تعالى: (قد فعلت) . وقوله ﵎: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) وقوله ﵎ في الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وفي الصيام قال النبي ﷺ : " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " فهذه القاعدة العامة التي منّ الله بها على عباده تشمل كل المحرمات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فليس عليه إثم، وليس فيها فدية ولا كفارة.
س ٦٦٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم قتل الصيد حال الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمحرم أن يقتل الصيد سواء في داخل الحرم أو في خارج الحرم، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أي محرمين، وعلى هذا فلو أنه رأى صيداً وهو واقف بعرفة وأراد أن يصطاده فإن هذا حرام، ولو رآه وهو في الحرم وأراد أن يصطاده قلنا: هذا حرام من وجهين:
الوجه الأول: أنك محرم.
الوجه الثاني: أنك في الحرم.
والصيد هو حيوان البر الحلال المتوحش أصلاً، فقولنا حيوان البر، يخرج به حيوان البحر، فلا يحرم على المحرم أن يصطاد السمك، فلو فُرض أن هذا الرجل أحرم في جده وذهب إلى البحر واصطاد سمكاً فإن ذلك جائز؛ لأن هذا ليس حيوان بر
стр. 8577
بل هو حيوان بحر، ولهذا قال الله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) . اشترطنا أن يكون حيوان، البر
الحلال، احتياطاً من الحرام، فلا يحرم على المحرم أن يقتل حيواناً حراماً كالذئاب والسباع وشبهها، لأنها ليست صيداً شرعاً.
واشترطنا أن يكون متوحشاً أصلاً والمتوحش الذي ليس بأليف، الذي ينفر من الناس ولا يألفهم ولا يركن إليهم بل يفر ويهرب مثل: الظباء والأرانب والحمام والوز وغير ذلك من الأشياء التي تعتبر متوحشة، وقولنا أصلاً دخل فيه ما لو استأنس الصيد وصار أليفاً فإنه لا يجوز صيده أو لا يجوز ذبحه، فلو استأنس الأرنب فلا جوز للمحرم أن يذبحه، لأن أصله صيد، ولهذا قلنا: المتوحش
أصلاً، فأصل هذا صيد، فلا يجوز للمحرم أن يذبحه، ولو توحش حيوان أليف مثل أن يهرب الكبش ويكون كالصيد يفر إذا رأى الناس فلا يعتبر صيداً يحرم قتله على المحرم، لأنه غير متوحش في أصله والتوحش طارىء عليه، فإذا ند البعير أو هرب الكبش وأدركه الإنسان وهو محرم فإنه يحل له أن يرميه ويكون حلالاً لأنه ليس بصيد، لأن كون الصيد والمتوحش أصلاً.
س ٦٦١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يحرم على المحرم صيد البحر فمثلاً لو أحرم ومر بالبحر فصاد سمكاً فهل يحرم عليه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحرم على المحرم صيد البحر
стр. 8578
لقول الله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) (١) .
س ٦٦٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم قتل النمل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا آذى النمل فيجوز قتله سواء في عرفة أو في منى، أو في مزدلفة، أو في وسط الحرم أو في أي مكان، ولكن بدون سبب فلا تقتل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد (٢) .
س ٦٦٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم عقد النكاح للمحرم وإذا وقع فهل يصح العقد ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يحرم عقد النكاح سواء كان المحرم الولي، أو الزوج، أو الزوجة؛ لقول النبي ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا ينكح " (٣) ولايصح العقد لنهي النبي ﷺ ، بل لابد من عقد جديد، ولو قدر أنه دخل بالزوجة بعد الإحلال وأنجبت فيكون
وطؤه بشبهة وأولاده شرعيون.
стр. 8579
س ٦٦٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم عقد النكاح للمحرم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمحرم أن يعقد النكاح لنفسه، ولا لغيره، ولا يجوز أن يُعقد عليه فلا يزوَّج الرجل ابنته وهو محرم، فإن ذلك حرام عليه والنكاح فاسد غير صحيح، ولو تزوج هو بنفسه، فإنه حرام عليه والنكاح فاسد، ولو عقد على ابنته المحرمة وهو محرم فالنكاح فاسد ولا يصح وهو آثم والنكاح غير صحيح. وكذلك الخطبة، فلا يحل لإنسان أن يخطب امرأة وهو محرم؛ لحديث عثمان بن عفان- ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا ينكح محرم، ولا يُنكح، ولا يخطب، ولا يخطب عليه " (١) أيضاً فلا يجوز لإنسان محرم أن يخطب امرأة ولا يجوز
أن تخطب المرأة المحرمة فإن فعل وخطب امرأة وهو محرم، فليس له حق في هذه الخطبة، يعني فيجوز لإنسان آخر أن يخطب هذه المرأة، لأن خطبة هذا الرجل المحرم فاسدة غير مشروعة فلا حق له، مع أن الخطبة على خطبة أخيه في الأصل حرام، لكن لما كانت الخطبة خطبة المحرم خطبة فاسدة صار لا حق له في ذلك، وجاز لغيره أن يخطب هذه المرأة، يعني خطبة المحرم لها خطبة منهي عنها لا أثر لها ولا يترتب عليها أحكام الخطبة.
س ٦٦٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعنا أنك سئلت عن رجل رجع عن عمرته وهو لم يحلق إما ناسياً أو جاهلاً
стр. 8580
ثم عقد على امرأة فلما سئلت قلت: العقد باطل فهل هذه الفتوى صحيحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الفتوى غير صحيحة لكن من حج ورمى وحلق وطاف وسعى حل التحلل كله، وجاز أن يعقد على النساء، فأما إذا رمى وطاف وسعى ولم يحلق فإنه لم يحل التحلل الثاني، وحينئذ إذا عقد على امرأة كان عقده غير صحيح هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة أنه إذا عقد على امرأة قبل أن يتحلل التحلل الثاني فالعقد غير صحيح فلابد من إعادته، لكنْ هناك قول يقول بالصحة، وأنه إذا حل التحلل الأول حرم عليه جماع النساء دون العقد عليهن، فعلى المذهب نقول: يجب عليك أن تجدد العقد، وعلى القول الثاني لا يجب، فمن جدد العقد احتياطاً فهو أحسن، ومن لم يجدده فأرجو أن لا يكون في نكاحه بأس.
س ٦٦٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ورد في حديث ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ تزوج ميمونة- ﵂ وهو محرم، ومن المعلوم أن المحرم يحرم عليه عقد النكاح فما الجواب عن هذا الحديث ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الراجح أن النبي ﷺ تزوج ميمونة ﵂ وهو حلال، وذلك أن ميمونة نفسها أخبرت أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال كما ثبت ذلك في صحيح مسلم (١)
стр. 8581
وأيضاً فإن أبا رافع- ﵁ السفير بين النبي ﷺ وميمونة ﵂ أخبر أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال، وصاحب القصة أدرى بها من غيره.
وأما حديث ابن عباس- ﵄ فهو حديث صحيح ولكن ابن عباس- ﵄ لم يعلم بالزواج إلا بعد إحرام رسول الله ﷺ فظن أن الرسول ﷺ تزوجها وهو محرم.
