فقال: معاوية- ﵁ يرحمك الله. يخاطبه فرماه الناس بأبصارهم منكرين عليه فقال: " واثكل أمي " زاد على ما سبق فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه، فسكت، فلما سلم دعاه
النبي ﷺ قال: معاوية (فبأبي هو وأمي ما كهرني، وما نهرني، وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي للتكبير وقراءة القرآن أو كما قال ولم يأمره بإعادة الصلاة، وقال في الصيام "من نسي هو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " وهكذا جميع المحرمات في جميع العبادات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً فليس عليه شيء.
س ٧٠٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرمة أن تلبس القفازين والجورب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما لبس المرأة الجورب فلا بأس، وأما لباسها القفازين فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك فقال في المحرمة لا تلبس القفازين.
س ٧٠٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة التي تريد أن تحرم أن تلبس القفازين على يديها في أثناء العمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمرأة إذا أحرمت بحج أو عمرة أن تلبس القفازين؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك والقفازان هما شراب اليدين التي تلبسها المرأة، أما لبس القفازين في غير الإحرام فحسن؛ لأنه أكمل في الستر.
стр. 8612
س ٧٠٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شاهدت امرأة تطوف وعليها قفازات فما الحكم في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا شاهدت المرأة امرأة أخرى تطوف وعليها قفازات فلتسألها قبل أن تنكر عليها ولتقل لها: هل أنت محرمة؟ إذا قالت نعم فلتقل لها: اخلعي القفازات؛ لأن النبي ﷺ قال في المحرمة: "لا تلبس القفازين " وإن قالت: إنها غير محرمة وإنما هذا طواف تطوع، فلا حرج عليها أن تلبس القفازين في طواف التطوع.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه على المسألة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي: أنك لا تنكر على أحد منكراً حتى تعلم أنه منكر؛ لأن إنكارك قبل ذلك تعجل وتسرع، ولهذا لم ينكر النبي ﷺ على الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم
جمعة وجلس لم ينكر عليه الجلوس حتى سأله: "أصليت؟ " قال: لا. قال: "قم وصل ركعتين وتجوز فيهما" (١) وانظر كيف كان هدي النبي ﷺ فيمن فعل فعلاً يحتمل أنه منكر في حقه ويحتمل أنه غير منكر وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير أسوة، وأما من أنكر على الشخص مجرد فعل يراه منكراً فإن هذا تسرع وتعجل.
س ٧٠٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت وهي لابسة للقفازات ولم تكن تعلم بحكمها فهل حجها صحيح ؟
стр. 8613
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المرأة التي لبست القفازات وهي لا تعلم أنها حرام حجها صحيح وليس عليها إثم ولا فدية، وذلك لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالي: (قد فعلت) ولقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)) وليعلم أن جميع المحرمات التي تكون في العبادات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه وهذه قاعدة لسنا نأخذها من قول فلان وفلان، أو من مؤلف فلان وفلان، وإنما نأخذها من الكتاب والسنة: أن كل من فعل محرماً وهو لا يعلم أنه محرم أو فعله وهو ناسي فلا شيء عليه، لكن إذا علم من جهل وجب عليه أن يدع هذا المحرم، وإذا ذكر بعد النسيان وجب عليه أن يترك هذا المحرم، وهذه القاعدة مأخوذة من قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالي: (قد فعلت) ومن قوله تعالي: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)) ومن قوله تعالى في قتل الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) ولقول النبي ﷺ في الصيام: "من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " (١) . ولأن الصحابة- ﵃: أفطروا في رمضان في يوم غيم ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم بالقضاء لأنهم كانوا
جاهلين بالوقت. ولهذه القاعدة
стр. 8614
العظيمة أدلة وشواهد نكتفي فيها بما ذكرنا، فهذه المرأة التي لبست القفازين جاهلة أو ناسية ليس عليها شيء لا فدية، ولا إثم، وحجها صحيح.
س ٧١٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للرجل المحرم أن يلبس القفازين لأن النهي خاص بالمرأة المحرمة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للرجل أن يلبس القفازين، لأن النبي ﷺ نهاه أن يلبس الخفين ففي الخفين ستر الرجل، وفي القفازين ستر اليدين.
فإذا قال قائل: ما وجه تخصيص النهي بالمرأة؟
فالجواب: لأن المرأة جرت العادة بلبسها للقفازين، أما الرجل فلم تجر العادة بأنه يلبس القفازين، ولهذا فإن النساء في عهد النبي ﷺ يلبسن القفازين لأجل ستر اليد، وقد بدأ النساء - ولله الحمد- منذ عهد قريب يلبسن القفازين كعادة نساء الصحابة ﵅.
س ٧١١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف تستر المرأة كفيها إذا أحرمت ؟
فأجاب فضيلته بقوله: تستر كفيها بعباءتها أو بخمار واسع طويل، أو بثوب له أكمام طويلة، المهم أنه يمكنها أن تستر الكفين دون أن تلبس القفازين.
стр. 8615
س ٧١٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على المرأة أن تلبس شراباً لأرجلها إذا أرادت الحج أو العمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمها ذلك لكن تستر قدميها بثوب طويل يكون ضافيا على القدمين، وقولنا: إن ذلك لا يجب عليها لا يعني أنه يحرم عليها أن تلبس الخفين بل لها أن تلبس الخفين، دون لبس القفازين، وهما شراب اليدين، فإنه لا يجوز للمحرمة أن تلبسهما؛ لأن النبي ﷺ نهى المحرمة أن تلبس القفازين.
س ٧١٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم لبس المرأة للذهب من خواتم وغيرها في حال الإحرام علماً بأنها تبرز لغير المحارم في كثير من الأحوال ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن تلبس المرأة حال الإحرام من الذهب ما شاءت إذا لم يخرج إلى حد الإسراف حتى الخواتم والأساور في اليدين، لكن في هذا الحال تستره عن الرجال الأجانب خوفاً من وقوع الفتنة.
стр. 8616
باب الفدية وجزاء الصيد
*فدية الحلق وتقليم الأظافر وتغطية الرأس والطيب.
*جزاء الصيد.
*دم المتعة والقِران.
*فدية الجماع.
*من كرر محظوراً من جنس ولم يفد.
*من كرر محظوراً من أجناس.
*حكم النسيان في فعل المحظور.
*كل هدي أو إطعام فلمساكين الحرم.
*صيد الحرم المكي.
*صيد الحرم النبوي.
*قطع الشجر.
*وصف مكة بالمكرمة والمدينة بالمنورة والمسجد الأقصي بثالث الحرمين.
*العمرة في رمضان.
*تكرار العمرة في رمضان.
*اصطحاب العوائل للعمرة في رمضان والبقاء في مكة وما ينتج عن ذلك.
*العمرة في شهر رجب
стр. 8617
س ٧١٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- ما فدية من فعل محظوراً من محظورات الإحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يخلو فاعل المحظور من أحوال:
الأولى: أن يفعله ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً، أو نائماً، فلاشيء عليه.
