← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

أو عمرته سنوات فما الحكم في ذلك، ونريد أيضاً قاعدة متى يؤمر الحاج أو المعتمر إذا ترك شيئاً من نسكه أن يرجع إلى مكة للإتيان به؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل ترك واجباً، وترك الواجب يجب فيه فدية تذبح في مكة، وتوزع على الفقراء، وبهذا يتم حجه، وإما ما يلزم الحاج فعله إذا تركه فهي الأركان، أما الواجبات فإذا فات وقتها تجبر بدم. س ١٠٢٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قمت بأداء فريضة العمرة ولكنني لم أقصر من رأسي ظناً منى بأنها سنة للرجال فقط، وأن النساء ليس عليهن تقصير، وبعد أن رجعت من العمرة علمت بأن عليَّ دمًا ولكن زوجي لا يريد أن يذبح عني وأنا لا أملك المال لكي أذبح عن نفسي فماذا أفعل يا فضيلة الشيخ ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أقول لا تفعل شيئاً؛ لأن الإنسان إذا وجب عليه شيء ولم يقدر عليه سقط لقول الله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقال العلماء- ﵏ (لا واجب مع العجز) . ولكني أنصح هذه المرأة وغيرها بنصيحة وأرجو أن تكون نافعة وهي: أن الإنسان إذا أراد أن يحج فليعرف أحكام الحج قبل أن يحج، وإذا أراد أن يعتمر فليعلم أحكام العمرة قبل أن يعتمر، وهكذا بقية العبادات، حتى يعبد الله على بصيرة وعلى علم، لئلا يقع في الزلل والخطأ، ثم بعد ذلك يفتش عن من ينتشله من هذا

стр. 8892

الخطأ، أنصح إخواننا المسلمين كلهم هذه النصيحة أن لا يقوموا بشيء من العبادات حتى يتعلموها قبل أن يعملوها، ولهذا ترجم البخاري ﵀ في صحيحه على هذه المسألة فقال: (باب العلم قبل القول والعمل) وصدق. أما هذه فكما قلت أولاً: لا شيء عليها لأنها عاجزة عن الفدية فتسقط عنها، وليس هناك دليل على أن من عجز عن الفدية في ترك الواجب أنه يصوم عشرة أيام، وما دام أنه لا دليل على ذلك، فلا نلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، فنقول: من وجب عليه دم وهو قادر عليه فليفعل، ومن لم يجد سقط عنه، إلا دم المتعة والقران، فإن الله تعالى صرح بأن من لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. س ١٠٢٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان شعر المرأة قصيراً بحيث لا يمكنها أن تضفره ضفائر فكيف تقصر منه في الحج أو العمرة ؟ فأجاب بقوله: هذه المرأة إذا لم يكن لها ضفائر فإنها تأخذ من أطراف الشعر بقدر أنملة، والأنملة هي فصلة الأصبع. س ١٠٣٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أين تقص المرأة شعرها بعد فك الإحرام أهو من مؤخرة الضفيرة أم من مقدمة الرأس جزاكم الله خيراً ؟ فأجاب فضيلته بقوله: تقص المرأة من رأسها إذا كانت

стр. 8893

محرمة بحج أو عمرة من أطراف الشعر، من أطراف الضفائر إن كانت قد ضفرته أي جدلته، أو من أطرافه إذا لم تجدله من كل ناحية من الأمام، ومن اليمين، ومن الشمال، ومن الخلف. س ١٠٣١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا قصرت المرأة شعرها بنفسها فما الحكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا قصرت امرأة شعرها بنفسها، أو حلق الرجل رأسه بنفسه، أو حلقه له محرم، أو حلقه محل كل هذا جائز. تم بحمد الله تعالى المجلد الثاني والعشرون ويليه بمشيئة الله المجلد الثالث والعشرون

стр. 8894

باب صفة الحج والعمرة

стр. 8895

س١٠٣٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: متى يحرم الحاج للحج في يوم التروية؟ ومن أين يكون ؟ فأجاب فضيلته بقوله: يحرم للحج في يوم التروية وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، ويحرم للحج من مكانه الذي هو نازل فيه، ويحرم ضحى، ويذهب إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر. س ١٠٣٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: متمتع أحرم بالحج يوم التروية من عرفة فهل عليه شيء ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا شيء عليه، لأن الإحرام بالحج يجوز أن يكون من الحرم ومن الحل. س١٠٣٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يلزم المحرم يوم التروية أن يطوف بالبيت، أو يحرم في البيت ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمه أن يطوف بالبيت، ولا أن يحرم في البيت، ولا يسن له ذلك أيضاً؛ لأن الصحابة- ﵃ الذين حلوا من عمرتهم مع النبي ﷺ أحرموا من مكانهم، ولم يأمرهم النبي ﷺ أن يذهبوا إلى البيت فيحرموا منه، أو أن يطوفوا قبل إحرامهم. س١٠٣٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يحرم بعض الناس بالحج يوم التروية من تحت ميزاب الكعبة، فهل لذلك من أصل ؟

стр. 8896

فأجاب فضيلته بقوله: ذكر ذلك بعض العلماء، وهذا القول مخالف لظاهر السنة، فالصحابة- ﵃ أحرموا من مكانهم بالأبطح، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن يذهبوا إلى البيت فيحرموا منه. وعلى هذا فالسنة أن يحرم الحاج من المكان الذي هو فيه. س١٠٣٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للإنسان أن يؤخر سفره للحج إلى اليوم الثامن من ذي الحجة ثم يسافر بالطائرة من الرياض إلى جدة؟ وبأي نسك يحرم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للإنسان ألا يسافر للحج إلا في اليوم الثامن من ذي الحجة في الطائرة، ففي هذه الحال يحرم، إما بالحج مفرداً، وإما بالحج والعمرة قراناً، ولكنه يجب عليه إذا كان قد سافر من الرياض أن يحرم إذا حاذى اليقات، ولا يجوز أن يؤخر الإحرام حتى يصل إلى جدة، أو مكة، وذلك لأن الرسول ﷺ عندما وقَّت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن يريد الحج أو العمرة" (١) . وعلى هذا فالواجب على السائل أن يحرم إذا حاذى الميقات، وحينئذ يغتسل في بيته قبل أن يركب الطائرة، ويلبس ثياب الإحرام إما في بيته أو في الطائرة، فإذا حاذى الميقات فإنه يلبي بما أراد من نسك، ولا يجوز له أن يؤخره إلى جدة، أو مكة.-

