يكون أهلاً للفتوى، فإننا نرى كثيراً من العوام يعتمدون في استفتاءاتهم على من ليس عندهم علم، وإنما هم تقدموا مثلاً في إمامة مسجد أو ما أشبه ذلك فظنوا أن عندهم علماً فصاروا يستفتونهم، وهؤلاء بحكم منصبه وإمامته صار الواحد منهم يستحي أن يقول: لا أعلم. وهذا لا شك أنه من جهلهم أيضاً، فإن الواجب على من سئل عن علم وهو لا يعلمه أن يقول: لا أعلم.
وقد ذكر بعض من تكلموا عن حياة الإمام مالك بن أنس- ﵀ إمام دار الهجرة، أن رجلاً أتاه من بلد بعيد في مسألة أرسله أهل البلد بها إلى الإمام مالك ليسأله فأقام عند مالك ما شاء الله،
ثم سأله عن هذه المسألة فقال له مالك: لا أعلم، فقال: إن أهل بلدي أرسلوني إليك، وكيف أقول لهم لا أعلم وأنت إمام دار الهجرة؟ قال: اذهب إليهم وقل: إني سألت مالك فقال: لا أعلم. هذا مع ما أعطاه الله من العلم والإمامة في الدين، فكيف بمن دونه؟!
النبي ﵊ أحياناً يسأل عن الشيء ولا يجيب عليه، ويجيب الله عنه، وانظر إلى ما في القرآن كثيراً يسألونك فيجيب الله عنه (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (١) . (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) (٢) (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) (٣) فإذا كان النبي عليه
стр. 8542
الصلاة والسلام يتوقف عن الإجابة في ما لم يعلم فيه حكم الله فكيف بغيره من الناس؟!
على كل حال نصيحتي لإخواني المسلمين أن يتقوا الله وأن لا يتجرئوا على الفتوى من غير علم، فإن ذلك ضلال وإضلال، وأسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً الثبات والاستقامة، وأن يجعلنا هداة مهتدين.
س ٦٠٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغطي رأسه عند النوم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كان أنثى فمعروف أنه يجوز أن تغطي رأسها، أما إذا كان رجلاً فلا يجوز لا عند النوم ولا في حال اليقظة، لكن لو أنه غطاه وهو نائم ثم استيقظ وجب عليه كشف رأسه ولا شيء عليه؛ لأن النائم مرفوع عنه القلم.
س ٦٠٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغطي رأسه للبرد ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن يغطيه لكن من خاف ضرراً فهو كالذي يكون به أذى من رأسه يغطيه ويفدي: إما بصيام ثلاثة أيام، وإما بإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما بذبح شاة.
стр. 8543
س ٦٠٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تغطية المحرم لرجليه أثناء النوم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بذلك، لأنه يجوز للمحرم أن يلتحف بما يغطي جميع بدنه إلا الرأس هذا بالنسبة للرجل، أما المرأة فلها أن تلتحف بكل ما يغطي بدنها ولا حرج عليها، إلا أنها منهية عن لبس النقاب.
س ٦٠٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغتسل بدون جنابة؟ وهل يجوز له أن ينغمس في الماء وهل يدخل ذلك في حكم تغطية الرأس ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز أن يغتسل المحرم وإن لم يكن عليه جنابة، لأن النبي ﷺ كان يغتسل وهو محرم (١) .
ويجوز أن ينغمس في الماء ويغمس رأسه ولا حرج في ذلك ولو كان محرماً، لأن الأصل الحل، وليس هذا من تغطية الرأس وذلك أن الانغماس في الماء لا يعد ستراً للرأس والرسول ﷺ يقول: " لا تخمروا رأسه " (٢) .
س ٦٠٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد منَّ الله عليَّ وأديت فريضة الحج وحين انتهيت من رمي جمرة العقبة فحلقت رأسي رأيت صديقاً لي وضع رداءه على رأسه فوضعت ردائي على
стр. 8544
رأسي فهل عليَّ إثم في ذلك يا فضيلة الشيخ؟ وإذا حصل في العمرة بعد الطواف والسعي قبل الحلق أو التقصير؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الذي صنعت وهو تغطية رأسك وكان ذلك في الحج وبعد أن رميت جمرة العقبة يوم العيد وحلقت رأسك فلا حرج عليك، لأن الرجل الحاج إذا رمى جمرة العقبة
يوم العيد وحلق أوقصر تحلل من كل شيء من محظورات الإحرام إلا من النساء، وكذلك لو كنت في يوم العيد رميت جمرة العقبة وذهبت إلى مكة وطفت وسعيت ثم وضعت رداءك على رأسك
فإنه لا حرج عليك؛ لأنك قد تحللت التحلل الأول.
أما إذا كان في العمرة وبعد الطواف والسعي غطى رأسه قبل الحلق أو التقصير جاهلاً فلا شيء عليه؛ لأن الجاهل بالمحظورات ليس عليه شيء، أما إذا تعمد ذلك عن علم فإن أهل العلم ﵏ يقولون: إن الإنسان إذا فعل محظوراً لا يفسد النسك ويوجب شاة فإنه في هذه الحال مخير بين أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة يفرقها على الفقراء.
س ٦٠٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم لبس الكمامة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الكمامة للمحرم للحاجة لا بأس بها مثل أن يكون في الإنسان حساسية في أنفه فيحتاج للكمام، أو يمر بدخان كثيف فيحتاج للكمام، أو يمر برائحة كريهة فيحتاج للكمام
стр. 8545
فلا بأس. أما مجرد رفاهية فإن التحرز هذا يضر البدن ويفقده المناعة بحيث يكون أدنى شيء يؤذيه، فإياك أن تتوهم فإن المرض إلى المتوهم أقرب من السيل إلى منتهاه.
س ٦١٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أثناء السير نهاراً وأنا محرم وضعت طرف الإحرام على رأسي وحينما تيقظت لذلك رفعته من على رأسي ولم أعد لذلك مرة أخرى فهل عليَّ شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليك شيء لأنك وضعته ناسياً، والإنسان إذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام ناسياً فإنه لا شيء عليه، ولكن يجب عليه إذا ذكر أن يتخلى عن ذلك المحظور، والدليل على أنه لا شيء عليه قول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (١) فقال الله تعالى: (قد فعلت) وقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (٢) .
