← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

س ٧٤٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أحرم من بلده، وفي الطريق إلى الميقات وجد صيداً فقتله ولم يعقد النية إلا في الميقات ولكن لبس ملابس الإحرام فما الحكم في ذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: مادام لم ينوِ وعليه ثياب الإحرام فلا محظور عليه لا صيد، ولا طيب، ولا أخذ من شعر، ولا جماع امرأته ولا شيء حتى ينوي، فإذا نوى ولو في بيته صار محرماً. س ٧٤٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الذي يحرم على المحرم أن يقتله في إحرامه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الذي يحرم على المحرم قتله هو الصيد، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) قال أهل العلم: والصيد كل حيوان بري مأكول متوحش مثل الضباع، والأرانب، والحمام وغيرها، فهذه يحرم على المحرم أن يقتلها، وإذا قتلها كانت حراماً عليه وعلى غيره، وأما إذا صادها غيره فإن كان صادها من أجل المحرم فهي حرام على المحرم نفسه أي على الذي صيدت من أجله وليس حراماً على غيره؛ لأن الذي صادها غير محرم، وأما إذا صيدت لغير المحرم مثل أن يصطادها رجل غير محرم فيطعم منه أناس محرمين فإن ذلك لا بأس به. س ٧٤٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم إخراج تربة مكة منها وكذلك إخراج ماء زمزم من مكة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بإخراج تراب مكة إلى

стр. 8647

الحل، ولا بأس بإخراج ماء زمزم إلى الحل. س ٧٥٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: تقول إحداهن: لا يجوز الاستجمار بالحصى في مكة وقد ورد النهي عن ذلك فهل هذا صحيح ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الاستجمار بالأحجار ثبت عن الرسول ﷺ ، وما ذكره السائل لا صحة له. س ٧٥١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت ولما نزلت إلى منى قمت بنصب الخيمة ثم نزعت الأشجار التي في مكان الخيمة ولم أكن أعلم أن منى من حدود الحرم فما الحكم في ذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الحكم أنه لا شيء على الإنسان إذا فعل شيئاً من المحظورات جاهلاً، أو ناسياً، أو مكرهاً، وهذا قاعدة عامة، فكل المحظورات في الإحرام أو في الحرم إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه، ولهذا لو انفرش الجراد في طريقه والجراد صيد يحرم إذا كان داخل حدود الحرم أو إذا كنت محرماً ولو خارج حدود الحرم لكن لو انفرش في طريقك ورأيت أن الأرض مملوءة من الجراد فلا نقول توقف ولا تمشي حتى يرتحل الجراد عن الأرض، بل نقول: امشِ وإذا أصبت شيئاً لم تقصده فلا شيء عليك؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، كذلك أيضاً الأشجار في منى أو في مزدلفة إن قلعتها

стр. 8648

قصداً فهذا حرام عليك، وإن لم تقلعها ولكن فرشت عليها الفراش وتكسرت من أجل فرش الفراش وأنت ما أردت ذلك فلا حرج عليك. س ٧٥٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل قطع الشجر في الحرم من محظورات الإحرام؟ وإذا وجد الإنسان شيئاً ساقطاً على الأرض سواء كان ثميناً أو غير ذلك هل يأخذه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: قطع الشجر لا علاقة له بالإحرام، وإنما علاقته بالحرم الذي هو خلاف الحل، وعلى هذا فمن كان داخل الحرم حرم عليه قطع أشجار الحرم قبل التحلل وبعد التحلل، ومن كان خارج الحرم حل له قطع الشجر قبل أن يحل وبعد أن يحل، فالحاج بعرفة يحل له قطع الشجر. وعلى هذا فالحاج بعرفة يحل له قطع الشجر، وإن كان في مزدلفة أو مِنى فلا يحل له قطع الشجر. أما اللقطة فإن كان في الحرم أي داخل الأميال فإن النبي ﷺ قال: "لا تحل ساقطتها" (١) - يعني مكة- إلا لشخص يريد أن ينشدها أي أن يطلب صاحبها مدى الدهر، أما إذا كانت خارج الحرم فإن التقاطها كالتقاط أي لقطة في أي مكان إن تعهد الإنسان على نفسه وظن أن يعرفها لمدة سنة التقطها وعرفها لمدة سنة فإن جاء صاحبها وإلا فهي له، وإن لم يلزم نفسه عليها فليتركها لكن إن كان هنالك لجنة أو طائفة من قبل أولي الأمر لتلقي الضائع

стр. 8649

فيأخذها وليؤدها إلى هذه اللجنة التي عينها أولو الأمر؛ لأن أخذها وتسليمها لهؤلاء خير من أن تبقى في الأرض وتضيع أو يأخذها إنسان لا يهتم بها ويملكها. س ٧٥٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم قلع المحرم للنبات الذي ينبت في مكة أو التعرض له بإتلاف ؟ فأجاب فضيلته بقوله: النبات والشجر لا علاقة للإحرام بهما؛ لأن تحريمهما لا يتعلق بالإحرام، وإنما يتعلق بالمكان بالحرم، فما كان داخل أميال الحرم فإنه لا يجوز قطعه ولا حشه؛ لأن النبي ﷺ قال في مكة: "إنه لا يختلى خلاها" (١) فقطع شجرها وحشيشها حرام على المحرم وغيره، وأما ما كان خارج الحرم فإنه حلال للمحرم وغير المحرم، وعلى هذا فيجوز للحاج أن يقطع الشجر في عرفة ولا حرج عليهم في ذلك، ولا يجوز أن يقطع الحشيش أو الشجر في مزدلفة وفي منى؛ لأن مزدلفة ومنى داخل الحرم، ويجوز للحجاج أن يضعوا البساط على الأرض ولو كان فيها أعشاب إذا لم يقصدوا بذلك إتلاف الحشيش الذي تحتها؛ لأن تلفه حينئذ حصل بغير قصد، فهو كما لو مشى الإنسان في طريقه وأصاب حمامة أو شيئاً من الصيد بغير قصد منه فإنه ليس عليه فيه شيء.

стр. 8650

س ٧٥٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أخذ بعض أوراق الشجر ليوقدها للتدفئة إذا كان الجو بارداً ؟ فأجاب فضيلته بقوله: اعلم أن قطع الشجر ليس من محظورات الإحرام ولا تعلق له بالإحرام، وإنما قطع الشجر متعلق بالمكان، فما كان داخل حدود الحرم فأخذه حرام للمحرم ولغير المحرم، وما كان خارج حدود الحرم فأخذه حلال للمحرم وغيره. ولهذا فالأشجار في عرفة مثلاً لا بأس بأخذها للمحرم ولغير المحرم، والتي في منى ومزدلفة حرام على المحرم وغير المحرم، إلا الأشجار التي غرسها الإنسان فهذه حلال، ولو كانت داخل حدود الحرم. وأما قولك: إنه يأخذ الأشجار للتدفئة فالأشجار الخضراء لا تدفئة فيها ليس فيها إلا الدخان، أما اليابس فخذه ولا حرج عليك. س ٧٥٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اشترى قطعة أرض داخل حدود الحرم وبنى عليها عمارة ولكن عند البدء في العمل قلع من الأرض شجرة فهل عليه شيء في ذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للإنسان أن يقطع شيئاً من شجر الحرم؛ لأن النبي ﷺ حرم ذلك (١) . ومن قطع شيئاً جاهلاً فإن أمكن رد الشجرة إلى مكانها ردها، وإن لم يمكن فليس عليه