الثانية: أن يفعله عمداً، ولكن لعذر يبيح فعل المحظور، فلا إثم عليه ويلزمه فدية ذلك المحظور، ويأتي بيانها.
الثالثة: أن يفعله عمداً بلا عذر، فهو آثم، وفديته على أقسام:
القسم الأول: ما ليس فيه فدية وهو عقد النكاح.
القسم الثاني: ما فديته بدنة وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.
القسم الثالث: ما فديته صيام ثلاثة أيام إن شاء متوالية وإن شاء متفرقة، أو ذبح شاة مما يجزىء في الأضحية أو ما يقوم مقامه من سبع بدنة، أو سبع بقرة ويفرق اللحم على الفقراء ولا يأكل منه
شيئاً، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع مما يطعم.
فهو مخير بين هذه الأشياء الثلاثة في إزالة الشعر، والظفر، والطيب، والمباشرة لشهوة ولبس القفازين، وانتقاب المرأة، ولبس الذكر المخيط، وتغطية رأسه.
القسم الرابع: ما فديته جزاؤه أو ما يقوم مقامه وهو قتل الصيد، فإن كان للصيد مثل خير بين ثلاثة أشياء:
١- إما ذبح المثل وتفريق لحمه على فقراء الحرم.
стр. 8618
٢- أن ينظركم يساوي المثل ويخرج ما يقابل قيمته طعاماً يفرق على المساكين لكل مسكين نصف صاع.
٣- أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.
أما إذا لم يكن للصيد مثل فإنه يخير بين شيئين:
١- أن ينظركم يساوي الصيد المقتول ويخرج ما يقابلها طعاماً يفرقه على المساكين لكل مسكين نصف صاع.
٢- أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.
س ٧١٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل فدية فعل المحظورات على التخيير أم على الترتيب؟ وما توجيهكم لحديث كعب بن عجرة- ﵁ الذي قال فيه عليه الصلاة
والسلام: "تجد شاة؟ " قال: لا. قال: "فصم ثلاثة أيام "؟ (١) فأجاب فضيلته بقوله: محظورات الإحرام التي ورد فيها الفدية ليست كلها على طريق واحد، فمثلاً حلق الرأس قال الله تعالى فيه: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) فبدأ الله تعالى بالصيام لأنه أهون الخصال الثلاث، ثم بالصدقة، وقد فسرها النبي ﷺ بأنها إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، ثم قال الله : (أو نسك) وهو ذبح شاة.
أما حديث كعب بن عجرة- ﵁ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرشده إلى الأكمل، ولا شك أن ذبح الشاة أكمل من إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام.
стр. 8619
س ٧١٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من دعس هرّاً وهو محرم في مكة ماذا عليه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا من كلام الله- قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)) (١) وهذا الذي قتل هرّاً ليس عليه شيء؛ لأنه ليس من الصيد، لكن لو قتل حمامة بغير قصد فلا شيء عليه لأن الله اشترط في وجوب الجزاء أن يكون القتل عمداً. والله أعلم.
س ٧١٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سائق ذهب للحج مع حملة وأخبروه بأن كل شيء عليهم وعند إتمام المناسك طلبوا منه قيمة الهدي، فالبعض رفض بحجة أنه قارن، ويبقى السؤال: هل يلزم القارن الهدي حيث أن السائق امتنع عن ذبح الهدي بحجة أنه قارن ورجع إلى بلده ولم يذبح فماذا يلزمه إذا كان يجب عليه الهدي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، القارن يجب عليه الهدي كالمتمتع، وهذا السائق الذي لم يفعل يجب عليه الآن أن يبعث بدراهم إلى أحد يعرفه بمكة ليشتري له شاة ويذبحها هناك في مكة يأكل منها ويتصدق.
стр. 8620
س ٧١٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل حج تمتعاً وحصل الحريق فاحترقت أغراضه وفلوسه في الخيمة فلم يفدِ فهل عليه شيء؟ وهل يمكن في هذه الحال أن يحول نسكه إلى
إفراد لأن الحريق كان في اليوم الثامن ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا ندري ماذا صنع الأخ هل صام؛ لأن الحريق وقع في اليوم الثامن؛ فإذا جاء يوم النحر فليس معه شيء فيصوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر وإذا رجعِ إلى أهله صام السبعة الباقية، لقول الله ﵎: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) (١) فإذا لم يفعل هذا فعليه الآن أن يتوب إلى الله وأن يصوم عشرة أيام ثلاثة قضاء وسبعة أداء.
ولا يمكن أن يحول الإنسان تمتعه إلى إفراد أبداً، ولا يمكن أيضاً أن يحول قِرانه إلى إفراد، لكن لو أحرم بعمرة ثم أدخل الحج عليها قبل شروعه في طوافها جاز ذلك وصار قارناً.
س ٧١٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الحجاج يكون معه دراهم، وهو ممن يجب عليه الهدي فتسرق منه أو تضيع، فهل له أن يقترض من أحد يعرفه لأجل شراء الهدي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: له أن يقترض إذا كان يجد وفاءً في بلده عن قرب، أما إذا كان معسراً ولا يرجو الوفاء عن قرب فلا
стр. 8621
يقترض، بل يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، وأما وجوب الاقتراض فلا يجب.
س ٧٢٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أكثر الحجاج يذبح هديه ثم يتركه في المكان الذي ذبح فيه ولا يوزعه فتأخذه البلدية فترميه في المحرقة، فما حكم هذا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على من ذبح الهدي أن يبلغه إلى أهله لقول الله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)) (١) . وكونه يذبحها ثم يُلقيها تُحرق، لا تبرأ به الذمة، فيجب عليه أن يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم يعني كيلو أو ما شابهه، يتصدق به في مكة.