س ٦١١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن تغطية الرجل المحرم رأسه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للرجل أن يغطي رأسه بملاصق وهو محرم، لأن النبي ﷺ قال في الرجل الذي وقصته
стр. 8546
ناقته فمات، قال: "لا تخمروا رأسه "، فلا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه بملاصق حال الإحرام لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
فإذا قال قائل: هذا في الميت، فإننا نقول: لا فرق بين الميت والحي، لقوله ﷺ : "فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً". فدل هذا أن من حالة التلبية يثبت له هذا الحكم، ولا يشترط أن يكون معتاداً، فلو وضع منديلاً على رأسه فإنه يحرم؛ لأن الرسول ﵊ قال: "لا تخمروا رأسه " فلا فرق بين المعتاد: كالطاقية والغترة والعمامة، وغير المعتاد كالمنديل مثلاً، فإن كان غير ملاصق فهو جائز مثل الشمسية والخيمة ونحو ذلك، لأن النبي ﷺ إنما نهى عن تغطية الرأس لا عن تظليل الرأس، والشيء البائن عن الرأس المبتعد عنه لا يقال إنه غطى الرأس، بل ظلل الرأس، ولهذا قالت أم الحصين: رأيت النبي ﷺ ضحى يوم العيد راكباً على ناقته ومعه بلال وأسامة وأحدهما يظلله بثوب من الحر حتى رمى جمرة العقبة. فدل هذا على أن التظليل ليس تغطية.
فإذا قال قائل: لو وضع الإنسان يده على رأسه هل يحرم؟ الجواب: لا؛ لأن هذا لا يعد ستراً في العادة ولا تغطية، فلو وضع إنسان يده على رأسه من شدة الحر مثلاً وهو محرم فلا بأس. ولو
وضع أو حمل عفشه على رأسه وهو محرم فإنه يجوز، لأن هذا لا يسمى ستراً في العادة ولا جرت العادة أن الإنسان إذا أراد أن يخمر رأسه ذهب يحمل المتاع، لكن بعض أهل العلم قال: إن أراد
بالحمل أي بحمل المتاع على رأسه إن أراد الستر فإن ذلك حرام؛ لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى"
стр. 8547
ولكن الظاهر أن ذلك لا يضر مطلقاً، لأن هذا يسمى حملاً ولا يسمى ستراً.
س ٦١٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أخذ عمرة ثم نسي أن يحلق شعره فلبس المخيط وعندما تذكر حلق شعره ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شيء عليه لأنه لبس المخيط قبل أن يحل من إحرامه وهو ناسي فلا شيء عليه.
س ٦١٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعنا عنكم جواز لبس الإحرام الذي قد خيط عليه ربقة كالوزرة فهل هذا صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا صحيح، فالإزار جائز سواء كان مربوطاً بتكة- يعنى ربقة- كما يقول السائل: أو مخيوطاً أو فيه مخابىء أيضاً فيجوز أن يلبس الإنسان إزاراً فيه ربقة، وأيضاً مخيوطاً وأما توهم بعض العوام أن كل ما فيه خياطة فهو حرام فهذا غلط وليس بصحيح، ولذلك يسألون كثيراً عن الحذاء المخروزة هل يجوز لبسها أو لا؟ لأن فيها خياطة فيقال: الإزار جائز على أي صفة كان، والقميص حرام على الرجال على أي صفة كان.
س ٦١٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم وضع لباس الإحرام على هيئة الوزرة ؟
стр. 8548
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج فيه، فلو أن الإنسان خاط الإزار ولبسه فلا حرج في هذا، حتى لو جعل فيه تكة يعنى ربقة يشده بها، وذلك لأنه لم يخرج عن كونه إزاراً والمشروع للمحرم أن يحرم بإزار ورداء، والنبي ﷺ قال: "من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل " ولم يقل: إزاراً لم يخط، أو ليس فيه خياطة فإذا خاط الإنسان إزاره ووضع فيه الربقة وشده على بطنه فلا حرج في هذا.
س ٦١٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت في إزار مغلق من جميع النواحي غير مفتوح فكان الناس ينكرون ويقولون: هذا لايجوز فما حكمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الناس ينكرون ما لا يعرفون، وهل الإزار حينما أغلق خرج عن كونه إزاراً؟ أبداً فما دام إزاراً والرسول ﷺ يقول: "فمن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل " فأباح الإزار على كل حال، ومن قال: لا يباح الإزار إذا كان كالوزرة فعليه الدليل، والحديث مطلق غير مقيد، ونظير هذا الشراب الذي فيه شقوق بعض الناس ينكر عليك أن تمسح عليه فنقول ما هو الدليل؟ ما دام يسمى جوربا، والشرع أطلق ولم يقيد- الحمد لله- والله تعالى يعلم كل شيء فلو كان هناك قيود يحتاج إليها المسلم في عباداته لبينها الله : إما في الكتاب أو في السنة. ومن أنكر الإزار المسكر فيقال له، ما دليلك على أن الإزار المسكر حرام؟ والسنة جاءت بإباحة الإزار مطلقاً؟
وبعض الناس يتعلق بكلمة مخيط، وهذه ما جاءت في
стр. 8549
السنة أبداً، لما سأل الرسول ﷺ ماذا يلبس المحرم؟ قال: "لا يلبس القميص ".
والقميص لو كان منسوجاً بدون أي خياطة فهو حرام، والإزار والرداء لو كله مرقع وكله خياطة حلال فكلمة المخيط هذه ما وردت في لسان الرسول ﷺ ولا في لسان أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الصحابة- ﵃ أول من نطق بها إبراهيم النخعي وهو من فقهاء التابعين- ﵀ وهي كلمة لا تصح بدليل أن الإزار المخيط والرداء المخيط المرقع يجوز وهو مخيط، وأن القميص المنسوج بدون خياطة حرام، وانظر إلى هذه الكلمة كيف أوجبت الإشكال بين الناس الآن يأتي الناس يستفتون يقولون: هل لبس النعل المخروزة والكمر هل يجوز لبسه لأنه مخيط؟ فلو أننا بقينا على ما جاءت به النصوص لسلمنا من الإشكالات.
س ٦١٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم ما يفعله بعض الناس من مسك الإحرام بالدبابيس أو المشابك حتى يصل البعض أن يجعلها كالثياب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأولى ألا يشبك الإنسان رداءه، بل ينسفه على كتفيه، لكن إذا كان يعمل كالطباخ والقهوجي وما أشبه ذلك وأراد أن يزره بمشبك، فلا بأس بذلك، أما ما أشار إليه السؤال من أن بعض الناس يزرّه بمشابك من الرقبة إلى السرة، حتى يكون كأنه قميص، فأنا أشك في جواز هذا؛ لأنه حينذاك
стр. 8550
يشبه القميص، والنبي ﷺ قال في المحرم: "لا يلبس القميص ".
س ٦١٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكمة من تجرد المحرم من المخيط في الحج والعمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: ما معنى غير المخيط، المخيط هو القميص، والسراويل، والبرانس، والعمائم والخفاف لأنها هي التي نهى النبي ﵊ عن لبسها، وليس المراد ما فيه خياطة.
