← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

أثناء الطواف كان الواجب عليه إذا كان الطواف طواف عمرة، أو حج أن ينصرف، وأن يتوضأ ويعيد الطواف من جديد؛ لأن طوافه بطل لما انتقض وضوؤه بناء على قول جمهور أهل العلم في أن الطواف تشترط له الطهارة، وإذا استمر في طوافه بعد الحدث والطواف طواف عمرة ثم سعى وحلق وحل، فإنه يلزمه أن يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام ويطوف من جديد ويسعى ويحلق أو يقصر. فإن قدر أن الرجل قد ذهب إلى بلده فإننا نقول: لا يلزمه شيء؛ لأن القول بعدم اشتراط الطهارة بالوضوء للطائف قول له وجه، وهو قول قوي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ وقال: إن الإنسان إذا طاف على غير وضوء فطوافه صحيح. وعند التأمل في دليل هذا القول يتبين أنه قول قوي، ولكن متى أمكن أن يطوف الإنسان على طهارة فإنه بلا شك أفضل. س ٨٩٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فتاة تقول: أديت فريضة الحج هذه السنة والحمد لله، وما يشغل بالي هو أنني في يوم النحر ذهبنا إلى رمي الجمار سيراً على الأقدام وكانت الشوارع متسخة وفيها مياه ونحن لا نستطيع الابتعاد عن الأماكن المتسخة من شدة الزحام ولما وصلنا إلى الحرم دخلت الحرم والجوارب متبللة ولا أستطيع خلعها لأنها من لباس الإحرام ودخلت وسعيت وهي نجسة وأنا لا أدري هل حجي صحيح أرشدوني جزاكم الله خيراً ؟

стр. 8787

فأجاب فضيلته بقوله: حجها صحيح، والماء الذي تطؤه بقدمها إذا لم تتيقن نجاسته فالأصل فيه الطهارة، ولا فرق في هذا بين أن يكون الماء كما ذكرت مما يضطر الإنسان إلى خوضه، أو في أماكن السعة فإن الماء الذي لم يعلم الإنسان نجاسته ولا يتيقنها حكمه أنه طاهر لا ينجس ثوبه، ولا ينجس نعله ولا شيء أبداً. وأما قولها: إنها لم تخلعها؛ لأنها من لباس الإحرام فلعلها تعتقد كما يعتقد كثير من الناس أن من أحرم بثوب لا يمكنه أن يخلعه، وهذا ليس بصحيح، فإن المحرم يجوز له أن يغير ثياب الإحرام سواء لحاجة أم لغير حاجة إذا غيرها إلى ما يجوز لبسه حال الإحرام، وأما ما اشتهر عند العامة أنه لا يغيرها، فهذا لا أصل له، ولو أن هذه المرأة خلعت هذا الجوارب إذا كانت قلقة منها ثم لبست جوارب نظيفة لم يكن عليها في ذلك بأس. س ٨٩٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد قدمت للعمرة أنا وأهلي، ولكن حين وصولي إلى جدة أصبحت زوجتي حائضاً، ولكن أكملت العمرة بمفردي دون زوجتي فما الحكم بالنسبة لزوجتي ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الحكم بالنسبة لزوجتك أن تبقى محرمة حتى تطهر ثم تقضي عمرتها؛ لأن النبي ﷺ لما حاضت صفية- ﵂ قال: "أحابستنا هي "؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: "فلتنفر إذن " (١) فقوله ﷺ : " أحابستنا هي؟ " دليل

стр. 8788

على أنه يجب على المرأة أن تبقى إذا حاضت قبل طواف الإفاضة لا تطوف حتى تطهر فإذا حاضت قبل الطواف فإنها تبقى محرمة حتى تطهر وتغتسل وتطوف، أما لو طافت طاهرة ثم حاضت قبل السعي فإنها تسعى ولو كانت حائضاً ولا حرج. وكذلك طواف العمرة مثل طواف الإفاضة، لأنه ركن من أركان العمرة. س ٨٩٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قدم من داخل المملكة للعمرة وقبل دخول الحرم حاضت زوجته فاجتهد وقال لها: تحفظي جيداً وطوفي وأتمي العمرة حيث إننا لا نستطيع المكث والانتظار أو العودة مرة أخرى فما رأي فضيلتكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أن هذا فتوى من جاهل وأنه لا يحل للإنسان أن يفتي إلا بعلم، والنبي ﷺ لما قيل له إن صفية زوجته حاضت قال: "أحابستنا هي " ستحبس القوم: الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحابة- ﵃ حتى تطهر "أحابستنا هي " قالوا: إنها قد أفاضت. قال: (انفروا) لأن طواف الوداع لا يجب على الحائض، فهذه الفتوى التي أفتاها غلط وخطأ، والواجب عليها الآن أن تتجنب جميع محظورات الإحرام ومن معاشرة الزوج؛ لأنها لم تزل على إحرامها، ولتذهب إلى مكة وتكمل العمرة لأنها لاتزال محرمة فلا تذهب إلى الميقات بل

стр. 8789

تذهب إلى مكة وتطوف وتسعى وتقصر. وأما مسألة الاستثفار والطواف وهي حائض فيجب أن يعلم أنه لم يقل بها إلا قليل من العلماء، ولم يقولوا بها في مثل حالنا الآن قالوا بها: إذا جاءت امرأة على بعير من بلاد بعيدة من الشام، أو العراق، أو مصر، أو ما وراء ذلك، ولم تتمكن من إبقاء الناس معها، ولا تتمكن من الرجوع، فبعض العلماء يقول: تبقى على إحرامها إلى يوم القيامة لا تتزوج ولا يأتيها زوجها ولا شيء من المحظورات لأنها ما كملت فتبقى. وبعض العلماء يقول: تكون محصرة ومعنى محصره، أنها تذبح هدياً ولم تكن أتت بالفريضة عليها، فترجع بدون أداء الفريضة، والمسألة فيها ثمانية أقوال للعلماء، وذهب شيخ الإسلام- ﵀ مذهباً جيداً، قال: إذا كانت لا تستطيع أن ترجع ولا تستطيع أن تبقى حتى تطهر فلها أن تستثفر بثوب وتطوف ولا حرج عليها، لكن الذي في أطراف المملكة إذا كان لا يمكن أن يبقى في مكة يستطيع أن يذهب بأهله وهي حائض قبل أن تؤدي النسك، وإذا طهرت رجع به، فليتق الله أخانا وليعلم أن الإقدام على الفتوى بلا علم ليس بالهين قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (١) وقال الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)) (٢) فليتق الله

стр. 8790

وليبادر الآن قبل أن يكثر الزحام للحج في مكة ويذهب بامرأته لتكمل عمرتها. س ٨٩٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة أحرمت مع زوجها وهي حائض وعندما طهرت اعتمرت بدون محرم ثم إنها رأت الدم بعد ذلك فما الحكم؟ أفتونا جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيراً ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نقول إن هذه المرأة فيما يبدو قدمت إلى مكة هي ومحرمها وقد كانت أحرمت من الميقات وهي حائض، وإحرامها من الميقات وهي حائض إحرام صحيح؛ لأن النبي ﷺ لما استفتته أسماء بنت عميس- ﵂ وهو في ذي الحليفة قالت: يا رسول الله إني نفست قال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " (١) وإذا قدمت مكة وطهرت وأدت العمرة بدون محرم فلا حرج عليها لأنها في وسط البلد، لكن رجوع الدم إليها بعد قد يورث إشكالاً في هذه الطهارة التي رأتها فنقول لها: إذا كنت قد رأيت الطهر يقيناً فإن عمرتك صحيحة، وإن كنت في شك من هذا الطهر فأعيدي العمرة من جديد لكن ليس معنى إعادة العمرة من جديد أن تذهبي إلى الميقات فتحرمي من جديد، وإنما نريد أن تعيدي الطواف والسعي والتقصير.