س ٦٦٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ماذا يجب على الرجل إذا واقع زوجته وهو محرم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا واقع الرجل زوجته وهو محرم فإما أن يكون محرماً بعمرة أو محرماً بحج.
فإن كان محرماً بعمرة عليه شاة يذبحها ويتصدق بها على الفقراء، وإما أن يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما أن يصوم ثلاثة أيام، هو في ذلك على التخيير.
لكن إن كان مواقعته لامرأته قبل تمام سعي العمرة فإن عمرته تفسد، ويجب عليه قضاؤها؛ لأنها أصبحت فاسدة.
أما إذا كان الوطء في الحج قبل التحلل الأول فإنه يجب عليه بدنة يذبحها ويتصدق بها للفقراء، ويفسد نسكه أيضاً فيلزمه قضاؤه، مثل لو جامع زوجته في ليلة مزدلفة فإنه يكون قد جامعها قبل التحلل الأول، وحينئذ يفسد حجه، ويلزمه الاستمرار فيه حتى يكمله، ويلزمه أن يقضيه من العام القادم، ويلزمه ذبح بدنة
стр. 8582
يذبحها ويوزعها على أهل الحرم.
أما إذا كان مواقعته لزوجته في الحج بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني مثل أن يجامعها بعد أن رمى جمرة العقبة يوم العيد وبعد أن حلق أو قصر فإنه لا يفسد حجه، ولكن الفقهاء ﵏ ذكروا أنه يفسد إحرامه أي ما بقي منه فيلزمه أن يخرج إلى الحل فيحرم ثم يطوف الإفاضة وهو محرم ويسعى سعي الحج.
وفي هذه الحال لا تلزمه بدنة، إنما يجب عليه شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع؛ لأن فقهاءنا- ﵏ يقولون: كل ما أوجب شاة من مباشرة، أو وطء فإن حكمه كفدية الأذاء، أي أنه يخير فيه بين أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة يوزعها على الفقراء.
ثم إن كلامنا هذا فيما يجب على الفاعل. وليس معنى هذا أن الأمر سهل وهين بمعنى أنه إن شاء فعل هذا الشيء وقام بالتكفير والقضاء، وإن شاء لم يفعله، بل الأمر صعب ومحرم، بل هو من الأمور الكبيرة العظيمة؛ حيث يتجرأ على ما حرم عليه، فإن الله يقول: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) .
وفي هذه المناسبة أريد أن أنبه بها على مسألة يظن بعض الناس أن الإنسان فيها مخير، وهي ترك الواجب والفدية؛ يظن
стр. 8583
بعض الناس أن العلماء لما قالوا: (في ترك الواجب دم) أن الإنسان مخير بين أن يفعل هذا الواجب، أو أن يذبح هذا الدم ويوزعه على الفقراء، مثال ذلك؛ يقول بعض الناس: إذا كان يوم العيد سوف أطوف وأسعى وأسافر إلى بلدي ويبقى عليّ المبيت في منى، ورمي الجمرات وهما واجبان من واجبات الحج. فأنا أفدي عن كل واحد منها بذبح شاة، يظن أن الإنسان مخير بين فعل واجب وبين ما يجب فيه من الفدية. والأمر ليس كذلك، ولكن إذا وقع وصدر من الإنسان ترك واجب فحينئذ تكون الفدية مكفرة له مع التوبة والاستغفار.
س ٦٦٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل رمى جمرة العقبة يوم العيد وحلق وجامع زوجته قبل أن يطوف طواف الإفاضة فماذا يلزمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الجماع حصل بعد التحلل الأول، فيكون بذلك آثماً ويفسد الإحرام بدون النسك، إذاً ماذا يفعل إذا فسد الإحرام؟ قال العلماء: يجدد إحرامه من الحل، يعني ذهب إلى التنعيم أو إلى عرفة ويحرم بإزار ورداء ثم يطوف طواف الإفاضة وعليه الإزار والرداء ويسعى كذلك.
س ٦٦٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا جامع وهو محرم بالعمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا جامع الرجل زوجته وهو محرم
стр. 8584
بالعمرة فإن العمرة تفسد وعليه إعادتها، وعليه عند العلماء شاة يذبحها ويفرقها على الفقراء إما في مكة وإما في المكان الذي حصل فيه المحظور، أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.
س ٦٧٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من احتلم وهو محرم هل يفسد حجه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: من احتلم وهو محرم فإن حجه لا يفسد؛ لأن النائم مرفوع عنه القلم، كما أنه لو احتلم وهو صائم فإن صومه لا يفسد، ولكن يجب على المحرم إذا احتلم أن يبادر بالاغتسال قبل أن يصلي، ولا يحل له أن يتيمم اللهم إلا أن لا يجد الماء، وذلك لقول الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) (١) فاشترط الله للتيمم أن لا نجد ماء، وكثير من الناس يتهاون في الغسل من الجنابة إذا كان على سفر، فتجده يمكنه أن يغتسل لكن يستحي أن يغتسل أمام الناس، وهذا خطأ، فالواجب أن الإنسان يغتسل ما دام قد وجد الماء ولا يضره استعماله، ولا ضرر عليه إذا اغتسل عن احتلام؛ لأن الناس كلهم يقع منهم هذا الشيء، ثم على فرض أنه لا يقع
وهو أمر مفروض لا واقع فإن الله لا يستحي من الحق، فيأخذ الإنسان معه ماء ويبتعد عن الأنظار ويغتسل.
стр. 8585
س ٦٧١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عمن جامع وهو محرم بالحج جاهلاً تحريم الجماع ؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن الجماع من محظورات الإحرام، بل هو أعظم محظورات الإحرام قال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) والرفث الجماع ومقدماته، فالجماع أعظم محظورات الإحرام، وإذا جامع الإنسان وهو
محرم بالحج فإما أن يكون قبل التحلل الأول، أو بعد التحلل الأول فإن كان قبل التحلل الأول ترقب على جماعه أمور:
أولاً: الإثم.
ثانيا: فساد النسك، بحيث لا يجزئه عن نافلة ولا عن فريضة.
ثالثاً: وجوب المضي فيه، أي أنه مع فساده يستمر ويكمله ويبقى هذا النسك الفاسد كالنسك الصحيح في جميع أحكامه.
رابعاً: وجوب القضاء من العام القادم سواءً كان ذلك الحج فريضة أم نافلة. إما إذا كان فريضة فوجوب القضاء ظاهر؛ لأن الحج الذي جامع فيه لم تبرأ به ذمته، وأما إذا كان نافلة فلأن نافلة الحج
يجب المضي فيها لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (٢) .
وقد سمى الله تعالى التلبس بالحج فرضاً فقال: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (٣) ، فلهذا قلنا
стр. 8586
إنه يجب عليه قضاء هذا الحج الفاسد سواء كان فرضاً أم نافلاً.
الأمر الخامس مما يترتب عليه: أنه يذبح بدنة كفارة عن فعله يوزعها على الفقراء، وإن ذبح عنها سبعاً من الغنم فلا بأس.
هذا حكم الجماع قبل التحلل الأول.