والحكمة من التجرد من أجل أن يكمل ذل الإنسان لربه ظاهراً وباطناً، لأن كون الإنسان يبقى في رداء وإزار ذل، تجد أغنى الناس الذي يستطيع أن يلبس أفخر اللباس تجده مثل أفقر الناس لكمال الذل، وأيضاً من أجل إظهار الوحدة بين المسلمين وأنهم أمة واحدة حتى في اللباس، ولهذا يطوفون على بناء واحد، ويقفون في مكان واحد، ويبيتون في مكان واحد، ويرمون في موضع واحد.
الفائدة الثالثة: أن الإنسان يتذكر أنه إذا خرج من الدنيا فلن يخرج إلا بمثل هذا، لن يخرج بفاخر اللباس وإنما سيخرج في كفن والله المستعان.
س ٦١٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الجزمات التي تحت الكعبين تعتبر خفافاً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجزمات تحت الكعبين بعض
стр. 8551
العلماء يقول: لا بأس بها؛ لأن الرسول ﷺ قال في حديث عبد الله بن عمر ﵄ "من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين " (١) قال: لأنهما لو قطعا من أسفل الكعبين صارا بمنزلة النعلين.
ولكن ظاهر السنة العموم (ولا الخفين) فالصواب أنه حرام وأنه لا يجوز للمحرم أن يلبس كنادر ولو كانت تحت الكعب.
س ٦١٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا لم يجد نعلين وهو لابس الحذاء فماذا يفعل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا لم يجد النعلين فإنه يلبس الخفين كما قال النبي ﷺ . لكن في وقتنا- والحمد لله- سيجد نعالاً كثيرة عند الميقات، ولكن ربما لا يجد دراهماً يشتري بها.
س ٦٢٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: مع شدة الحر وكثرة المشي يصاب بعض الرجال بالحرق الذي يكون بين الفخذين فهل يجوز للرجل إذا أصابه ذلك أن يلبس السراويل أو يلبس شيئاً
قريباً منه لكي يفصل بين لحمه ليقي نفسه لأننا نرى بعض الناس ربما يسيل دمه من ذلك الحرق وهو قد تأذى بذلك فما الحكم ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للإنسان في هذه الحال أن يلف على فخذه لفافة ويربطها من فوق ويسلم من هذا الحرق، فإن لم يتمكن فله أن يلبس السراويل ولكن يطعم ستة مساكين لكل
стр. 8552
مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يذبح شاة يوزعها على الفقراء، لقول الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (١) وفي هذه الحال ليس عليه إثم لأنه فعل ذلك للعذر.
س ٦٢١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يرغب في أداء العمرة ولكن لا يستطيع لبس الإحرام لأنه معاق ومشلول: فهل يستطيع العمرة بثيابه وهل عليه كفارة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يلبس ثياب الإحرام فإنه يلبس ما يناسبه من اللباس الآخر والجائز وعليه عند أهل العلم إما أن يذبح شاة يوزعها على الفقراء، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام.
هكذا قال أهل العلم قياساً على ما جاء في حلق الرأس حيث قال الله تعالى: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (٢) وقد بين النبي ﷺ أن الصيام صيام ثلاثة أيام، وأن الصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك ذبح. شاة. ويكون الذبح والإطعام في هذه المسألة بمكة احتياطاً، لأن انتهاك محظور اللبس سيستمر إلى التحلل.
стр. 8553
س ٦٢٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمعتمر أن يضع رباطاً على ركبته لأنه يشعر بألم فيها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للمعتمر وللحاج أيضاً أن يربط رجله بسير يشده عليها إن كانت تؤلمه، بل إن لم تؤلمه إذا كان له مصلحة في ذلك، والسير وشبهه لا يعد لباساً.
وبالمناسبة أود أن أنبه إلى أمر اغتر فيه كثير من العامة وهو أن بعض العوام يظنون أن المحرم لا يلبس شيئاً فيه خياطة يقول: لا تلبس شيئاً فيه خياطة، حتى إنهم يسألون عن النعل المخروزة يقولون: هل يجوز لبسها؛ لأن فيها خياطة؟ ويسألون عن الرداء أو الإزار إذا كان مرقعاً، هل يجوز لبسه لأن فيه خياطة، وهذا مبني على العبارة التي يعبر بها الفقهاء: أن من المحظور لبس المخيط، فظن بعض العامة أن معناها لبس ما فيه خياطة، بل مراد أهل العلم أن يلبس اللباس المعتاد الذي خيط على البدن
كالقميص والسراويل والفنيلة والكوت وما أشبه ذلك، ولو اقتصرنا على تعبير النبي ﷺ ما حصل عندنا إشكال، فقد سئل ما يلبس المحرم- أي ما هو الذي يليه المحرم فقال: "لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرانس ولا العمائم، ولا
الخفاف " (١) .
стр. 8554
س ٦٢٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استخدام الحزام الطبي وذلك أثناء الطواف، فبعض الناس لا يمكنه التحرك والمشي بدونه وهذا الحزام مخيط، فهل يجوز له أن يستخدم ذلك الحزام في الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز أن يستخدم الإنسان هذا الحزام في الحج وفي العمرة أيضاً ولو كان مخيطاً. ويجب أن نعلم أن قول العلماء- ﵏: يحرم على الرجل لبس المخيط. أن مرادهم لبس القميص والسراويل وما أشبهه، فلهذا يجب أن نفهم كلام العلماء على ما أرادوه، ثم هذه العبارة: "لبس المخيط " ليست مأثورة عن النبي ﷺ ، وقد قيل: إن أول من قال بها أحد فقهاء التابعين إبراهيم النخعي،﵁ وأما النبي ﷺ فلم يقل للأمة لا تلبسوا المخيط. بل سئل: ما يلبس المحرم؟ قال: " لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا العمائم ولا البرانس، ولا الخفاف " (١) ولم يذكر لفظ المخيط إطلاقاً، فيجب أن نفهم النصوص على ما أرادها المتكلم.
س ٦٢٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا دخل الأفاقي مكة بدون إحرام من أجل أن يتحايل على ولاة الأمر بعدم إرادة الحج، ثم أحرم من مكة فهل حجه صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما حجه فصحيح وأما فعله فحرام من وجهين:
стр. 8555
أحدهما: تعدي حدود الله بترك الإحرام من الميقات.
والثاني: مخالفة أمر ولاة الأمور الذي أمرنا بطاعتهم في غير معصية الله.
وعلى هذا يلزمه أن يتوب إلى الله ويستغفره مما وقع، وعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء لتركه الإحرام من الميقات على ما قاله أهل العلم من وجوب الفدية على من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة.
س ٦٢٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز تغيير لباس الإحرام وذلك لغسله ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمحرم أن يغير لباسه إلى لباس آخر مما يجوز له لبسه، سواء كان ذلك لحاجة أو لغير حاجة؛ لأن الثوب لا يتعين بالإحرام فيه، أي أنه لو أحرم في ثوب فإنه لا يتعين أن يبقى عليه هذا الثوب حتى ينتهي نسكه، بل له أن يغير الثياب، ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة، وأما ما يظنه بعض الناس من أن الإنسان إذا أحرم بثوب لزمه أن يبقى فيه حتى ينتهي النسك فإن هذا لا أصل له في سنة رسول الله ﷺ ولا في أقوال الصحابة- ﵃ بل ولا في كلام أهل العلم، فإذا اتسخ الثوب الذي أحرم فيه الإنسان فلبس غيره مما يجوز له لبسه وغسله أي غسل الثوب الأول فلا بأس.