س ٧٢١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الشرع في رجل حج عن أبيه، هل يلزمه الهدي أو لا يلزمه؟ وإذا لم يجد الهدي هل يصوم؟ وهل يجزىء صيام العشرة أيام عنها في حالة
عدم القدرة؟ وفي حالة القدرة على دفع ثمن الأضحية هل يجوز له الصيام لأنه في حاجة إلى هذا المال ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: لا ينبغي أن يوجه السؤال إلى شخص بهذا اللفظ- ما حكم الشرع- لأن المجيب قد يخطىء في جوابه فلا يكون من الشرع، وإنما يقال: ما رأيكم، أو ما ترون،
стр. 8622
أو ما حكم الشرع في رأيكم، أو في نظركم أو ما أشبه ذلك. وأما الجواب عن المسألة: فإذا كان أبوه عاجزاً عن الحج عجزاً لا يُرجى زواله كالكبير والمريض مرضاً لا يرجى برؤه فإنه لا بأس أن يحج عنه ولده؛ لأن النبي ﷺ سألته امرأة قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج، شيخاً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم " (١) . فيحج عنه، ثم إن كان الحج تمتعاً أو قراناً وجب عليه الهدي، وإن كان الحج إفراداً لم يجب عليه الهدي، وإذا كان عاجزاً عن الهدي، إما لعدم الدراهم معه، أو أن معه دراهم لكنه يحتاج إليها للنفقة فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
س ٧٢٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد حججت أنا وزوجتي قبل عشرة أعوام وفي ذلك الحين لم يكن لنا نقود لشراء الفدية وقمنا بصيام ثلاثة أيام في الحج، وعندما عدنا إلى البلد
حصل منا الإهمال بسبب مشاكل الدنيا ولم نكمل الصوم، وبقينا على هذا الحال حتى ما قبل خمسة أعوام فحججت أنا وحدي مرة أخرى وذبحت فدية ولكن لم أدرِ كيف حال حجتنا الأولى أنا
وزوجتي حيث بقي علينا صيام سبعة أيام، وأحيطكم علماً أن زوجتي قد توفيت رحمها الله وأنا الآن محتار كيف أعمل هل يجب
стр. 8623
عليَّ الصوم في الوقت الحاضر عني وعن زوجتي المتوفاة أم ماذا أعمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل الذي فعلتم من صيام ثلاثة أيام في الحج حين كنتم لا تجدون هدياً هو عمل صحيح، لكن تأخيركم صيام الأيام السبعة إلى هذه المدة أمر لا ينبغي، والذي ينبغي للإنسان أن يسارع في إبراء ذمته وأن يقضي ما عليه، والواجب الآن أن تصوم أنت عن نفسك سبعة أيام، أما المرأة فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه " (١) ماذا صام عنها أحد أولادها، أو أبوها، أو أمها، أو صمت عنها أنت فإن ذلك يكفي، فإن لم يصم منكم أحد فأطعموا عن كل يوم مسكيناً، ولكن أحب أن أنبه على أن الدم لا يجب على الحاج إلا إذا كان متمتعاً أو قارناً، فأما المتمتع فهو الذي يأتي بالعمرة قبل الحج في أشهر الحج يحرم بها بعد دخول أشهر الحج فيحج في عامه، وأما القارن فهو الذي يحرم بالعمرة والحج جميعاً، أو يحرم بالعمرة أولاً، ثم يدخل الحج عليها لسبب من الأسباب، أما إذا كان الإنسان قد حج مفرداً بأن أتى بالحج فقط ولم يأتِ بعمرة فإنه لا يجب عليه الهدي؛ لأن الله تعالى أوجب الهدي على
المتمتع في قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) والمتمتع في هذه الآية ذكر أهل العلم أنه يشمل المتمتع الذي يفرد العمرة، والقارن الذي يأتي بهما جميعاً.
стр. 8624
أما حجته الثانية فلم يذكر فيها شيئاً يوجب النقص، أو يوجب الهدي، ولا يؤثر عليه ما بقي من حجته الأولى.
س ٧٢٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سبق أن حججت قبل سبع سنوات وكان حجاً تمتعاً صمت ثلاثة أيام في مكة حيث لم أستطع حين ذاك أن أهدي ورجعت لمقر عملي ولكن مضت
سنتان ولم أستطع أن أكمل صيام سبعة أيام الباقية عليَّ وفي السنة الثالثة راسلت أحد معارفي بمكة وطلبت منه أن يذبح عني وقد قام بذلك مشكوراً ودفعت له قيمة الهدي وكانت بنية الهدي الذي
فاتني سابقاً ولم أستطع الصيام عنه أيضاً، والآن أريد أن أستفسر هل أجزأت تلك الأضحية المتأخرة أم يلزمني أن أكمل صيام سبعة أيام أم يلزمني شيء آخر غير ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، هذا السؤال الذي ساقه السائل ظهر لي أنه كان متمتعاً ولم يجد الهدي، وأنه صام ثلاثة أيام في الحج وبقي عليه سبعة أيام، ثم إنه تشاغل عن هذه السبعة أو تثاقلها وأراد أن يذبح الهدي، والجواب على ذلك أنه لو كان هذا في وقت الهدي قبل مضي أيام التشريق لكان تقربه صحيحاً، أي لو أنه بعد أن صام ثلاثة أيام أراد أن يذبح الهدي الذي هو الأصل وكان ذلك في وقت ذبحه لكان هذا التصرف صحيحاً، أما بعد أن فات وقت الذبح بانتهاء أيام التشريق فإنه ليس عليه إلا الصيام، وحينئذ فيلزمه أن
стр. 8625
يصوم بقية الأيام العشرة وهي سبعة أيام نسأل الله له العفو.
س ٧٢٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: اشتريت هدياً في أيام الحج فأثناء إنزاله من السيارة انكسرت يده فماذا علي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: اشتر شيئاً سليماً واذبحه، وإذا لم تجد ثمنه فتصوم ثلاثة أيام في الحج أيام التشريق، وسبعة إذا رجعت.
س ٧٢٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: تمتعت في العمرة والحج ولم أذبح هدياً ولم أصم فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، يقول السائل إنه متمتع بالعمرة إلى الحج ولم يهد هدياً ولم يصم؟ يجب أولاً أن نعلم ما هو التمتع بالعمرة إلى الحج الذي ينبني عليه وجوب الهدي؟ التمتع بالعمرة إلى الحج أن يشرع الإنسان بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ويتحلل تحللاً كاملاً ثم يحرم بالحج من عامه فيكون عند إحرامه بالعمرة قد نوى أن يحج هذا هو المتمتع، ويلزمه الهدي بشرط أن لا يرجع إلى بلده، فإن رجع إلى بلده ثم أنشأ السفر إلى الحج وأحرم بالحج فقط فإنه يكون مفرداً لا متمتعاً والهدي الواجب هو ما يجزىء في الأضحية ويشترط له شروط:
الأول: أن يكون من بهيمة الأنعام، فلا يجزىء الهدي من
стр. 8626
غيرها، لقول الله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) (١) .
الثاني: أن يكون بالغاً للسن المجزىء وهو الثني من الإبل والبقر والنعاج، أو الجذعة من الضأن؛ لقول النبي ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن " (٢) .
الثالث: أن يكون سليماً من العيوب المانعة للإجزاء وهي التي ذكرها النبي ﷺ في قوله: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين
ضلعها، والعجفاء- يعني الهزيلة- التي لا تنقى" (٣) .
الرابع: أن يكون في الزمان الذي يذبح فيه الهدي وهو يوم العيد، وثلاثة أيام من بعده فلا يجزىء ذبح الهدي قبل يوم العيد؛ لأن النبي ﷺ لم يذبح هديه إلا يوم العيد حين رمى جمرة العقبة. (٤)
الخامس: أن يكون في الحرم، أي داخل أميال الحرم، إما في منى، أو مزدلفة، أو في مكة، وكل طريق مكة وكل فجاج مكة طريق ومنحر، فلا يجزىء أن يذبح في عرفة، أو في غيرها من أماكن الحل، وقد سمعنا أن بعض الناس ذبحوا هداياهم خارج
стр. 8627
الحرم، إما في عرفة أو في جهات أخرى ليست من الحرم، وهذا لا يجزىء عند أكثر أهل العلم، بل لابد أن يكون الذبح في نفس الحرم أي في حدود الحرم، فإذا ذبح في الحرم فلا بأس أن ينقل من لحمها إلى خارج الحرم.