стр. 8791

س ٨٩٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج وعندما وصلت مكة حاضت فطافت للعمرة وسعت وهي حائض حياءً ثم طهرت بعد الوقوف بعرفة فما حكم حجها ؟ فأجاب فضيلته بقوله: حجها هذا يكون قراناً لا متعة؛ لأن طوافها الأول غير صحيح، وسعيها المبني عليه غير صحيح، فتكون باقية على إحرامها، وإذا أحرمت بالحج في اليوم الثامن صارت أدخلت الحج على العمرة فتكون قارنة، والقارن مثل المتمتع عليه هدي يذبح يوم العيد، أو ثلاثة أيام بعد العيد، فالحمد لله حجها صحيح، وذمتها بريئة إن شاء الله. س ٨٩٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذهبت إلى مكة من أجل أداء العمرة، وبعد الإحرام، وحين وصولي إنا وزوجتي باب الحرم، أصاب امرأتي دم. فاعتقدت أنها العادة الشهرية، فلم تؤد عمرتها وعدنا إلى بلدنا ثم توقف الدم، فما الحكم في مثل هذه الحال ؟ فأجاب فضيلته بقوله: جواب سؤالك ينقسم إلى شقين: الشق الأول: أن زوجتك لا تزال باقية على إحرامها. الشق الثاني: أنه يجب عليك أن لا تقربها حتى تكمل عمرتها، وعليها أن تعود إلى مكة لتكمل العمرة، وليتك سألت قبل خروجك من مكة حتى تعلم الحكم. والله الموفق.

стр. 8792

س ٩٠٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للحائض دخول المسجد الحرام أم لا؟ وإذا أحست المرأة بنزول دم الحيض في أثناء الطواف فماذا تصنع ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز لها أن تدخل المسجد الحرام إلا مارة به فقط، وإما المكث للطواف، أو لسماع الذكر، أو التسبيح، أو التهليل فإنه لا يجوز. وإذا أحست بنزول دم الحيض في أثناء الطواف فتستمر في طوافها ما دامت لم تتيقن أنه خرج الحيض، فإن تيقنت أن الحيض قد خرج منها فيجب عليها أن تنصرف، وتنتظر حتى تطهر، فإذا طرت ابتدأت الطواف من جديد. س ٩٠١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت وجاءتها الدورة الشهرية فاستحيت أن تخبر أحداً ودخلت الحرم فصلت وطافت طواف الإفاضة وسعت فماذا يلزمها ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمرأة إذا كانت حائضاً أو نفساء أن تصلي سواء في مكة، أو في بلدها، أو في أي مكان؛ لقول النبي ﷺ في المرأة: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم " (١) وقد أجمع المسلمون على أنه لا يحل للحائض أن تصوم، ولا يحل لها أن تصلي، وعلى هذه المرأة التي فعلت ذلك

стр. 8793

أن تتوب إلى الله، وأن تستغفر مما وقع منها. وأما طوافها حال الحيض فهو غير صحيح، وأما سعيها فصحيح؛ لأن القول الراجح جواز تقديم السعي على الطواف في الحج، وعلى هذا فيجب عليها أن تعيد الطواف؛ لأن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، ولا يتم التحلل الثاني إلا به، وبناء عليه فإن هذه المرأة لا يباشرها زوجها إن كانت متزوجة حتى تطوف، ولا يعقد عليها النكاح إن كانت غير متزوجة حتى تطوف. والله تعالى أعلم. س ٩٠٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت وجاءتها الدورة الشهرية فلم تخبر أحداً حياءً ودخلت الحرم وصلت وطافت وسعت فماذا يلزمها علما بأن الدورة جاءت بعد النفاس ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمرأة إذا كانت حائضاً أو نفساء أن تصلي لقول النبي ﷺ في الحائض: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم " وقد أجمع المسلمون على أنه لا يحل للحائض أن تصوم ولا يحل لها أن تصلي فعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله وأن تستغفر مما وقع منها. وأما طوافها فإنه إن كان هذا في أول ما قدمت مكة وهي حاجة فإن هذا الطواف يقع غير صحيح عند جمهور أهل العلم، وإذا لم يكن صحيحاً لم يصح السعي الذي بعده، وحينئذ تكون قارنة؛ لأنها أحرمت بالحج قبل أن تحل من العمرة، إذ إنها لا

стр. 8794

يمكن أن تحل من العمرة إلا بطواف وسعي وتقصير، وهذه لم يكن لها طواف وسعي صحيح، فإذا أحرمت للحج بعد ذلك صارت قارنة بدل أن تكون متمتعة، وحينئذ لا يكون عليها شيء فيما فعلت بين العمرة والحج لأنها جاهلة، أما إذا كان الطواف طواف الإفاضة أيضاً غير صحيح إلا أن السعي صحيح لأن الراجح جواز تقديم السعي على الطواف في الحج، فعليه فهذه المرأة إن كان الطواف طواف الإفاضة لم تحلل التحلل الثاني فليزمها أن تذهب لتطوف طواف الإفاضة، ولا يحوز لزوجها أن يعاشرها حتى تطوف. وبهذه المناسبة أحب أبين للنساء مسألة هامة في حال الحيض، فالمرأة إذا حاضت بعد دخول وقت الصلاة فإنه يجب عليها إذا طهرت أن تقضي تلك الصلاة التي حاضت في وقتها إذا لم تصلها قبل أن يأتيها الحيض، وذلك لقول الرسول ﵊: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١) فإذا أدركت المرأة من وقت الصلاة مقدار ركعة ثم حاضت قبل أن تصلي فإنها إذا طهرت يلزمها القضاء. ثانيا: إذا طهرت من الحيض قبل خروج وقت الصلاة فإنه يجب عليها قضاء تلك الصلاة، فلو طهرت قبل أن تطلع الشمس بمقدار ركعة وجب عليها قضاء صلاة الفجر، ولو طهرت قبل منتصف الليل بمقدار ركعة وجب عليها قضاء صلاة العشاء وقد

стр. 8795

قال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (١) أي فرض موقت بوقت محدد، فلا يجوز للإنسان أن يخرج الصلاة عن وقتها ولا أن يبدأ قبل وقتها. والله الموفق. س ٩٠٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فتاة ذهبت مع أهلها إلى مكة للعمرة فأحرمت وهي حائض وعندما وصلوا إلى الحرم انتهت الدورة فطافت وأكملت مع أهلها ولم تخبرهم لأنها خجلت من ذلك فماذا عليها ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليها شيء إذا كانت قد أحرمت من الميقات؛ لأن هذا هو الصحيح، لكن إن كانت طافت وسعت قبل أن تغتسل فطوافها وسعيها غير صحيح، أما الطواف فإنها طافت على غير طهارة طافت على حيض، وأما السعي فلأنه لا يصح السعي قبل الطواف في العمرة، وعلى هذا فالواجب عليها إن كانت طافت وسعت قبل أن تغتسل أن تذهب الآن إلى مكة لتطوف وتسعى وتقصر، وأن تعتبر نفسها الآن في إحرام فلا يحل لها ما يحرم على المحرم من الطيب وغيره حتى تنهي عمرتها، والذي يظهر لي من سؤالها أنها لم تغتسل لأنها مشت مع أهلها ولم تغتسل. س ٩٠٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أحرمت المرأة للعمرة ثم أتتها العادة الشهرية قبل الطواف وبقيت في مكة

стр. 8796

ثم طهرت وأرادت أن تغتسل فهل تغتسل في مكة أم تذهب لتغتسل من التنعيم؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا أحرمت المرأة بالعمرة وأتاها الحيض، أو أحرمت بالعمرة وهي حائض فعلاً، ثم طهرت فإنها تغتسل في مكان إقامتها في بيتها، ثم تذهب وتطوف وتسعى وتؤدي عمرتها، ولا حاجة إلى أن تخرج إلى التنعيم، ولا إلى الميقات؛ لأنها قد أحرمت من الميقات، لكن بعض النساء إذا مرت بالميقات وهي حائض وهي تريد عمرة لا تحرم وتدخل مكة، وإذا طهرت خرجت إلى التنعيم فأحرمت منه، وهذا خطأ؛ لأن الواجب على كل من مر بالميقات وهو يريد العمرة أو الحج أن يحرم منه حتى المرأة الحائض تحرم وتبقى على إحرامها حتى تطهر إلا إذا قدر أنها لما مرت بالميقات فرأت نفسها حائضاً ألغت النية تماماً، ثم طهرت في مكة وأرادت العمرة فإنها تحرم من الحل. ويشكل على النساء في هذه المسألة أنهن يظنن أن المرأة إذا أحرمت بثوب لا تغيره، وهذا خطأ؛ لأن المرأة في الإحرام ليس لها لباس معين كالرجل، فالرجل لا يلبس القميص والبرانس والعمائم والسراويل والمرأة يحل لها ذلك تلبس ما شاءت من الثياب غير ثياب الزينة، فإذا أحرمت بثوب وغيرته إلى آخر فلا حرج، لذلك نقول للمرأة: أحرمي إذا مررت بالميقات وأنت تريدين العمرة أو الحج، وإذا طهرت فاغتسلي، ثم اذهبي للطواف والسعي والتقصير، وتغيير الثياب لا يضر ولا أثر له في هذا الأمر أبداً.