стр. 8556
س ٦٢٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من لبس الإحرام وكان تحت الإحرام منشفة فهل عليه في ذلك شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليه شيء؟ لأن المنشفة ليست من الثياب التي منعها الرسول ﵊، حيث سئل: ماذا يلبس المحرم؟ قال: "لا يلبس القميص ولا البرانس ولا العمائم ولا الخفاف " فهي ليست من الثياب التي منعها الرسول ﵊.
س ٦٢٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يلبس المشلح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز؛ لأنه يشبه البرنس.
س ٦٢٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج يشعر بشيء من البول بعد التبول لمدة ربع ساعة ويخشى على ملابس الإحرام، فهل يجوز له أن يرتدي سروالاً قصيراً ثم يخلعه لمدة ربع ساعة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: قد يكون هذا من الوساوس، يعني قد يوسوس الشيطان للإنسان بأنه أحدث ولم يُحدث، وقد سُئل النبي ﷺ فقيل له: الرجل يخيل إليه يعني أنه أحدث، فقال النبي ﷺ : "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (١) يعني
стр. 8557
حتى يتيقن، قد تُحس بدبيب في ذكرك من داخل فتظن أنه بول نزل، ولكن لا تلتفت لهذا تلهَّى عنه، وأعرض عنه، إذا كنت تريد أن يعافيك الله منه لا تهتم به، استمر في عبادتك ولا تقل إنك
أحدثت، فإنك لم تحدث في الواقع، لكن إذا تيقنت يقيناً مثل الشمس أنه خرج منك شيء فلابد أن تغسل الملابس وتغسل ما أصابه البول من بدنك، وتعيد الوضوء، ولبس السراويل في الإحرام لا يمنع من هذا حتى ولو لبست فإنه لا يمنع أن ينزل البول مع السراويل أيضاً فأبق على الإزار ولا تلبس السراويل، وإذا قدّر أن الإزار تنجس فاخلعه واغسله؛ لأنه يجوز للإنسان أن يخلع
ثياب إحرامه ويعيدها مرة ثانية.
س ٦٢٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استبدال المحرم لباس الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: تبديل المحرم لباس الإحرام بثوب يجوز لبسه في الإحرام لا بأس به، سواء فعله لحاجة أو لضرورة، أو لغير حاجة ولا ضرورة. فأما فعله للضرورة فمثل أن ينجس ثوب الإحرام وليس عنده ماء يغسله به فهنا يضطر إلى تبديله بثوب طاهر؛ لأنه لا تصح منه صلاة إلا بثياب طاهرة، ومثال الحاجة أن يتسخ ثوب الإحرام فيحتاج إلى غسل فهنا يخلعه ويلبس ثوباً آخر مما يجوز لبسه في الإحرام، ومثال ما لا حاجة ولا ضرورة أن يبدو للإنسان أن يغير لباس الإحرام بدون أي سبب فله ذلك ولا حرج إذا غيره بما يجوز لبسه.
стр. 8558
س ٦٣٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغتسل من أجل النظافة؟ وهل يجوز أن يغير ثياب الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المحرم يجوز له أن يغتسل من أجل النظافة، لأنه ثبت أن النبي ﷺ اغتسل وهو محرم (١) ، ويجوز للمحرم أن يغير ثياب الإحرام إلى ثياب أنظف منها أو أجدد ويجوز له أيضاً أن يترفه بالتكييف وغيرها من أسباب الراحة.
س ٦٣١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغير ثوب الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز أن يغيره، فيجوز أن يغير الرداء أو الإزار أو المرأة تغير ثيابها إلى لباس جائز ولا حرج في ذلك. لأن الأصل الحل والجواز حتى يقوم الدليل على المنع.
س ٦٣٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اتسخ رداؤه فأراد أن يخلعه ليغسله هل هذا جائز؟ وهل يجوز أن يجعل فيه طيباً قبل أن يلبسه ثانياً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز أن يخلع رداء ليغسله وإذا خلعه فلا يجوز أن يضع فيه طيباً؛ لأنه لا يجوز للمحرم أن يستعمل الطيب ابتداءً، فإذا خلع رداءه فلا يجوز أن يعيده مطيباً
стр. 8559
لأن الرسول ﷺ قال: "لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ولا المسك " (١)
س ٦٣٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من محظورات الإحرام لبس المخيط فما حكم لبس النعال المخروزة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أهل العلم عندما ذكروا من محظورات الإحرام لبس المخيط لم يريدوا بذلك لبس ما كان فيه خياطة، وإنما أرادوا بذلك ما يصنع على البدن من الملبوسات كالسراويل والقميص، وأما ما فيه خياطة فإنه جائز إذا كان يجوز لبسه في الإحرام مثل النعال التي فيها خرازة، ومثل الكمر الذي يجعل فيه النفقة، وكذلك إذا انشق الإزار وخاطه فإنه لا بأس في ذلك، وكثير من العامة يفهمون من لبس المخيط أنه لبس ما فيه خياطة وليس الأمر كذلك، وإنما لبس المخيط أن يلبس الإنسان ما يصنع على البدن من الملبوسات، أو على جزء منه كما مثلنا أولاً، وقد سئل النبي ﷺ ما يلبس المحرم؟ قال: "لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف ".
س ٦٣٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص أحرم بالعمرة ونسي أن يخلع السراويل فما حكمه ؟
стр. 8560
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليه شيء، لقول الله ﵎: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وهنا قاعدة مفيدة (جميع المحرمات في العبادات وغير العبادات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه) فلو تكلم الإنسان وهو يصلي ناسياً فصلاته صحيحة، لو أكل وهو صائم ناسياً فصيامه صحيح، جميع المحرمات سواء كانت في العبادات أو خارج العبادات إذا فعلها الإنسان جاهلاً، أو ناسياً، أو مكرهاً فلا شيء عليه لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) . فقال الله تعالى: قد فعلت.
س ٦٣٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل في الحج يوم النحر ذهب ليرمي جمرة العقبة وقبل أن يرمي جمرة العقبة أصيب بحجر في رأسه وسال الدم ففسخ ملابس الإحرام ولبس المخيط جاهلاً فهل عليه شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليه شيء أبداً، وكل محظورات الإحرام، ومحظورات الصيام، ومحظورات الصلاة كلها إذا فعلها الإنسان جاهلاً، أو ناسياً فلا شيء عليه، قال الله : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) . وقال الله تعالى: (قد فعلت) .