стр. 8897

س١٠٣٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أدى فريضة الحج متمتعاً ودخل مكة في اليوم السابع وأدى العمرة وعندما أراد أن يذهب إلى منى في اليوم الثامن لم يخلع ثياب الإحرام ولكنه نوى الحج فما الحكم في ذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج عليه؛ لأن العبرة بأفعال العمرة، فإذا طاف، وسعى، وقصر، فقد حل، سواء خلع ثياب الإحرام ولبس الثياب المعتادة، أو بقي بثياب الإحرام، لكن كونه يخلع ثياب الإحرام ويلبس الثياب المعتادة أحسن؛ لأنه أظهر في التحلل فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج، وخرج مع الناس إلى منى، وإن كان في منى فأحرم للحج من منى. س١٠٣٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد أحرمنا في اليوم الثامن من ذي الحجة من ملاوي إلى منى، وبتنا في منى، وفي صباح ليلة الجمعة الموافقة ليوم عرفة خلعنا ملابسنا- أي أحرمنا- واستحممنا بالماء فقط فهل في ذلك حرج ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الذي فهمت من هذا السؤال أنهم خرجوا من مكة من ملاوي إلى منى، وأنهم لم يحرموا إلا في منى وهذا يجزئ، ولكنه خلاف الأفضل، إذ الأفضل للإنسان إذا أراد الإحرام بالحج وهو في مكة ألا ينطلق من مكانه حتى يحرم، لأن الصحابة- ﵃ خرجوا إلى منى محرمين، وقد نزلوا في الأبطح قبل الطلوع، فهذا الذي أخر إحرامه إلى منى ليس حجه ناقص إلا نقص مستحب، فالأفضل له لو أحرم من مكانه الذي

стр. 8898

انطلق منه. وخلع ثياب الإحرام من أجل الغسل لا شيء فيه. س١٠٣٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك أخطاء في الإحرام يوم التروية؟ وما علاجها ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم، هناك أخطاء في الإحرام للحج يوم التروية، فمنها ما سبق ذكره من الأخطاء عند الإحرام للعمرة وهو: أن بعض الناس يعتقد وجوب الركعتين للإحرام، وأنه لابد أن تكون ثياب الإحرام جديدة، وأنه لابد أن يحرم بالنعلين، وأنه يضطبع بالرداء من حين إحرامه إلى أن يحل. ومن الأخطاء في إحرام الحج: أن بعض الناس يعتقد أنه يجب أن يحرم من المسجد الحرام، فتجده يتكلف ويذهب إلى المسجد الحرام ليحرم منه، وهذا ظن خطأ، فإن الإحرام من المسجد الحرام لا يجب، بل السنة أن يحرم الإنسان من مكانه الذي هو نازل فيه، أي أن يحرم بالحج من مكانه الذي هو نازل فيه؛ لأن الصحابة ﵃ الذين حلوا من إحرام العمرة بأمر النبي ﷺ ثم أحرموا بالحج يوم التروية، لم يأتوا إلى المسجد الحرام ليحرموا منه، بل أحرم كل إنسان منهم من موضعه، وهذا في عهد النبي ﵊، فيكون هذا السنة، فالسنة للمحرم بالحج أنه يكون إحرامه من المكان الذي هو نازل فيه، سواء كان في مكة، أو في منى، كما يفعل بعض الناس الآن، حيث يتقدمون إلى منى من أجل حماية الأمكنة لهم. ومن الأخطاء أيضاً: أن بالحجاج يظن أنه لا يصح أن

стр. 8899

يحرم بثياب الإحرام التي أحرم بها في عمرته إلا أن يغسلها، وهو ظن خطأ أيضاً؛ لأن ثياب الإحرام لا يشترط أن تكون جديدة، أو نظيفة، ولكن كلما كانت أنظف فهو أولى، وأما أنه لا يصح الإحرام بها؛ لأنه أحرم بها في العمرة، فإن هذا الظن ليس بصواب. س١٠٤٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يتعمد بعض الناس الذهاب إلى مكة في اليوم التاسع ويتعجل الخروج من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق ويفعل ذلك احتساباً فما رأيكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ما معنى احتساباً؛ لأن هذا الحج حج ناقص، لكن تبرأ به الذمة، فإذا كان لا يحرم حتى اليوم التاسع، وينصرف في اليوم الثاني عشر لا شك أنه حج ناقص، وأن الأفضل للإنسان أن يحرم بالحج في اليوم الثامن، ويصلي في منى خمسة أوقات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ويقف بعرفة يومه كله، ويدفع من عرفة بعد غروب الشمس، ويبقى في مزدلفة حتى يصلي الفجر، ويبقى في منى إلى اليوم الثاني عشر، ولكن بعد أن يرمي الجمرات في اليوم الثاني عشر إن شاء تعجل وإن شاء تأخر. س١٠٤١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: صليت يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) كل فرض أربع ركعات، والمغرب ثلاثاً، ولكن أعلمني أحد الإخوان بأنه لابد أن يكون قصراً فما حكم ذلك؟ وما حكم المبيت بمنى ليلة عرفة ؟

стр. 8900

فأجاب فضيلته بقوله: صلاتك صحيحة، ولكن السنة للمسافر أن يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، وإن أتم فإن صلاته ليست باطلة، ولكن إذا كان الإنسان جاهلاً كحالك فإننا نرجو أن يوفيك الله أجرك كاملا؛ لأنك مجتهد، ولم تفعل شيئاً محرماً، وإنما فعلت شيئاً مفضولاً فقط. والمبيت بمنى ليلة عرفة سنة، وليس بواجب. س١٠٤٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لماذا سمي اليوم الثامن من ذي الحجة بيوم التروية ؟ فأجاب فضيلته بقوله: سمي اليوم الثامن بيوم التروية؛ لأن الناس فيما سبق إذا أرادوا الخروج من مكة إلى منى في اليوم الثامن، يتروون الماء- أي يجملونه- معهم من مكة؛ لأن منى في ذلك الوقت لم يكن بها ماء. وبهذه المناسبة فأيام الحج لها أسماء: فالثامن: يوم التروية، وسبق سبب التسمية. والتاسع: يوم عرفة؛ لأن الحجاج بعرفة. والعاشر: يوم النحر؟ لنحر الهدي والأضاحي، والحادي عشر: يوم القر؛ لاستقرار الحجيج بمنى. والثاني عشر: يوم النفر الأول؟ لمغادرة المتعجلين بعد الرمي، والثالث عشر: يوم النفر الثاني. س١٠٤٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد أكرمني الله بالحج في هذا العام والحمد لله، ولكن حدث مني بعض الأخطاء