стр. 8651

شيء، والذي يظهر من حال السائل أنه كان يجهل كون هذا حراماً، بمعنى أنه يعرف أن قطع الشجرة محرم، لكن يظن أنها إذا كانت في مكان يريد البناء عليه فهو جائز، فعلى كل حال أرجو الله أن لا يكون على هذا الرجل شيء، لاسيما وأن الظاهر أنه تاب إلى الله وندم مما صنع. س ٧٥٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يطلق على المسجد الأقصى اسم الحرم؟ وما تعليق فضيلتكم على كلمة (المسجد الأقصى ثالث الحرمين) وهل للمدينة حرم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أما المسجد الأقصى فإنه لا يطلق عليه حرم وليس بحرم. وقولهم: ثالث الحرمين. توهم أنه منها وليس كذلك. وأما المدينة فلا شك أن لها حرماً، وحرم المدينة ما بين عير إلى ثور، ولكنه لا يساوي حرم مكة، بل حرم مكة أعظم حرمة منه، ولهذا يحرم صيده وفيه الجزاء، وأما صيد المدينة فيحرم وليس فيه الجزاء، وكذلك شجر مكة يحرم قطعه، وشجر المدينة يباح منه ما تدعو الحاجة إليه في الحرث ونحوه، وكذلك على المشهور من مذهب الإمام أحمد- ﵀ من أدخل صيداً إلى مكة من خارج الحرم وجب عليه إطلاقه، بخلاف من أدخل صيداً إلى المدينة فإنه لا يجب عليه إطلاقه، والصحيح أنه لا يجب إطلاقه في الموضعين، وأيضاً حرم مكة يشرع لمن دخله أن يحرم

стр. 8652

إما وجوباً أو استحباباً بخلاف المدينة، وأيضاً حرم مكة لا يجوز دخول المشركين فيه بخلاف حرم المدينة. س ٧٥٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل إضافة كلمة (المكرَّمة) إلى مكة أو (المنورة) إلى المدينة من البدع وهل من الأفضل أن يقال مكة المحرمة والمدينة النبوية ؟ فأجاب فضيلته بقول: لا أعلم أن مكة تعرف بمكة المكرمة في كلام السلف، وكذلك المدينة لا توصف بأنها المنورة في كلام السلف، وإنما يسمونها المدينة، لكن حدث أخيراً بأن يقال في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة ومكة سماها الله بلداً آمنا، وسماها بلداً محرماً، كما قال تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا) وكذلك مباركة. وأما المدينة فهي لا شك أنها المدينة النبوية وأنها طيبة كما سماها النبي ﷺ بطيبة. لكن الناس اتخذوا هذا عادة بأن يقولوا: المدينة المنورة، ومكة المكرمة، وليتهم يقولون: مكة فقط، لأننا لسنا أشد تعظيماً لهذين البلدين ممن سلفنا. س ٧٥٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن وصف مكة بالمكرمة والمدينة بالمنورة هل له أصل من الشرع ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا أعرف أصلاً من الشرع لوصف مكة بالمكرمة، ووصف المدينة بالمنورة، وكلتاهما في الحقيقة مكرمتان معظمتان محرمتان، وكلتاهما منورتان بالوحي مكة

стр. 8653

بابتدائه، والمدينة بانتهائه، وتلك مكان ولادة النبي ﷺ وابتداء دعوته، وهذه مكان وفاته وكمال رسالته، والله لطيف خبير. س ٧٥٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل ورد حديث صحيح في فضل الاعتمار في شهر رمضان ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم ورد حديث صحيح عن النبي ﷺ ، في فضل الاعتمار في شهر رمضان أخرجه مسلم في صحيحه حيث قال النبي، ﵊: "عمرة في رمضان تعدل حجة" (١) وفي رواية " تعدل حجة معي ". س ٧٦٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما صحة هذا الحديث "عمرة في رمضان تعدل حجة معي "؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه بلفظين، أحدهما: "عمرة في رمضان تعدل حجة"، والثاني: "عمرة في رمضان تعدل حجة معي " وهو دليل على أن العمرة في رمضان لها مزية عن غيره من الشهور، فإذا ذهب الإنسان إلى مكة في رمضان وأحرم للعمرة وأداها فإنه يحصل له هذا الثواب الذي ذكره النبي ﷺ .

стр. 8654

س ٧٦١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل وردت أحاديث تدل على أن العمرة في رمضان تعدل حجة أو أن فضلها كسائر الشهور ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم ورد في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: " عمرة في رمضان تعدل حجة" فالعمرة في رمضان تعدل حجة كما جاء به الحديث، ولكن ليس معنى ذلك أنها تجزىء عن الحجة، بحيث لو اعتمر الإنسان في رمضان وهو لم يؤد فريضة الحج سقطت عنه الفريضة، لأنه لا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون مجزئاً عنه. فهذه سورة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)) تعدل ثلث القرآن، ولكنها لا تجزىء عنه، فلو أن أحداً في صلاته كرر سورة الإخلاص ثلاث مرات لم يكفه ذلك عن قراءة الفاتحة، وهكذا قول الإنسان، "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات " يكون كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل. ومع ذلك لو قالها الإنسان وعليه عتق رقبة لم تجزىء عنها، وبه تعرف أنه لا يلزم من معادلة الشيء للشيء، أن يكون مجزئاً عنه. س ٧٦٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نأمل شرح حديث رسول الله ﷺ "عمرة في رمضان تعدل حجة " فأجاب فضيلته بقوله: معنى ذلك إن الإنسان إذا اعتمر في

стр. 8655

شهر رمضان فإن هذه العمرة تعدل حجة في الأجر لا في الإجزاء، وقولي: لا في الإجزاء، يعني أنها لاتجزىء عن الحج فلا تسقط بها الفريضة، ولا يعتبر حاجاً متنفلاً، وإنما يعتبر هذه العمرة من أجل وقوعها في هذا الشهر تعدل في الأجر حجة فقط لا في الإجزاء، ونظير ذلك أن النبي ﷺ أخبر بأن من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل، وهذا بلا شك بالأجر وليس بالإجزاء، ولهذا لو كان عليه أربع رقاب وقال هذا الذكر لم يجزئه، ولا عن رقبة واحدة، فيجب أن تعرف الفرق بين الإجزاء، وبين المعادلة في الأجر، فالمعادلة لا يلزم منها إجزاء وكذلك قال النبي ﵊: "قل والله أحد تعدل ثلث القرآن " ولو أن الإنسان قرأها ثلاث مرات في ركعة ولم يقرأ الفاتحة ما أجزأته مع أنها عدلت القرآن كله حينما قرأها ثلاث مرات. س ٧٦٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: العمرة في رمضان هل الفضل فيها محدد بأول رمضان أو وسطه أو آخره ؟ فأجاب فضيلته بقوله: العمرة في رمضان ليست محددة بأوله ولا بوسطه ولا بآخره بل هي عامة في أول الشهر ووسطه وآخره لقول النبي ﷺ : "عمرة في رمضان تعدل حجة" ولم يقيدها

стр. 8656

صلوات الله وسلامه عليه، فإذا سافر الإنسان في رمضان وأدى فيه عمرة كان كمن أدى حجة. وهنا أنبه بعض الأخوة الذين يذهبون إلى مكة لأداء العمرة، فإن منهم من يتقدم قبل رمضان بيوم أو يومين فيأتي بالعمرة قبل دخول الشهر فلا ينال الأجر الذي يحصل فيمن أتى بالعمرة في رمضان، فلو أخر سفره حتى يكون يوم إحرامه بالعمرة في رمضان لكان أحسن وأولى. كذلك يوجد بعض الناس يخرجون إلى التنعيم فيأتون بعمرة ثانية وهذا العمل لا أصل له في الشرع، بل إن النبي ﷺ أقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما ولم يخرج إلى التنعيم ليأتي بعمرة مع أنه ﷺ فتح مكة في رمضان ولم يخرج بعد انتهاء القتال إلى التنعيم ليأتي بعمرة، بل أتى بالعمرة حين رجع من غزوة الطائف ونزل الجعرانة وقسم الغنائم هناك دخل ذات ليلة إلى مكة وأتى بعمرة من الجعرانة ثم خرج من ليلته- ﵊. وفي هذا دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يخرج من مكة من أجل أن يأتي بعمرة من التنعيم أو غيره من الحل؛ لأن هذا لو كان من الخير لكان أول الناس عملا به وأولاهم به رسول الله ﷺ لأننا نعلم أن رسول الله ﷺ أحرص الناس على الخير؛ ولأن النبي ﷺ مشرع ومبلغ عن الله ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبينه النبي ﷺ لأمته إما بقوله، وإما بفعله، وإما بإقراره، وكل ذلك لم يكن والاتباع وإن قل خير من الابتداع.