стр. 8561
س ٦٣٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل مصاب بشرخ في الشرج ويلبس السراويل ويضع القطن حتى لا يحصل التهاب فهل يجوز له إذا أحرم أن يلبس السراويل من أجل هذا العذر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز له أن يلبس السراويل في الحج من أجل هذا العذر، ولكن عليه أن يفدي: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو أن يذبح شاة يوزعها على فقراء مكة، وذلك، لأن الله سبحانه تعالى يقول: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) وهذه نزلت في كعب بن عجرة- ﵁ عندما مرض وكثر الأذى في رأسه فأباح الله له ولأمثاله أن يحلق رأسه ويفدي بأحد هذه الأمور الثلاثة بالتخيير إن شاء الإنسان صام ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو ذبح شاة في مكة وتصدق بها على الفقراء.
س ٦٣٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال المظلة للمحرم؟ وكذلك الحزام مع العلم أن فيه خياطة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حمل المظلة على الرأس وقاية من حر الشمس لا بأس به ولا حرج فيه، ولا يدخل هذا في نهي النبي ﷺ عن تغطية الرأس- رأس الرجل- لأن هذا ليس تغطية بل هو تظليل من الشمس والحر، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان معه أسامة بن زيد، وبلال أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوباً يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة، وفي
стр. 8562
رواية (والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس) وهذا دليل على أن النبي ﷺ قد استظل بهذا الثوب وهو محرم قبل أن يتحلل
أما وضع الحزام على إزاره فإنه لا بأس به ولا حرج فيه وقول السائل: مع أنه مخيط. هذا القول مبني على فهم خاطىء من بعض العامة حيث ظنوا أن معنى قول العلماء: "يحرم على المحرم لبس المخيط " ظنوا أن المراد به ما كان فيه خياطة، وليس كذلك بل مراد أهل العلم بلبس المخيط ما كان مصنوعاً على قدر العضو ولبس على هيئته المعتادة كالقميص والسراويل والفنيلة وما أشبه ذلك؛ وليس مراد أهل العلم ما كان به خياطة، ولهذا لو أن الإنسان أحرم برداء مرقع، أو بإزار مرقع لم يكن عليه في ذلك بأس، وإن كان قد خيط بعضه ببعض.
س ٦٣٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أحرمت بابني الصغير الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات وواجهته صعوبات فألبسته المخيط. فما العمل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإحرام بالصغار جائز، فقد رفعت امرأة صبيّاً إلى النبي ﷺ فقالت: ألهذا الحج؟ قال: "نعم ولك أجر" (١) وإذا ثبت له الحج فالعمرة كذلك، لأن العمرة حج أصغر - كما قال رسول الله ﷺ ، وقال ﵊: "دخلت
стр. 8563
العمرة في الحج " (١) وقال ليعلي بن أمية: "اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك " (٢) .
وإذا كان الصغير ذكراً فإنه يلبس إزاراً ورداءً، وإن كانت أنثى فتلبس ما تلبس الأنثى، وليس للمرأة ثوب معين للإحرام بخلاف الرجل.
وقد اختلف أهل العلم فيما يحدث من كثير من الأطفال، حيث يجدون المشقة في النسك فيمتنعون عن إكماله، فذهب بعضهم إلى أنه يلزم إتمامه، وبعضهم إلى أنه لا يلزم، فإذا طرأت مشقة أو تعب على وليه أو عليه جاز أن يتحلل، وهذا مذهب أبي حنيفة- ﵀، وهو قول قوي جداً، ذلك لأن الصبي مرفوع عنه القلم، كما جاء في الحديث: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ ... " (٣) .
س ٦٣٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يكثر سؤال بعض الركاب على الرحلات الجوية أنهم تركوا ملابس الإحرام في حقائب السفر، فكيف يحرمون ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يحرم هؤلاء الذين تركوا ملابس الإحرام في حقائب السفر في جوف الطائرة بخلع الثياب العليا
стр. 8564
وهي القميص ويبقون في السراويل، ويجعلون الثوب الأعلى بمنزلة الرداء، يعنى يلفه على بدنه، ويلبي؛ لأن النبي ﷺ قال في الذي لم يجد الإزار: "فليلبس السراويل ".
فإذا نزلوا فليبادروا بلباس الإزار، وإذا كان عليه بنطلون فيخلع القميص بلازم أن يخلع الملابس الداخلية من السراويل.
س ٦٤٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم في الفتوى السابقة: يخلع الثياب العليا ويبقى في السراويل لكنه يخشى إذا فعل ذلك أن يتهم في عقله مما يسبب له الإحراج أمام الناس فما
رأيكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: رأيي أنه لا يتهم بأنه مصاب في عقله؛ لأنه سيقول: لبيك اللهم لبيك. وإذا قال هذا عرف حاله.
س ٦٤١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم لبس الساعة للمحرم في يده هل هو من محظورات الإحرام أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس من المحظورات لبس الساعة، لأن الأصل هو الحل، ونقول لمن قال: إنه من المحظورات هات الدليل فإذا جاء بالدليل وإلا فإن الرسول ﷺ قال: "لا يلبس القميص، والسراويل، ولا العمائم، ولا البرانس ولا الخفاف " (١) . ومعناه ما سوى ذلك حلال يلبس، ولا يجوز لأحد أن يضيق على عباد الله فيمنعهم مما لم يحرمه الله؛ لأن الله يقول:
стр. 8565
(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) والحاكم بين عباده هو الله تعالى، فليس لنا أن نقول هذا ممنوع إلا بدليل؛ لأن الله سوف يسألنا لماذا منعتم عبادي من كذا وأنتم لا تعلمون.
ونقول أيضاً لبس الخاتم أنتم تقولون إنه جائز، وأي فرق بين لبس الخاتم الذي يوضع على الإصبع محيطاً به، وبين وضع الساعة التي توضع على الذراع محيطة بها. هل هناك فرق كل منهما محيط.
ولو جاءنا رجل وقال: ما تقولون في لبس نظارة العين حلال أم حرام؟
فنقول: حلال، والدليل عدم الدليل، فإذا لم يكن هناك دليل على المنع فالأصل الحل، فإذا جاء رجل آخر وقال: إنه لا يسمع سمعاً قوياً وأنه يلبس سماعة في إذنه فهل يجوز؟ فنقول: نعم يجوز.