стр. 8901

ويعلم الله أنه ليس بيدي بحكم أني امرأة، سؤالي يا فضيلة الشيخ: لم نذهب إلى منى يوم التروية بسبب الحريق ولكننا ذهبنا إلى عرفة مباشرة. ثانياً: لم نبت في مزدلفة، ولكن وقفت بنا السيارة لمدة ربع ساعة للصلاة، ولقط الجمار، ثم سرنا ولكننا لم نسر إلى منى، ولكن جلسنا في السيارة إلى حدود الساعة الثالثة صباحاً ونحن داخل مزدلفة فهل يعتبر هذا مبيت؟ فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، كونها لم تبت في منى ليلة التاسع ولم تقم فيها يوم الثامن لا حرج عليها في ذلك؛ لأن البقاء في منى اليوم الثامن وليلة التاسع سنة، وليس بواجب، فمن أتى به فعل خيرًا، ومن لم يفعله لا لوم عليه ولا إثم عليه. وأما كونهم لم ينزلوا في مزدلفة إلا قليلاً للصلاة ولقط الجمرات، ثم ركبوا السيارة، وبقوا عليها إلى الساعة الثالثة فهذا أيضاً لا بأس به، لأن المهم أن يبقى الإنسان في مزدلفة سواء على السيارة، أو على الأرض. وقد أشارت إلى لقط الجمرات من مزدلفة، وقد اشتهر عند كثير من العوام أنه يجب أن تلتقط الحصى من مزدلفة وهذا خطأ، فالحصى تلتقط من منى، لأن النبي ﷺ التقطها من منى حين وقف على جمرة العقبة، وأمر ابن عباس- ﵄ أن يلقط له الحصى فلقطها من منى، وجعل يقول: "بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين" (١) . لكن استحب كثير من السلف أن

стр. 8902

تلقط الحصى من مزدلفة من أجل أن يبادر برمي جمرة العقبة حتى لا ينزل من بعيره فيلقط الحصى من منى، قالوا: يأخذها قبل أن يرتحل لتكون جاهزة؛ لأن الأفضل أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد وهو على بعيره، قبل أن يحط رحله، لكن هذا أمر في الوقت الحاضر لا يمكن بل هو مستحيل، ولو قلنا للناس: اركبوا سيارتكم وقفوا عند الجمرة لا يمكن، لذلك نقول: إن لقط الجمرات من منى أقرب للسنة من لقطها من مزدلفة. س١٠٤٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي الأخطاء التي تحدث في الذهاب إلى منى وفي المبيت فيها ؟ فأجاب فضيلته بقوله: من الأخطاء التي تكون في الذهاب إلى منى، ما سبق ذكره في الخطأ في التلبية، حيث إن بعض الناس لا يجهر بالتلبية مع مشروعية الجهر بها، فتمر بك أفواج الحجاج ولا تكاد تسمع واحداً يلبي، وهذا خلاف السنة، وخلاف ما أمر به رسول الله ﷺ أصحابه، فالسنة للإنسان في التلبية أن يجهر بها ويرفع صوته بذلك ما لم يشق عليه، وليعلم أنه لا يسمعه شيء من حجر أو مدَر، إلا شهد له يوم القيامة عند الله . ومن ذلك أيضاً: أن بعض الحجاج يذهب رأساً إلى عرفة ولا يبيت في منى، وهذا وإن كان جائزاً؛ لأن المبيت في منى قبل يوم عرفة ليس بواجب، لكن الأفضل للإنسان أن يتبع السنة التي جاءت عن رسول الله ﷺ بحيث ينزل في منى من ضحى يوم الثامن إلى أن تطلع الشمس لليوم التاسع، فإن رسول الله ﷺ فعل ذلك

стр. 8903

وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" (١) . لكنه لو تقدم إلى عرفة ولم يبت في منى في ليلة التاسع فلا حرج عليه؟ لحديث عروة بن المضرس أنه أتى إلى النبي ﷺ في صلاة الفجر يوم العيد في مزدلفة وقال: يا رسول الله، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، فلم أرَ جبلأ إلا وقفت عنده فهل لي من حج؟ فقال النبي ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه" (٢) . ولم يذكر الرسول ﷺ المبيت بمنى ليلة التاسع، وهذا يدل على أنه ليس بواجب. ومن الأخطاء في بقاء الناس في منى في اليوم الثامن: أن بعض الناس يقصر ويجمع في منى، فيجمع الظهر جمع العصر، والمغرب مع العشاء، وهذا خلاف السنة، فإن المشروع للناس في منى أن يقصروا الصلاة بدون جمع، هكذا جاءت السنة عن ر سول الله ﷺ ، وإن كان الجمع جائزاً؛ لأنه في سفر، والمسافر يجوز له الجمع نازلاً وسائراً، لكن الأفضل لمن كان نازلاً من المسافرين أن لا يجمع إلا لسبب، ولا سبب يقتضي الجمع في منى، ولهذا كان رسول الله ﷺ لا يجمع في منى، ولكن يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، فيصلي الظهر ركعتين في وقتها، والعصر ركعتين في وقتها، والمغرب ثلاثًا في

стр. 8904

وقتها، والعشاء ركعتين في وقتها، والفجر في وقتها، هذا ما يحضرني الآن فيما يكون من الأخطاء في الذهاب إلى منى، والمكث فيها في اليوم الثامن.

стр. 8905

الوقوف بعرفة

стр. 8906

س١٠٤٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أغمي عليه قبل عرفة، ثم حمل إلى عرفة في يوم عرفة وهو مغمى عليه فهل يصح حجه مع عدم علمه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ذكر العلماء- ﵏ أن وقوف المغمى عليه مجزي، وأن الإنسان لو أغمي عليه قبل طلوع الفجر يوم عرفة، ولم يفق إلا بعد طلوع الفجر يوم النحر، وهو في عرفة وقد وقف في عرفة فإن حجه صحيح. س١٠٤٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم نزول الحاج بنمرة قبل دخوله عرفة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نزول الحاج نمرة محل خلاف بين العلماء، هل هو سنة أو هو نزول راحة؟ هو سنة إن تيسر، وإلا فلا حرج على الحاج إذا لم ينزل بنمرة. س١٠٤٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز الوقوف ببطن وادي عرنة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز الوقوف ببطن عرنة لقول النبي ﷺ : "وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة" (١) . ومن وقف خارج حدود عرفة فلا حج له، لقول النبي ﷺ : "الحج عرفة" (٢) .

стр. 8907

س١٠٤٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من وصل إلى مكة بعد الظهر من يوم عرفة، هل الأفضل له أن يذهب إلى مكة ويطوف طواف القدوم، ويسعى سعي الحج، ثم يخرج إلى عرفة، أو أن الأفضل أن يذهب إلى عرفة مباشرة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يذهب إلى عرفة مباشرة؛ لأن هذا اليوم يوم عرفة، ليس يوم الطواف، والرجل الذي أتى إلى النبي صلى الله عليه وعلى اَله وسلم وصلى معه الفجر في مزدلفة، وهو عروة بن المضرس أتى من جبال طي، من عند حائل وصادف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو في صلاة الفجر في مزدلفة وقال: يا رسول الله أتعبت نفسي، وأكللت راحلتي، وإني ما تركت جبلاً إلا وقفت عنده فهل لي من حج؟ فقال له النبي صلى الله عليه وعلى اَله وسلم: "من صلى صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه، وقضى تفثه" (١) ولم يذكر أنه طاف طواف القدوم، وعلى هذا إذا وصلت إلى مكة يوم عرفة فإلى عرفة. س١٠٤٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: وقف النبي ﷺ بعرفة على بعيره فما الأفضل للحاج أن يقف على سيارته أو يجلس في خيمته ؟