стр. 8657

س ٧٦٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نشاهد كثيراً من الناس يقومون بتكرار العمرة في رمضان، هل في ذلك بأس؟ جزاكم الله خيراً . فأجاب فضيلته بقوله: نعم في ذلك بأس؛ وذلك لأنه مخالف لهدي النبي ﷺ ، وهدي أصحابه- ﵃ أجمعين-؛ فإن النبي ﷺ فتح مكة في العشرين من رمضان، وبقي في مكة آمناً مطمئناً ولم يخرج هو وأصحابه ولا أحد منهم إلى التنعيم من أجل أن يأتي بعمرة، مع أن الزمن هو رمضان وذلك في عام الفتح، ولم يعهد عن أحد من الصحابة أنه أتى بعمرة من الحل من التنعيم أبداً. إلا عائشة- ﵂ بسبب من الأسباب؛ وذلك أن عائشة- ﵂ قدمت من المدينة في حجة الوداع مع النبي ﷺ وكانت محرمة بالعمرة، فحاضت قبل أن تصل إلى مكة، فأمرها النبي ﷺ أن تحرم بالحج لتكون قارنة ففعلت. ومن المعلوم أن القارن لا يأتي بأفعال العمرة تامة، بل تندرج أفعال العمرة في أفعال الحج. فلما انتهى الناس من الحج، طلبت عائشة- ﵂ من النبي ﷺ أن تعتمر، فأمرها أن تخرج مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى الحل: التنعيم وتحرم بعمرة ففعلت. ولما كان هذا السبب ليس موجوداً في أخيها عبد الرحمن لم يحرم بعمرة بل جاء حلاً ولم يحرم. وهذا أكثر ما يعتمد عليه الذين يقولون بجواز العمرة من التنعيم لمن كان في مكة وليس فيه

стр. 8658

دليل على ذلك، لأنه خاص بحال معينة أذن بها النبي ﷺ لعائشة ﵂. أما تكرار العمرة فإن شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ نقل أنه مكروه باتفاق السلف، ولقد صدق ﵀ في كونه مكروهاً؛ لأن عملاً لم يعمله الرسول ﷺ ولا أصحابه- ﵃ وهو من العبادة؛ كيف يكون مطلوباً ولم يفعله ﵊ ولا أصحابه ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ولو كان مشروعاً لبين الرسول ﷺ أنه مشروع، إما بقوله، أو بفعله، وإما بإقراره، وكل هذا لم يكن. فلو أن هؤلاء بقوا بمكة وطافوا حول البيت لكان ذلك خيراً لهم من أن يخرجوا ويأتوا بعمرة. ولا فرق بأن يأتوا بالعمرة لأنفسهم أو لغيرهم كآبائهم وأمهاتهم. فإن أصل الاعتمار للأب والأم نقول فيه: إن الأفضل هو الدعاء لهما إن كانا ميتين، لقول الرسول ﷺ : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) . فأرشد ﷺ إلى الدعاء عن الأب والأم، ولم يرشد إلى أن نعمل لهما عمرة أو حجاً أو طاعة أخرى. وخلاصة القول: إن تكرار العمرة في رمضان أو غير رمضان ليس من عمل السلف، وإنما هو من أعمال الناس الذين

стр. 8659

لم يطلعوا على ما تقتضيه السنة عن النبي ﷺ وأصحابه. س ٧٦٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كم الوقت الذي يجب أن يفصل بين العمرة والعمرة الأخرى ؟ فأجاب فضيلته بقوله: يرى بعض العلماء أن العمرة لا تتكرر في السنة وإنما تكون عمرة في كل سنة، ويرى آخرون أنه لا بأس من تكرارها، لكن قدروا ذلك بنبات الشعر لو حلق، وقد روي ذلك عن الإمام أحمد- ﵀ أنه إذا حمم رأسه أي إذا نبت واسود فحينها يعتمر؛ لأن الواجب في العمرة الحلق أو التقصير ولا يكون ذلك بدون شعر، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في إحدى فتاويه أنه يكره الإكثار من العمرة والموالاة بينها باتفاق السلف فإذا كان بين العمرة والعمرة شهرٌ أو نحوه فهذا لا بأس به ولا يخرج عن المشروعية إن شاء الله، وأما ما يفعله بعض الناس في رمضان من كونه يكرر العمرة كل يوم فبدعة ومنكر ليس لها أصل من عمل السلف، ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتح مكة وبقي فيها تسعة عشر يوما ولم يخرج يوماً من الأيام إلى الحل ليأتي بعمرة، وكذلك في عمرة القضاء أقام ثلاثة أيام في مكة ولم يأت بعمرة كل يوم، ولم يعرف عن السلف الصالح- ﵃ أنهم كانوا يفعلون ذلك، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنكر من ذلك أن بعضهم إذا اعتمر العمرة الأولى حلق جزءاً من رأسه لها ثم تحلل، فإذا أعتمر الثانية حلق جزءاً آخر ثم تحلل، ثم يوزع

стр. 8660

رأسه على قدر العمر التي كان يأخذها، وقد شاهدت رجلاً يسعى بين الصفا والمروة وقد حلق شطر رأسه بالنصف وباقي الشطر الآخر وعليه شعرٌ كثيف، فسألته لماذا؟ فقال: إني حلقت هذا الجانب لعمرة أمس، والباقي لعمرة اليوم، وهذا يدل لا شك على الجهل لأن حلق بعض الرأس وترك بعضه من القزع المنهي عنه، ثم ليس هو نسكاً أعني حلق بعض الرأس وترك بعضه ليس نسكاً يتعبد به لله بل هو مكروه، لكن الجهل قد طبق على كثير من الناس - نسأل الله العافية- وله سببان: السبب الأول: قلة تنبيه أهل العلم للعامة في مثل هذه الأمور، وأهل العلم مسئولون عن هذا ومن المعلوم أن العامي لا يقبل قبولاً تاماً من غير علماء بلده فالواجب على علماء بلاد المسلمين أن يبينوا للعامة في أيام المناسبات في قدومهم لمكة ماذا يجب عليهم وماذا يشرع لهم وماذا ينهون عنه، حتى يعبدوا الله على بصيرة. السبب الثاني: قلة الوعي في العامة وعدم اهتمامهم بالعلم، فلا يسألوا العلماء، ولا يتساءلون فيما بينهم، وإنما يأتي الواحد منهم يفعل كما يفعله العامة الجهال، وكأنه يقول: رأيت الناس يفعلون شيئاً ففعلت، وهذا خطأ عظيم فالواجب على الإنسان إذا أراد أن يحج أو يعتمر أن يتفقه في أحكام الحج والعمرة على يد عالم يثق به حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، وإنك لتعجب أيما عجب أن الإنسان إذا أراد أن يسافر إلى مكة مثلاً فإنه لن يسافر إليها حتى يبحث عن الطريق، أين الطريق