ويشترط لوجوب الهدي على المتمتع ألا يكون من حاضري المسجد الحرام، فإن كان من حاضري المسجد الحرام فإنه ليس عليه هدي؛ لقول الله ﵎: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي ذلك الحكم ثابت لمن لم يكن حاضري المسجد الحرام، والحكم المذكور هو وجوب الهدي أو بدله ممن عدمه، وحاضري المسجد الحرام هم أهل مكة أو الحرم، أي هم من كانوا داخل حدود الحرم، أو كانوا من أهل مكة، ولو كانوا خارج حدود الحرم، وإنما قلت: أو كانوا من أهل مكة ولو كانوا خارج حدود الحرم؛ لأن جهة التنعيم الآن قد صارت من مكة فإن الدور والمباني تعدت التنعيم الذي هو مبتدأ الحرم ومنتهى الحل، وعلى هذا فمن كان من أهل التنعيم الذين هم خارج الحرم فهم وراءهم البيوت متصلة كبيوت مكة
فإنهم يعدون من حاضري المسجد الحرام، ومن كان من الجهة الأخرى داخل حدود الحرم وغير متصل بمكة فإنه من حاضري المسجد الحرام أيضاً، فحاضرو المسجد الحرام إذن هم أهل مكة
أو أهل الحرم فإن كانوا من حاضري المسجد الحرام فإنه ليس عليه هدي ولا صوم، وهذا السائل يقول: إنه حج متمتعاً ولم يهد
стр. 8628
ولم يصم نقول له: الآن عليك أن تتوب إلى الله، فإن كنت من القادرين على الهدي في عام حجك وجب عليك أن تذبحه اليوم، ولكن في مكة، وإن كنت من غير القادرين على الهدي في عام حجك فعليك الصوم فصم الآن عشرة أيام ولو في بلدك.
س ٧٢٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت متمتعاً ومعي مبلغ يسير من المال ظننت أن لا يكفي للهدي فصمت ثلاثة أيام وأنفقت المال الذي عندي بصورة فيها كثير من التبذير، ثم
ظهر لي في اليوم الحادي عشر أن المال الذي كان عندي قبل إنفاقه كان كافياً لشراء الهدي فندمت على ما حدث مني من تفريط، ثم صمت السبعة أيام بعد العودة من الحج فهل بقي الهدي في ذمتي
بسبب التفريط الذي حدث مني أم لا؟ وضحوا لنا ذلك جزاكم الله خيراً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذمتك برئت بالصوم؛ لأنك إنما صمت بناء على أن المال الذي معك لا يكفي، لكن نظراً لأنك أسرفت في الإنفاق وأنفقت في غير وجهه أرى من الاحتياط أن تذبح هدياً في مكة يقوم مقام هدي التمتع الذي كان واجباً عليك مع القدرة.
س ٧٢٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج ضاعت نفقته هل عليه أن يستدين للفدية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا ضاعت نفقة الحاج فإنه ليس عليه
стр. 8629
أن يستدين للفدية ولكن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ لأنه صار عاجزاً عن الهدي، وقد قال الله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)) (١) .
س ٧٢٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل يقول: لقد وقعت في جريمة نكراء وداهية دهياء في حج العام الماضي حيث سول لي الشيطان ووقعت على زوجتي وجامعتها جماعاً في
منى ولكن هذا وقع في الليل، وقال بعض طلبة العلم: إن حجك قد فسد فصرعوني بهذا القول، وركبت سيارتي وهربت إلى بلدي وتركت زوجتي مع أخيها وأنا لم أهرب إلا خوفاً من الله تعالى أن
أبقى في مشاعره المقدسة وأنا قد عصيته وليس لي حج أرجو الإفادة والمخرج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب يحتاج إلى تفصيل وذلك أن جماعه إياها في منى إن كان بعد التحلل مثل أن يكون بعد يوم العيد بعد أن رمى وحلق أو قصر وطاف وسعى فهذا لا شيء عليه إطلاقاً؛ لأنه قد تحلل من الحج، أما إذا كان بعد الرمي والحلق وقبل الطواف يعني بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني فإن الحج لا يفسد، ولكن يفسد الإحرام، فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل ليحرم من جديد ليطوف طواف الإفاضة محرماً، وعليه
стр. 8630
مع ذلك شاة يذبحها ويفرقها على الفقراء.
أما إذا كان الوطء في منى قبل الذهاب إلى عرفة فمعناه أنه جامع قبل التحلل الأول وهذا يفسد حجه وعلى ما قاله أهل العلم يجب عليه المضي فيه، ويجب عليه بدنة يذبحها ويفرقها على الفقراء، ويجب عليه القضاء من العام القادم، ولكن هذا الرجل في الحقيقة لا ندري أي الأحوال كان عليه، فلا نستطيع أن نحكم على فعله وذهابه إلى بلده. وذهابه بعد الجماع إلى بلده لا يجوز ويجب عليه الرجوع لو فرض أنه سأل في ذلك الوقت قبل أن ينتهي الحج وجب عليه الرجوع ليكمل الحج الفاسد ثم يقضيه العام التالي، أما وقد فات الأوان الآن فإنه يجب عليه على ما تقضيه قواعد الفقهاء يجب عليه أن يمضي في الحج هذا العام تكميلاً للحج الفاسد الأول لأنه لازال على إحرامه لم يتحلل منه، أو يتحلل بعمرة حيث فاته الحج بفوات الوقوف ثم يقضي الحج الفاسد الذي تحلل منه بعمرة بالفوات ولا يلزمه شيء عن لبس الثياب لأنه جاهل.
س ٧٢٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سائلة تقول: أنا امرأة قدمت من بلدي إلى جدة وكنت محرمة، وقبل أداء العمرة جاءني ما يأتي النساء فأدى زوجي العمرة ورجعنا حيث إنه مرتبط
بعمل، وسارت بنا الحياة الطبيعية كزوجين ثم نزلنا وأدينا مناسك العمرة والحج بعد ذلك، وكان ذلك منذ ثلاث سنوات ولم نعلم أنه كان ينبغي علي أداء العمرة إلا قريباً، فماذا علي الآن؟ مع العلم
стр. 8631
أنني عندما أديت مناسك العمرة لم أنوِ أنها عن العمرة التي لم يتيسر لي القيام بها؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: نسأل نقول للسائلة: إذا كنت لا تدرين أن الجماع في الإحرام حرام فلا شيء عليك، وإذا كنت تعلمين أنه حرام ووافقت الزوج عليه فأنت آثمة والعمرة التي وقع
فيها الجماع عمرة فاسدة ويجب عليك شاة تذبح في مكة وتوزع على الفقراء، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، ويجب أيضاً أن تقضي عمرة بدل العمرة التي
فسدت.