стр. 8908

فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل ما كان أخشع للإنسان وأحضر لقلبه، وينبغي أن يكون حال الدعاء مستقبلاً لقبلة. س١٠٥٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يشكك بعض الناس في أن الحجاج وقفوا في اليوم العاشر؛ لأنه حسب وقوفهم تكون الليلة ليلة الثامن والعشرين وبهذا ينقص شهر ذي الحجة لأنه في التقويم تسعة وعشرون فما قولكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: وقوفنا في عرفة ليس فيه شك لكن اختلف دخول الشهر شرعاً، ودخوله حسب التقويم سابق على دخوله شرعاً، فإنه دخل حسب التقويم ليلة الأحد فتكون الليلة ليلة تسع وعشرين، ودخل شرعاً ليلة الاثنين فتكون الليلة ليلة ثمان وعشرين، وليس في وقوفنا شك والحمد لله، ثم إني أقول: لو فرض أن الناس وقفوا بعرفة، ثم تبين يقيناً أنهم وقفوا في العاشر، فإن حجهم صحيح، ولا شيء عليهم، وبهذا يندفع وسواس بعض الناس في هذا العام، حيث قاموا يوشوشون بناءً على أنهم يوسوسون فنقول: اطمئن، الشهر شرعاً، ما كان متمشياً على شريعة الله، ومن المعلوم أن النبي ﷺ أمرنا إذا لم يرَ الهلال أن نكمل الشهر السابق ثلاثين يوماً، ثم إنه ثبت عندنا أنه في صباح يوم الأحد كسفت الشمس على القارة الأمريكية، وكسوفها في ذلك الوقت يدل دلالة قاطعة بأنه لا يمكن أن يهل الهلال ليلة الأحد، وهذا شيء معلوم عند علماء الفلك أنه إذا كسفت الشمس بعد غروبها، فإنه لا يمكن أن يهل الهلال إطلاقاً؛ لأن السبب الحسي لكسوف

стр. 8909

الشمس هو حيلولة القمر بينها وبين الأرض، وهذا لا يمكن إذا تأخر القمر حتى رؤي بعد الغروب أن يقفز حتى يكون حائلاً بينها وبين الأرض، هذا شيء مستحيل، وهذا مما يزيد الإنسان طمأنينة، وإلا فالإنسان مطمئن بأن الناس- والحمد لله- قد مشوا في إثبات شهر ذي الحجة على الطريقة الشرعية، التي ليس فيها لبس. س١٠٥١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من وقف من الحجاج في اليوم الثامن، أو العاشر خطأ هل يجزئهم؟ وما معنى: "الحج عرفة "؟ فأجاب فضيلته بقوله: لو وقف الحجاج في اليوم الثامن، أو في اليوم العاشر خطأ فإن ذلك يجزئهم؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقد قال الله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا) وأما معنى قول النبي ﷺ : "الحج عرفة" (١) فمعناه أنه لابد قي الحج من الوقوف بعرفة، فمن لم يقف بعرفة فقد فاته الحج، وليس معناه أن من وقف بعرفة لم يبق عليه شيء من أعمال الحج بالإجماع، فإن الإنسان إذا وقف بعرفة بقي عليه من أعمال الحج كالمبيت بمزدلفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والمبيت في منى، ولكن المعنى أن الوقوف بعرفة لابد منه في الحج، وإن لم يقف بعرفة فلا حج له، ولهذا قال أهل العلم: من فاته الوقوف فاته الحج.

стр. 8910

س١٠٥٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص حج قبل سنوات حصل له في ليلة عرفة احتلام فوقف بعرفة وهو جنب ولم يغتسل إلا يوم العيد فما حكم حجه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: حجه صحيح؛ لأن جميع مناسك الحج لا يشترط لها الطهارة إلا الطواف على خلاف فيه، ولكن الحيض يمنع من الطواف مطلقاً، حتى على القول بأن الطهارة لا تشترط للطواف، يقولون: إن الحائض لا تطوف؛ لأنه يلزم من طوافها أن تمكث بالمسجد الحرام وهي حائض، وهذا لا يجوز، ولكن يلام هذا الرجل، لماذا لم يغتسل طول يوم عرفة؟! قد يقول: ليس عندي ماء، فنقول: إذا لم يكن عندك ماء، فتيمم حتى تجد الماء، على أن الغالب- ولله الحمد- في السنوات الأخيرة أن الماء متوفر، فيمكن أن يغتسل الإنسان أي وقت شاء، فلا يجوز أن يؤخر الصلاة، بل يجب أن يغتسل فيصلِي، فإن لم يجد ماء فليتيمم ويصلي. س١٠٥٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أرجو من فضيلتكم إعطاءنا النموذج الأمثل للوقوف بعرفة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الوقوف بعرفة معناه أنه إذا كان في صباح اليوم التاسع، وطلعت الشمس سار الحاج إلى عرفة من منى، فصلى الظهر والعصر قصراً، وجمع تقديم، ثم تفرغ للدعاء والذكر، وقراءة القرآن، ولاسيما في آخر النهار، فيلح بالدعاء رافعاً يديه مستقبل القبلة إلى أن تغرب الشمس. وليعلم أن الله -جل وعلا- ينزل إلى السماء الدنيا، عشية

стр. 8911

عرفة فيدنو من عباده على الوجه اللائق به، ويقول : "ما أراد هؤلاء؟ " (١) يعني أي شيء أرادوا من مجيئهم إلى هذا المكان؟ يريد بذلك أن يتفضل عليهم بالرحمة والمغفرة، وإعطائهم سؤلهم، والمشروع في حال الدعاء أن يكون الإنسان مستقبل القبلة، ولو كان الجبل خلفه، ولا يشترط أن يذهب إلى الجبل فيقف عنده، لقوله ﷺ : "وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف" (٣) . س١٠٥٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما المشروع فعله يوم الوقوف بعرفة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أنا لا أعلم هل يقصد هذا السائل: للواقفين بعرفة، أو لعامة الناس؟ ولكن نجيب على الأمرين إن شاء الله تعالى: أما الأول: فإنه يشرع للواقفين بعرفة أن يستغلوا هذا اليوم بما جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، فإن النبي ﷺ في هذا اليوم دفع من منى بعد طلوع الشمس، ثم نزل بنمرة حتى زالت الشمس، ثم ركب ونزل في بطن الوادي فصلى الظهر والعصر جمعًا وقصراً، وخطب الناس ﵊، ثم اتجه إلى الموقف، والموقف الذي اختار أن يقف فيه هو شرقي عرفة، عند الجبل المسمى بجبل الرحمة، ووقف هنالك حتى غربت الشمس، يدعو الله ويذكره، فينبغي للإنسان أن يستغل هذا اليوم، ولاسيما آخر النهار بالدعاء، والذكر، والتضرع إلى الله