стр. 8661

الموصل إلى مكة؟ أين الطريق الأمثل من الطرق؟ حتى يسلكه، لكن إذا أراد أن يأتي إلى مكة لحج وعمرة لا يسأل كيف يحج وكيف يعتمر مع أن سؤاله كيف يحج وكيف يعتمر، أهم لأنه سؤال عن دين وعن عبادة، فالذين يريدون الحج نقول لهم: ابحثوا عن أحكام الحج قبل أن تحجوا، كونوا صحبة مع طالب علم يبين لكم ويرشدكم، واستصحبوا كتباً تبحث في الحج والعمرة من العلماء الذين تثقون بعلمهم وأمانتهم وديانتهم، أما أن تذهبوا إلى مكة والواحد منكم فارغ من أحكام الحج فهذا تهاون وتساهل، نسأل الله أن يرزقنا علما نافعاً وعملاً صالحاً. س ٧٦٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يشرع للحاج أن يعتمر أكثر من عمرة في أيام الحج ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يشرع للحاج أن يعتمر إلا عمرة المتمتع إذا كان متمتعاً، أو عمرة القارن التي تندمج في الحج إذا كان قارناً، أما إذا كان مفرداً فلا يشرع له بعد انتهاء الحج أن يأتي بعمرة؛ لأن ذلك لم يكن معروفاً في عهد الصحابة- ﵃ وغاية ما هنالك أن عائشة أم المؤمنين- ﵂ حاضت قبل أن تصل إلى مكة وهي قادمة من المدينة فدخل عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي تبكي ثم أخبرته بما حصل لها فأمرها أن تحرم بالحج فأحرمت بالحج وبقيت على إحرامها حتى انتهى الحج، فأصبحت بذلك قارنة، فقال لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إن طوافك بالبيت وبالصفا

стр. 8662

والمروة يسعك لحجك وعمرتك " ولما انقضى الحج طلبت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تأتي بعمرة مستقلة كما أتى الناس المتمتعون بعمرة مستقلة فأذن لها وأخرجها مع أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فأحرمت عائشة ولم يحرم عبد الرحمن لأن ذلك لم يكن معروفاً عنده، فأي امرأة حصل لها مثل ما حصل لعائشة فلا حرج أن تأتي بعمرة بعد الحج، وأما ما عدا هذه الصورة فإن ذلك ليس من السنة ولا ينبغي للإنسان أن يفعل شيئاً لم يفعله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا الصحابة ﵃. س ٧٦٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن الوقت بين أداء العمرة والأخرى؟ وهل يجوز بعد أداء العمرة الأولى أن آتي بعمرة ثانية لأحد أقاربي ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا نرى أن هذا من السنة بل هو من البدعة أن الإنسان إذا أنهى العمرة التي أتى بها حين قدومه أن يذهب إلى التنعيم فيأتي بعمرة أخرى فإن هذا ليس من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، فقد مكث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما لم يخرج أحد منهم إلى التنعيم ليأتي بعمرة، وكذلك في عمرة القضاء أتى بالعمرة التي أتى بها حين قدم ولم يعد العمرة مرة ثانية من التنعيم، وعلى هذا فلا يسن للإنسان إذا أنهى عمرته التي قدم بها أن يخرج إلى التنعيم ليأتي بعمرة لا لنفسه ولا لغيره

стр. 8663

وإذا كان يحب أن ينفع غيره فليدع له؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) ولم يقل: ولد صالح يأتي له بعمرة، أو يصوم، أو يصلي، أو يقرأ، فدل ذلك على أن الدعاء أفضل من الأعمال الصالحة التي يهديها الإنسان إلى الميت، فإن كان لابد أن يفعل ويهدي إلى قريبه شيئاً من الأعمال الصالحة فليطف بالبيت وطوافه بالبيت لهذا القريب أفضل من خروجه إلى التنعيم ليأتي له بعمرة؛ لأن الطواف بالبيت مشروع كل وقت، وأما الإتيان بالعمرة فإنما هو للقادم إلى مكة، وليس للذي في مكة يخرج ثم يأتي بالعمرة إلى التنعيم. فإن قال قائل: ما الجواب عن قصة عائشة- ﵂ حيث أذن لها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تذهب وتأتي بعمرة بعد انقضاء الحج؟ قلنا: الجواب عن ذلك أن عائشة- ﵂ حين قدا مكة كانت قد أحرمت للعمرة ولكنه أتاها الحيض في أثناء الطريق ولم تتمكن من إنهاء عمرتها، فأمرها النبي ﷺ أن تحرم بالحج لتكون قارنة ففعلت فلما أنهت الحج طلبت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تأتي بعمرة مستقلة كما أتي بها زوجاته ﷺ قبل الحج فأذن لها مع ذلك كان معها أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر- ﵄ ولم يأت هو بعمرة مع أن الأمر متيسر، ولم يرشده النبي ﷺ إلى ذلك فإذا وجد حال كحال عائشة

стр. 8664

رضي الله عنها قلنا لا حرج أن تخرج المرأة من مكة إلى التنعيم لتأتي بعمرة، وفيما عدا ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يخرج من مكة ليأتي بعمرة من التنعيم لا هو ولا أصحابه فيما نعلم. س ٧٦٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تكرار العمرة في رمضان ؟ فأجاب فضيلته بقوله: تكرار العمرة في سفر واحد ليس من هدي النبي ﵊ ولا من هدي أصحابه- ﵃ فيما نعلم، فها هو النبي ﵊ فتح مكة في رمضان في العشرين من رمضان أو قريباً من ذلك وبقي ﵊ تسعة عشر يوما في مكة ولم يحفظ عنه أنه خرج إلى التنعيم ليأتي بالعمرة مع تيسر ذلك عليه وسهولته، وكذلك أيضاً في عمرة القضاء التي صالح عليها المشركين قبل فتح مكة دخل مكة وبقي فيها ثلاثة أيام ولم يأت بغير العمرة الأولى مع أننا نعلم علم اليقين أنه ليس أحد من الناس أشد حباً لطاعة الله من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونعلم علم اليقين أنه لو كان من شريعة الله أن يكرر الإنسان العمرة في سفرة واحدة في هذه المدة الوجيزة لو كان ذلك من شريعته لبينه لأمته إما بقوله، أو فعله، أو إقراره نعلم هذا، فلما لم يكن ذلك لا من قوله، ولا من فعله، ولا من إقراره علم أنه ليس من شريعته، وأنه ليس من السنة أن يكرر الإنسان العمرة في سفرة واحدة، بل تكفي العمرة

стр. 8665

الأولى التي قدم بها من بلاده، ويدل إلى هذا أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أرسل عبد الرحمن بن أبي بكر مع عائشة- ﵂ إلى التنعيم أحرمت عائشة بالعمرة ولم يحرم عبد الرحمن ولو كان معروفاً عندهم أن الإنسان يكرر العمرة لكان يحرم لئلا يحرم نفسه الأجر مع سهولة الأمر عليه ومع ذلك لم يحرم، والعجب أن الذين يفعلون ذلك أي يكررون العمرة في سفر واحد يحتجون بحديث عائشة- ﵂ والحقيقة أن حديث عائشة حجة عليهم وليس لهم، لأن عائشة- ﵂ إنما فعلت ذلك حيث فاتتها العمرة فهي- ﵂ أحرمت من الحديبية أول ما قدم النبي ﵊ مكة بعمرة، وفي أثناء الطريق حاضت بسرف فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي وأخبرته أنه أصابها ما يصيب النساء من الحيض، فأمرها صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تدخل الحج على العمرة، فأحرمت بالحج ولم تطف ولم تسع حين قدومهم على مكة وإنما طافت وسعت بعد ذلك، فصار نساء الرسول ﵊ أخذن عمرة مستقلة وحجاً مستقلاً، فلما فرغت من الحج طلبت من النبي ﷺ أن تأتي بعمرة، وقالت: (يذهب الناس بعمرة وحج وأذهب بحج) فأذن لها النبي ﵊ أن تأتي بعمرة فذهبت وأحرمت بعمرة ومعها أخوها عبد الرحمن ولم يحرم معها ولو كان هذا من السنة المطلقة لعامة الناس لأرشد النبي ﷺ عبد الرحمن أن يحرم مع أخته، أو لأحرم عبد الرحمن مع أخته حتى يكون في ذلك إقرار الرسول صلى الله