وأما إذا كان الجماع بعد التحلل الأول فإنه يرتب عليه الإثم وفساد الإحرام فقط، وعليه شاة يذبحها ويوزعها على الفقراء، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من البر أو غيره، أو
يصوم ثلاثة أيام فيخير بين هذه الثلاثة، ويجدد الإحرام فيذهب إلى أدنى الحل ويحرم منه؛ ليطوف طواف الإفاضة محرماً، هكذا قال فقهاؤنا.
فإن قيل: متى يحصل التحلل الأول؟
قلنا: التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة يوم العيد والحلق أو التقصير، فإذا رمى الإنسان جمرة العقبة يوم العيد وحلق أو قصر، فقد حل التحلل الأول، وحل من كل المحظورات إلا النساء قالت عائشة- ﵂: "كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت " (١) وهذا الحديث دليل على أن الإحلال يليه الطواف بالبيت، وهو يقتضي أن يكون الحلق سابقاً على الإحلال كما قررناه آنفاً بأن التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة يوم العيد مع الحلق أو التقصير، فالجماع الذي قبل ذلك يترتب عليه الأمور الخمسة التي ذكرناها آنفاً، والذي بعد ذلك يترتب عليه ما ذكرناه
стр. 8587
من الإثم وفساد الإحرام دون النسك، ووجوب فدية، أو إطعام، أو صيام سواء في مكة أو في غيرها، وسواء كان متتابعاً أو متفرقاً.
وإذا كان هذا الإنسان جاهلاً بمعنى أنه لا يدري أن هذا الشيء حرام فإنه لا شيء عليه، سواء كان ذلك قبل التحلل الأول، أو بعده؛ لأن الله يقول: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (١) فقال الله: (قد فعلت) ، ويقول تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (٢) .
فإن قيل: إذا كان هذا الرجل عالماً بأن الجماع حرام في حال الإحرام، لكنه لم يظن أنه يترتب عليه كل هذه الأمور، ولو ظن أنه يترتب عليه كل هذه الأمور ما فعله فهل هذا عذر؟
فالجواب: أن هذا ليس بعذر؛ لأن العذر أن يكون الإنسان جاهلاً بالحكم لا يدري أن هذا الشيء حرام، وأما الجهل بما يترتب على الفعل فليس بعذر، ولذلك لو أن رجلاً محصناً يعلم أن الزنا حرام، وهو بالغ عاقل وقد تمت شروط الإحصان في حقه لوجب عليه الرجم، ولو قال: أنا لم أعلم أن الحد هو الرجم ولو علمت أن الحد هو الرجم ما فعلت، قلنا له: هذا ليس بعذر فعليك الرجم وإن كنت لا تدري ما عقوبة الزنى، ولهذا لما جاء الرجل الذي جامع في نهار رمضان يستفتي النبي ﷺ ماذا يجب عليه ألزمه النبي ﷺ بالكفارة مع أنه كان حين جماعه جاهلاً بما
стр. 8588
يجب عليه، فدل ذلك على أن الإنسان إذا تجرأ على المعصية وانتهك حرمات الله ترتب عليه آثار تلك. المعصية وإن كان لا يعلم بآثارها حين فعلها.
س ٦٧٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم فيمن جامع زوجته في الحج يوم العيد ؟
فأجاب فضيلته بقوله: جماع الزوجة في الحج يوم العيد إذا كان الإنسان قد رمى جمرة العقبة وحلق وطاف وسعى إذا فعل هذه الأربعة فإن زوجته تحل له؛ لأنه إذا رمى وحلق وطاف طواف الإفاضة وسعى بين الصفا والمروة حل له كل شيء.
س ٦٧٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج وعندما رمي جمرة العقبة حلق رأسه وجامع زوجته ولم يكن يعلم أن الجماع حرام وكان يعتقد أنه إذا رمى وحلق حل له كل شيء
فهل حجه صحيح؟ وهل يلزمه شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجه صحيح، ولا شيء عليه مادام جاهلاً؟ لأن الله يقول: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) ، وقال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا َعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) ويقول في جزاء الصيد:
(وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) فكل هذه الآيات وكثير من النصوص سواها يدل على أن فاعل المحذور إذا كان
стр. 8589
جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، وعلى هذا نقول للرجل لا تعد لمثل مافعلت.
س ٦٧٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول جامعت زوجتي بعد أن تلبست بالإحرام للعمرة متمتعاً بها للحج فهل يبطل الحج أم تبطل العمرة فقط وأعود للميقات لأخذ عمرة
ثانية أما ماذا أعمل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله أما حجه فلا يبطل لأن هذه العمرة منفصلة عنه بإحرام مستقل وتحلل فحجه صحيح ولا شيء فيه، أما عمرته التي أفسدها فإن الواجب عليه قضاؤها، فإن كان
قد قضاها قبل الحج فأحرم من الميقات بدلا عن التي أفسدها فقد أدى ما عليه، وعليه في هذا الحال شاة يذبحها من أجل وطئه؛ لأن الوطء في العمرة- كما قال أهل العلم- يجب فيه شاة، أوإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، لأن القاعدة عندهم أن كل ما أوجب شاة بإجماع أو مباشرة فإنه يلحق به من فدية الأذى ويخير الإنسان فيها بين ثلاثة أشياء، كما قال الله : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) وقد بين
النبي ﷺ أن الصيام ثلاثة أيام، وأن الصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك ذبح شاة.
فإن كان لم يقض العمرة التي أفسدها فعليه أن يفعلها الآن ويذبح الشاة التي هي دم جبران إن شاء، وإن شاء أطعم لكل مسكين نصف صاع، أو صام ثلاثة أيام.
стр. 8590
وبهذه المناسبة أنصح إخواني المسلمين أن يصبروا، فالمدة وجيزة ويسيرة وهم ما دخلوا في الحج والعمرة إلا وهم ملتزمون بأحكام الله تعالى فيهما، فعلى المرء أن يصبر ويحتسب، والحج نوع من الجهاد، أما كون الإنسان لا يحبس نفسه عما حرم الله عليه في هذه المدة الوجيزة فهذا نقص في عزمه، وعقله، ودينه، والواجب عليه أن يصبر ويحتسب الأجر من الله .
س ٦٧٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج هو وزوجته وبعد التحلل الأول جامع زوجته وكانت هي غير موافقة بل منعته من ذلك فاستفتى ولكن من يفتي بغير علم قال: حجك باطل وعليك الإكمال والقضاء؟ فتكاسل لما سمع ببطلان حجه وقال: سأحج من العام المقبل وهو الآن يسأل ماذا عليه قبل أن يأتي وقت الحج علما أنهما لم يكملا السعي والطواف وهما من أهل الحرم ؟
فأجاب فضيلته بقول: نعم الفتوى التي أفتى بها خطأ؛ لأن الذي أفتاه وقال: إن حجك فاسد مخطىء، والحج لا يفسد إذا كان الجماع بعد التحلل الأول ولكن الذي يفسد هو الإحرام، بمعنى أننا نقول: إذا جامع بعد التحلل الأول اذهب إلى الحل يعني إلى أدنى الحل إلى عرفة أو إلى مسجد التنعيم وأحرم منه وطف وأنت في إحرامك واسع وأنت في إحرامك، ولا شيء عليك سوى هذا، إلا أنك تذبح شاة توزعها على الفقراء، وإن شئت تصوم ثلاثة أيام، وإن شئت تطعم ستة مساكين، لكل
مسكين نصف صاع، وحجك صحيح.