стр. 8912

سبحانه وتعالى، ويحسن أن يدعو بشيء يعرف معناه ليعرف ما يدعو الله به، أما ما يفعله بعض الناس يحملون كتباً فيها أدعية يدعون بها، وهم لا يعرفون معناها، فهذا قليل الفائدة جداً، ولكن الذي ينبغي أن يقرأ، أو أن يدعو بدعاء يعرف معناه، حتى يعرف ماذا دعا ربه به. الثاني: بالنسبة لغير الواقفين بعرفة: فالذي ينبغي له أن يصوموا هذا اليوم؛ لأن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم عرفة فقال: "أحتسب على الله أن يكفر به السنة التي قبلها، والسنة التي بعدها" (١) ، ويستغله أيضاً بالذكر، والتكبير، وقراءة القرآن؛ لأن يوم عرفة أحد الأيام العشرة أعني عشر ذي الحجة التي قال فيهن النبي ﷺ : "ما من أيام أحب إلى الله من هذه الأيام العشرة"، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء" (٢) . س١٠٥٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الذي يأتي إلى عرفة بعد غروب الشمس هل يكون مدركاً للحج ؟ فأجاب فضيلته بقوله: نعم مادام أتى قبل طلوع الفجر من يوم العيد.

стр. 8913

س١٠٥٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما السنة بالنسبة لصلاة الظهر والعصر للحاج يوم عرفة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: السنة للحاج يوم عرفة أن يصلي الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم س١٠٥٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تعدد الخطب في عرفة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هدي النبي ﵊ أنه لم يخطب إلا وحده، وهو الرسول ﵊، لكن كل الناس كانوا حاضرين، وأما في وقتنا الحاضر، فالوصول إلى المسجد الذي فيه الخطيب صعب، فلو أن أحداً من الناس ذكّر أخوانه إذا كالْوا يصلون مثلاً في مخيمهم، فهذا طيب ليس فيه بأس، وأحسن منه إذا كان معه مذياع فليستمع مع إخوانه إلى خطبة الخطيب، ولا شك أن اجتماع الناس على خطيب واحد أولى. س١٠٥٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأيكم في تعميم خطبة الإمامٍ يوم عرفة على جميع أجزاء عرفة بواسطة مكبرات الصوت بدلا من أن يقوم خطيب في كلل مخيم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا طيب، ومرجعه إلى الجهة المختصة، ولا حاجة إلى أن يقوم خطيب في كل مخيم، إذ يسر الله تعالى الإذاعة تنقل خطبة الخطيب، ويستمع لها أهل المخيم ويحصل المقصود والحمد لله، وقد يغني هذا عن تعميم الخطبة.

стр. 8914

س١٠٥٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لا يخفى على فضيلتكم مشقة الذهاب إلى مسجد نمرة لسماع الخطبة فيعمد بعف الإخوة إلى إحضار مذياع وفتحه على خطبة الإمام فما رأيكم في ذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يصلى الحاج خلف الإمام ويسمع خطبته ولكن كما أشار السائل هناك مشقة وربما ضياع، ولكن ينبغي للحجاج أن يستمعوا إلى الخطبة عن طريق الإذاعة وهذا تيسير والحمد لل (١) . س١٠٦٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من خرج من عرفة قبل غياب قرص الشمس لمرض، أو ضعف، أو كبر ؟ فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح أن البقاء بعرفة حتى تغرب الشمس واجب، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يدفع قبل أن تغرب الشمس، ولو كان جائزاً لدفع قبل أن تغرب الشمس؛ لأنه نهار وأيسر للناس، وأيضاً إذا دفع الإنسان قبل أن تغرب الشمس فقد خرج عن سنة النبي ﷺ إلى سنة الجاهلية؛ لأن أهل الجاهلية هم الذين يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، ومن فعل ذلك فإن كان متعمداً ترتب على فعله أمران: الأمر الأول: الإثم. والأمر الثاني: عند أكثر العلماء فدية يذبحها في مكة،

стр. 8915

ويوزعها على الفقراء، أما إذا خرج قبل غروب الشمس من عرفة وهو جاهل فإنه يسقط عنه الإثم، لكن يجب عليه عند أكثر العلماء البدل، وهو أن يذبح شاة في مكة، ويوزعها على الفقراء. س١٠٦١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سائل يقول: إن له صهراً قدم إلى مكة حاجًّا، وهو تابع لأحد المطوفين، فخرج به المطوف يوم التروية مع الحجاج إلى عرفات فمرض، وأدخل مستشفى عرفة، وخلعت منه ملابس الإحرام لعلاجه، ثم أنزل إلى المستشفى بمكة بعد جلوسه في عرفة الأيام: الثامن، والتاسع، والعاشر، فتوفي في مكة، نرجو الإفادة هل حجه صحيح ويكفيه عن حج الإسلام؟ علماً أن له أقارب يستطيعون الوصول إلى مكة للحج عنه إذا كان يلزم عنه حج ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أيها الأخ السائل إن صهرك حجه صحيح، ولا يلزم أحداً من أقاربه أن يحج عنه، حيث إنه من ضمن حاضري يوم عرفة، والحج كما قِال ﷺ : "الِجج عرفة" (١) . والله أعلم. س١٠٦٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا وقف الإنسان بعرفة قبل الزوال وخرج قبل الزوال أيضاً فهل يكون أتى بهذا الركن أو يلزمه دم أم يجب عليه أن يعود ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أما الإمام أحمد- ﵀ فيرى أن الإنسان إذا وقف بعرفة في يوم عرفة في أول النهار وآخره فقد أدى

стр. 8916

الركن، لكن إن دفع قبل الغروب وجب عليه دم. وأما جمهور العلماء فيقولون: إن ابتداء الوقوف بعرفة من الزوال، وأن قول الرسول ﵊ لعروة بن المضرس: "وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً" يقيد بفعل الرسول ﵊، وعلى كل حال إذا كان الإنسان حريصاً على إبراء ذمته، وعلى أداء ركن الإسلام فلا يقف بعرفة إلا من الزوال فما بعد. س١٠٦٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حاج مات بعد أن وقف بعرفة فهل يتم عنه الحج أو يحج عنه إنسان مرة أخرى ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يحج عنه؛ لأن هذا أدى الواجب عليه، والنبي ﷺ لما سأل عن الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة قال لهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" (١) ولم يقل أتموا عنه. س١٠٦٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: كل سنة أحج فيها إلى بيت الله الحرام أصعد على الجبل الذي هو جبل الرحمة في عرفات، وهذه السنة أجدني ضعيفاً بسبب كبر السن، وأنا متردد أخشى أن أحج ولا أستطيع الصعود فما العمل وفَّقكم الله ؟