стр. 8666

عليه وعلى آله وسلم على هذه العمرة التي فعلها عبد الرحمن، وكل ذلك لم يكن، ونحن نقول: إذا حصل لامرأة مثل ما حصل لعائشة- ﵂ يعني أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج ولكن جاءها الحيض قبل أن تصل إلى مكة وأدخلت الحج على العمرة ولم يكن لها عمرة مستقلة ولم تطب نفسها أن ترجع إلى أهلها إلا بعمرة مستقلة فإن لها أن تفعل ذلك كما فعلت عائشة ﵂ فتكون القضية قضية معينة وليست عامة لكل أحد، وحينئذ نقول لهذا السائل: لا تكرر العمرة في سفر واحد وائت بالعمرة الأولى التي قدمت بها إلى مكة وكفى، وخير الهدي هدي النبي ﷺ هذا هو الحق في هذه المسألة. وبهذه المناسبة أرى كثيراً من الناس يحرصون على العمرة في ليلة سبع وعشرين من رمضان ويقدمون من بلادهم لهذا، وهذا أيضاً من البدع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يحض يوما من الأيام على فعل العمرة في ليلة سبع وعشرين في رمضان، ولا كان الصحابة- ﵃ يترصدون ذلك فيما نعلم، وليلة القدر إنما تخص بالقيام الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له اتقدم من ذنبه " (١) والقيام في ليلة السابع والعشرين من رمضان أفضل من العمرة خلافاً لمن يخرج من مكة إلى العمرة في هذه الليلة، أو يقدم فيها من بلده قاصداً هذه الليلة، أما لو كان ذلك

стр. 8667

على وجه المصادفة بأن يكون الإنسان سافر من بلده في وقت صادف أن وصل إلى مكة ليلة سبع وعشرين فهذا لا نقول له شيئاً، لا نقول له: لا تؤدِ العمرة، وفرق بين أن نقول يستحب أن يأتي بالعمرة ليلة سبع وعشرين، وبين أن نقول لا تأتي بالعمرة في ليلة سبع وعشرين، نحن لا نقول: لا تأت بالعمرة ليلة سبع وعشرين لكن لا تتقصد أن تكون ليلة سبع وعشرين لأنك إذا قصدت أن تكون ليلة سبع وعشرين فقد شرعت في هذه الليلة ما لم يشرعه الله ورسوله، والمشروع في ليلة سبع وعشرين إنما هو القيام كما أسلفنا، لذلك أرجو من إخواني طلبة العلم أن ينبهوا العامة على هذه المسألة حتى نكون داعين إلى الله على بصيرة، داعين إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، وحتى يتبصر العامة؛ لأن العامة يحمل بعضهم بعضاً ويقتدى بعضهم ببعض، فإذا وفق طلبة العلم في البلاد وكل إنسان في بلده إلى أن ينبهوا الناس على مثل هذه المسائل التي اتخذها العامة سنة وليس بسنة حصل بهذا خير كثير، والعلماء هم قادة الأمة وهم سرج الأمة كما كان نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم سراجاً منيراً فإنه يجب أن يرثوه ﷺ في هذا الوصف الجليل، وأن يكونوا سرجاً منيرة لمن حولهم، ونسأل الله تعالى أن يبصرنا جميعاً في ديننا. س ٧٦٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تكرار العمرة في رمضان؟ وهل هناك مدة معينة بين العمرتين ؟ فأجاب فضيلته بقوله: تكرار العمرة في شهر رمضان من

стр. 8668

البدع، لأن تكرارها في شهر واحد خلاف ما كان عليه السف، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ ذكر في الفتاوى أنه يكره تكرار العمرة والإكثار منها باتفاق السلف. ولا سيما من يكررها في رمضان هذا لو كان من الأمور المحبوبة لكان السلف أحرص منا على ذلك ولكرروا العمرة؛ وهذا النبي ﵊ أتقى الناس لله وأشد الناس حبّا للخير بقي في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة، ولم يأت بعمرة، وهذه عائشة- ﵂ حين ألحت على النبي ﷺ أن تعتمر أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بها من الحرم إلى الحل لتأتي بعمرة ولم يرشد النبي ﷺ عبد الرحمن أن يأتي بعمرة ولو كان هذا مشروعاً لأرشده النبي ﷺ ، ولو كان هذا معلوم المشروعية عند الصحابة لفعله عبد الرحمن بن أبي بكر لأنه خرج إلى الحل. أما المدة المعينة لما بين العمرتين فقد قال الإمام أحمد ﵀ (ينتظر حتى يحمم رأسه) بمعنى يسود كالحممة، والحممة هي العيدان المحترقة. س ٧٧٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الخروج من الحرم إلى الحل للإتيان بعمرة في رمضان وغيره ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀، أنه يكره تكرار العمرة، والإكثار منها باتفاق السلف. وسواء سلم هذا القول أو لم يسلم، فإن خروج المعتمر الذي أتى بالعمرة من بلده، خروجه من الحرم إلى الحل ليأتي بعمرة ثانية

стр. 8669

وثالثة في رمضان أو غيره، هو من الأمور المبتدعة التي لم تكن معروفة في عهد النبي ﷺ ولم يرد من هذا النوع سوى قضية واحدة في مسألة خاصة وهي قضية أم المؤمنين عائشة- ﵂ حينما أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج، فحاضت فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي وسألها عن سبب البكاء، فأخبرته، فطمأنها بأن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، ثم أمرها أن تحرم بالحج فأحرمت به وصارت قارنة، ولكنها لما فرغت منه ألحت- رضي الله عنها- على النبي ﷺ أن تأتي بعمرة منفردة عن الحج، فأذن لها رسول الله ﷺ وأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر- ﵄ أن يخرج بها إلى التنعيم فخرج بها واعتمرت، ولو كان هذا من الأمور المشروعة على سبيل الإطلاق لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرشد إليه أصحابه بل لكان يحث عبد الرحمن بن أبي بكر الذي خرج مع أخته أن يأتي بعمرة، لأن فيها أجراً، ومن المعلوم للجميع أن رسول الله ﷺ أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما ولم يأت بعمرة مع تيسر ذلك ﵊، فدل هذا على أن المعتمر إذا أتى بعمرة في رمضان أو في غيره فإنه لا يكررها بالخروج من الحرم إلى الحل، لأن هذا ليس من هدي النبي ﷺ ، ولا من هدي خلفائه الراشدين ولا من هدي أصحابه أجمعين.. أيضاً كثير من الناس يقول: أنا أتيت للعمرة في هذا الشهر وأحب أن أعتمر لأمي، أو لوالدي، أو ما أشبه ذلك. فنقول: أصل إهداء القرب إلى الأموات ليس من الأمور المشروعة، يعني لا يطلب من المرء أن يعمل طاعة لأمه، أو

стр. 8670

لأبيه، أو لأخته، ولكن لو فعل ذلك فإنه جائز، لأن النبي ﷺ أذن لسعد بن عبادة- ﵁ أن يتصدق في نخله لأمه (١) . واستأذنه رجل فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت. أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم " (٢) ، ومع ذلك لم يقل لأصحابه على سبيل العموم: تصدقوا عن موتاكم، أو عن آبائكم، أو أمهاتكم، ويجب أن يعرف طالب العلم وغيره الفرق بين الأمر المشروع وبين الأمر الجائز، فالأمر المشروع هو الذي يطلب من كل مسلم أن يفعله، والأمر الجائز هو الذي تبيحه الشريعة، ولكنها لا تطلبه من كل إنسان، وأضرب مثلاً يتبين به الأمر: في قصة الرجل الذي بعثه النبي ﷺ في سرية، فكان يقرأ لأصحابه، ويختم بقل هو الله أحد، كلما صلى بهم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه، فقال سلوه لأي شيء كان يصنع ذلك، فقال الرجل: إنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها، فقال النبي ﵊: "اخبروه أن الله يحبه " ومع ذلك فلم يكن من هدي رسول الله ﷺ أن يختم قراءة الصلاة بقل هو الله أحد ولا أرشد أمته لذلك. ففرق بين الأمر المأذون فيه، وبين الأمر المشروع الذي يطلب من كل إنسان أن يفعله، فإذا أذن النبي ﵊ لسعد بن عبادة- ﵁ أن يتصدق ببستانه عن أمه، وأذن