стр. 8591
وإنني بهذه المناسبة أحذركم من شيئين:
الشيء الأول: أن تستفتوا من لا تعلموا أنه أهل للفتوى؛ لأنه مع الأسف صار كثير من الناس يكون معه نقطة من العلم ويرى أنه البحر العلامة الفهامة، فيفتي في كل شيء أتاه، مثل هذا الرجل أفتى بفساد الحج وهو لم يفسد، فاحذروا أمثال هؤلاء.
الأمر الثاني: أحذركم أن تحجوا دون أن تعرفوا أحكام الحج، أو إذا أخطأتم في الحج أن تسكتوا حتى إذا مضى سنوات جئتم تسألون، فهذا ليس بصواب، فإذا أردت أن تحج اعرف أحكام الحج أولاً، ثم إذا وقعت منك أخطاء، فلا تتأخر بالسؤال، بل بادر بالسؤال حتى يمكنك أن تتلافى الخطأ في وقت قصير، فهذان أمران أحذركما منهما.
الأمر الأول: استفتاء من لا تعلمونه أنه أهل للفتوى. والثاني: أن تبادروا إذا أخطأتم بالسؤال عن حكم هذا الخطأ، لكن قبل ذلك أن تتعلموا أحكام الحج والعمرة.
وقوله: (علما أنهما لم يكملا السعي والطواف) معناه أن الجماع حصل قبل الطواف والسعي، على كل حال هذا الذي فهمته من السؤال، والجواب على أنهما مضيا في إتمام النسك وطافا وسعيا، وأما إذا كانا لم يطوفا ولم يسعيا فالواجب عليهما الآن أن يذهبا إلى مكة فيحرما من الميقات للعمرة ويطوفا ويسعيا ويقصرا، ثم يطوفا طواف الإفاضة وسعي الحج، فيجب أن يذهبا الآن قبل أن يجامعها وقبل كل شيء ويطوف ويسعى لكن يتقدم الطواف والسعي عمرة.
стр. 8592
س ٦٧٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إنسان حج متمتعاً وطاف طوافاً ناقصاً أي أربعة أشواط ثم سعى وقصر وحل وحصل منه جماع وأكمل حجه ثم حج بعد هذه الحجة حجتين
ليست له والحجة الأولى هي الفرض هل يصح هذا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا يصير قارناً لأنه أدخل الحج على العمرة قبل طوافها، لأن الطواف الأول لاغٍ وإدخال الحج على العمرة قبل الطواف يجعل النسك قراناً، ويبقى النظر الآن في كونه حل ولبس وجامع، لكنه جاهل فلا شيء عليه، وعلى هذا فيكون حجه تاماً، لكنه قارن وليس متمتعاً.
س ٦٧٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في العام الماضي أديت فريضة الحج ولكني بعد أن أحرمت من الميقات بتنا قبل دخول مكة المكرمة وجامعت زوجتي فما الذي يترتب عليّ بالتفصيل علماً بأني قد ذبحت شاة العام الماضي وحيث إني قد نويت الحج هذا العام أرجو أن أكون على بينة من أمري وفقكم الله ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله لا أدري عن هذا الرجل حين أحرم من الميقات هل هو أحرم بالحج أو أحرم بالعمرة، وكلامنا مع هذا الرجل إذا كان هذا الرجل محرماً بالحج فإنه يكون قد أفسد
حجه، وعليه بدنة يذبحها هناك ويوزعها على الفقراء وعليه أيضاً أن يقضي ذلك الحج الفاسد في هذه السنة هو وزوجته إلا إذا كانت زوجته مكرهة، أو كانت جاهلة لا تعلم فليس عليها شيء.
стр. 8593
س ٦٧٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج نظر إلى امرأة أجنبية وقد تحلل الحل الكامل وكان نظره بشهوة فأنزل وندم بعد ذلك واستغفر فهل عليه شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للإنسان المحرم أن ينظر إلى المرأة سواء أجنبية منه، أو غير أجنبية إذا كان يخشى أن ينزل، أما إن كان غير محرم فإن نظر إلى زوجته وأنزل فهو جائز؛ لأنها زوجته، أما النظر إلى الأجنبية فهذا حرام ولا يجوز، بل عليه أن يصرف بصره، ولهذا لما سئل النبي يم عن نظر الفجأة قال: "اصرف بصرك، فإنما لك النظرة الأولى، وليست لك الثانية " (١) .
س ٦٧٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل مقدمات الجماع لها فدية مثل الجماع ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المباشرة والتقبيل من المحظورات؛ لأنها وسائل للجماع، فإن الإنسان إذا قبل أو باشر كان من اليسير عليه أن يجامع، لأنها تثور شهوته فيجامع فقد لا يملك نفسه، ولهذا منع المسلم من المباشرة والتقبيل، فإن فعل: باشر أو قبل ولم يُنزل فعليه فدية مخير فيها بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو ذبح شاة. وإن أنزل: فإن كان قبل التحلل الأول فقد قال بعض العلماء: إن عليه بدنة، وقال
стр. 8594
آخرون: ليس عليه بدنة، بل عليه فدية أذى فيخير بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه لا سواء بين الجماع وبين الإنزال بالمباشرة، بل بينهما فرق
عظيم، فكيف نلزمه بفدية الجماع بدون دليل.
س ٦٨٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن تلبس المرأة اللباس الأسود الشرعي في حالة إحرامها للحج بدل الأبيض علما بأنها تلبس ذلك من بيتها وهل نساء الرسول ﷺ أو نساء الصحابة- ﵅ كلن يلبسن اللباس الأبيض في
حالة الإحرام أرجو الإفادة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة إذا أحرمت ليست كالرجل يلبس لباساً خاصاً إزاراً ورداء، بل المرأة تلبس ما شاءت من الثياب التي يباح له لبسها قبل الإحرام، فتلبس الأسود أو الأحمر، أو الأصفر، أو الأخضر وما شاءت، أما الأبيض فلا أعلم أن المرأة مطلوب منها أن تحرم بأبيض، بل إن الأبيض في الحقيقة من التبرج بالزينة فإن اللباس الأبيض للمرأة يكسوها جمالاً ويوجب انطلاق النظر إليها، لذلك كونها تلبس اللباس الأسود مع العباءة أفضل لها وأكمل، ولها أن تلبس الجوارب شراب
الرجلين، وأما القفازان شراب اليدين فإنه لا يجوز لها لبسهما، وعليها أن تغطي وجهها إذا قرب الرجال الأجانب الذين ليسوا من محارمها، وفي هذه الحال تغطي وجهها ولا يضرها إذا مس
بشرتها خلافاً لقول بعض العلماء الذين يقولون: إنها تغطي
стр. 8595
وجهها بساتر لا يمس بشرتها، فإن هذا القول ضعيف ولا دليل عليه، ولكنها لا تنتقب لأن النبي ﷺ نهى المحرمة أن تنتقب (١) والحاصل أن لباس المرأة إذا أحرمت يكون أسود أو ما أشبه مما يبعد النظر إليها.