стр. 8797

س ٩٠٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حاضت المرأة في أثناء الطواف في الحج فماذا تفعل ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا حاضت في أثناء الطواف إن كان الطواف طواف الوداع خرجت ولا شيء عليها، وإن كان طواف الإفاضة خرجت ثم أعادت الطواف إذا طهرت. س ٩٠٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة أحرمت بالعمرة ثم حاضت فخرجت من مكة بدون عمرة فماذا عليها ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا أحرمت المرأة بالعمرة وأتاها الحيض فإن إحرامها لا يبطل، بل تبقى على إحرامها، وهذه المرأة التي أحرمت بالعمرة وخرجت من مكة ولم تطف ولم تسع لا تزال في عمرتها، وعليها أن ترجع إلى مكة وأن تطوف وتسعى وتقصر، حتى تحل من إحرامها، ويجب عليها أن تتجنب جميع محظورات الإحرام من الطيب، وأخذ الشعر، أو الظفر، وعدم قربها من زوجها إن كانت ذات زوج حتى تقضي عمرتها، اللهم إلا أن تكون قد خافت من مجىء الحيض فاشترطت عند إحرامها، أن محلها حيث حبست، فإنها لا شيء عليها إذا تحللت من إحرامها حينئذ. س ٩٠٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة طافت حول الكعبة طواف الإفاضة وهي حائض ولم تخبر والدها وأهلها بذلك وقد توفي والدها فماذا عليها ؟

стр. 8798

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان طواف الإفاضة فإنها الآن فيما بقي من إحرامها، يعني لم تحل إلا التحلل الأول، وجب إذا كانت ذات زوج يجب على زوجها أن يتجنبها، وإذا كانت قد عقد عليها النكاح بعد الطواف الذي طافته وهي حائض فعقد النكاح غير صحيح يجب أن يفارقها زوجها، وتذهب الآن إلى مكة فإن أتت بعمرة من الميقات فحسن، فتأتي بالعمرة وتطوف وتسعى وتقصر، ثم تطوف طواف الإفاضة للحج الماضي، وإن لم تأت بعمرة فلا حرج فتأتي مكة وتطوف الإفاضة للحج الماضي ثم ترجع، فإن كانت قد تزوجت بعد الطواف الذي طافته وهي حائض فيجب إعادة العقد، وإذا أعيد العقد فله أن يدخل بها فوراً؛ لأن العدة له. س ٩٠٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة طافت طواف العمرة وهي حائض، ولم تخبر أحداً خجلاً ثم حجت واعتمرت بعد ذلك فما الحكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: حكمها حكم المرأة السابقة لأن طواف العمرة ركن، وهذه أشد؛ لأنها لم تحل- تحللاً أول ولا ثانياً، فهي الآن على إحرامها تماماً فيجب عليها أن تتجنب جميع محظورات الإحرام. وأما عمرتها بعد ذلك فإن نوت القضاء فهذا المطلوب، وإن لم تنوِ القضاء فيبقى هل صحت عمرها التي وقعت في جوف العمرة الأولى أم لم تصح، أنا أقول -وأسأل الله لي العفو العافية-

стр. 8799

إن هذه العمر صحيحة -إن شاء الله- لأنها جاهلة، فنقول: إحرامها- إن شاء الله- صحيح وعمرتها صحيحة، وما دامت لم تنوِ القضاء فعليها القضاء. س ٩٠٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة حجت مفردة وهي في السادسة عشرة من عمرها مع أحد محارمها وفي اليوم الثاني نزلت الدورة ولم تخبر أحداً من محارمها خجلاً منها وأدت جميع المناسك فما الحكم في ذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: أحذر إخواني المسلمين من التهاون بدينهم، وعدم المبالاة فيه، حيث إنهم يقعون في أشياء كثيرة مفسدة للعبادة، ولا يسألون عنها ربما يبقى سنة، أو سنتين، أو أكثر غير مبال بها، مع أنها من الأشياء الظاهرة، لكن يمنعه التهاون أو الخجل أو ما شابه ذلك، والواجب على من أراد أن يقوم بعبادة من صلاة، أو زكاة، أو صيام، أو حج أن يعرف أحكامها قبل أن يتلبس بهماِ حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، قال الله تبارك تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (١) قال البخاري- ﵀: العلم قبل القول والعمل. ثم استدل بهذه الآية. ثانياً: بالنسبة للجواب على السؤال نقول: هذه المرأة لا تزال في بقية إحرامها لأنها لم تحل التحلل الثاني، حيث طافت وهي حائض، وطواف الحائض فاسد، فهي لم تحل التحلل الثاني إلا إذا

стр. 8800

أتمت الطواف والسعي مع الرمي والتقصير، وعليه فنقول: يلزمها الآن أن تتجنب الزوج إن كانت متزوجة؛ لأنها لم تحل التحلل الثاني، وتذهب الآن إلى مكة فإذا وصلت الميقات أحرمت للعمرة ثم طافت وسعت وقصرت، ثم طافت طواف الإفاضة الذي كان عليها فيما سبق، وإن أحبت أن لا تحرم بعمرة فلا بأس؛ لأنها لا تزال في بقية من بقايا إحرامها الأول، فلابد أن تذهب وتطوف؛ لأنها لم يتم حجها حتى الآن، وأن لا يقربها زوجها إن كانت قد تزوجت، فإن كانت قد عقدت النكاح في أثناء هذه المدة، فللعلماء في صحة نكاحها قولان: القول الأول: أن النكاح فاسد، ويلزم على هذا القول أن يعاد العقد من جديد. والقول الثاني: ليس بفاسد، بل هو صحيح. فإن احتاطت وأعادت العقد فهذا خير، وإن لم تفعل فأرجو أن يكون النكاح صحيحاً. س ٩١٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ذهبت لأداء العمرة في نهاية شهر رمضان وفي طريقها إلى مكة نزلت عليها قطرات من الدم فاعتقدت أنها استحاضة ولم تلتفت لذلك؛ لأن دورتها جاءتها في بداية الشهر، فكانت تتوضأ لكل فرض وتصلي بالمسجد الحرام، وقد أدت العمرة كاملة، وقد لاحظت أن هذه القطرات استمرت لمدة ثمانية أيام، وهي الآن لا تدري هل كانت استحاضة أو دورة شهرية فماذا تفعل وهل هي آثمة في دخولها المسجد

стр. 8801

الحرام؟ وما حكم عمرتها هل هي صحيحة أفتونا مأجورين؟ فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: القطرات لا تعتبر حيضاً؛ لأن الحيض هو الدم السائل كما يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأن الحيض مأخوذ من قولهم (حاض الوادي) إذا سأل، وعلى هذا فعمرة هذه السائلة عمرة صحيحة، وبقاؤها في المسجد الحرام إذا كانت تأمن من نزول الدم إلى المسجد جائز لا إثم فيه، وصلاتها صحيحة أيضاً. س ٩١١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة من خارج البلاد أتت للعمرة فعندما أتت المسجد الحرام طافت بالبيت وعند انتهاء الطواف باشرها الحيض- أي حاضت- قبل أن تبدأ في السعي فما الحكم؟ وما تعليقكم على كثرة الأخطاء من الحجاج ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الجواب تسعى؛ لأن السعي لا يشترط له طهارة من الحيض. والأخطاء التي يرتكبها الحجاج لها سببان أو أكثر: السبب الأول: الجهل فإن كثيراً من الحجاج يخرجون إلى الحج، كأنما يقولون إذا فعل الناس فعلناه. السبب الثاني: أن عدم تذكير العلماء للعامة بما ينبغي أن يفعلوه في الحج، فصار التفريط والتقصير من الحجاج لا يسألون، ولهذا بعض الناس لا يسأل عن شيء فعله في حجه إلا بعد عشر سنين، أوخمس عشرة سنة وما أشبه ذلك، والثاني: التقصير من طلبة العلم فاجتمع هذا وهذا.