فإذا قال قائل: هذا ممنوع. قلنا: هات الدليل وإلا فالأصل الحل. وإذا جاءنا رجل وقال: أنا ما عندي أسنان أسناني ساقطة وقد اتخذت أسناناً مركبة صناعية فهل يجوز أن ألبسها وأنا محرم؟
نعم يجوز، فإذا قال قائل: ما الدليل نقول له الدليل عليك أنت، إذ قلت إنه ممنوع فعليك الدليل وإلا فالأصل هو الحل، لأن النبي ﷺ لما سئل ماذا يلبس المحرم؟ أجاب عما لا يلبس، فكأنه قال للسائل: البس كل شيء ما عدا هذه الأشياء، فإذا ادعى مدعٍ أن هذا ممنوع فإن كان من هذه الأشياء أو بمعنى هذه الأشياء قبلنا
стр. 8566
قوله بأنه ممنوع، وإلا رفضنا قوله إنه ممنوع. ولتعلم أن العطاء أحب إلى الله من المنع، وأن الحل أحب إلى الله من التحريم، وأن التيسير أحب إلى الله من التعسير. وهذه ثلاث قواعد أحب أن
تفهم؛ لأنها تفيد فائدة عظيمِة في كثير من مسائل الدين.
س ٦٤٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تطيبت وتكحلت بعد أن أحرمت ناسية فما الحكم في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليها شيء، لكن الطيب تزيله متى ذكرت، أما الكحل فلا يضر لأنه ليس محرماً في الإحرام، ثم إنني أقول إن جميع المحرمات في العبادات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه، سواء في الصلاة، أو في الصيام، أو في الحج، فلو قدر أن الإنسان في الحج جامع زوجته ليلة مزدلفة بناء على أنه لما وقف بعرفة انتهى الحج متوهماً معنى فاسداً من الحديث الصحيح "الحج عرفة" (١) قال وقفنا بعرفة وانتهى الحج وجامع زوجته ليلة مزدلفة فلا شيء عليه، لا فدية، ولا فساد حج، ولا قضاء حج، لأنه جاهل، هكذا نقول في جميع المحظورات فلو قتل صيداً وهو جاهل، فلا شيء عليه، ولو تكلم في الصلاة يظن أن الكلام لا بأس به، مثل نادته أمه وهو يصلي فظن أن جواب الأم واجب ولو في الفريضة فتكلم وهو لا يعتقد أنه
стр. 8567
يبطل الصلاة فصلاته صحيحة، وفي الصيام لو أكل يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب فصيامه صحيح، فهذه قاعدة (كل من فعل شيئاً محرماً في العبادة ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فليس عليه شيء، لا إثم، ولا قضاء، ولا كفارة) لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالى "قد فعلت "، ولقوله تعالي: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)) ولقوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .
س ٦٤٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت هذا العام المنصرم وبعد ما نويت العمرة وأنا جالس في السيارة ركب أحد الركاب وطيب من بجواري ثم وضع على يدي الطيب وأنا
أعرف الحكم ولكني جاملته فقط وبعدما ما ذهب مسحته بقماش فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للإنسان أن يجامل أحداً في معصية الله ، فيعصي الله من أجل المجاملة، فالواجب عليك حين عرض عليك الطيب، أن تقول إنه لا يجوز للمحرم الطيب. وهذا الرجل قد يخفى عليه أن المحرم يحرم عليه استعمال الطيب، وربما ينسى فيطيبك، ففي هذه الحال يجب عليك أن تقول: يا أخي إن الطيب محرم على المحرم، وبناء على
стр. 8568
أنك لم تفعل هذا وجاملته في معصية الله فإنه يجب عليك أن تتوب إلى الله مما صنعت، والعلماء يقولون: يجب عليك واحد من أمور ثلاثة: إما ذبح شاة في مكة تتصدق بها على الفقراء، وإما إطعام
ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع بمكة أيضاً، وإما أن تصوم ثلاثة أيام ولو في بلدك، وقالوا أيضاً: يجوز أن يذبح الشاة وأن يطعم المساكين في مكة، ويجوز في المكان الذي فعل فيه المحظور.
س٦٤٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعد ما لبست ملابس الإحرام ونويت وأنا في الميقات جاء أحد الأخوان وناولني الطيب فطيب رأسي ولحيتي وأنا جاهل فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يتطيب الإنسان بعد لبس الإحرام إذا كان لم يعقد النية، أما إذا عقد فإنه لا يتطيب.
أما في تلك المسألة فليس عليك شيء؟ لأن الله يقول: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وأنت لم تتعمد أن تأخذ الطيب، وظننت أن هذا جائز فلا شيء عليك، لكن في المستقبل متى نويت فلا تطيب حتى ولو أنك في الميقات.
س ٦٤٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال المناديل المبللة بالطيب وكذلك معجون الأسنان والصابون ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المناديل المبللة بالطيب لا يجوز استعمالها، في حال الإحرام إلا إذا حل التحلل الأول بأن رمى جمرة العقبة وحلق أو قصر.
стр. 8569
وأما معجون الأسنان فلا بأس به لأن رائحته ليست رائحة طيب، ولكنها رائحة زكية ونكهة طيبة، وكذلك الصابون لا بأس باستعماله؛ لأنه ليس طيباً ولا مطيباً، ولكن فيه رائحة زكية طيبة
من أجل إزالة ما يعلق باليد منه من الرائحة التي قد تكون كريهة.
س ٦٤٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال المناديل المعطرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المناديل المعطرة إذا كانت رطبة وفيها طيب رطب يعلق باليد فلا يجوز للمحرم أن يستعملها، أما إذا كانت جافة وكانت مجرد رائحة تفوح كرائحة النعناع والتفاح
فلا بأس.
س ٦٤٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج مس الركن اليماني وكان مطيباً فهل عليه شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان فيه طيب يعلق باليد فإنه لا يجوز للمحرم أن يمسحه بيده لأنه إذا مسحه علق الطيب بيده، والمحرم يحرم عليه استعمال الطيب، لكن لو فرض أن الرجل لم يعلم ومسحه ووجده عالقاً بيده فإنه يمسح يده بكسوة الكعبة.
س ٦٤٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم شرب المحرم للماء الذي وضع فيه ماء الورد أو النعناع ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما ماء الورد فلا يجوز أن يشرب
стр. 8570
الإنسان من الماء الذي فيه ماء الورد متى كانت رائحته باقية وأما النعناع فلا بأس؛ لأنه رائحته ليست طيباً ولكنها رائحة نكهة طيبة فهي من جنس رائحة التفاح والاترنج وما أشبهها.
س ٦٤٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ذهبت مع أهلها لأداء العمرة فلم يتسنَّ لها القص بعد السعي فذهبت إلى جدة مع أهلها فأبدلت ملابسها وشكّت أنها تطيبت ثم قصَّت بعد ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المرأة ليس عليها شيء لأنها لم تفعل محظوراً من محظورات الإحرام، حيثما إنها تقول: شكَّت هل تطيبت أم لا؟ والأصل براءة الذمة وعدم التطيب، والتقصير والحلق ليس له مكان، يجوز في كل مكان سواء في مكة أوفي بلد آخر، ولكن إذا لم يحلق أو يقصر بقي عليه من محظورات الإحرام ما بقي والأولى المبادرة حتى لا ينسى
س ٦٥٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا تطيب الرجل قبل أن يلبس لباس الإحرام ولكن أثره لا يزال باقياً فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإنسان إذا تطيب قبل الإحرام وبقي أثر الطيب عليه بعد الإحرام فلا بأس، قالت عائشة- ﵂ كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم (١) .