س ٧٣٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض أهل العلم يرون أن جماع الحاج لزوجته ناسياً محرم يفسد الحج ويستدل أنه يجب عليه غسل الجنابة وإنما المرفوع هو الإثم فما الجواب عن
ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نجيب على هؤلاء الذين يقولون إن الإنسان إذا جامع وهو صائم في رمضان أو جامع وهو محرم فعليه كفارة ويسقط عنه الإثم نجيب عليهم بأمرين: أمر أثري وأمر نظري، أما الأثري نقول: إن الله تعالى قال في كتابه: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالى: " قد فعلت "، وقال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) وهذا لم يتعمد وحصل تطبيق عملي لهذا القاعدة وهي عدم المؤاخذة بالجهل والنسيان، فقد أفطر الصحابة- رضي الله
стр. 8632
عنهم- في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم بالقضاء؛ لأنهم كانوا جاهلين ظنوا أن الشمس قد غربت، وعدي بن حاتم- ﵁ أراد أن
يصوم فجعل تحت وسادته عقالين وهما الحبلان اللذان تشد فيهما يد البعير، أحدهما أسود، والثاني أبيض، فجعل ينظر إليهما فلما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود أمسك، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالإعادة، ومعاذ بن الحكم- ﵁ تكلم في الصلاة ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، فالمهم أن نقول: إن هذه الأدلة تدل على أن الإنسان إذا صنع شيئاً محرماً جاهلاً أو ناسياً فلاشيء عليه.
أما الدليل النظري فنقول: إذا سقط الإثم لزم سقوط الكفارة؛ لأن الكفارة إنما تكون من أجل اتقاء عقوبة هذا الإثم، فإذا لم يكن هناك إثم فلا عقوبة، وعموم العفو في قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) يشمل العفو عن الذنب والعفو عن الكفارة.
س ٧٣١: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى-: من فعل شيئاً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام بعد أن لبس إحرامه وهو لم يقعد النية بعد فلا شيء عليه؛ لأن العبرة بالنية لا بلبس ثوب الإحرام، ولكن إذا كان قد نوى ودخل في النسك فإنه إذا فعل شيئاً من المحظورات ناسياً، أو جاهلاً فلا
стр. 8633
شيء عليه، ولكن يجب عليه بمجرد ما يزول العذر فيذكر إن كان ناسياً، ويعلم إن كان جاهلاً يجب عليه أن يتخلى من ذلك المحظور.
مثال هذا: لو أن رجلاً نسي فلبس ثوباً وهو محرم، فلا شيء عليه، ولكن من حين ما يذكر يجب عليه أن يخلع هذا الثوب، وكذلك لو نسي فأبقى سراويله عليه، ثم ذكر بعد أن عقد النية ولبى، فإنه يجب عليه أن يخلع سراويله فوراً، ولا شيء عليه، وكذلك لو كان جاهلاً فإنه لا شيء عليه، مثل أن يلبس فنيلة ليس فيها خيط بل منسوجة نسجاً يظن أن المحرم لبس ما فيه خياطة فإنه لا شيء عليه، ولكن إذا تبين له أن الفنيلة وإن لم يكن بها توصيل فإنها من اللباس الممنوع فإنه يجب عليه أن يخلعها.
والقاعدة العامة في هذا أن جميع محظورات الإحرام إذا فعلها الإنسان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) . فقال الله تعالي: " قد فعلت "، ولقوله تعالي: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)) . ولقوله تعالى في خصوص الصيد وهو من محظورات الإحرام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)) ولا فرق في ذلك بين أن يكون محظور الإحرام من اللباس والطيب ونحوهما، أو من قتل الصيد، وحلق
стр. 8634
شعر الرأس ونحوهما، وإن كان بعض العلماء فرق بين هذا وهذا، ولكن الصحيح عدم التفريق؛ لأن هذا من المحظور الذي يعذر فيه الإنسان بالجهل والنسيان. والله أعلم.
س ٧٣٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج وقع في بعض الأخطاء في أداء نسكه ولم يكن معه ما يكفر به وسافر إلى بلده فهل يخرج ما وجب عليه في بلده أم يلزمه أن يكون في مكة؟
وإذا كان يلزم في مكة فهل يجوز التوكيل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لابد أن نعرف ما هو هذا الشيء الذي حصل، إن كان ترك واجباً ففيه فدية يذبحها في مكة؛ لأنها تتعلق بالنسك ولا يجزىء في غير مكة.
وإن كان فعل محظوراً فإنه يجزىء فيه واحدة من ثلاثة أمور:
إما إطعام ستة مساكين ويكون في مكة أو في مكان فعل المحظور.
وإما صيام ثلاثة أيام، وفي هذه الحال يصوم ثلاثة أيام في مكة أو غيرها.
وإما ذبح شاة.
إلا أن يكون هذا المحظور جماعاً قبل التحلل الأول في الحج فإن الواجب فيه بدنة يذبحها في مكان فعل المحظور، أو في مكة ويفرقها على الفقراء، أو أن يكون جزاء صيد فإن الواجب مثله أو إطعام، أو صيام، فإن كان صوماً ففي أي مكان.
стр. 8635
وإن كان إطعاماً أو ذبحاً فإن الله تعالى يقول: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) فلابد أن يكون في الحرم.
وله أن يوكل فيه؛ لأن النبي ﷺ وكَّل عليّاً- ﵁ في ذبح ما بقي من هديه (١) .
س ٧٣٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من ترك واجباً من واجبات الحج فعليه دم، والسؤال هل لهذا الدم زمن معين من العام؟ وهل له مكان معين؟ ومن لم يجد هذا الدم فهل له من صيام بدلاً من الدم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على من وجب عليه فدية بترك واجب، أو بفعل محظور أن يبادر بذلك؛ لأن أوامر الله تعالى ورسوله ﷺ على الفور إلا بدليل؛ ولأن الإنسان لا يدري ما يحدث له في المستقبل، فقد يكون اليوم قادراً وغداً عاجزاً، وقد يكون اليوم صحيحاً وغداً مريضاً، وقد يكون اليوم حيّاً وغداً ميتاً، فالواجب المبادرة، أما في أي مكان فإنه يكون في الحرم في مكة ولا يجوز في غيره، وأما إذا لم يجد الدم في ترك الواجب، فقيل: إنه يصوم عشرة أيام، والصحيح أنه لا يجب عليه صوم بل إذا لم يجد ما يشتري به الفدية فلا شيء عليه؛ لأنه ليس هناك دليل على وجوب الصيام، ولا يصح قياسه على دم المتعة لظهور الفرق العظيم بينهما، فدم ترك الواجب دم جبران، ودم المتعة دم شكران.
стр. 8636
س ٧٣٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعنا عنكم يا فضيلة الشيخ أنكم قد حذرتم من إعطاء الهدي الشركات ولكن يا فضيلة الشيخ ما الحل فيما مضى، فإنا قد حججنا أكثر من مرة
ونعطيها هذه الشركات ولا يأخذون أسماءنا فما الحكم فيما مضى هل يجزىء؟ فإن كان لا يجزىء فماذا يلزمنا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إننا لم نحذر من إعطاء الهدي؛ لأن الهدي في الحقيقة ضرورة؛ لأن الإنسان بين أمرين: إما أن يعطي هذه الشركات، وإما أن يذبحه ويدعه في الأرض لا ينتفع به لا هو ولا غيره، أما إذا حصل أن الإنسان يذبح هديه ويأكل منه ويهدي ويتصدق فهذا لا شك أنه أفضل بكثير، وهذا يمكن لبعض الناس الذين لهم معارف في مكة فيوكلوهم على ذبح الهدى وإحضار بعضه وتفريق الباقي، أو هو ينزل إلى مكة ويذهب إلى المسلخ ويشتري ويذبح هناك فسيجد من يتزاحمون عنده ليأخذوا منه، لكنني الذي أرى أنه خطأ عظيم هو أن يرسل بقيمة الأضاحي إلى بلاد أخرى ليضحي بها هناك هذا هو الذي ليس له أصل، والنبي ﵊ كان يبعث بالهدي إلى مكة ليذبح في مكة، ولم ينقل عنه لا بحديث صحيح ولا ضعيف أنه أرسل أضحيته إلى أي مكان بل كان يذبحها في بيته ويأكلون ويهدون ويتصدقون.