стр. 8802

السبب الثالث: تهاون الناس بأداء العبادات على الوجه الذي ينبغي، ولهذا تجد التقصير حتى في الصلاة، وحتى في الصيام وحتى في الزكاة، ولهذا نحن ننصح إخواننا إذا أرادوا الحج أن لا يحجوا حتى يعرفوا كيف يحجون، وأن يصطحبوا معهم الكتب من علماء موثوق بعلمهم ودينهم، وأن يصحبوا طلبة العلم ليعلموهم وير شدوهم. س ٩١٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال الإبرة الموقفة للعادة الشهرية أو الحبوب الموقفة للعادة الشهرية علماً بأنها توقف لمدة ساعات فقط ؟ فأجاب فضيلته بقوله: كأن السائلة تريد هذا أيام الحج فنقول إنه لا بأس به للضرورة، لكن بشرط أن يكون هذا بعد موافقة الطبيب، فإذا قال الطبيب لا بأس أن تستعملي هذه الإبرة أو الحبوب فلا بأس أن تستعملها من أجل الضرورة. سواء كان لساعات أو لأيام. س ٩١٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال الحبوب لإيقاف دم الحيض في الحج والعمرة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: استعمال الحبوب في الحج أو في العمرة لا بأس بها؛ لأن هذه حاجة، ولكن يجب أن تستأذن من الطبيب وأن تراجعه؛ لأنه قد تكون الحبوب ضارة، فتضرها.

стр. 8803

س ٩١٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الأحكام المتعلقة بالمرأة إذا حاضت وهي تؤدي المناسك؟ وهل يجوز لها أن تأخذ حبوب منع الدورة في أثناء هذه الفترة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا حاضت المرأة بعد إحرامها، فإنها تفعل كل ما يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت والسعي الذي بعده، فإذا حاضت مثلاً بعد أن أحرمت ولم تصل بعد إلى مكة، فإنها إن غلب على ظنها أنها تطهر قبل اليوم الثامن فتبقى على إحرامها، ولكنها لا تطوف ولا تسعى حتى تطهر وحينئذ تحل من العمرة. وإن غلب على ظنها أنها لا تطهر إلا بعد اليوم الثامن فإنها تحرم بالحج فتدخل الحج على العمرة، وتصير قارنة، كما جرى ذلك لأم المؤمنين عائشة- ﵂. وأما أخذ الحبوب من أجل منع العادة فلا بأس به هنا للحاجة بشرط موافقة الطبيب. س ٩١٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة في أثناء طواف الإفاضة نزلت عليها العادة فأخبرت طبيبة الحملة بذلك فقالت: سوف أعطيك إبرة توقف عنك الدم لمدة ست ساعات وفعلاً توقف الدم ست ساعات، فطافت من جديد وسعت بعد ست ساعات جاءت الدورة فهل ما فعلته صحيح أم ماذا ؟ فأجاب- ﵀ بقوله: إذا كان الوقوف طهراً كاملاً - والنساء يعرفن الطهر- فلا بأس، ويكون طوافها صحيحاً، وأما

стр. 8804

إذا لم يكن طهراً صحيحاً فقد طافت قبل أن تطهر، وطواف المرأة قبل طهرها غير صحيح. س ٩١٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال حبوب منع الحمل لغرض العمرة أو الحج أو لمنع الحمل لكونها تتضرر بذلك ؟. فأجاب فضيلته بقوله: استعمال حبوب منع الحمل لا أرى أن المرأة تستعملها، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، مثل أن تكون المرأة ضعيفة الجسم، أو مريضة، أو ما أشبه ذلك، مما يحوجها إلى استعمال هذه الحبوب، وإذا جاز لها أن تستعمل هذه الحبوب لكونها تتضرر بالحمل، فلا بد من موافقة الزوج على ذلك، لأن الزوج له حق في النسل كما أن لها حقاً في النسل. ولهذا قال العلماء: لا يجوز للرجل أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها، والعزل من أسباب منع الحمل، فنصيحتي لكل امرأة أن تتجنب هذا، وكلما كثر الأولاد كان ذلك أبرك وأنفع، وكان أشد امتثالا لأمر النبي ﷺ . وأما استعمال ذلك للتمكن من أداء العمرة والحج، فلا بأس به لأنه أمر عارض. وفي كل حال من هذه الأحوال لابد من أخذ رأي الطبيب في ذلك.

стр. 8805

س ٩١٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيهما أفضل الطواف أثناء صلاة التراويح لأن المطاف في ذلك الوقت خالٍ من النساء أو صلاة صلاة التراويح جماعة المسلمين ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل صلاة التراويح؛ لأن الصلاة مع جماعة المسلمين أفضل من الانفراد عنهم بعبادة، والشارع له نظر عظيم في مسألة الاجتماع على العبادة، فالأفضل أن تصلي مع المسلمين صلاة التراويح، وقد ثبت عن النبي ﷺ قال: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (١) وهذه التراويح هي قيام رمضان، وفي الحديث "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" فالأفضل أن تؤدي مع المسلمين صلاة التراويح وإذا انتهيت تطوف بالبيت إن شاءت. س ٩١٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقع بعض الحجاج في أخطاء أثناء الطواف فنأمل من فضيلتكم التكرم بذكر شيء منها ؟ فأجاب فضيلته بقوله: في الطواف أخطاء خطيرة تقع من الحجاج وغير الحجاج فمنها: الخطأ الأول: النطق بالنية عند إرادة الطواف، فتجد الحاج يقف مستقبلا الحجر إذا أراد الطواف، ويقول: اللهم إني نويت أطوف

стр. 8806

سبعة أشواط للعمرة، اللهم إني نويت أن أطوف سبعة أشواط للحج، اللهم إني نويت أن أطوف سبعة أشواط تقربا إليك، وما أشبه هذا، فالتلفظ بالنية بدعة؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، ولم يأمر أمته به، وكل من تعبد لله تعالى بأمر لم يتعبد به رسول الله ﷺ ، ولم يأمر أمته به فقد ابتدع في دين الله ما ليس منه، فالتلفظ بالنية عند الطواف خطأ وبدعة، وكما أنه خطأ من ناحية الشرع، فهو خطأ من ناحية العقل، فما الداعي أن تتلفظ بالنية مع أن النية بينك وبين ربك، والله عالم بما في الصدور، وعالم بأنك سوف تطوف هذا الطواف؟! وإذا كان الله تعالى عالم بذلك فلا حاجة أن تظهر هذا لعباد الله. فإن قلت: أنا أقوله بلساني ليطابق ما في قلبي قلنا: العبادات لا تثبت بالأقسية، والنبي ﵊ قد طاف قبلك، ولم يتكلم بالنية عند طوافه، والصحابة- ﵃ قد طافوا قبلك ولم يتكلموا بالنية عند طوافهم، ولا عند غيره من العبادات. والخير في اتباعهم. الخطأ الثاني: أن بعض الطائفين يزاحم مزاحمة شديدة عند استلام الحجر والركن اليماني، مزاحمة يتأذى بها، وقد يؤذي غيره، والمزاحمة قد تكون مع امرأة، ويحصل في قلبه إذا نزغه من الشيطان نزغ، يحصل في قلبه شهوة عندما يزاحم المرأة في هذا المقام، والإنسان بشر قد تستولي عليه النفس الأمارة بالسوء، فيقع في هذا الأمر المنكر تحت بيت الله ، وهذا أمر يكبر ويعظم باعتبار مكانه، كما أنه فتنة في أي وضع كان، والمزاحمة