стр. 8917

فأجاب فضيلته بقوله: نقول للأخ السائل: رويدك أيها الأخ، فإن الصعود على جبل عرفات ليس من الأمور المشروعة، بل هو إن اتخذه الإنسان عبادة بدعة، لا يجوز للإنسان أن يعتقده عبادة، ولا أن يعمل به على أنه عبادة، والرسول ﷺ أحرص الناس على فعل الخير، وأبلغ الناس في تبليغ الرسالة، وأعلم الناس بدين الله، لم يصعده ولم يأمر أحداً بصعوده، ولا أقر أحداً بصعوده فيما أعلم، وعلى هذا فإن صعود هذا الجبل ليس بمشروع، بل قال رسول الله ﷺ حين وقف خلفه من الناحية الشرقية قال: "وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف" (١) وكأنه ﷺ يشير بهذا إلى أن كل إنسان يقف في مكانه، ولا يزدحمون على هذا المكان الذي وقف فيه الرسول ﷺ . س١٠٦٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تسمية جبل عرفة بجبل الرحمة؟ وهل لهذه التسمية أصل ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذه التسمية لا أعلم لها أصلاً من السنة، أي أن الجبل الذي في عرفة الذي وقف عنده النبي ﷺ يسمى جبل الرحمة، وإذا لم يكن له أصل من السنة، فإنه لا ينبغي أن يطلق عليه ذلك، والذين أطلقوا عليه هذا الاسم لعلهم لاحظوا أن هذا الموقف موقف عظيم، يتبين فيه مغفرة الله تعالى ورحمته للواقفين بعرفة، فسموه بهذا الاسم، والأول ما أن لا يسمى بهذا الاسم بل يقال: جبل عرفة، أو الجبل الذي وقف عنده الرسول ﷺ ، أو ما أشبه ذلك.

стр. 8918

س١٠٦٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة من الحجاج صلوا الظهر والعصر خلف الإمام في مسجد نمرة في الشارع للزحام في المسجد هل هذا جائز ؟ فأجاب فضيلته بقوله: قال النبي ﷺ : "جعلت الأرض كلها مسجداً وطهوراً" (١) فالطريق ولو كان خارج المسجد هو من الأرض، فالصلاة صحيحة. س١٠٦٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم زيارة هذا الجبل قبل الحج أو بعده؟ وما حكم الصلاة فيه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: حكمه كما يعلم من القاعدة الشرعية، بأن كل من تعبد لله تعالما بما لم يشرعه الله فهو مبتدع، فيعلم من هذا أن قصد هذا الجبل للصلاة عليه، أو عنده والتمسح به وما أشبه ذلك مما يفعله بعض العامة بدعة، ينكر على فاعلها، ويقال له: إنه لا خصيصة لهذا الجبل. إلا أنه يسن أن يقف الإنسان يوم عرفة عند الصخرات، كما وقف النبي ﷺ ، مع أن النبي ﷺ وقف هناك عند الصخرات وقال: "وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف" (٢) وبناء على ذلك فلا ينبغي أيضاً أن يشق الإنسان على نفسه في يوم عرفة ليذهب إلى ذلك الجبل، فربما يضيع عن قومه، ويتعب بالحر والعطش، ويكون بهذا آثماً حيث شق على نفسه في أمر لم يوجبه الله عليه.

стр. 8919

س١٠٦٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استقبال الجبل وعند الدعاء واستدبار الكعبة؟ وما حكم رفع الأيدي والدعاء ؟ فأجاب فضيلته بقوله: المشروع للواقفين بعرفة حين ينشغلون بالدعاء والذكر أن يتجهوا إلى القبلة، سواء كان الجبل خلفهم، أو بين أيديهم، وليس استقبال الجبل مقصودًا لذاته، وإنما استقبله النبي ﵊ لأنه كان بينه وبين القبلة، إذ إن موقف الرسول ﷺ كان شرقي الجبل عند الصخرات، فكان استقبال النبي ﷺ للجبل غير مقصود، وعلى هذا فإذا كان الجبل خلفك إذا استقبلت القبلة فاستقبل القبلة، ولا يضرك أن يكون الجبل خلفك. وفي هذا المقام أي مقام الدعاء في عرفة، ينبغي للإنسان أن يرفع يديه وأن يبالغ في التضرع إلى الله- لأن النبي ﷺ كان يدعو، وهو رافع يديه، حتى إن خطام ناقته لما سقط أخذه النبي ﷺ بيده، وهو رافع اليد الأخرى، وهذا يدل على استحباب رفع اليدين في هذا الموضع، وقد ورد عن النبي ﵊ أنه قال: "إن الله حي كريم يستحي من عبده إذاِ رفع يِديه إليِه أن يردها صفْراً" (١) . س١٠٦٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أحد الحجاج بالأمس سمعته يدعو: اللهم اجعل الصلاة والتوحيد والقرآن والسنة قرة لأعيننا فأعجبني هذا الدعاء فهلا تكلمتم هذا المساء عن

стр. 8920

الأسباب التي بها يتحقق ذلك للمسلم نسأل الله من فضله جزاكم الله خيراً؟ فأجاب فضيلته بقوله: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (١) وإذا كان النبي ﷺ لم تجعل قرة عينه إلا في الصلاة فليس أحد أكمل من الرسول حتى يقول تكون قرة عيني في الصلاة والزكاة وما أشبه ذلك، عسى أن نصل إلى ما وصل إليه الرسول ﵊، فتكون الصلاة قرة أعيننا، فهذا الدعاء فيه نظر، لأن مقتضى هذا الدعاء أن الداعي سأل شيئاً يكون به أكمل من الرسول ﵊. س١٠٧٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي الأدعية الواردة في يوم عرفة أفيدوني بذلك بارك الله فيكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأدعية الواردة في يوم عرفة منها ذكر الله ، كما قال النبي ﵊: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" (٢) . وهناك أدعية أخرى يمكن الرجوع إليها في كتب الحديث والفقه، ولكن المهم أن يكون الإنسان حين الدعاء والذكر حاضر القلب، مستحضراً عجزه وفقره إلى الله ﵎، محسناً الظن بالله فإن الله تعالى يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ

стр. 8921

أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) . وينبغي أن يكون في حال دعائه مستقبلاً القبلة، ولو كان الجبل خلف ظهره، وأن يكودن رافعاً يديه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه وقف عند الصخرات وقال: "وقفت هاهنا، وعرفة كللها موقف" (١) ولا ينبغي للإنسان أن يكلف نفسه الذهاب إلى الموقف الذي وقف فيه الرسول ﷺ مع شدة الحر، وبعد المسافة، واختلاف الأماكن، فربما يلحقه العطش والتعب، وربما يضيع عن مكانه فيكون في ذلك عليه ضرر، فالنبي ﵊ قال: "عرفة كللها موقف" وكأنه ﷺ يشير بهذا القول إلى أنه ينبغي للإنسان أن يقف في مكانه إذا كان يحصل عليه تعب ومشقة في الذهاب إلى الموقف الذي وقف فيه النبي ﷺ . س١٠٧١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما أفضل الدعاء يوم عرفة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أفضل الذكر في يوم عرفة وغيره: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. والذكر دعاء لكنه دعاء ضمني؛ لأن من أثنى على الله الذكر، فلسان حاله يقول: يا رب أثبني على هذا الذكر، لأنك لو سألت أي ذاكر لماذا ذكرت الله، قال: ليثيبني، لكن إذا دعا الإنسان بالدعاء الذي يريد، مثل (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً

стр. 8922

وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أو يختار أدعية من القرآن، أو من السنة فهذا طيب، ولا أعلم دعاءً خاصًّا لعرفة، بل يقول الإنسان ما تيسر إن علم من الأدعية التي في القرآن، أو في السنة شيئاً فليدعُ بها لأنها خير الأدعية، وإن لم يعلم فما أراد. س١٠٧٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في يوم عرفة جماعة لا يحسنون الدعاء ويدعو أحدهم ممن يحسن جوامع الدعاء وهم يؤمنون خلفه ما حكم هذا ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا حرفي في هذا، مثلاً إذا كان الإنسان بين أناس لا يحسنون الدعاء ودعا بهم وهم يؤمنون فلا حرج في هذا. س١٠٧٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حصل للحاج ملل في يوم عرفة فهل له أن يقطع الدعاء ويتحدث مع إخوانه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: يوم عرفة يوم عظيم يتأكد فيه انشغال الحاج بالذكر والدعاء، ولكن إذا أحس بملل فليتحدث مع رفقته بالأحاديث النافعة أو بالذاكرة، أو مدارسة القرآن الكريم، أو قراءة بعض الكتب المفيدة، لاسيما ما يتعلق بكرم الله وسعة رحمته ليقوى جانب الرجاء، أو يقرأ فيما يتعلق باليوم الآخر ليرق قلبه ويلح على ربه بالدعاء. س١٠٧٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا وقف الحاج بعرفة ليلة العيد هل عليه شيء ؟

стр. 8923

فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس، لكن السنة أن يقف في النهار والليل، فإذا غابت الشمس دفع، لكن لو تأخر فله إلى طلوع الفجر. س١٠٧٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم لو لم يدرك الحاج الوقوف بعرفة إلا متأخراً ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الحاج في اليوم الثامن يخرج إلى منى، ويبقى بها إلى صباح اليوم التاسع، ثم يذهب إلى عرفة، فلو أن الحاج لم ينزل بمنى اليوم الثامن، وذهب إلى عرفة رأساً فيصح حجه، بدليل حديث عروة بن المضرس- ﵁ أنه سأل النبي ﷺ حين صلى معه صلاة الفجر في مزدلفة، سأله فقال: يا رسول الله، إني أتبعت نفسي، وأكللت راحلتي فلم أدع جبلاً إلا وقفت عنده، فقال النبي ﵊: "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه" (١) . وهذا يدل على أنه لا يجب أن يبقى الحاج في منى في اليوم الثامن ليلة التاسع، وأنه لو ذهب إلى عرفة رأساً لكان حجه صحيحاً، لكن الأفضل أن يبقى في منى من ضحى اليوم الثامن إلى أن تطلع الشمس من اليوم التاسع. أما إذا ذهب إلى عرفة متأخرًا، ولكنه أدرك للوقوف بها قبل أن يطلع الفجر يوم العيد فقد أتم حجه ولا شيء عليه، فوقت الوقوف بعرفة ينتهي بطلوع فجر يوم العيد.

стр. 8924

كلمة فجر يوم عرفة ٩/١٢/١٤٢٠هـ بمنى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى اَله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد، فهذا اليوم هو اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة فأكثروا فيه من ذكر الله ودعائه والتضرع إليه وادعوا الله تعالى بما تريدون، لأن الدعاء من العبادة، كما قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ، وقد خطب النبي صلى الله عليه وعلى اَله وسلم في هذا اليوم خطبة عظيمة بليغة قرر فيها من قواعد الإسلام ما قرر، ومن ذلك أنه أوصى بالنساء خيراً، فقال: "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بكلمة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (١) وكثير من الناس يظلمون أنفسهم ويظلمون زوجاتهم بعدم القيام بالواجب، فتجده يقصر في النفقة مع أنه غني، تجده لا يلقاها بوجه طلق مع أنه مأمور بذلك، تجده إذا أعطاها حقها يعطيها ذلك بتكره وتباطؤ، فاتقوا الله عباد الله في النساء ولا تستغلوا ضعفهن في استكباركم عليهن، فإن من كان عالياً في الدنيا بغير حق سيكون

стр. 8925

ذليلاً في الآخرة، وقرر ﷺ وضع الربا، قال: "ربا الجاهلية موضوع، وإن أول رباً أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله"، والربا من أشد المعاصي إثماً، حتى إن الله تعالى قال في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا الله وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ الله وَرَسُولِهِ) يعني أعلنوا الحرب على الله ورسوله- والعياذ بالله- (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) ولعن النبي ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال: "هم سواء"، فاتقوا الله في أنفسكم واتقوا الله في إخوانكم، وأنظروا المعسر ولا تلزموه، بل ولا تطالبوه بل ولا تطلبوه أن يوفيكم مادمتم تعلمون أنه معسر، لقول الله ﵎: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أن تسمحوا وتسقطوا الحق خير لكم. وبعض الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية إذا كان مطلوبه فقيراً لا يرحمه ولا يبالي، بل يرفعه إلى الولاة ويسجن، ويحبس عن أهله، وعن طلب الرزق لطالبه، وهذا محرم، يحرم على الإنسان إذا كان له مدين معسر أن يطلبه بدينه، أو يطالبه به، أو يطلب حبسه عليه، لأن الله قال: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) إن بعض الناس إذا لم يطلب المدين الفقير هدده بالحبس وأجبره على أن يكبر عليه الدين ويقلب الدين عليه ويقول مثلاً: استدن وأوفني فتتراكم الديون على هذا الفقير، أو يقول له: اشتري مني سلعة بثمن زائد على أصلها وأوفني وما أشبه ذلك من الحيل والخداع والمكر، فاتقوا الله تعالى في أنفسكم ولا تخالفوا ما أمر الله به ورسوله فإنكم مخلوقون لعبادة الله

стр. 8926

والتذلل له، أسأل الله لي ولكم حجًّا مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً، ولا حاجة للإطالة لأن الناس سوف يتأهبون للدفع إلى عرفة جعلنا الله وإياكم من المعتقين من النار في هذا اليوم إنه على كل شيء قدير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 8927