стр. 8671

لهذا السائل الذي افتلتت نفس أمه أن يتصدق عنها، فليس معنى ذلك أنه يشرع لكل إنسان أن يتصدق عن أبيه وأمه، ولكن لو تصدق لنفعه، إنما الذي نحن مأمورون به أن ندعو لآبائنا وأمهاتنا لقول النبي ﷺ : " إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) . س ٧٧١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل ورد حديث صحيح في فضل صيام رمضان في مكة؟ وهل وردت أحاديث صحيحة في فضل الإكثار من الطواف ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أما الأول فليس فيه حديث صحيح عن النبي ﷺ في فضل الصيام في مكة، ولكن ورد فيه حديث ضعيف في تفضيل الصيام في مكة كالصلاة. أما كثرة الطواف فيؤخذ من كون الطواف من الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة كلَّما أكثر الإنسان منها فهي خير، قال الله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (٢) . ولكن إذا كان في وقت المواسم: موسم الحج، أو موسم العمرة فإنه لا ينبغي للإنسان أن يكثر من الطواف، اقتداء برسول الله ﷺ فإنه حين حج لم يطف إلا طواف النسك، طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، وذلك من أجل إفساح المجال للطائفين.

стр. 8672

س ٧٧٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل إنفاق نفقة عمرة التطوع في الجهاد ونشر العلم وقضاء حوائج الضعفاء أفضل من الاعتمار أو الاعتمار أفضل؟ وهل يشمل ذلك عمرة رمضان؟ وجزاكم الله خيراً . فأجاب فضيلته بقوله: يمكن الجمع بينهما فيما يظهر إذا اقتصد في نفقات العمرة ولا سيما العمرة في رمضان، فإن لم يمكن الجمع فما كان نفعه متعدياً فهو أفضل، وعلى هذا يكون الجهاد ونشر العلم وقضاء حوائج المحتاجين أولى. س ٧٧٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من اعتمر في رمضان وأقام في مكة بعض أيام رمضان فهل الأفضل في حقه تكرار العمرة أم البقاء وتكرار الطواف، وكذلك في أيام الحج ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل ألا يكرر العمرة، بل إن تكرارها ليس معروفاً في عهد النبي ﷺ ولا عهد أصحابه، والعمرة إنما تكون عن سفر، ولا يكرر الطواف أيضاً لئلا يضيّق على الناس الذين يريدون أن يطوفوا بالبيت طواف نسك، بل يشتغل بالصلاة وقراءة القرآن والذكر وغير ذلك مما يقرُّب إلى الله . س ٧٧٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز تخصيص ليلة سبع وعشرين من رمضان بعمرة أفتونا مأجورين ؟ فأجاب فضيلته بقوله: قال النبي ﷺ : "عمرة في رمضان

стр. 8673

تعدل حجة" (١) وهذا يشمل أول رمضان وآخر رمضان، أما تخصيص ليلة سبع وعشرين من رمضان بعمرة فهذا من البدع لأن من شرط المتابعة أن تكون العبادة موافقة للشريعة في أمور ستة:- ١- السبب. ٢- الجنس. ٣- القدر. ٤- الكيفية. ٥- الزمان. ٦- المكان. وهؤلاء الذين يجعلون ليلة سبع وعشرين وقتاً للعمرة خالفوا المتابعة بالسبب؛ لأن هؤلاء يجعلون ليلة سبع وعشرين سبباً لمشروعية العمرة، وهذا خطأ فالنبي ﷺ لم يحث أمته على الاعتمار في هذه الليلة والصحابة- ﵃ وهم أحرص على الخير منا لم يحثوا على الاعتمار في هذه الليلة، ولم يحرصوا على أن تكون عمرتهم في هذه الليلة، والمشروع في ليلة القدر هو القيام لقول النبي ﷺ : " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (٢) . فإن قال قائل: إذا كان الرجل قادماً من بلده في هذه الليلة وهو لم يقصد تخصيص هذه الليلة بالعمرة وإنما صادف أنه قدم من البلد في هذه الليلة واعتمر هل يدخل فيما قلنا أم لا؟ فالجواب: أنه لا يدخل؛ لأن هذا الرجل لم يقصد تخصيص هذه الليلة بعمرة.

стр. 8674

س ٧٧٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أريد أن أذهب إلى مكة لأداء عمرة لي هل يجوز لي بعد أن أتحلل من العمرة أن أحرم بعمرة أخرى لوالدي المتوفى أهبها له؟ ثم هل يجوز أن أتحلل من عمرة والدي وأحرم بعمرة أخرى لوالدتي؟ أفتونا مأجورين يعنى ثلاث عمرات في وقت واحد عمرة لي، وعمرة لوالدي، وعمرة لوالدتي ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا من البدع أن يأتي الإنسان بأكثر من عمرة في سفر واحد؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عن أصحابه ﵃ أنهم كانوا يترددون إلى التنعيم ليحرموا مرة ثانية وثالثة ورابعة، وهاهو النبي ﷺ حين دخل مكة في عمرة القضاء مكث ثلاثة أيام ولم يعد العمرة مرة أخرى، وفي فتح مكة بقي تسعة عشر يوما ولم يأت بعمرة، وأما حديث عائشة- ﵂ فقضية خاصة، لأن عائشة- ﵂ أحرمت مع نساء النبي ﷺ في حجة الوداع أحرمت بعمرة وفي أثناء الطريق حاضت فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال لها: "ما يبكيك؟ " فأخبرته أنها حاضت فقال لها: "إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم " قال ذلك يسليها، وأن هذا ليس خاصاً بها فكل النساء تحيض، ثم أمرها أن تحرم بالحج ففعلت ولم تأت بأفعال العمرة لأنها لم تطهر إلا في يوم عرفة وانتهى الحج فقالت: يا رسول الله يرجع الناس بعمرة وحج وأرجع بحج قال لها: "طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك " فصار طوافها وسعيها

стр. 8675

أدى عن نسكين ولكن رآها مصرة على أن تأتي بعمرة فأذن لها ﷺ أن تأتي بعمرة وأمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم وتأتي بعمرة، ولم يأمر أخاها أن يعتمر، ولا اعتمر أخوها أيضاً؛ لأن ذلك ليس بمشروع فدخل أخوها محلا، ودخلت هي محرمة بعمرة فطافت وسعت وقصرت ومشت إلى المدينة، فهذا قضية معينة في أوصاف معينة فكيف يفتح الباب؟! ويقال: من شاء تردد إلى التنعيم وأتى بعمرة فنقول: لا عمرتان في سفر واحد. س ٧٧٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تكرار العمرة عدة مرات إذا حج الإنسان إلى مكة المكرمة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: تكرار العمرة عدة مرات إذا حج الإنسان إلى مكة من الأمور غير المشروعة، قال شيخ الإسلام ﵀ إن ذلك غير مشروع باتفاق المسلمين، وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يكرر العمرة أثناء وجوده في مكة أيام الحج، بل إن السنة ألا يكرر حتى الطواف بالبيت، وإنما يطوف طواف النسك فقط، وهو طواف أول ما يقدم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع كما فعل ذلك رسول الله ﷺ ، ولا ريب أن خير ما يتمسك به المرء في عبادته ووصوله إلى رضوان الله ما جاء به محمد ﷺ .