стр. 8807

الشديدة عند استلام الحجر، أو الركن اليماني ليست مشروعة، بل إن تيسر لك بهدوء فهذا هو المطلوب، وإن لم يتيسر فإنك تشير إلى الحجر الأسود، أما الركن اليماني فلم يرد عن الرسول ﷺ أنه أشار إليه، ولا يمكن قياسه على الحجر الأسود؛ لأن الحجر الأسود أعظم منه، وثبت عن الرسول ﷺ أنه أشار إليه، والمزاحمة كما أنها غير مشروعة في هذه الحال، وكما أنها يخشى منها الفتنة إذا ما كان زحام مع امرأة، فهي أيضاً تحدث تشويشاً في القلب والفكر؛ لأن الإنسان عند المزاحمة لابد أن يسمع كلاماً يكرهه، أو يسمع هو كلاماً يكرهه ويتندم عليه، فتجده يشعر بامتعاض وغضب على نفسه إذا فارق هذا المحل، والذي ينبغي للطائف أن يكون دائماً في هدوء وطمأنينة من أجل أن يستحضر ما هو متلبس به من طاعة الله، فقد قال النبي ﷺ : " إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (١) . الخطأ الثالث في الطواف: أن بعض الناس يظنون أن الطواف لا يصح بدون استقبال الحجر وتقبيله، وأن تقبيل الحجر شرط لصحة الطواف ولصحة الحج أو العمرة أيضاً، وهذا ظن خطأ، وتقبيل الحجر سنة، وليست سنة مستقلة أيضاً، بل هي سنة للطائف ولا أعلم أن تقبيل الحجر يسن في غير الطواف، وعلى هذا فإذا كان تقبيل الحجر سنة وليس بواجب ولا بشرط، فإن من لم يقبل الحجر لا نقول: إن طوافه غير صحيح، أو إن طوافه ناقص نقصاً يأثم به، بل طوافه صحيح، بل نقول: إنه إذا كان

стр. 8808

هناك مزاحمة شديدة فالإشارة أفضل من الاستلام؛ لأنه هو العمل الذي فعله الرسول ﵊ عند الزحام، ولأن الإنسان يتقى به أذى يكون منه لغيره ويكون من غيره له، فلو سألنا سائل. وقال: إن المطاف مزدحم فما ترون هل الأفضل أن أزاحم واستلم الحجر وأقبله أم الأفضل أن أشير إليه، قلنا: الأفضل أن تشير إليه؛ لأن السنة هكذا جاءت عن رسول الله ﷺ ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ . الخطأ الرابع: من الأخطاء التي يفعلها بعض الطائفين: تقبيل الركن اليماني، وتقبيل الركن اليماني لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، والعبادة إذا لم تثبت عن رسول الله ﷺ فهي بدعة وليست بقربة، وعلى هذا فلا يشرع للإنسان أن يقبل الركن اليماني؛ لأن ذلك لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، وإنما ورد فيه حديث ضعيف لا تقوم به الحجة. الخطأ الخامس: نجد بعض الناس عندما يمسح الحجر الأسود أو الركن اليماني يمسحه باليد اليسرى كالمتهاون به، وهذا خطأ فإن اليد اليمنى أشرف من اليد اليسرى، واليد اليسرى لا تقدم إلا للأذى كالاستنجاء بها، والاستجمار بها، والامتخاط بها وما أشبه ذلك، وأما مواضع التقديس والاحترام فإنه يكون باليد اليمنى. الخطاء السادس: أنهم يظنون أن استلام الحجر والركن اليماني للتبرك لا للتعبد فيتمسحون به تبركاً، وهذا بلا شك خلاف ما قصد به، فإن المقصود بمسحه وتقبيله بالنسبة للحجر الأسود تعظيم الله ، ولهذا كان النبي ﷺ إذا استلم الحجر قال:

стр. 8809

"الله أكبر" إشارة إلى أن المقصود بهذا تعظيم الله ، وليس المقصود التبرك بمسح هذا الحجر. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك " هذا الظن الخاطىء من بعض الناس، وهو أنهم يظنون أن المقصود من مسح الركن اليماني والحجر الأسود التبرك أدى إلى بعضهم إلى أن يأتي بابنه الصغير فيمسح الركن أو الحجر بيده ثم يمسح ابنه الصغير أو طفله بيده التي مسح بها الحجر أو الركن اليماني، وهذا من الاعتقاد الفاسد الذي يجب أن ينهى عنه، وأن يبين للناس أن مثل هذه الأحجار لا تضر ولا تنفع، وإنما المقصود بمسحها تعظيم الله ، وإقامة ذكره، والاقتداء برسوله ﷺ ، وننتقل من هذا إلى خطأ يقع في المدينة عند حجرة قبر الرسول ﷺ ، حيث كان بعض العامة يتمسحون بالشباك الذي على الحجرة، ويمسحون بأيديهم وجوههم، ورؤوسهم وصدورهم اعتقاداً منهم أن في هذا بركة، وكل هذه الأمور وأمثالها مما لا شرعة فيه، بل بدعة ولا ينفع صاحبه بشيء، لكن إذا كان صاحبه جاهلاً ولم يطرأ على باله أنه من البدع فيرجى أن يعفى عنه، وإن كان عالماً أو متهاوناً لم يسأل عن دينه فإنه يكون آثماً، فالناس في هذه الأمور التي يفعلونها: إما جاهل جهلًا مطبقًا لا يطرأ بباله أن هذا محرم، فهذا يرجى أنه لا شيء عليه، وإما عالم متعمد يضل ويضل الناس، فهذا آثم بلا شك، وعليه إثم من تبعه واقتدى به، وإما

стр. 8810

جاهل ومتهاون بالسؤال عن العلم فيخشى أن يكون آثماً لتفريطه وعدم سؤاله. الخطأ السابع: الرمل في جميع الأشواط مع أن يكون الرمل في الثلاثة الأشواط الثلاثة الأولى فقط؛ لأن النبي ﷺ إنما رمل هو وأصحابه في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، وأما الأربعة الباقية فيمشي على عادته، وكذلك الرمل لا يكون إلا للرجال، وفي الطواف أول ما يقدم إلى مكة، سواء كان ذلك طواف قدوم أم طواف عمرة. الخطأ الثامن: أن بعض الناس يخصص كل شوط بدعاء معين، وهذا من البدع التي لم ترد عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ فلم يكن النبي ﷺ يخص كل شوط بدعاء، ولا أصحابه أيضاً، وغاية ما في ذلك أنه ﷺ كان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)) وقال ﵊: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله " (١) . وتزداد هذه البدعة خطأ إذا حمل الطائف كتيباً، كتب فيه لكل شوط دعاء، وهو يقرأ هذا الكتيب، ولا يدري ماذا يقول، إما لكونه جاهلاً باللغة العربية ولا يدري ما المعنى وإما لكونه عربيًا ينطق باللغة العربية ولكنه لا يدري ما يقول، حتى إننا نسمع بعضهم يدعو بأدعية هي في الواقع محرفة تحريفاً بينا، من ذلك