стр. 8571
س ٦٥١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز وضع الطيب على ثياب الإحرام قبل الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تطيب ثياب الإحرام؛ لأن النبي ﷺ يقول: " لا يلبس المحرم ثوباً مسه الزعفران " (١) والزعفران نوع من الطيب، قال بعض أهل العلم: إنه يكره للإنسان أن يطيب ثياب الإحرام وهذا قبل عقد الإحرام، وقال بعض أهل العلم: إنه يحرم أن يطيب ثياب الإحرام قبل عقد الإحرام.
أما تطييب بدنه فإن الرسول ﷺ كان إذا اغتسل للإحرام طيب رأسه ولحيته. وهذا سنة قالت عائشة- ﵂ "كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولطوافه قبل أن يطوف بالبيت " وقالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم.
والخلاصة أن ثياب الإحرام لا تطيب، وأما بدن المحرم فإنه يتطيب في رأسه ولحيته وهذا كله قبل عقد الإحرام، أما بعد عقد الإحرام، فلا يتطيب لا في بدنه ولا في ثيابه ولا يمس شيئاً فيه
طيب.
س ٦٥٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الحلاقين عندما ينتهي المعتمر أو الحاج من العمرة والحج يضع نوعاً من الطيب فما حكم ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان جاهلاً فلا شيء عليه سواءً
стр. 8572
كان الجاهل هذا الحلاق أو المحلوق، أما إذا كان المحلوق عالماً بأن فيه طيباً فإنه يمنعه؛ لأنه لا يحل إلا إذا حلق أو قصر بعد السعي.
س ٦٥٣: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: حاج بعد أن رمى جمرة العقبة يوم العيد وقبل الحلق والطواف وجد رجلاً يبيع طيباً فشمه بقصد الشراء فهل عليه شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، ثم إن شم الطيب بعض العلماء يقول: إذا كان شم الطيب من أجل أن يعرف جودته وهل هو طيب أو رديء، فلا بأس
به، هذا إذا لم يقصد التمتع برائحته.
س ٦٥٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس إذا انتهى من العمرة وأراد الحلق وقبل حلق رأسه يضع عليه الحلاقون شيئاً من العطر أو الصابون وله رائحة زكية فه يعتبر هذا من
محظورات الإحرام أو أنه في طريق الإزالة فيعفى عنه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان طيباً فيمنعه منه، أما إذا كان مجرد رائحة زكية كرائحة النعناع وأشباه ذلك فلا بأس بها حتى لو كان في صلب الإحرام.
س ٦٥٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يستعمل المحرم الصابون ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمحرم أن يتنظف بالصابون
стр. 8573
بشرط أن لا يكون الصابون مطيباً، فإن كان الصابون مطيباً فإنه لا يجوز للمحرم (١) أن يتنظف به لا في يديه ولا في رأسه ولا في بقية جسده؛ لأن النبي ﷺ قال في المحرم الذي وقصته ناقته وهو واقف بعرفة فمات ﵁ فجاؤا يسألون النبي ﷺ عنه فقال ﷺ : " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه "
وفي رواية " ولا وجهه ولا تحنطوه " وفي هذا الحديث أمران ونهيان، فالأمران: " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه " والنهيان في قوله: "لا تخمروا رأسه ولا تحنطوه " وعلة ذلك بينها رسول الله ﷺ بقوله: "فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً (٢) " وهذا دليل على أن المحرم لا يجوز أن يستعمل الطيب، وفيه أيضاً دليل على مسألة مفيدة جداً وهي أن الحاج إذا مات محرماً فنكفنه بإزاره وردائه الذي هو محرم فيهما، ونبقي رأسه مكشوفاً كالمحرم سواء؛ لأن هذا الثوب مات فيه متلبساً بالعبادة، فهو كثياب الشهداء، فإن ثياب الشهداء لا تنزع، وإنما يكفن الشهيد في ثوبه كما أمر بذلك النبي ﷺ في شهداء أحد، والمهم أن المحرم لا يتنظف بالصابون المطيب، ولا يستعمل طيباً، ولكن يشرع للمحرم أن يتطيب قبل إحرامه لقول عائشة
﵂: "كنت أطيّب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت " متفق عليه (٣) .
стр. 8574
س ٦٥٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم التنظف للمحرم بصابون أو شامبو ذي الرائحة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس باغتسال المحرم فقد ثبت أن النبي ﷺ اغتسل وهو محرم (١) .
وأما الشامبو فالظاهر أن رائحته ليست عطرية، وإنما هي رائحة ونكهة محبوبة للنفس كما في النعناع وورق التفاح وما أشبه ذلك، والمهم أن ما كان طيباً لا يجوز استعماله للمحرم.
س ٦٥٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الاغتسال بالصابون المعطر وقت الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس به؛ لأن هذه الرائحة ليست طيباً ولا تستعمل للطيب إنما هي لتطييب النكهة فقط.
س ٦٥٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يشرب القهوة التي بها زعفران ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت قد بقيت رائحة الزعفران فلا يجوز استعماله للمحرم؛ لأن الزعفران من الطيب، أما إذا كانت ذهبت رائحته بالطبخ فلا بأس به.
стр. 8575
س ٦٥٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كنا محرمين وفي طريقنا إلى مكة شربنا الشاي والقهوة وكان في القهوة زعفران فهل يلزمنا شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان ذلك عن جهل منهم فإنه لا يلزمهم شيء، وإذا كان عندهم شك في هل هذا زعفران أو لا فلا يلزمهم شيء، وإن تيقنوا أنه زعفران وقد علموا أن المحرم لا يجوز أن يشرب القهوة التي فيها الزعفران فإنه إن كانت الرائحة موجودة فقد أساءوا، وإن كانت غير موجودة وليس فيه إلا مجرد اللون فلا حرج عليهم في هذا.
فإنني وبهذه المناسبة أود أن يعلم أن جميع محظورات الإحرام إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه، لا إثم، ولا فدية، ولا جزاء. فلو أن أحداً قتل صيداً في الحرم، أو بعد إحرامه وهو لا يدري أنه حرام، أو يدري أن قتل الصيد حرام لكن لا يدري أن هذا الصيد مما يحرم صيده فإنه لا شيء عليه، كذلك لو أن رجلاً جامع زوجته قبل التحلل الأول يظن أن لا بأس به فلا شيء عليه، وهذا ربما يقع في ليلة مزدلفة بعد الانصراف من عرفة، فإن بعض العوام يظنون أن معنى
الحديث "الحج عرفة" (١) أنه إذا وقف الإنسان بعرفة فقد انتهى حجه وجاز له أن يجامع زوجته ليلة مزدلفة ظناً منه بأن الحج انتهى، فهذا ليس عليه شيء، لا فدية، ولا قضاء، ودليل هذا قوله
﵎: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله
стр. 8576
تعالى: (قد فعلت) . وقوله ﵎: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) وقوله ﵎ في الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وفي الصيام قال النبي ﷺ : " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " فهذه القاعدة العامة التي منّ الله بها على عباده تشمل كل المحرمات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فليس عليه إثم، وليس فيها فدية ولا كفارة.