стр. 8676

س ٧٧٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل العمرة يوم الوقفة في عرفات مكروهة ؟ فأجاب فضيلته بقول: إذا كان الإنسان لم يحج وأتى بعمرة يوم عرفة أو يوم العيد فإن هذا لا بأس به، فإن العمرة جائزة في كل وقت ليس لها وقت محدد كالحج، ففى أي وقت جاء بها الإنسان فيها عمرة صحيحة ونسأل الله لنا وله القبول. س ٧٧٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيهما أفضل اعتكاف الإنسان في بلده أما العمرة في رمضان ؟ فأجاب فضيلته بقول: يمكن للإنسان أن يأتي بهما جميعاً بمعنى أنه يذهب إلى مكة يوم وليلة قبل دخول العشر الأواخر؛ لأن الاعتكاف إنما يكون في العشر الأواخر فقط، ويرجع ويعتكف في بلده. س ٧٧٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تكرار العمرة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ظاهر قوله ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما" استحباب الإكثار من العمرة لأن كفارة الذنوب مطلوبة كل وقت، لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ أن الموالاة بينها عن قرب مثل أن يعتمر كل يوم، أو كل يومين، أو في الشهر خمس عمر، أو ست عمر، أو يعتمر من يرى العمرة من

стр. 8677

مكة كل يوم عمرة أو عمرتين، ذكر أن هذا مكروه باتفاق سلف الأمة ولم يفعله أحد منهم، وذكر عن أنس بن مالك- ﵁ أنه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر. وقال عكرمة: يعتمر إذا أمكن الموسى من رأسه. وهو قريب من فعل أنس، لأن تحميم الرأس اسوداده. وقال الإمام أحمد- ﵀ إذا اعتمر فلابد من أن يحلق أو يقصر وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس. وذكر شيخ الإسلام- ﵀ أن المراد بالعمرة التي ورد الحديث بها هي عمرة القادم إلى مكة لا الخارج منها إلى الحل، ونقل عن أبي طالب أنه قيل لأحمد: ما تقول في عمرة المحرم، والمراد بها العمرة التي يخرج فيها المقيم بمكة إلى الحل- قال أحمد: أي شيء فيها العمرة عندي التي تعمد لها من منزلك، قال الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) وذكر حديث علي وعمر: إنما إتمامهما أن تحرم بها من دويرة أهلك. قلت: وذكر ابن كثير قول ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس، ثم ذكر شيخ الإسلام حديث العمرة في رمضان وألفاظه، وقال: إنها تبين أنه ﷺ اراد بذلك العمرة التي كان المخاطبون يعرفونها، وهي قدوم الرجل إلى مكة معتمراً، فأما أن يخرج المكي فيعتمر من الحل فهذا أمر لم يكونوا يعرفون، ولا يفعلون، ولا يأمرون به، قال: ونظير هذا قوله ﷺ "تابعوا بين الحج والعمرة" الحديث رواه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح، فإنه لم يرد به العمرة من مكة، ولو أراده لكان الصحابة يقبلون أمره ولا يظن بهم أنهم تركوا سنته وما رغبهم فيه وقال

стр. 8678

صاحب المغني: فأما الإكثار من الاعتمار بالموالاة بينهما فلا يستحب في ظاهر قول السلف الذي حكيناه. قال: وقال بعض أصحابنا: يستحب الإكثار من الاعتمار. وأقوال السلف وأحوالهم تدل على ما قلناه؛ ولأن النبي ﷺ وأصحابه لم ينقل عنهم الموالاة بينها، وإنما نقل عنهم إنكار ذلك والحق في اتباعهم. س ٧٨٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعنا بأن للمرأة حجة واحدة وعمرة واحدة فهل هذا صحيح وإذا رغبت في تكرار العمرة فهل لها ذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم المرأة كالرجل في الحج والعمرة، ولهذا سألت أم المؤمنين عائشة- ﵂ رسول الله ﷺ هل على النساء جهاد قال: "نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" (١) لكن لا ينبغي للمرأة أن ترهق زوجها، أو وليها بتكرار العمرة أو الحج؛ لأن هناك أبواباً كثيرة للخير قد تكون أكثر من العمرة أو الحج فإطعام الجائع، وكسوة العاري، وإزالة المؤذي عن المسلمين قد تكون أفضل من الحج والعمرة وأعني بذلك الحج والعمرة إذا كان تطوعاً، أما الفريضة فلا بد منها.

стр. 8679

س ٧٨١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي المدة المحددة بعد أخذ العمرة لأخذ عمرة أخرى ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ذكر الإمام أحمد- ﵀ حداً مقارباً قال: إذا حمم رأسه. يعنى إذا أسود رأسه بعد حلقه فإنه يأخذ العمرة؛ لأن العمرة لا بد فيها من تقصير أو حلق، ولا يتم ذلك إلا بعد نبات الشعر، وأما ما يفعله بعض الناس الآن في رمضان أو في أيام الحج من تكرار العمرة كل يوم فهذا بدعة، وهم إلى الوزر أقرب منهم إلى الأجر، فلذلك يجب على طلبة العلم أن يبينوا لهؤلاء أن ذلك أمر محدث، وأنه بدعي وليسوا أحرص من الرسول ﷺ ولا من الصحابة- ﵃ ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقي في مكة تسعة عشر يوما في غزوة الفتح ولم يحدث نفسه ويخرج ويعتمر وكذلك في عمرة القضاء أدى العمرة وبقي ثلاثة أيام ولم يعتمر وكذلك الصحابة- ﵃ لو يكونوا يكررون العمرة. س ٧٨٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم أنه لا يعتمر الإنسان في سفره أكثر من عمرة فهل يجوز لمن اعتمر ثم خرج لبلده لحاجة أن يعود بعمرة أخرى: كما فعل النبي ﷺ حين رجوعه من الطائف وهو لم ينشىء سفراً من بلده ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا اعتمر الإنسان ثم خرج من مكة لحاجة ثم عاد إلى مكة فلا بأس أن يأتي بعمرة، لكن كلامنا في هؤلاء القوم الذين يأتون بعمرة في مكة ويبقون في مكة ثم يخرج

стр. 8680

إلى التنعيم ويأتي بعمرة هذا لم يفعله النبي ﵊ ولم يفعله الصحابة- ﵃ غاية ما هنالك ما حصل لعائشة ﵂. في حجة الوداع وقد سبق ذكر ذلك. والله الموفق. س ٧٨٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يأتي من مكان بعيد للعمرة ثم يعتمر ويحل ثم يحرمون يذهب إلى التنعيم ثم يؤدي العمرة يعني في سفرة عدة عمرات فما حكم ذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا من البدع في دين الله؛ لأنه ليس أحرص من الرسول ﷺ ولا من الصحابة- ﵃ والرسول ﷺ دخل مكة فاتحاً في آخر رمضان وبقي تسعة عشر يوما في مكة ولم يخرج إلى التنعيم ليحرم بعمرة وكذلك الصحابة ﵃ فتكرار العمرة في سفر واحد من البدع، ويقال للإنسان: إذا كنت تحب أن تثاب فطف بالبيت خير لك من أن تخرج إلى التنعيم، ثم نقول: أيضاً طف بالبيت إذا لم يكن موسم حج، فإن كان موسم حج فيكفيك طواف النسك ودع المطاف للمحتاجين إليه، ولهذا الرسول ﷺ في عمره كلها لا يكرر الطواف، ولا يخرج إلى التنعيم ليأتي بعمرة، ونجده في حجة الوداع لم يطف إلا طواف النسك فقط: طواف القدوم: وطواف الإفاضة وطواف الوداع، ومن المعلوم أننا لسنا أشد حرصاً على طاعة الله من رسول الله ﷺ وأصحابه، فنقول: لهذا خفف على نفسك تكفيك العمرة الأولى، وإذا أردت أن تخرج من مكة فطف طواف الوداع والحمد لله.