س ٧٣٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من ذبح الهدي أو حلق رأسه خارج منطقة الحرم في عرفات مثلاً ؟
стр. 8637
فأجاب فضيلته بقوله: أما الحلق فلا بأس يحلق في عرفات أو غيرها؛ لأن الحلق ليس له مكان، وأما الهدي هدي التمتع فلابد أن يكون داخل الحرم فلو ذبح هديه في عرفات لم يصح ولم يجزئه، حتى لو دخل باللحم وأعطاه أهل منى لم يقبل منه؛ لأنه ذبحه في غير مكانه، وإذا كان هذا قد وقع فالأمر والحمد لله سهل يوكل أحد الذاهبين إلى مكة ليشتري له شاة يذبحها بنية الهدي الذي ذبحه في غير مكانه، وإن كان هو يريد أن يذهب بنفسه ليحج فليباشر ذلك بنفسه.
س ٧٣٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا نسي الحاج الفدية فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا نسي الحاج الفدية فإنه يقضيها إما بنفسه، أو يوكل من يذبحها في مكة، ولا يجوز أن يذبح خارج الحرم على ما نص عليه الأصحاب.
س ٧٣٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أراد أن يحج متمتعاً أو قارناً، نسمع أن البنك الإسلامي يستقبل المبالغ ليقوم بذبح الهدي والفدية يوم العاشر من ذي الحجة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بمن عليه هدي، هدي التمتع، أو قران، أو عليه فدية محظور، أو ترك واجب أن يوكل من يقوم به، لكن بشرط أن يكون الوكيل ثقة أميناً، فإذا كان ثقة أميناً فلا بأس إلا فلا توكِّل، على أنه لو كان ثقة، أميناً فالأفضل
стр. 8638
أن تباشر ذلك أنت بيدك، هذا هو الأفضل؛ لأن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذبح هديه بيده، وذبح أضحيته بيده، وإن كان قد أعطى علي بن أبي طالب- ﵁ أن يُتمِّم ذبح
هداياه؛ لأن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أشركه في هديه.
س ٧٣٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز نحر هدي التمتع خارج الحرم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول أهل العلم: إن الواجب نحر هدي التمتع داخل حدود الحرم لقوله تعالى: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)) ولأن النبي ﷺ نحر هديه في منى وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (١) . ولأن هذا دم يجب للنسك فوجب أن يكون في مكانه وهو الحرم، وعلى هذا فمن نحر خارج الحرم لم يجزئه الهدي وتلزمه إعادته في الحرم، ثم إن كان جاهلاً فلا إثم عليه، وإن كان عالماً فعليه الإثم.
وقد أشار صاحب الفروع (ص ٤٦٥ ج ٣ ط آل ثاني) إلى أن وجوب ذبحه في الحرم باتفاق الأئمة الأربعة، لكن قال الشيرازي في المهذب (ص ٤١١ ج ٧ ط مكتبة الإرشاد) : إذا وجب على
المحرم دم لأجل الإحرام كدم التمتع والقران، ودم الطيب وجزاء الصيد وجب عليه صرفه لمساكين الحرم لقوله تعالى: (هَدْيًا بَالِغَ
стр. 8639
الْكَعْبَةِ) فإن ذبحه في الحل وأدخله الحرم نظرت فإن تغير وأنتن لم يجزئه؛ لأن المستحق لحم كامل غير متغير فلا يجزئه المنتن المتغير، وإن لم يتغير ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأن الذبح أحد مقصودي الهدي فاختص بالحرم كالتفرقة.
والثاني: يجزئه؛ لأن المقصود هو اللحم، وقد أوصل ذلك إليهم. اهـ.
قال النووي: وهو الصحيح.
ولكن الأحوط المنع؛ للأدلة التي ذكرناها في صدر الجواب.
س ٧٣٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حدثونا عن خصائص البيت الحرام، وهل دعا الرسول ﷺ للمدينة؟ وما أجر من صلى بالمدينة من الثواب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، من خصائص البيت الحرام التي لا يشركه فيها غيره أنه يجب على كل مسلم أن يحج إليه، ولكن إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يوجد في الأرض مكاناً يجب على المسلم أن يقصده بحج أو عمرة إلا البيت الحرام، ومن خصائص هذا البيت تضعيف الصلوات فيه، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، ومن خصائصه تحريم قطع أشجاره وحش حشيشه وقتل صيده، وله
стр. 8640
خصائص كثيرة لا يسع المقام لذكرها، لكن في ذلك كتب معروفة يمكن للسائل أن يرجع إليها.
وأما المسجد النبوي فمن خصائصه أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وله نوع من التحريم لكنه دون حرم مكة.
س ٧٤٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الصيد في الحرم النبوي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه محرم، لكنه ليس كالصيد في حرم مكة، فإن حرم مكة إذا صاده الإنسان فإثمه أكبر مما لو صاد صيداً في حرم المدينة، وحرم المدينة ليس في صيده جزاء، وحرم مكة يحصل فيه جزاء، وحرم المدينة إذا أدخل الإنسان الصيد فيه من خارج الحرم فله إمساكه وذبحه، وحرم مكة فيه خلاف، فمن العلماء من يقول: إذا أدخل الإنسان صيداً إلى حرم مكة وجب عليه إطلاقه، ومنهم من يقول: لا يجب، والصحيح أنه لا يجب عليه إطلاقه، فلو أدخل الإنسان أرنباً أو
حمامة من خارج الحرم إلى الحرم فله استبقاؤها وذبحها؛ لأنها ملكه، بخلاف ما إذا صادها في الحرم، فإنه ليس له إبقاؤها وليس له ذبحها، إنما يجب عليه أن يطلقها.