س ٦٦٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم قتل الصيد حال الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمحرم أن يقتل الصيد سواء في داخل الحرم أو في خارج الحرم، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أي محرمين، وعلى هذا فلو أنه رأى صيداً وهو واقف بعرفة وأراد أن يصطاده فإن هذا حرام، ولو رآه وهو في الحرم وأراد أن يصطاده قلنا: هذا حرام من وجهين:
الوجه الأول: أنك محرم.
الوجه الثاني: أنك في الحرم.
والصيد هو حيوان البر الحلال المتوحش أصلاً، فقولنا حيوان البر، يخرج به حيوان البحر، فلا يحرم على المحرم أن يصطاد السمك، فلو فُرض أن هذا الرجل أحرم في جده وذهب إلى البحر واصطاد سمكاً فإن ذلك جائز؛ لأن هذا ليس حيوان بر
стр. 8577
بل هو حيوان بحر، ولهذا قال الله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) . اشترطنا أن يكون حيوان، البر
الحلال، احتياطاً من الحرام، فلا يحرم على المحرم أن يقتل حيواناً حراماً كالذئاب والسباع وشبهها، لأنها ليست صيداً شرعاً.
واشترطنا أن يكون متوحشاً أصلاً والمتوحش الذي ليس بأليف، الذي ينفر من الناس ولا يألفهم ولا يركن إليهم بل يفر ويهرب مثل: الظباء والأرانب والحمام والوز وغير ذلك من الأشياء التي تعتبر متوحشة، وقولنا أصلاً دخل فيه ما لو استأنس الصيد وصار أليفاً فإنه لا يجوز صيده أو لا يجوز ذبحه، فلو استأنس الأرنب فلا جوز للمحرم أن يذبحه، لأن أصله صيد، ولهذا قلنا: المتوحش
أصلاً، فأصل هذا صيد، فلا يجوز للمحرم أن يذبحه، ولو توحش حيوان أليف مثل أن يهرب الكبش ويكون كالصيد يفر إذا رأى الناس فلا يعتبر صيداً يحرم قتله على المحرم، لأنه غير متوحش في أصله والتوحش طارىء عليه، فإذا ند البعير أو هرب الكبش وأدركه الإنسان وهو محرم فإنه يحل له أن يرميه ويكون حلالاً لأنه ليس بصيد، لأن كون الصيد والمتوحش أصلاً.
س ٦٦١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يحرم على المحرم صيد البحر فمثلاً لو أحرم ومر بالبحر فصاد سمكاً فهل يحرم عليه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحرم على المحرم صيد البحر
стр. 8578
لقول الله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) (١) .
س ٦٦٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم قتل النمل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا آذى النمل فيجوز قتله سواء في عرفة أو في منى، أو في مزدلفة، أو في وسط الحرم أو في أي مكان، ولكن بدون سبب فلا تقتل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد (٢) .
س ٦٦٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم عقد النكاح للمحرم وإذا وقع فهل يصح العقد ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يحرم عقد النكاح سواء كان المحرم الولي، أو الزوج، أو الزوجة؛ لقول النبي ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا ينكح " (٣) ولايصح العقد لنهي النبي ﷺ ، بل لابد من عقد جديد، ولو قدر أنه دخل بالزوجة بعد الإحلال وأنجبت فيكون
وطؤه بشبهة وأولاده شرعيون.
стр. 8579
س ٦٦٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم عقد النكاح للمحرم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمحرم أن يعقد النكاح لنفسه، ولا لغيره، ولا يجوز أن يُعقد عليه فلا يزوَّج الرجل ابنته وهو محرم، فإن ذلك حرام عليه والنكاح فاسد غير صحيح، ولو تزوج هو بنفسه، فإنه حرام عليه والنكاح فاسد، ولو عقد على ابنته المحرمة وهو محرم فالنكاح فاسد ولا يصح وهو آثم والنكاح غير صحيح. وكذلك الخطبة، فلا يحل لإنسان أن يخطب امرأة وهو محرم؛ لحديث عثمان بن عفان- ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا ينكح محرم، ولا يُنكح، ولا يخطب، ولا يخطب عليه " (١) أيضاً فلا يجوز لإنسان محرم أن يخطب امرأة ولا يجوز
أن تخطب المرأة المحرمة فإن فعل وخطب امرأة وهو محرم، فليس له حق في هذه الخطبة، يعني فيجوز لإنسان آخر أن يخطب هذه المرأة، لأن خطبة هذا الرجل المحرم فاسدة غير مشروعة فلا حق له، مع أن الخطبة على خطبة أخيه في الأصل حرام، لكن لما كانت الخطبة خطبة المحرم خطبة فاسدة صار لا حق له في ذلك، وجاز لغيره أن يخطب هذه المرأة، يعني خطبة المحرم لها خطبة منهي عنها لا أثر لها ولا يترتب عليها أحكام الخطبة.
س ٦٦٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعنا أنك سئلت عن رجل رجع عن عمرته وهو لم يحلق إما ناسياً أو جاهلاً
стр. 8580
ثم عقد على امرأة فلما سئلت قلت: العقد باطل فهل هذه الفتوى صحيحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الفتوى غير صحيحة لكن من حج ورمى وحلق وطاف وسعى حل التحلل كله، وجاز أن يعقد على النساء، فأما إذا رمى وطاف وسعى ولم يحلق فإنه لم يحل التحلل الثاني، وحينئذ إذا عقد على امرأة كان عقده غير صحيح هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة أنه إذا عقد على امرأة قبل أن يتحلل التحلل الثاني فالعقد غير صحيح فلابد من إعادته، لكنْ هناك قول يقول بالصحة، وأنه إذا حل التحلل الأول حرم عليه جماع النساء دون العقد عليهن، فعلى المذهب نقول: يجب عليك أن تجدد العقد، وعلى القول الثاني لا يجب، فمن جدد العقد احتياطاً فهو أحسن، ومن لم يجدده فأرجو أن لا يكون في نكاحه بأس.
س ٦٦٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ورد في حديث ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ تزوج ميمونة- ﵂ وهو محرم، ومن المعلوم أن المحرم يحرم عليه عقد النكاح فما الجواب عن هذا الحديث ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الراجح أن النبي ﷺ تزوج ميمونة ﵂ وهو حلال، وذلك أن ميمونة نفسها أخبرت أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال كما ثبت ذلك في صحيح مسلم (١)