س ٦٨١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لبس المرأة الثوب الأحمر أو الأصفر وغيرهما من الألوان في الحج ما حكمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس للمرأة أن تلبس ما شاءت إلا ما يعد تبرجاً وتجملاً فإنها لا تفعل، لأنها سوف يشاهدها الرجال، وقد قال الله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ) فمثلاً الثوب الأبيض يعتبر ثوب تجمل ومن ثياب الجمال، فلا تلبسن المرأة في حال الإحرام ثوباً أبيض، لأن ذلك يلفت النظر
ويرغب في النظر إليها؛ لأن المعروف عندنا أن الثوب الأبيض بالنسبة للمرأة ثوب تجمل، والمرأة مأمورة بألا تتبرج في لباسها.
س ٦٨٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تلبس في الحج ملابس ملونة كالأبيض والأخضر والأسود ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للمرأة في الإحرام أن تلبس ما شاءت من الثياب غير أن لا تتبرج بزينة أمام الرجال الأجانب؛ لأنه ليس للمرأة ثياب مخصوصة بالإحرام، خلافاً
стр. 8596
للرجل فإن الرجل لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا العمائم، ولا البرانس ولا الخفاف، أما المرأة فالممنوع في حقها لبس القفازين والانتقاب والتبرج بالزينة.
س ٦٨٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة لثوب المرأة في الحج هل يلزم أن يكون أخضر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: تلبس ما شاءت من الثياب غير أنها لا تلبس ثياب التجميل أو الزينة سواء كانت سوداء، أو خضراء أو أي لون.
س ٦٨٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة أحرمت من الميقات وهي حائض ثم طهرت في مكة وخلعت ملابسها فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة إذا أحرمت من الميقات وهي حائض ثم وصلت مكة وطهرت فإن لها أن تغير ما شاءت من الثياب وتلبس ما شاءت من الثياب، ما دامت الثياب من الثياب المباحة، وكذلك الرجل يجوز أن يغير ثياب الإحرام بثياب إحرام أخرى ولا حرج عليه.
س ٦٨٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف تتحجب المرأة المحرمة وهل يشترط أن لا يمس الغطاء وجهها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة المحرمة إذا مرت من عند
стр. 8597
الرجال، أو مر الرجال من عندها وهم من غير محارمها يجب عليها أن تغطي وجهها، كما كانت نساء الصحابة- ﵃ أجمعين- وفي هذه الحال لا فدية عليها؛ لأن هذا أمر مأمور به،
والمأمور به لا ينقلب محظوراً.
ولا يشترط أن لا يمس الغطاء وجهها، بل لو مس الغطاء وجهها فلا حرج عليها، فيجب عليها أن تغطي وجهها ما دامت عند الرجال وإذا دخلت الخيمة أو كانت في بيتها كشفت الوجه؛ لأن المشروع في حق المحرمة أن تكشف وجهها.
س ٦٨٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على المرأة تغطيه وجهها في جميع مناسك العمرة وهل يستثنى شيء من أعمال العمرة تكشف المرأة وجهها فيه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما إذا لم يكن حولها رجال فلتكشف وجهها هذا هو الأفضل، وإذا كان حولها رجال لا يحل لها الكشف عندهم فالواجب عليها أن تستر وجهها، ومعلوم أنها في المطاف وفي المسعى وفي الأسواق عندها رجال لا يحل لها أن تكشف وجهها أمامهم فلتحتجب، أما في السيارة أو في البر فإن المشروع في حقها أن تكشف وجهها ما دام الذين معها من محارمها.
س ٦٨٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد حججت أكثر من مرة وكنت مرتدية الحجاب الشرعي الكامل إلا أنني لم
стр. 8598
ألبس قفازين وذلك لأنه من محظورات الإحرام وإنما أخفيت اليدين داخل العباءة وغطيت وجهي كاملاً فهل في تغطية وجهي محظور؟
فأجاب فضيلته بقوله: لبس القفازين في حال الإحرام نهى عنه رسول الله ﷺ فهو من محظورات الإحرام كما قالت السائلة، وأما تغطية الوجه فالمشروع في حق المحرمة أن تكشفه إلا إذا كان حولها رجال غير محارم لها، ففي هذه الحال يجب عليها أن تغطيه كما حكت ذلك عائشة- ﵂ أنهم كانوا إذا مر بهم ركبان وحاذوهم فإنهن يغطين وجوههن، فإذا جاوزهن كشفن وجوههن. وليس على المرأة حرج فيما لو مس حجابها وجهها، خلافاً لقول بعض أهل العلم الذين يقولون: لابد أن يكون الحجاب غير مماس لوجهها، لأن هذا الشرط ليس له دليل من الكتاب أو السنة.
س ٦٨٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يعاني الدعاة والناصحون من أمر عظيم وهو أنهم يرون النساء كاشفات في الحج والعمرة حتى في حال الطواف أو في الوقوف بعرفة أو غير ذلك.
فما هو المشروع في حق النساء إذا أحرمن بالنسبة لتغطية الوجه، خاصة أننا نرى بعض من يتحجبن في غير الإحرام إذا أحرمن كشفن عن وجوههن بحجة أن إحرام المرأة في وجهها، ويحتجون بقوله
ﷺ : " لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين " (١) فيقولون: إذا كانت
стр. 8599
المرأة ممنوعة من النقاب فمن باب أولى تغطية الوجه. فما توجيه فضيلتكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن الدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، يتضايقون من فعل بعض النساء، سواء في موسم الحج أم في غير موسم الحج من التبرج والتطيب وكشف الوجه والكف وربما كشف بعض الذراع، وهذا أمر يحتاج إلى الصبر والمصابرة، لقول الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)) (١) .
ولقول لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)) (٢) .
والواجب على النساء إذا خرجن إلى الأسواق أن يخرجن غير متطيبات، ولا متبرجات بزينة، ولا كاشفات لوجوههن، ولا لأكفهن، ولا لأبدانهن بقدر المستطاع، والمرأة إذا أحرمت فإنه يحرم عليها أن تنتقب، لأن لبس النقاب في وجهها كلبس الرجل العمامة على رأسه، ولهذا أطلق بعض العلماء قولهم: إحرام المرأة في وجهها، يعنى أن لباس الوجه للمرأة بمنزلة لباس الرأس للرجل فلا تنتقب، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل لا تغطي وجهها، وإنما قال: لا "تنتقب ". والنقاب أخص من تغطية الوجه، والنهي عن الأخص لا يقتضي النهي عن الأعم.
وعلى هذا فالمرأة يجب عليها إذا مرت من حول الرجال،
стр. 8600
أو مر من حولها الرجال أن تستر وجهها، وهذا يتعين في الطواف، وفي السعي، وفي المشي في الأسواق؛ لأنها ستمر بالرجال وسيمر الرجال من عندها، فالواجب عليها أن تتقي الله- عز
وجل- لا سيما وأنها في أمكنة معظمة، وفي أزمة معظمة، وفي عبادة الله ؛ إذا كانت محرمة فعليها أن تتقي ربها، وقد قال الله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) وكشف المرأة وجهها أمام الرجال من الفسوق؛ فلتتق الله المرأة المسلمة، ولتحافظ على دينها وعلى حيائها وعلى سترها، حتى تكون ممتثلة لأمر الله ورسوله.