س ٧٤١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي الفواسق الخمس التي تقتل في الحل والحرم؟ وهل معنى هذا أننا لو
стр. 8641
وجدناها أو بعضها ونحن محرمين في داخل حدود الحرم أنه يجوز قتلها؟ ولماذا هذه الخمس دون غيرها مع أنه قد يكون هناك من الدواب والسباع ما هو أخطر منها ومع ذلك لم تذكر أم أنه يقاس
عليها ما شابهها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الفواسق الخمس هي: الفأرة، والعقرب، والكلب العقور، والغراب، والحدأة، هذه هي الخمس التي قال فيها النبي- ﵊ "خمس كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم " (١) ، فيسن للإنسان أن يقتل هذه الفواسق الخمس وهو محرم، أو محل داخل أميال الحرم أو خارج أميال الحرم، لما فيها من الأذى والضرر في بعض الأحيان، ويقاس على هذه الخمس ما كان مثلها أو أشد منها، إلا أن الحيات التي في البيوت لا تقتل إلا بعد أن يحرج عليها ثلاثاً؛ لأن يخشى أن تكون من الجن إلا الأبتر وذو الطفيتين فإنه يقتل ولو في البيوت؟ لأن الرسول ﷺ نهى عن قتل الجنان التي في البيوت إلا الأبتر وذو الطفيتين (٢) . فإذا وجدت في بيتك حية فإنك لا تقتلها إلا أن تكون أبتر أو ذا الطفيتين، الأبتر يعني قصير الذنب، وذو الطفيتين هما خطان أسودان على ظهره فهذان النوعان يقتلان مطلقاً، وما عداهما فإنه لا يقتل ولكنه يحرج عليه ثلاث مرات بأن
стр. 8642
يقول لها: أحرج عليك أن تكوني في بيتي، أو كلمة نحوها مما يدل على أنه ينذرها ولا يسمح لها بالبقاء في بيته، فإن بقيت بعد هذا الإنذار فمعنى ذلك أنها ليست بجن، أو أنها وإن كانت جنّاً أهدرت حرمتها حينئذ يقتلها، ولكن لو اعتدت عليه في هذه الحال فإن له أن يدافعها لو بأول مرة فإن لم يندفع أذاها إلا بقتلها أو لم تندفع مهاجمتها إلا بقتلها فله أن يقتلها حينئذ، لأن ذلك من باب
الدفاع عن النفس.
ومشروعية قتل الفواسق لا تختص بهذه الخمس بل يقاس عليها ما كان مثلها أو أشد ضرراً منها، وهذا الاجتهاد لمن كان أهلاً لذلك بأن يكون عنده علم في موارد الشريعة ومصادرها، وعلم بالأوصاف والعلل التي تقتضي الإلحاق أو عدمه.
س ٧٤٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم صيد الطيور في الأشهر الحرم أو في الحرم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيد الطيور في الأشهر الحرم جائز؛ لأن الأشهر الحرم إنما يحرم فيها القتال على أن كثيراً من العلماء أو أكثر العلماء يقولون: إن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ، ولكن إذا كانت الطيور داخل حدود الحرم فإنه لا يجوز صيدها، لأن النبي ﷺ قال حين فتح مكة: "لا ينفر صيدها" (١) أي مكة، وإذا منع من التنفير فالقتل من باب أولى، وقال- عز
стр. 8643
وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) . وقال- : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) . فإذا كان الإنسان محرماً أو دخل حدود الحرم فإنه لا يحل له الصيد.
س ٧٤٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أخذ النحل أو العسل من المشاعر المقدسة أو من الجبال الواقعة بين المزدلفة وعرفات؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس في هذا أن يجني الإنسان العسل في داخل حدود الحرم، وذلك لأن النحل ليس من الصيد الذي يحرم قتله في الحرم وإذا لم تكن من الصيد فالأصل الحل.
س ٧٤٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة كانت محرمة فجاءت على يدها بعوضة فمن شدة ألمها ضربتها فماتت فهل عليها شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليها شيء، وإن لم تقرص الإنسان يستحب له أن يقتلها سواء كان محرماً أو محلاًّ؛ لأنها من الحشرات المؤذية، وقد قال العلماء: يستثنى قتل كل مؤذٍ للمحرم وغير المحرم، ولمن كان في مكة ولمن كان خارج مكة، فنقول: أعظم الله أجر هذه السائلة حيث تركتها حتى آلمتها بالقرص ولو أنها قتلتها من أول ما رأتها لكان في ذلك كف لأذاها.
стр. 8644
س ٧٤٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم قتل الحشرات في الحرم، وخاصة البعوض ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحشرات ونحوها ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أمر الشرع بقتله فهذا يقتل في الحل وفي الحرم حتى لو تجده في وسط الكعبة، قال النبي ﷺ : "خمس من الدواب يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" (١) . والوزغ أيضاً أمر النبي ﷺ بقتله، وقال: "إنه كان ينفخ النار على إبراهيم " (٢) وسبحان الله هذه الحشرة الضعيفة سلطت تنفخ النار على إبراهيم لذلك نحن نقتلها امتثالاً لأمر الله تعالى وانتصاراً لأبينا إبراهيم- عليه الصلاة
والسلام- لأنها تنفخ النار عليه.
القسم الثاني: ما نهى عن قتله فهذا لا يقتل لا في الحل ولا في الحرم، مثل: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد، فهذا لا يقتل لا في الحل ولا في الحرم إلا إذا آذى فإنه يدافع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل قتل.
القسم الثالث: ما سكت الشرع عنه وكالخنفساء وما أشبهها فهذه قال بعض العلماء: إنه يحرم قتلها، وقال بعضهم: إنه يكره، وقال بعضهم: إنه يباح، لكن تركه أولى، وهذا القول الثالث
الأخير هو الصواب والدليل أنه لم ينه عن قتلها ولم يؤمر أي
стр. 8645
بقتلها، فهي مسكوت عنها، لكن الأولى عدم القتل لأن الله ﵎ قال: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) . فدعها تسبح الله- لا تقتلها لكن لو قتلتها فلا إثم عليك.
ومكة شرفها الله- لا يجوز فيها قتل الصيد كالحمام، والبط، والأرانب والغز لان وما أشبه ذلك.
والبعوض مما أمر بقتله قياساً على الخمس؛ لأن البعوض مؤذ بلا شك، وأذيته واضحة، فأحياناً تقرصك البعوضة وينتفخ الجلد، وربما يسبب جروحاً فهي مما أمر بقتله، وإذا لم نتوصل إلى قتله إلا بالصعق كما يوجد الآن مما يعلق فلا حرج.
س ٧٤٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن نقيم على بعد أربعين كليلو عن الحرم، ويوجد بعض العمال يقدمون لنا الحمام الموجود في المنطقة للأكل، وبعض الناس يقولون: بأن
هذا الحمام تابع للحرم هل أكل هذا الحمام حلال أم حرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما دمتم تبعدون عن حدود الحرم أربعين كيلو فإنكم في الحل، وصيد مكان الحلال حلال، وعلى هذا فما يقدمه العمال لكم من هذا الحمام يكون حلالاً؛ لأنه لم يصد في الحرم، نعم لو قال لك العامل: إنه صاده في الحرم فإنه حرام عليك وعلى العامل أيضاً، وينبغي درءاً للشبهة وطرداً للشك أن تخطروا العمال بأنه لا يجوز الصيد داخل حدود الحرم حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم.
стр. 8646
س ٧٤٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أحرم من بلده، وفي الطريق إلى الميقات وجد صيداً فقتله ولم يعقد النية إلا في الميقات ولكن لبس ملابس الإحرام فما الحكم في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: مادام لم ينوِ وعليه ثياب الإحرام فلا محظور عليه لا صيد، ولا طيب، ولا أخذ من شعر، ولا جماع امرأته ولا شيء حتى ينوي، فإذا نوى ولو في بيته صار محرماً.