стр. 8811

إننا سمعنا من يقول: (اللهم أغنني بجلالك عن جرامك) والصواب: بحلالك عن حرامك. ومن ذلك: إننا نشاهد بعض الناس يقرأ هذا الكتيب، فإذا انتهى دعاء الشوط وقف ولم يدع في بقية شوطه، وإذا كان المطاف خفيفاً، وانتهى الشوط قبل انتهاء الدعاء قطع الدعاء. ودواء ذلك أن يبين للحاج بأن الإنسان في الطواف يدعو بما يشاء وبما أحب، ويذكر الله تعالى بما شاء، فإذا بين للناس هذا زال الإشكال. الخطأ التاسع: وهو خطأ عظيم جداً: أن بعض الناس يدخل في الطواف من باب الحجر- أي المحجر الذي على شمال الكعبة- ويخرج من الباب الثاني في أيام الزحام، يرى أن هذا أقرب وأسهل، وهذا خطأ عظيم؛ لأن الذي يفعل ذلك لا يعتبر طائفًا بالبيت؟ لأن الله تعالى قال: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)) (١) والنبي ﷺ طاف بالبيت من وراء الحجر، فإذا طاف الإنسان من داخل الحجر، فإنه لا يعتبر طائفاً بالبيت، فلا يصح طوافه، وهذه مسألة خطيرة لاسيما إذا كان الطواف ركناً، كطواف العمرة وطواف الإفاضة. ودواء ذلك أن يبين للحجاج أنه لا يصح الطواف إلا بجميع البيت، ومنه الحجر. وبهذه المناسبة: أود أن أبين أن كثيراً من الناس يطلقون على هذا الحجر اسم (حجر إسماعيل) والحقيقة أن إسماعيل عليه

стр. 8812

السلام لا يعلم به وأنه ليس حجراً له، وإنما هذا الحجر حصل حين قصرت النفقة على قريش حين أرادوا بناء الكعبة، فلم تكف النفقة لبناء الكعبة على قواعد إبراهيم ﵇، فحطموا منها هذا الجانب، وحجروه بهذا الجدار، وسمى حطيماً وحجراً، وإلا فليس لإسماعيل فيه أي علم أو أي عمل. الخطأ العاشر. أن بعض الناس لا يلتزم بجعل الكعبة عن يساره فتجده يطوف معه نساؤه، ويكون قد وضع يده مع يد زميله لحماية النساء، فتجده يطوف والكعبة خلف ظهره، وزميله الآخر يطوف والكعبة بين يديه، وهذا خطأ عظيم أيضاً؛ لأن أهل العلم يقولون: من شرط صحة الطواف أن يجعل الكعبة عن يساره، فإذا جعلها خلف ظهره، أو جعلها أمامه، أو جعلها عن يمينه، أو عكس الطواف، فكل هذا طواف لا يصح، والواجب على الإنسان أن يعتني بهذا الأمر، وأن يحرص على أن تكون الكعبة عن يساره في جميع طوافه. ومن الناس من يتكيف في طوافه حين الزحام، فيجعل الكعبة خلف ظهره، أو أمامه، لبضع خطوات من أجل الزحام، فهذا خطأ. الخطأ الحادي عشر: أن بعض الطائفين يستلم جميع أركان الكعبة الأربعة. الحجر الأسود، والركن اليماني، والركن الشامي والركن العراقي، يزعمون أنهم بذلك يعظمون بيت الله ، بل من الناس من يتعلق بأستار الكعبة من جميع الجوانب، وهذا أيضاً من الخطأ، وذلك لأن المشروع استلام الحجر الأسود

стр. 8813

وتقبيله إن أمكن وإلا فالإشارة إليه. أما الركن اليماني فالمشروع استلامه وبدون تقبيل إن تيسر، وإن لم يتيسر فلا يشير إليه أيضاً؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ . أما استلام الركن العراقي، وهو أول ركن يمر به بعد الحجر الأسود، والشامي وهو الركن الذي يليه فهذا من البدع، وقد أنكر عبد الله بن عباس- ﵄ على معاوية بن أبي سفيان ﵁ استلام جميع الأركان، وقال له: "لقد رأيت الرسول ﷺ يستلم الركنين اليمانيين، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" فقال معاوية- ﵁ (صدقت) ورجع إلى قول ابن عباس بعد أن كان- ﵁ يستلم الأركان الأربعة، ويقول: "ليس شيء من البيت مهجوراً". الخطأ الثاني عشر: رفع الصوت بالدعاء، فإن بعض الطائفين يرفع صوته بالدعاء رفعاً مزعجاً، يذهب الخشوع ويسقط هيبة البيت، ويشوش على الطائفين، والتشويش على الناس في عباداتهم أمر منكر، فقد خرج النبي ﷺ إلى أصحابه- ﵃ ذات ليلة وهم يقرأون، ويجهرون بالقراءة في صلاتهم، فأخبرهم ﵊ بأن كل مصل يناجي ربه، ونهاهم أن يجهر بعضهم على بعض في القرآن وفي القراءة وقال: "لا يؤذين بعضكم بعضاً" (١) ولكن بعض الناس في المطاف يدعون ويرفعون أصواتهم بالدعاء، وهذا كما أن فيه المحذورات التي

стр. 8814

ذكرناها، وهي إذهاب الخشوع، وسقوط هيبة البيت، والتشويش على الطائفين، فهو مخالف لظاهر قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)) (١) الخطأ الثالث عشر: وهو من الأخطاء العظيمة في الطواف: أن بعض الناس يبتدىء من عند باب الكعبة، ولا يبتدىء من الحجر الأسود، والذي يبتدىء من عند باب الكعبة ويتم طوافه على هذا الأساس، لا يعتبر متماً للطواف لأن الله تعالى يقول: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) وقد بدأ النبي ﷺ من الحجر الأسود، وقال للناس: "لتأخذوا عني مناسككم " (٢) وإذا ابتدأ من عند الباب، أو من دون محاذاة الحجر الأسود ولو بقليل، فإن هذا الشوط الأول الذي ابتدأه يكون لاغياً، لأنه لم يتم، وعليه أن يأتي ببدله إن ذكر قريباً وإلا فليعد الطواف من أوله، والحكومة السعودية- وفقها الله- قد وضعت خطاً بينًا ينطلق من حذاء قلب الحجر الأسود إلى آخر المطاف، ليكون علامة على ابتداء الطواف، والناس من بعد وجود هذا الخط صار خطؤهم في هذه الناحية قليلاً، ولكنه يوجد من بعض الجهال وعلى كل حال فعلى المرء أن ينتبه لهذا الخطأ لئلا يقع في خطر عظيم من عدم تمام طوافه. هذه الأخطاء التي تحدث في الطواف نرجو الله أن يهدي إخواننا المسلمين لإصلاحها، حتى يكون طوافهم موافقاً

стр. 8815

لما جاء عن رسول الله ﷺ فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وليس الدين يؤخذ بالعاطفة والميل، ولكن يؤخذ بالتلقي عن رسول الله ﷺ . فالواجب على المرء أن يحتاط لدينه، وأن يعرف حدود الله تعالى في العبادة قبل أن يتلبس بها حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، وإنك لتعجب أن الرجل إذا أراد أن يسافر إلى بلد يجهل طريقها، فإنه لا يسافر إليها حتى يسأل ويبحث عن هذا الطريق: وعن الطريق السهل، ليصل إليها براحة وطمأنينة، وبدون ضياع أو ضلال، أما في أمور الدين فإن كثيراً من الناس- مع الأسف- يتلبس بالعبادة هو لا يدري حدود الله تعالى فيها، وهذا من القصور، بل من التقصير، نسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين الهداية، وأن يجعلنا ممن يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ . س ٩١٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الوقوف على الخط الموضوع حذاء الحجر الأسود والدعاء طويلاً؟ والذي يسبب حجزاً لإخوانه في أن يستمروا في الطواف ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الوقوف عند هذا الخط لا يحتمل وقوفاً طويلاً، بل يستقبل الإنسان الحجر ويشير إليه ويكبر ويمشى، وليس هذا الموقف موقفاً يُطال فيه الوقوف، لكني أرى بعض الناس يقفون ويقولون: نويت أن أطوف سبعة أشواط للعمرة، أو تطوعًا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يرجع إلى الخطأ في النية، وقد نبهنا عليه، وأن ما التكلم بالنية في العبادات بدعة، لم