وأما لبس القفازين فإنه مشروع في غير الإحرام، أما في الإحرام فإنه منهي عنه لقول النبي ﷺ : "لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين " (٢) وأقول: إن لبس القفازين مشروع؛ لأنه كان من عادة نساء الصحابة- ﵃ في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأقرَّه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما فيه من تمام الستر.
س ٦٨٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم لبس المرأة البرقع واللثام حال الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما البرقع فقد نهى النبي ﷺ أن تنتقب المرأة وهي محرمة، والبرقع من باب أولى، وعلى هذا
стр. 8601
فتغطي وجهها غطاء كاملا بخمارها إذا كان حولها رجال أجانب، فإن لم يكن حولها رجال أجانب فإنها تكشف وجهها هذا هو الأفضل والسنة.
س ٦٩٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل صحيح أنه لا يجوز للمرأة أثناء أداء فريضة الحج أو العمرة أن تضع النقاب أو البرقع على وجهها بهذا اللفظ كلما كتب في الجريدة؟ وإذا كان هذا صحيحاً فلماذا ينهانا أولياء أمورنا عن كشف الوجه أثناء الحج والعمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الذي قرأته صحيح فإنه لا يجوز للمحرمة أن تنتقب، وذلك لنهيه ﷺ عن النقاب في إحرام الحج أو العمرة، والبرقع مثله أو أشد، فالمحرمة لا تنتقب ولا تتبرقع.
ولكن إذا مر الرجال من حولها، أو مرت من حولهم وهم ليسوا من محارمها فيجب عليها ستر وجهها، فتدلي الخمار على وجهها ولا حرج عليها في ذلك، ولو مس وجهها، وكون أولياء
الأمور لا يسمحون لهن بكشفه في حال الإحرام هو الحق، كما جاء ذلك في حديث عائشة- ﵂، إذا حاذى الركبان النساء سدلن خمرهن على وجوههن، وذلك لكونه لا يجوز للمرأة
كشف وجهها لغير الزوج والمحارم. والله الموفق.
стр. 8602
س ٦٩١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تغطية الوجه بالنقاب في الحج، فقد كنت قرأت حديثاً بما معناه لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين، وقرأت قولاً آخراً عن عائشة
﵂ وهم في الحج تقول: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. فكيف تربط بين القولين وأيهما أصح؟ فإذا طبقنا قول عائشة ففي هذه الأيام كثيراً ما تختلط المرأة بالرجال في أثناء سيرها في الحج وفي صلاتها فهل تغطي وجهها دائماً أم ماذا تفعل؟ وهناك قول سمعته عن الإمام أبي حنيفة- رحمه الله تعالى- أن المرأة إذا غطت وجهها فعليها دم فما الصواب في هذا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصواب في هذا مادلّ عليه الحديث وهو نهي النبي ﷺ أن تنتقب المرأة (١) ، فالمرأة المحرمة منهية عن النقاب مطلقاً سواء مرّ بها الرجال الأجانب أم لم يمروا بها، وعلى هذا فيحرم على المرأة المحرمة أن تنتقب سواء كانت في حج أو في عمرة، والنقاب معروف عند الناس وهو أن تغطي وجهها بغطاء يكون فيه فتحة واحدة من عينيها.
أما حديث عائشة- ﵂ فلا يعارض النهي عن الانتقاب، وذلك لأن حديث عائشة- ﵂ ليس فيه أن النساء ينتقبن، وإنما يغطين الوجه بدون نقاب، وهذا أمر لابد منه
إذا مرّ الرجال بالنساء فإنه يجب عليهن أن يسترن وجوههن؛ لأن
стр. 8603
ستر الوجه عن الرجال الأجانب واجب، وعلى هذا فنقول: لبس النقاب للمحرمة حرام عليها مطلقاً، وأما ستر وجهها فالأفضل لها كشف الوجه ولكن إذا مرّ الرجال قريباً منها فإنه يجب عليها أن تغطيه، ولكن تغطية بغير النقاب.
س ٦٩٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عندما ذهبت لأداء العمرة ولم يكن معي غطاء للوجه، وإنما كنت ألبس النقاب الساتر لكل الوجه مع غطاء خفيف على العينين لضعف بصري،
وكنت أرفعه عندما يخلو المكان من الرجال الأجانب، ولكن عندما دخلت الحرم كنت لابسة هذا النقاب، فهل عليّ شيء حيث يصعب عليّ غطاء الوجه بدون فتحة للعينين لضعف بصري فما
الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لبس النقاب محرم على المحرمة لنهي النبي ﷺ عنه، ولكن يبدو أن هذه المرأة كانت جاهلة، أو متأولة بأنه يجوز لها، وحينئذ لا يكون عليها فدية. والواجب على المرأة إذا مر الرجال قريباً منها وهي محرمة أن تستر وجهها، ولا حرج أن تظهر إحدى عينيها إذا دعت الحاجة إليها.
س ٦٩٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أمي امرأة كبيرة قد ضعف بصرها فهل يجوز لها أن تلبس النقاب في الحج وتضع غطاء خفيفاً على عينها وذلك لتستطيع الإبصار ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز لها ذلك لعموم نهي النبي
стр. 8604
- ﷺ المرأة النقاب، ولكن من الممكن أن تغطي وجهها وإذا كانت لا تبصر تمسك بيد بنتها، أو أختها أو ما أشبه ذلك، وأما أن نجيز للمرأة ما نهى عنه الرسول ﷺ فلا.
س ٦٩٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لي لبس النقاب وأنا في حج أو عمرة لكن يكون على العينين غطاء خفيف ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المحرمة لا يجوز لها أن تنتقب، لأن النبي ﷺ قال: "لا تنتقب المرأة" وأما تغطية وجهها بغير نقاب فلا بأس به إذا مر الرجال الأجانب عنها قريباً، بل يجب عليها في هذه الحال أن تستر وجهها، ولا بأس عليها إذا مست الغطوة وجهها فالمرأة في حال الإحرام يشرع لها كشف الوجه إلا إذا مر الرجال قريباً منها فإنه تستره، وأما النقاب فحرام عليها لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
س ٦٩٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد حججت أول عمري ولم أكن أعرف واجبات الحج ولا أركانه وأنا لا أقرأ ولا أكتب ولبست النقاب، وفوق ذلك غطوة. وعندما وصلت منى
مشطت شعري ليلاً فما الحكم في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجتك هذه صحيحة ما دام الإخلال الذي حصل منك هو هذا؛ لأن غاية ما فيه أنك فعلت هذه الأشياء جهلاً منك، والجاهل لا يؤاخذه الله بما فعله حال جهله،
стр. 8605
لقول الله : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال الله تعالى: " قد فعلت ".
وهذه قاعدة عامة في جميع المحظورات في العبادات أن الإنسان إذا فعلها ناسياً، أو جاهلاً فإنه لا يؤاخذ في ذلك، وليس عليه في ذلك فدية، ولا كفارة، ولا إثم.