س ٧٤٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الذي يحرم على المحرم أن يقتله في إحرامه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يحرم على المحرم قتله هو الصيد، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) قال أهل العلم: والصيد كل حيوان بري مأكول متوحش مثل الضباع،
والأرانب، والحمام وغيرها، فهذه يحرم على المحرم أن يقتلها، وإذا قتلها كانت حراماً عليه وعلى غيره، وأما إذا صادها غيره فإن كان صادها من أجل المحرم فهي حرام على المحرم نفسه أي على
الذي صيدت من أجله وليس حراماً على غيره؛ لأن الذي صادها غير محرم، وأما إذا صيدت لغير المحرم مثل أن يصطادها رجل غير محرم فيطعم منه أناس محرمين فإن ذلك لا بأس به.
س ٧٤٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم إخراج تربة مكة منها وكذلك إخراج ماء زمزم من مكة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بإخراج تراب مكة إلى
стр. 8647
الحل، ولا بأس بإخراج ماء زمزم إلى الحل.
س ٧٥٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: تقول إحداهن: لا يجوز الاستجمار بالحصى في مكة وقد ورد النهي عن ذلك فهل هذا صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاستجمار بالأحجار ثبت عن الرسول ﷺ ، وما ذكره السائل لا صحة له.
س ٧٥١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت ولما نزلت إلى منى قمت بنصب الخيمة ثم نزعت الأشجار التي في مكان الخيمة ولم أكن أعلم أن منى من حدود الحرم فما الحكم في
ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم أنه لا شيء على الإنسان إذا فعل شيئاً من المحظورات جاهلاً، أو ناسياً، أو مكرهاً، وهذا قاعدة عامة، فكل المحظورات في الإحرام أو في الحرم إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه، ولهذا لو انفرش الجراد في طريقه والجراد صيد يحرم إذا كان داخل حدود الحرم أو إذا كنت محرماً ولو خارج حدود الحرم لكن لو انفرش في طريقك ورأيت أن الأرض مملوءة من الجراد فلا نقول توقف ولا تمشي حتى يرتحل الجراد عن الأرض، بل نقول: امشِ وإذا أصبت شيئاً لم تقصده فلا شيء عليك؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، كذلك أيضاً الأشجار في منى أو في مزدلفة إن قلعتها
стр. 8648
قصداً فهذا حرام عليك، وإن لم تقلعها ولكن فرشت عليها الفراش وتكسرت من أجل فرش الفراش وأنت ما أردت ذلك فلا حرج عليك.
س ٧٥٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل قطع الشجر في الحرم من محظورات الإحرام؟ وإذا وجد الإنسان شيئاً ساقطاً على الأرض سواء كان ثميناً أو غير ذلك هل يأخذه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: قطع الشجر لا علاقة له بالإحرام، وإنما علاقته بالحرم الذي هو خلاف الحل، وعلى هذا فمن كان داخل الحرم حرم عليه قطع أشجار الحرم قبل التحلل وبعد التحلل، ومن كان خارج الحرم حل له قطع الشجر قبل أن يحل وبعد أن يحل، فالحاج بعرفة يحل له قطع الشجر. وعلى هذا فالحاج بعرفة يحل له قطع الشجر، وإن كان في مزدلفة أو مِنى فلا يحل له قطع الشجر.
أما اللقطة فإن كان في الحرم أي داخل الأميال فإن النبي ﷺ قال: "لا تحل ساقطتها" (١) - يعني مكة- إلا لشخص يريد أن ينشدها أي أن يطلب صاحبها مدى الدهر، أما إذا كانت خارج الحرم فإن التقاطها كالتقاط أي لقطة في أي مكان إن تعهد الإنسان على نفسه وظن أن يعرفها لمدة سنة التقطها وعرفها لمدة سنة فإن جاء صاحبها وإلا فهي له، وإن لم يلزم نفسه عليها فليتركها لكن إن كان هنالك لجنة أو طائفة من قبل أولي الأمر لتلقي الضائع
стр. 8649
فيأخذها وليؤدها إلى هذه اللجنة التي عينها أولو الأمر؛ لأن أخذها وتسليمها لهؤلاء خير من أن تبقى في الأرض وتضيع أو يأخذها إنسان لا يهتم بها ويملكها.
س ٧٥٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم قلع المحرم للنبات الذي ينبت في مكة أو التعرض له بإتلاف ؟
فأجاب فضيلته بقوله: النبات والشجر لا علاقة للإحرام بهما؛ لأن تحريمهما لا يتعلق بالإحرام، وإنما يتعلق بالمكان بالحرم، فما كان داخل أميال الحرم فإنه لا يجوز قطعه ولا حشه؛ لأن النبي ﷺ قال في مكة: "إنه لا يختلى خلاها" (١) فقطع شجرها وحشيشها حرام على المحرم وغيره، وأما ما كان خارج الحرم فإنه حلال للمحرم وغير المحرم، وعلى هذا فيجوز للحاج أن يقطع
الشجر في عرفة ولا حرج عليهم في ذلك، ولا يجوز أن يقطع الحشيش أو الشجر في مزدلفة وفي منى؛ لأن مزدلفة ومنى داخل الحرم، ويجوز للحجاج أن يضعوا البساط على الأرض ولو كان فيها أعشاب إذا لم يقصدوا بذلك إتلاف الحشيش الذي تحتها؛ لأن تلفه حينئذ حصل بغير قصد، فهو كما لو مشى الإنسان في طريقه وأصاب حمامة أو شيئاً من الصيد بغير قصد منه فإنه ليس عليه فيه شيء.
стр. 8650
س ٧٥٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أخذ بعض أوراق الشجر ليوقدها للتدفئة إذا كان الجو بارداً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: اعلم أن قطع الشجر ليس من محظورات الإحرام ولا تعلق له بالإحرام، وإنما قطع الشجر متعلق بالمكان، فما كان داخل حدود الحرم فأخذه حرام للمحرم ولغير المحرم، وما كان خارج حدود الحرم فأخذه حلال للمحرم وغيره. ولهذا فالأشجار في عرفة مثلاً لا بأس بأخذها للمحرم ولغير المحرم، والتي في منى ومزدلفة حرام على المحرم وغير المحرم، إلا الأشجار التي غرسها الإنسان فهذه حلال، ولو كانت داخل حدود الحرم.
وأما قولك: إنه يأخذ الأشجار للتدفئة فالأشجار الخضراء لا تدفئة فيها ليس فيها إلا الدخان، أما اليابس فخذه ولا حرج عليك.
س ٧٥٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اشترى قطعة أرض داخل حدود الحرم وبنى عليها عمارة ولكن عند البدء في العمل قلع من الأرض شجرة فهل عليه شيء في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للإنسان أن يقطع شيئاً من شجر الحرم؛ لأن النبي ﷺ حرم ذلك (١) . ومن قطع شيئاً جاهلاً فإن أمكن رد الشجرة إلى مكانها ردها، وإن لم يمكن فليس عليه