стр. 8816

يرد عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه- ﵃ وأنت تعمل العبادة لله تعالى، وهو تعالى يعلم بنيتك فلا يحتاج إلى أن تجهر بها. س ٩٢٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ركعتا الطواف هل يلزم أن تكون خلف المقام ؟ فأجاب فضيلته بقوله: خلف المقام هو الأفضل، وإن صلى في مكان آخر بعيداً وهو أيسر له فهو أفضل؛ لأن المحافظة على ذات العبادة أولى من المحافظة على مكانها. س ٩٢١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكر بعض المفسرين في قول الله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (١) أن النبي ﷺ كان بعد الطواف يتجه إلى مقام إبراهيم ويتلو هذه الآية ثم يصلي خلفه، والسؤال: هل يمكن أن يقال إنه يشرع أن تتلى هذه الآية للمعتمر وهل الحديث في ذلك صحيح ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الحديث عن جابر بن عبد الله- ﵄ الطويل في صحيح مسلم وفيه (كان إذا فرغ من الطواف تقدم إلى مقام إبراهيم، وقرأ حين تقدم (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (٢) وذلك ليشعر نفسه أنه إنما تقدم إلى هذه المقام ليصلي

стр. 8817

خلفه امتثالاً لأمر الله، وكذلك أيضاً حينما دنا من الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (١) أبدأ بما بدأ الله به، ليشعر نفسه أن هذا السعي من شعائر الله، وأنه يبدأ بالصفا لأن الله بدأ به، وهكذا أيضاً ينبغي لنا في كل طاعة أن نشعر بأننا نفعلها امتثالاً لأمر الله، مثل الوضوء، أكثرنا يتوضأ الآن، على أن الوضوء شرط من صحة الصلاة، هذا هو الذي يكون على ذهن الإنسان، لكن ينبغي أن ينوي بذلك أنه ممتثل لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (٢) حتى يشعر بالعبادة والتذلل لله ، كذلك أيضاً هو يتوضأ الآن على صفة مخصوصة ينبغي أن يشعر بأنه يتبع بذلك رسول الله ﷺ ، حتى يكون جامعاً بين الإخلاص والمتابعة، هذه المسألة والله إننا نغفل عنها كثيراً. على هذا ينبغي للإنسان إذا فرغ من الطواف وتقدم إلى مقام إبراهيم أن يتلو هذه الآية، وإذا دنا من الصفا أوِل مرة، لا إذا صعد إليه أن يقول: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) هو ولا يعيدها مرة ثانية. لا عند الصفا ولا عند المروة. س ٩٢٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الصلاة التي بعد الطواف تكون بعد كل طواف أم في طواف خاص ؟ فأجاب فضيلته بقوله: المعروف عند العلماء- ﵏ أنها بعد كل طواف حتى طواف التطوع، لكن قالوا: للإنسان أن

стр. 8818

يجمع أسبوعين، أو ثلاثة ثم يصلي بعد ذلك لكل أسبوع ركعتين، يعنى مثلاً طاف أربعة عشر مرة ينوي سبعاً وسبعاً، نقول: لا حرج وصلى ركعتين للسبع الأول، وركعتين للسبع الثاني. س ٩٢٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الدليل على مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف النافلة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم له دليلاً إلا ما ورد عن النبي ﷺ أنه لما طاف طواف القدوم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وصلى خلفه ركعتين (١) ، فالعلماء- ﵏ ألحقوا بذلك جميع الطواف، كطواف الإفاضة، وطواف الوداع، والطواف المستحب، ولكني أنا لا أعلم دليلاً خاصاً، وأن كل طواف فإنه يصلى بعده ركعتين، وإنما ثبت عن الرسول ﵊ أنه بعد طواف القدوم في حجة الوداع تقدم إلى مقام إبراهيم وقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وصلى ركعتين، وهذا ثابت في صحيح مسلم (١) ، فالعلماء ألحقوا به جميع الأطوفة، ولا يحضرني الآن أن الرسول ﷺ كان كلما طاف صلى ركعتين، ولا في طواف الإفاضة، ولا في طواف الوداع، بل لو قال قائل: إن طواف الإفاضة ظاهر حديث جابر، أنه لم يصل؛ لأنه ذكر أنه طاف وأنه أتى على زمزم وشرب منه، وذكر الحديث، لكنه في حديث جابر أنه صلى بمكة الظهر، فيمكن أن يكون صلى بعد الطواف واكتفى بالفريضة عن النافلة، والله أعلم.

стр. 8819

س ٩٢٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تجزىء الفريضة عن ركعتي الطواف أم لا ؟ فأجاب فضيلته بقوله: اختلف فيها العلماء فإن قيل: المراد إيجاد صلاة بعد الطواف كتحية المسجد فإنها تجزىء، وإذا قيل: إنها صلاة مستقلة مطلوبة فإنها لا تجزىء، والاحتياط أن يصلي الركعتين. س ٩٢٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يكون في المطاف زحام كثير فيصلى بعض الجهال قريباً من المقام ويحولون بين الناس وبين طوافهم وقد يتحلق بعضهم على بعض فهل علينا من شيء إذا دفعناهم خصوصاً في حال الزحام الشديد ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إن أولئك الذين يصلون خلف المقام، ويصرون على أن يصلوا هناك مع احتياج الطائفين إلى مكانهم، قد ظلموا أنفسهم، وظلموا غيرهم، وهم آثمون معتدون ظالمون، ليس لهم حق في هذا المكان، ولك أن تدفعهم، ولك أن تمر بين أيديهم، ولك أن تتخطاهم وهم ساجدون؛ لأنه لا حق لهم في هذا المكان أبداً، وكونهم يصرون على أنهم يكونون في هذا المكان من جهلهم لا شك؛ لأن ركعتي الطواف تجوز في كل المسجد، فمن الممكن أن الإنسان يبتعد عن مكان الطائفين، ويصلي ركعتين، حتى إن أمير المؤمنين عمر- ﵁ صلى ركعتي الطواف بذي طوى، وذي طوى بعيدة عن المسجد

стр. 8820

الحرام، فضلاً عن أن تكون في المسجد الحرام، فالإنسان يجب عليه أن يتقي الله في نفسه، ويتقي الله في إخوانه، فلا يصلي خلف مقام إبراهيم، والناس محتاجون إلى هذا المكان في الطواف، فإن فعل فلا حرمة له، ولنا أن ندفعه، ولنا أن نقطع صلاته عليه، ولنا أن نتخطاه وهو ساجد، لأنه هو المعتدي الظالم- والعياذ بالله-. ولكن مع ذلك فلا بد من التراحم، ونصيحتي لإخواني المسلمين في هذا المقام أن يتأسوا برسول الله ﷺ فإن هديه خير الهدي. س ٩٢٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تشرع صلاة ركعتي الطواف خلف المقام وإن كان المطاف مزدحماً ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل في ركعتي الطواف أن تكون خلف المقام، ولكن إذا كان المطاف مزدحماً ووصل الطائفون إلى المقام، فلا يجوز أن تصلي في المكان الذي يحتاج إليه الطائفون؛ لأن في ذلك إيذاء لهم وتضييقاً عليهم، ويحصل لك انشغال وتشويش، وقد نهى النبي ﷺ أن يصلي الإنسان وهو مشوش البال فقال ﷺ : "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الإخبثان " ومدافعة الطائفين وأنت تصلي أشد من مدافعة الأخبثين، وفي هذا الحال نقول: صل في أي مكان بالمسجد، ولكن الأفضل أن تجعل المقام بينك وبين الكعبة ولو كنت بعيداً عنه.