стр. 8681

س ٧٨٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم أن الصحابة- ﵃ لم يعتمروا في رمضان إلا مرة واحدة فما الطريقة الصحيحة لمن أراد أن يأخذ عمرة لأحد والديه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الطريق الصحيح أن يأتي من بلده لوالد أو لأمه من الأصل، لكن مع ذلك الأفضل أن يعتمر الإنسان لنفسه وأن يدعو لوالده في الطواف وفي السعي وفي الصلاة كل ما دعا لنفسه؛ لأن هذا هو الذي اختاره النبي ﷺ ووالله إن اختيار الرسول ﷺ خير لنا من اختيارنا. حدث النبي علي الصلاة والسلام "أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " بالله ربك هل قال: أو ولد صالح يصوم عنه؟ أو يتصدق عنه؟ أو يحج عنه؟ عدل عن العمل كله وقال: "أو ولد صالح يدعو له " ولهذا لو سألنا أيهما أفضل عنه أتصدق لأبي أتصدق بألف ريال أو أدعو دعوة تستجاب إن شاء الله؟ فالثاني أفضل، وأنت بنفسك محتاج للعمل، والله ليأتين عليك يوم تتمنى أن في صحيفتك تسبيحة، أو تحميدة، أو تكبيرة، أو تهليلة، فاجعل العمل لك وأسترشد بإرشاد الرسول ﵊ واجعل الدعاء لأمك ولأبيك ونحن لا نتكلم بهذا عن فراغ إنما عن أدلة، وإذا كان كذلك فالواجب علي طلبة العلم أن يبينوا للناس، والعامة إذا أرشدوا استرشدوا، ولكن الغفلة وتتابع الناس على هذه الأمور جعلت كأن هذا هو أفضل شيء.

стр. 8682

س ٧٨٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا هم الإنسان بالسيئة وخاصة في مكة فما الحكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا هم ولم يعملها فإن تركها لله أثيب على ذلك، وإن تركها لأن نفسه طابت منها فإنه لا يثاب على الترك تكتب عليه. وفي مكة (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) . س ٧٨٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقوم بالذهاب إلى مكة بغرض العمرة في كل سنة وتقوم بأخذ أولادها وأعمارهم من الرابعة عشرة والثالثة عشرة فما رأيكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا يرجع إلى حال الأم وحال الأولاد إن كان الأولاد يخشى عليهم من السفه هناك والتجول في الأسواق يميناً وشمالاً فالأفضل أن تبقى في بلدها، وإن كان الأولاد لا يخشى عليهم، وهي ترى أن هناك أخشع لها وأحضر لقلبها فتفعل، فالأمر واسع، نعم لو كان في البيت زوج لها ولم يسافر معها ويرغب أن تبقي معه حرم عليها أن تذهب إلى العمرة لقول النبي ﷺ : " لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه " فإذا كان هذا في الصوم وهي عند زوجها لا تصوم إلا بإذنه، فكيف أن تسافر؟ وعلى هذا يجب على المرأة إذا كان زوجها لم يسافر أن تبقى معه إلا إذا أذن لها، فإذا أذن لها مرغما فإذنه غير معتبر ويجب أن تبقى، فإذا علمت أنه لم يقل هذا إلا عن إكراه أوخوف فلا تسافر.

стр. 8683

س ٧٨٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نرى كثيراً من الناس يقضون أيام شهر رمضان المبارك في مكة طلباً للثواب، مضاعفة الأجر مستصحبين عوائلهم معهم ولا شك أن هذا من حرصهم على طاعة ربهم ولكن يلاحظ على بعضهم إهماله أو غفلته عن أبنائه أو بناته هناك مما يتسبب في أمور لا تحمد مما تعلمونها فهل من توجيه إلى هؤلاء ليكمل أجرهم ويسلم عملهم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: والشكايات في هذا كثيرة والناس في هذا أقسام: القسم الأول: فبعض الناس يصطحب عائلته للعمرة، لكنه يعتمر ويبقى في مكة يوم أو يومين ثم يرجع إلى بلده وينشط أهل مسجده، وربما يكون خشوعه في بلده أكثر من خشوعه في المسجد الحرام لكثرة الناس، وكثرة الضوضاء والأصوات، وما أشبه ذلك فهذا لا شك أنه على خير وحصل الأجر كاملاً، لأنه أدى عمرة في رمضان وقد قال ﵊: "عمرة في رمضان تعدل حجة" وفي رواية: "حجة معي ". القسم الثاني: رجل ذهب بأهله وأدى العمرة وأبقاهم هناك ورجع إلى بلده وهذا غلط عظيم وإهمال وليس له من الأجر- والله أعلم- أكثر من الوزر، إذا فعل أهله ما يوزرون به لأنه هو السبب. القسم الثالث: رجل ذهب بأهله وبقي طيلة شهر رمضان، ولكن كما قال السائل: لا يبالي بأولاده ولا ببناته ولا بزوجاته، يتسكعون في الأسواق وتحصل منهم الفتنة ولا يهتم بشيء من

стр. 8684

ذلك وتجده عاكفاً في المسجد الحرام، سبحان الله تفعل شيئاً مستحباً وتدع شيئاً واجباً فهذا آثم بلا شك وإثمه أكثر من أجره؛ لأنه ضيع واجباً والواجب إذا ضيعه الإنسان يأثم به، والمستحب إذا تركه لم يأثم به. فنصيحتي إلى هؤلاء أن يتقوا الله فإما أن يرجعوا بأهلهم جميعاً وإما أن يحافظوا عليهم محافظة تامة، والله المستعان. س ٧٨٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأي فضيلتكم في العمرة في شهر ذي القعدة؟ وهل نقول بأنها سنة مؤكدة لورودها عن الرسول ﷺ -؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن الرسول ﷺ اعتمر في ذي القعدة. ثلاث عمر منفردة: في عمرة الحديبية التي صُدَّ عنها، وفي عمرة القضاء في السنة التي تليها. وفي عمرة الجعرانة في السنة التي تليها أيضاً، وفي عمرة حجه حيث كان قارناً في السنة العاشرة. والعمرة في أشهر الحج في عهد الرسول ﷺ كانت مؤكدة لأنه كان عند العرب عقيدة فاسدة في الجاهلية أنه لا اعتمار في أشهر الحج. وأن أشهر الحج للحج، حتى إن الرسول ﷺ لما أمر أصحابه- ﵃ الذين لم يسوقوا الهدي أن يجعلوها عمرة، استغربوا ذلك وقالوا: يا رسول الله، كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟ وقد استحب بعض العلماء أن يعتمر الإنسان في أشهر الحج اقتداء برسول الله ﷺ ، حتى إن بعض العلماء تردد هل العمرة في أشهر الحج أفضل أم العمرة في رمضان.

стр. 8685

س ٧٨٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تخصيص شهر رجب بالعمرة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: شهر رجب أحد الأشهر الأربعة الحرم وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، هذه أربعة أشهر حرم ورجب منها بلا شك، والله حرم القتال فيها، أما الثلاثة: ذو القعدة، ذو الحجة، ومحرم، فلأنها أشهر الحج: القعدة للقادمين إلى مكة، والحجة للذين في مكة، ومحرم للراجعين من مكة، فجعل الله هذه الأشهر الحرم يحرم فيها القتال حتى يأمن الناس الذين يأتون إلى الحج، وشهر رجب كان في الجاهلية يعظمونه ويعتمرون فيه فجعله الله محرم. واختلف السلف- ﵏ هل العمرة فيه سنة أو لا؟ فقال بعضهم: سنة وقال الآخرون: ليست سنة لأنها لو كانت سنة لبينها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إما بقوله، وإما بفعله. والعمرة في أشهر الحج أفضل من العمرة في رجب؟ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعتمر في أشهر الحج، ولما ذكر ابن عمر- ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعتمر في رجب، وهمته عائشة وقالت: (لقد وهم أبو عبد الرحمن) قالت له: وهو يسمع. فسكت. فعلى كل حال لا أرى دليلاً واضحاً على استحباب العمرة في رجب. كذلك أيضاً يوجد في رجب أن بعض الناس يخصه بالصوم يقول: إنه يسن الصيام فيه. وهذا غلط فإفراده بالصوم مكروه، أما
следующие страницы →