س١٠٧٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي الأخطاء التي تقع في الخروج إلى عرفة والوقوف بها ؟ فأجاب- ﵀ بقوله: الأخطاء في الذهاب إلى عرفة: أولاً: أن الحجاج يمرون بك ولا تسمعهم يلبون، فلا يجهرون بالتلبية في مسيرهم من منى إلى عرفة، ولقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة في يوم العيد (١) . ثانياً: ومن الأخطاء العظيمة الخطيرة في الوقوف بعرفة: أن بعض الحجاج ينزلون قبل أن يصلوا إلى عرفة، ويبقون في منزلهم حتى تزول الشمس ويمكثون هناك إلى أن تغرب الشمس، ثم ينطلقون منه إلى مزدلفة، وهؤلاء الذين وقفوا هذا الموقف، ليس لهم حج؟ لقول النبي ﵊: "الحج عرفة" (٢) فمن لم يقف بعرفة في المكان الذي هو منها، وفي الزمان الذي عين للوقوف بها فإن حجه لا يصح للحديث الذي أشرنا إليه، وهذا أمر خطير والحكومة- وفقها الله جعلت علامات واضحة لحدود عرفة لا تخفى إلا على رجل مفرط متهاون، فالواجب على كل حاج أن يتفقد الحدود، حتى يعلم أنه وقف في عرفة لا خارجها. ثالثاً: ومن الأخطاء في الوقوف بعرفة: أن بعض الناس إذا اشتغلوا بالدعاء آخر النهار تجدهم يتجهون إلى الجبل الذي وقف عنده رسول الله ﷺ مع أن القبلة تكون خلف ظهورهم، أو عن

стр. 8928

أيمانهم، أو عن شمائلهم، وهذا أيضاً جهل وخطأ، فإن المشروع في الدعاء يوم عرفة أن يكون الإنسان مستقبلاً للقبلة، سواء كان الجبل أمامه، أو خلفه،- أو عن يمينه، أو عن شماله، وإنما استقبل الرسول ﷺ الجبل، لأن موقفه كان خلف الجبل فكان ﷺ مستقبلاً القبلة، فإذا كان الجبل بينه وبين القبلة فإنه من الضرورة سيكون مستقبلاً له. رابعاً: ومن الأخطاء أيضاً: أن بعضهم يظن أنه لابد أن يذهب الإنسان إلى موقف الرسول ﷺ الذي عند الجبل ليقف فيه، فتجدهم يتجشمون المصاعب، ويركبون المشاق، حتى يصلوا إلى ذلك المكان، وربما يكونوا مشاة جاهلين بالطرق فيعطشون ويجوعون إذا لم يجدوا ماءً وطعاماً، ويضلون ويتيهون في الأرض، ويحصل عليهم ضرر عظيم بسبب هذا الظن الخاطئ، وقد ثبث عن النبي ﷺ أنه قال: "وقفت هنا، وعرفة كلها موقف " (١) وكأنه ﷺ يشير إلى أنه ينبغي للإنسان أن لا يتكلف ليقف في موقف النبي ﷺ بل يفعل ما يتيسر له، فإن عرفة كلها موقف. خامساً: ومن الأخطاء: أن بعض الناس يعتقدون أن الأشجار في عرفة كالأشجار في منى ومزدلفة، أي أنه لا يجوز للإنسان أن يقطع منها ورقة، أو غصناً، أو ما أشبه ذلك، لأنهم يظنون أن قطع الشجر له تعلق بالإحرام كالصيد، وهذا ظن خطأ، فإن قطع الشجر لا علاقة له بالإحرام، وإنما علاقته بالمكان، فما كان داخل حدود الحرم- أي داخل الأميال- من الشجر فهو محترم، لا يعضد، ولا يقطع منه ورق ولا أغصان، وما كان خارج حدود

стр. 8929

الحرم فإنه لا بأس بقطعه ولو كان الإنسان محرماً، وعلى هذا فقطع الأشجار في عرفة لا بأس به، ونعني بالأشجار هنا الأشجار التي حصلت بغير فعل الحكومة، وأما الأشجار التي حصلت بفعل الحكومة فإنه لا يجوز قطعها لا لأنها محترمة احترام الشجر في داخل الحرم، ولكن لأنه اعتداء على حق الحكومة والحجاج، فإن الحكومة- وفقها الله- غرست أشجاراً في عرفة، لتلطيف الجو، وليستظل بها الناس من حر الشمس، فالاعتداء عليها اعتداء على حق الحكومة وعلى حق المسلمين عموماً. سادساً: ومن الأخطاء أيضاً: أن بعض الحجاج يعتقدون أن للجبل الذي وقف عنده الرسول ﷺ قدسية خاصة، ولهذا يذهبون إليه ويصعدونه، ويتبركون بأحجاره وترابه، ويعلقون على أشجاره قصاصات الخرق، وغير ذلك مما هو معروف، وهذا من البدع، فإنه لا يشرع صعودُ الجبل ولا الصلاة فيه، ولا أن تعلق قصاصات الخرق على أشجاره؛ لأن ذلك كله لم يرد عن النبي ﷺ بل فيه شيء من رائحة الوثنية، فإن النبي ﷺ مر على شجرة للمشركين ينوطون بها أسلحتهم فقالوا: يا رسول اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كلما لهم آَلهة" (١) . وهذا الجبل ليس له قدسية خاصة، بل هو كغيره من الروابي التي في عرفة، والسهول التي فيها، ولكن الرسول عليه الصلاة

стр. 8930

والسلام وقف هناك، فكان المشروع أن يقف الناس موقف الرسول ﵊ إن تيسر له، وإلا فليس بواجب، ولا ينبغي أن يتكلف الإنسان الذهاب إليه لما سبق. سابعاً: ومن الأخطاء في الوقوف بعرفة أيضاً: أن بعض الناس يظن أنه لابد أن يصلي الإنسان الظهر والعصر مع الإمام في المسجد، ولهذا تجدهم يذهبون إلى ذلك المكان من أماكن بعيدة، ليكونوا مع الإمام في المسجد، فيحصل عليهم من المشقة والتيه ما يجعل الحج في حقهم حرجاً وضيقاً، ويضيق بعضهم على بعض، ويؤذي بعضهم بعضاً. فالرسول ﵊ قال: "وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف" (١) وكذلك أيضاً قال: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" (٢) فإذا صلى الإنسان في خيمته صلاة يطمئن فيها بدون أذى عليه ولا منة، وبدون مشقة تلحق الحج بالأمور المحرجة فإن ذلك خير له وأولى. ثامناً: ومن الأخطاء التي يرتكبها الناس في الوقوف بعرفة: أن بعضهم يتسلل من عرفة قبل أن تغرب الشمس، فيدفع منها إلى مزدلفة، وهذا خطأ عظيم، وفيه مشابهة للمشركين الذين كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، ومخالفة لرسول الله ﷺ الذي لم يدفع من عرفة إلا بعد أن غابت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً، كما جاء في حديث جابر ﵁ (٣) .
следующие страницы →