стр. 8821

س ٩٢٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من حج ولم يأت بركعتي الطواف فهل حجه تام، أو يجب عليه إعادته ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ركعتا الطواف ليست ركناً من أركان الحج ولا العمرة، وإنما هما من الأمور التي أمر بها، فإن النبي ﷺ لما انتهى تقدم طوافه تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (١) والذي حج ولم يأت بهما فحجه تام، ولا يجب عليه إعادته ولا يجب في ذلك دم. والله أعلم. س ٩٢٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حدِّد لنا يا فضيلة الشيخ المكان الذي تصلى فيه ركعتا الطواف ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ركعتا الطواف يسن أن يصليهما خلف المقام، بأن يجعل المقام بينه وبين البيت، وإن قرب من المقام فهو أفضل، وإن لم يتيسر له فإنه يجزىء أن يصليهما وإن كان بعيداً عن المقام، المهم أن يجعل المقام بينه وبين البيت، فإن لم يتيسر ذلك أيضاً وصلاهما في أي مكان من المسجد فلا حرج. س ٩٢٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الأثر الذي في مقام إبراهيم هو أثر قدمي إبراهيم ﵊ أم لا ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن مقام إبراهيم ثابت وأن هذا الذي بني عليه الزجاج هو مقام إبراهيم ﵊، لكن الحفر الذي فيه، لا يظهر أنه أثر القدمين؛ لأن المعروف من

стр. 8822

الناحية التاريخية أن أثر القدمين قد زال منذ أزمنة متطاولة، ولكن حفرت هذه، أو صنعت للعلامة فقط، ولا يمكن أن نجزم بأن هذا الحفر هو موضع قدمي إبراهيم ﵊. وبالمناسبة أحب أن أنبه على مسألة وهي أن بعض المعتمرين والحجاج يقف عند مقام إبراهيم ويدعو بدعاء لم يرد عن النبي ﵊، وربما يدعو بصوت مرتفع، فيشوش على الذين يصلون ركعتي الطواف خلف المقام، وليس للمقام دعاء، بل السنة تخفيف الركعتين خلفه، ثم يقوم بعد التسليم مباشرة، ليترك المكان لمن هو أحق به منه، من الذين يريدون صلاة ركعتي الطواف. س ٩٣٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك أخطاء في ركعتي الطواف تقع من الحجاج يجب التنبيه إليها ؟ فأجاب فضيلته بقوله: من الأخطاء أن بعض الناس يظنون أن هاتين الركعتين لابد أن تكونا خلف المقام وقريباً منه أيضاً، ولهذا تجدهم يزاحمون زحاماً شديداً يؤذون الطائفين، وهم ليس لهم حق في هذا المكان؛ لأن الطائفين أحق به منهم مادام المطاف مزدحماً؛ لأن الطائفين ليس لهم مكان سوى هذا، وأما المصلون للركعتين بعد الطواف- فلهم مكان آخر، المهم أننا نجد بعض الناس يتحلقون خلف المقام ويشغلون مكاناً كبيراً واسعاً من أجل رجل واحد، أو امرأة واحدة تصلي خلف المقام، ويحصل في ذلك من قطع الطواف للطائفين وازدحامهم، لأنهم يأتون من

стр. 8823

مكان واسع، ثم يضيق بهم المكان من أجل هذه الحلقة التي تحلق بها هؤلاء، فيحصل بذلك ضنك وضيق، وربما يحصل مضاربة ومشاتمة، وهذا كله إيذاء لعباد الله ، وتحجر لمكان غيرهم به أولى، وهذا الفعل لا يشك عاقل عرف مصادر الشريعة ومواردها أنه محرم، وأنه لا يجوز لما فيه من إيذاء المسلمين وتعريض طواف الطائفين للفساد أحياناً، لأن الطائفين أحياناً باشتباكهم بهؤلاء يجعلون البيت إما خلفهم، وإما أمامهم، مما يخل بشرط من شروط الطواف، فالخطأ هنا أن بعض الناس يعتقد أنه لابد أن تكون ركعتا الطواف خلف المقام وقريباً منه، والأمر ليس كما ظن هؤلاء، فالركعتان تجزئان في كل مكان من المسجد، ويمكن للإنسان أن يجعل المقام بينه وبين الكعبة ولو كان بعيداً منه، ويحصل بذلك على السنة من غير إيذاء للطائفين ولا لغيرهم. الخطأ الثاني: ومن الأخطاء في هاتين الركعتين: أن بعض الناس يطولهما؛ يطيل القراءة فيهما، ويطيل الركوع، والسجود، والقيام، والقعود، وهذا مخالف للسنة، فإن النبي ﷺ كان يخفف هاتين الركعتين، ويقرأ في الأولى (قل يا أيها الكافرون) ، وفي الثانية (قل هو الله أحد) ، وينصرف من حين أن يسلم تشريعاً للأمة، ولئلا لا يحجز المكان عمن هو أحق به منه، فإن هذا المكان إنما يكون للذين يصلون ركعتين خلفه بعد الطواف، أو للطائفين إن ازدحم المطاف، ولهذا يخطىء بعض الناس الذين يطيلون هاتين الركعتين خلف المقام، لمخالفتهم السنة وللتضيق

стр. 8824

على إخوانهم من الطائفين إذا كان المطاف مزدحمًا، ولاحتجاز المكان الذي غيرهم أولى به ممن أتموا طوافهم ويريدون أن يصلوا ركعتين خلف المقام. الخطأ الثالث: ومن الأخطاء في هاتين الركعتين: أن بعض الناس إذا أتمهما جع يده مرفوعة ويدعو دعاء طويلاً، والدعاء بعد الركعتين هنا ليس بمشروع؛ لأن رسول الله ﷺ لم يفعله، ولا أرشد أمته إليه، وخير الهدي هدي محمد ﷺ فلا ينبغي للإنسان أن يبقى بعد الركعتين ليدعو، لأن ذلك خلاف السنة، ولأنه يؤذي الطائفين إذا كان الطواف مزدحمًا، ولأنه يحجز مكاناً غيره أولى به ممن أتم الطواف وأرادوا أن يصلوا في هذا المكان. الخطأ الرابع: وهو من البدع أيضاً ما يفعله بعض الناس، يقوم عند مقام إبراهيم ويدعو دعاء طويلاً، يسمى دعاء المقام، وهذا الدعاء لا أصل له أبدا في سنة الرسول ﷺ ، فهو من البدع التي نهى عنها، وفيه مع كونه بدعة وكل دعة ضلالة، أن بعض الناس يمسك كتاباً فيه هذا الدعاء، ويبدأ يدعو به بصوت مرتفع، ويؤمن عليه من خلفه، وهذا بدعة إلى بدعة، وفيه أيضاً تشويش على المصلين حول المقام، والتشويش على المصلين سبق أن رسول الله ﷺ نهى عنه، وكل هذه الأخطاء التي ذكرناها في الركعتين وما بعدهما تصويبها أن الإنسان يمشي في ذلك على هدي رسول الله ﷺ فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، فإذا مشينا عليه زالت عنا هذه الأخطاء.

стр. 8825

س ٩٣١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم من الأخطاء في ركعتي الطواف أن يدعو الإنسان بعدهما، وهناك من يدعو طويلاً ثم يمسح وجهه بعد ركعتي الطواف فهل هذا المسح خاص بركعتي الطواف أم في جميع السنن التي يصليها الإنسان ؟ فأجاب فضيلته بقوله: في السؤال مسألتان: المسألة الأولى: وهي مسح الوجه باليدين بعد الدعاء. والمسألة الثانية: الدعاء بعد النافلة. أما الأول وهو مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فإنه وردت فيه أحاديث ضعيفة، اختلف فيها أهل العلم، فذهب شيخ الإسلام ابن تيمية- رحم الله- إلى أن هذه الأحاديث لا تقوم بها حجة، لأنها ضعيفة مخالفة لما روي عن النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما فإنه روى عن رسول الله ﷺ الدعاء بأحاديث صحيحة، وأنه رفع يديه في ذلك، ولم يذكر أنه مسح بهما وجهه، وهذا يدل على أنه لم يفعله؛ لأنه لو فعله لتوافرت الدواعي على نقله وممن رأى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية- رحم الله- فقال: إن مسح الوجه بالدعاء باليدين بعد الفراغ من الدعاء بدعة. ومن العلماء من يرى أن هذه الأحاديث الضعيفة بمجموعها ترتقي إلى درجة الحديث الحسن لغيره؛ لأن الطرق الضعيفة إذا كثرت على وجه ينجبر بعضها ببعض صارت من القسم الحسن لغيره، ومن هؤلاء ابن حجر العسقلاني- رحم الله- في كتابه (بلوغ المرام) . والذي يظهر لي أن الأولى عدم مسح الوجه باليدين بعد
следующие страницы →