وهذا من تيسير الله على عباده ولمقتضى حكمه ورحمته، وكون رحمته سبقت عذابه.
س ٦٩٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ذهبت إلى مكة وفي الميقات لبست النقاب بدون أن تخرج عينيها لعدم وجود غطاء الوجه فهل عليها شيء في ذلك؟ وهل عمرتها صحيحة وماذا يلزمها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم عمرتها صحيحة ولا يلزمها شيء لأنها مجتهدة إن أصابت فلها أجران وإن أخطأت فلها أجر.
والنقاب إذا لم تخرج العينان بمعنى أنها وضعت بعض الخمار على بعض حتى تغطت عيناها لا بأس به، والمقصود من النهي عن النقاب. النقاب الذي ينتقب على حسب العادة يغطي الوجه ويفتح للعينين هذا هو الذي لا يجوز للمحرمة (١) .
س ٦٩٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم النقاب في العمرة علماً بأن فوقه غطوة ؟
стр. 8606
فأجاب فضيلته بقوله: النقاب نهى عنه النبي ﷺ المحرمة، وأطلق فلا فرق بين أن يكون فوقه غطوة أو لا، وإذا كان فوقه غطوة فما الفائدة منه، لكن بعض الناس مولع بما لا فائدة فيه.
س ٦٩٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة نظرها ضعيف ولا ترى إذا لبست الغطوة فلبست النقاب وهي محرمة ولبست فوقه غطوة من طبقة واحدة لتتمكن من الرؤية فهل عليها
شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمحرمة أن تنتقب وإذا كان نظرها ضعيفاً فنقول: ضعي هذه السترة الخفيفة بدون نقاب، أما النقاب فمحرم على المرأة، وإذا كانت قد فعلت ذلك جاهلة فلا شيء عليها، لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وهذه قاعدة عامة في جميع المحظورات إذا فعلها الإنسان ناسياً أوجاهلاً فلا شيء عليه.
س ٦٩٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قدمت مع والدتي وجدتى للعمرة ولما طفنا تبين لي أنهما تلبسان البرقع فأمرتهما بنزعه وإسدال الغطاء فما حكم ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم هذا أن المرأة إذا أحرمت لا يجوز لها أن تلبس البرقع، لأن النبي ﷺ قال: "لا تنتقب المرأة" (١) . فلا يجوز لها النقاب، ولا البرقع لأنه أعظم من
стр. 8607
النقاب، ولكن إذا لبست البرقع جاهلة تظن أنه لا بأس فإنه ليس عليها شيء، ليس عليها فدية ولا إثم، وليس في عمرتها نقص؛ لأنها جاهلة؛ وهكذا جميع محظورات الإحرام كحلق الرأس جاهلاً، أو ناسياً، وكلبس المخيط والطيب وغيره إذا فعله الإنسان جاهلاً، أو ناسياً، أو مكرهاً فإنه ليس عليه بذلك إثم ولا فدية.
(فائدة)
قول الأصحاب ﵏: في المحرمة تغطي جانباً من وجهها؛ لأنه لا يمكنها تغطية جميع الرأس إلا بجزء من الوجه، فستر الرأس كذلك أولى، وعللوا بأنه لا يختص ستره بالإحرام بل هو عام بخلاف كشف الوجه فإنه خاص.
وكلامهم هذا يدل على أن مراعاة الحكم العام مقدم على ما كان مختصاً بحالة دون أخرى.
ومثل ذلك النصان إذا كانا عامين وتعارضا فيقدم ما كان عمومه محكماً على ما كان فيه تخصيص كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀
س ٧٠٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم كشف الحاجة والمعتمرة لوجهها مع وجود الرجال الأجانب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حرام عليها ذلك، فلا يجوز للمرأة
стр. 8608
أن تكشف وجهها عند الرجال الأجانب لا في حج ولا في عمرة ولا في غيرهما.
س ٧٠١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل بإمكان المرأة أن تربط غطاء الوجه أو تضع غطاءً على الرأس دون أن تربطه، ذلك أنه أثناء الطواف والسعي ليس من السهل الرؤيا بوضوح حينما نسدل الجلباب على الوجه ؟
فأجاب فضيلته بقول: نقول لا بأس بربط غطاء الوجه إذا كان يمكن إلا بشده أو ربطه في حال الإحرام أو غيره.
س ٧٠٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تغطي وجهها بدون نقاب ؟
فأجاب فضيلته بقول: يجوز؛ لأن النبي ﷺ إنما نهى عن الانتقاب، والانتقاب لباس الوجه ولم ينه عن تغطية الوجه بل نهى عن النقاب، فيجوز للمرأة أن تغطي وجهها وهي محرمة، ولهذا لو أن الإنسان لف على رجليه خرقة فلا يحرم عليه؛ لأنها ليست خفاً لأن النبي ﷺ لم ينه عن ستر الرجل، بل نهى عن لبس الخف وفرق بين الأمرين: فإذا كان النبي ﷺ نهى أن تنتقب المرأة أي أن تلبس النقاب فإنه لا يلزم من ذلك أن تنهي عن ستر الوجه، لكن أكثر أهل العلم يقولون: إنها منهية عن ستر الوجه إلا إذا كان حولها رجال غير محارم فيجب عليها أن تستر الوجه لأنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها ورجل أجنبي ينظر إليها أو يمكن أن ينظر
стр. 8609
إليها بل عليها أن تستره لأنها مأمورة بذلك، وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه ".
س ٧٠٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة اعتمرت قبل ثلاث سنوات ولكن تقول أثناء الطواف والسعي كانت مغطية لوجهها لحيائها مع علمها بأنه لا يجوز تغطية الوجه أثناء العمرة
فهل عليها شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المرأة أصابت الحق في كونها قد غطت وجهها في الطواف والسعي؛ لأن حولها رجال ليسوا من محارمها فيجب عليها أن تغطي وجهها، فهي مصيبة فيما فعلت إلا أن المحرمة يحرم عليها النقاب، وأما تغطية الوجه فإنها واجبة إذا كان حولها رجال من غير محارمها، وإن لم يكن حولها رجال من غير محارمها فكشف الوجه أولى، وقد ذكرت أم المؤمنين عائشة ﵂ أن الرجال إذا مروا قريباً منهن سدلت إحداهن خمارها على وجهها.
س ٧٠٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تغطية الوجه بالنسبة للمرأة المحرمة إذا كان الرجال الأجانب في كل مكان في الشارع وفي السيارة وفي الحرم نفسه وما المخرج من حديث النبي ﷺ : "لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين " هل
стр. 8610
يجوز كشف الوجه حال الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمحرمة ولا لغير المحرمة أن تكشف وجهها وحولها رجال أجانب، بل الواجب ستر الوجه حتى في الإحرام، فقد ذكرت عائشة- ﵂ أنه إذا مر الرجال قريباً منهن أسدلت إحداهن خمارها على وجهها لئلا يراها الرجال الأجانب، وأما نهي النبي ﷺ عن النقاب فنعم هو نهي عن النقاب لكن إذا كان حولها رجال فلابد من ستر الوجه، وإذا سترت وجهها في هذه الحال فلا شيء عليها.
