيه ويفدي: إما بصيام ثلاثة أيام، وإما بإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما بذبح شاة.
стр. 8543
س ٦٠٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تغطية المحرم لرجليه أثناء النوم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بذلك، لأنه يجوز للمحرم أن يلتحف بما يغطي جميع بدنه إلا الرأس هذا بالنسبة للرجل، أما المرأة فلها أن تلتحف بكل ما يغطي بدنها ولا حرج عليها، إلا أنها منهية عن لبس النقاب.
س ٦٠٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغتسل بدون جنابة؟ وهل يجوز له أن ينغمس في الماء وهل يدخل ذلك في حكم تغطية الرأس ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز أن يغتسل المحرم وإن لم يكن عليه جنابة، لأن النبي ﷺ كان يغتسل وهو محرم (١) .
ويجوز أن ينغمس في الماء ويغمس رأسه ولا حرج في ذلك ولو كان محرماً، لأن الأصل الحل، وليس هذا من تغطية الرأس وذلك أن الانغماس في الماء لا يعد ستراً للرأس والرسول ﷺ يقول: " لا تخمروا رأسه " (٢) .
س ٦٠٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد منَّ الله عليَّ وأديت فريضة الحج وحين انتهيت من رمي جمرة العقبة فحلقت رأسي رأيت صديقاً لي وضع رداءه على رأسه فوضعت ردائي على
стр. 8544
رأسي فهل عليَّ إثم في ذلك يا فضيلة الشيخ؟ وإذا حصل في العمرة بعد الطواف والسعي قبل الحلق أو التقصير؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الذي صنعت وهو تغطية رأسك وكان ذلك في الحج وبعد أن رميت جمرة العقبة يوم العيد وحلقت رأسك فلا حرج عليك، لأن الرجل الحاج إذا رمى جمرة العقبة
يوم العيد وحلق أوقصر تحلل من كل شيء من محظورات الإحرام إلا من النساء، وكذلك لو كنت في يوم العيد رميت جمرة العقبة وذهبت إلى مكة وطفت وسعيت ثم وضعت رداءك على رأسك
فإنه لا حرج عليك؛ لأنك قد تحللت التحلل الأول.
أما إذا كان في العمرة وبعد الطواف والسعي غطى رأسه قبل الحلق أو التقصير جاهلاً فلا شيء عليه؛ لأن الجاهل بالمحظورات ليس عليه شيء، أما إذا تعمد ذلك عن علم فإن أهل العلم ﵏ يقولون: إن الإنسان إذا فعل محظوراً لا يفسد النسك ويوجب شاة فإنه في هذه الحال مخير بين أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة يفرقها على الفقراء.
س ٦٠٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم لبس الكمامة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الكمامة للمحرم للحاجة لا بأس بها مثل أن يكون في الإنسان حساسية في أنفه فيحتاج للكمام، أو يمر بدخان كثيف فيحتاج للكمام، أو يمر برائحة كريهة فيحتاج للكمام
стр. 8545
فلا بأس. أما مجرد رفاهية فإن التحرز هذا يضر البدن ويفقده المناعة بحيث يكون أدنى شيء يؤذيه، فإياك أن تتوهم فإن المرض إلى المتوهم أقرب من السيل إلى منتهاه.
س ٦١٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أثناء السير نهاراً وأنا محرم وضعت طرف الإحرام على رأسي وحينما تيقظت لذلك رفعته من على رأسي ولم أعد لذلك مرة أخرى فهل عليَّ شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليك شيء لأنك وضعته ناسياً، والإنسان إذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام ناسياً فإنه لا شيء عليه، ولكن يجب عليه إذا ذكر أن يتخلى عن ذلك المحظور، والدليل على أنه لا شيء عليه قول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (١) فقال الله تعالى: (قد فعلت) وقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (٢) .
س ٦١١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن تغطية الرجل المحرم رأسه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للرجل أن يغطي رأسه بملاصق وهو محرم، لأن النبي ﷺ قال في الرجل الذي وقصته