س ٧٠٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قبل حوالي خمس سنوات نوينا أداء العمرة وعندما وصلنا إلى الحرم قمت أنا وإحدى أخواتي بعمل غطاء الوجه بحيث صار أشبه يشبه النقاب بمعنى أنه كان يغطي الجبهة وبقية الوجه أما العينان فقد كانتا مكشوفتين وقد قمنا بذلك ونحن نجهل حكم النقاب فماذا نفعل الآن بعد ما عرفنا أن النقاب غير جائز للمحرمة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليكن شىء؛ لأن كل إنسان يفعل محرماً في العبادة وهو لا يدري ليس عليه شىء، ولهذا لو تكلم الإنسان في الصلاة جاهلاً أن الكلام حرام فصلاته صحيحة، كما لو دخل شخص على رجل يصلي فسلم فقال المصلي: عليك السلام وهو لا يدري أنه حرام فليس عليه شىء، فقد ثبت في الصحيح أن معاوية بن الحكم- ﵁ دخل المسجد وصلى مع النبي ﷺ فعطس رجل من القوم وقال: الحمد لله.
стр. 8611
فقال: معاوية- ﵁ يرحمك الله. يخاطبه فرماه الناس بأبصارهم منكرين عليه فقال: " واثكل أمي " زاد على ما سبق فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه، فسكت، فلما سلم دعاه
النبي ﷺ قال: معاوية (فبأبي هو وأمي ما كهرني، وما نهرني، وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي للتكبير وقراءة القرآن أو كما قال ولم يأمره بإعادة الصلاة، وقال في الصيام "من نسي هو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " وهكذا جميع المحرمات في جميع العبادات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً فليس عليه شيء.
س ٧٠٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرمة أن تلبس القفازين والجورب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما لبس المرأة الجورب فلا بأس، وأما لباسها القفازين فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك فقال في المحرمة لا تلبس القفازين.
س ٧٠٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة التي تريد أن تحرم أن تلبس القفازين على يديها في أثناء العمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمرأة إذا أحرمت بحج أو عمرة أن تلبس القفازين؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك والقفازان هما شراب اليدين التي تلبسها المرأة، أما لبس القفازين في غير الإحرام فحسن؛ لأنه أكمل في الستر.
стр. 8612
س ٧٠٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شاهدت امرأة تطوف وعليها قفازات فما الحكم في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا شاهدت المرأة امرأة أخرى تطوف وعليها قفازات فلتسألها قبل أن تنكر عليها ولتقل لها: هل أنت محرمة؟ إذا قالت نعم فلتقل لها: اخلعي القفازات؛ لأن النبي ﷺ قال في المحرمة: "لا تلبس القفازين " وإن قالت: إنها غير محرمة وإنما هذا طواف تطوع، فلا حرج عليها أن تلبس القفازين في طواف التطوع.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه على المسألة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي: أنك لا تنكر على أحد منكراً حتى تعلم أنه منكر؛ لأن إنكارك قبل ذلك تعجل وتسرع، ولهذا لم ينكر النبي ﷺ على الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم
جمعة وجلس لم ينكر عليه الجلوس حتى سأله: "أصليت؟ " قال: لا. قال: "قم وصل ركعتين وتجوز فيهما" (١) وانظر كيف كان هدي النبي ﷺ فيمن فعل فعلاً يحتمل أنه منكر في حقه ويحتمل أنه غير منكر وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير أسوة، وأما من أنكر على الشخص مجرد فعل يراه منكراً فإن هذا تسرع وتعجل.
س ٧٠٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت وهي لابسة للقفازات ولم تكن تعلم بحكمها فهل حجها صحيح ؟
стр. 8613
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المرأة التي لبست القفازات وهي لا تعلم أنها حرام حجها صحيح وليس عليها إثم ولا فدية، وذلك لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالي: (قد فعلت) ولقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)) وليعلم أن جميع المحرمات التي تكون في العبادات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه وهذه قاعدة لسنا نأخذها من قول فلان وفلان، أو من مؤلف فلان وفلان، وإنما نأخذها من الكتاب والسنة: أن كل من فعل محرماً وهو لا يعلم أنه محرم أو فعله وهو ناسي فلا شيء عليه، لكن إذا علم من جهل وجب عليه أن يدع هذا المحرم، وإذا ذكر بعد النسيان وجب عليه أن يترك هذا المحرم، وهذه القاعدة مأخوذة من قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالي: (قد فعلت) ومن قوله تعالي: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)) ومن قوله تعالى في قتل الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) ولقول النبي ﷺ في الصيام: "من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " (١) . ولأن الصحابة- ﵃: أفطروا في رمضان في يوم غيم ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم بالقضاء لأنهم كانوا
جاهلين بالوقت. ولهذه القاعدة
стр. 8614
العظيمة أدلة وشواهد نكتفي فيها بما ذكرنا، فهذه المرأة التي لبست القفازين جاهلة أو ناسية ليس عليها شيء لا فدية، ولا إثم، وحجها صحيح.
س ٧١٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للرجل المحرم أن يلبس القفازين لأن النهي خاص بالمرأة المحرمة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للرجل أن يلبس القفازين، لأن النبي ﷺ نهاه أن يلبس الخفين ففي الخفين ستر الرجل، وفي القفازين ستر اليدين.
فإذا قال قائل: ما وجه تخصيص النهي بالمرأة؟
فالجواب: لأن المرأة جرت العادة بلبسها للقفازين، أما الرجل فلم تجر العادة بأنه يلبس القفازين، ولهذا فإن النساء في عهد النبي ﷺ يلبسن القفازين لأجل ستر اليد، وقد بدأ النساء - ولله الحمد- منذ عهد قريب يلبسن القفازين كعادة نساء الصحابة ﵅.
س ٧١١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف تستر المرأة كفيها إذا أحرمت ؟
فأجاب فضيلته بقوله: تستر كفيها بعباءتها أو بخمار واسع طويل، أو بثوب له أكمام طويلة، المهم أنه يمكنها أن تستر الكفين دون أن تلبس القفازين.
стр. 8615
س ٧١٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على المرأة أن تلبس شراباً لأرجلها إذا أرادت الحج أو العمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمها ذلك لكن تستر قدميها بثوب طويل يكون ضافيا على القدمين، وقولنا: إن ذلك لا يجب عليها لا يعني أنه يحرم عليها أن تلبس الخفين بل لها أن تلبس الخفين، دون لبس القفازين، وهما شراب اليدين، فإنه لا يجوز للمحرمة أن تلبسهما؛ لأن النبي ﷺ نهى المحرمة أن تلبس القفازين.
س ٧١٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم لبس المرأة للذهب من خواتم وغيرها في حال الإحرام علماً بأنها تبرز لغير المحارم في كثير من الأحوال ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن تلبس المرأة حال الإحرام من الذهب ما شاءت إذا لم يخرج إلى حد الإسراف حتى الخواتم والأساور في اليدين، لكن في هذا الحال تستره عن الرجال الأجانب خوفاً من وقوع الفتنة.