س١٤٥٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص أخذ عمرة ونسي الوداع فماذا يلزمه ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: الصحيح من أقوال العلماء أن العمرة لها وداع كالحج، لعموم قول النبي ﷺ : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (١) ولأن العمرة حج أصغر كما في حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال: "العمرة الحج الأصغر" (٢) ولأن الإنسان يقدم إلى البيت بتحية وهي الطواف فلا ينبغي أن يخرج منه إلا بتحية وهي الطواف، فالصحيح أن طواف الوداع في العمرة واجب إلا من طاف وسعى وقصر ثم انصرف إلى أهله فهذا يكفيه الطواف الأول، فإذا كان هذا الذي ذكرت انصرف من حين أنهى العمرة فلا شيء عليه، أما إذا كان بقي في مكة فإنه من الاحتياط أن يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء إن كان قادراً ومتيسراً، وإن لم يكن قادراً ومتيسراً فلا شيء عليه.
س١٤٥٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم طواف الوداع؟ وما الجواب عن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ أنه لا يجب طواف الوداع على غير الحاج ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: طواف الوداع واجب على القول الراجح على كل من أتى بنسك حج أو عمرة، ثم أراد الخروج من مكة إلى بلده " لقول ابن عباس- ﵄ (أمر الناس
стр. 9242
أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض) . رواه البخاري ومسلم، وفي لفظ لمسلم عن ابن عباس- ﵄ قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : "الا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (١) ورواه أبو داود بلفظ: "حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" (٢) وقال الترمذي: "باب ما جاء من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت") ، ثم روى من طريق الحجاج بن أرطأة، عن عبد الملك بن الغيرة، عن
عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن أوس، عن الحارث بن عبد الله بن أوس قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من حج هذا البيت، أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت" (٣) قال: حديث غريب، وهكذا روى غيرُ واحد عن الحجاج بن أرطاة مثل هذا، وقد خولف الحجاج في بعض هذا الإسناد. اهـ كلامه.
وأما ما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ من اختياره أنه لا يجب طواف الوداع على غير الحاج، فهذا هو ما نقله عنه تلميذه صاحب الفروع ص ٥٢١/ج٣، ط آل ثاني، لكنه لم يصرح به بل قال: وإن خرج غير حاج فظاهر كلام شيخنا لا يودع.
اهـ. ولعل صاحب الفروع أخذ هذا من قول الشيخ في منسكه: فإن
стр. 9243
الحج فيه ثلاثة أطوفة: طواف عند الدخول، وطواف الإفاضة، والطواف الثالث لمن أراد الخروج من مكة وهو طواف الوداع. اهـ ملخصاً، وكذلك قال حين تكلم عن تمام الحج: فلا يخرج الحاج
حتى يوح البيت فيطوف طواف الوداع. اهـ.
وهذا الذي قاله في الفروع يعارضه ما ذكره في الإقناع أثناء عد الواجبات عن الشيخ، حيث قال: وطواف الوداع ليس من الحج، وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة. اهـ، ولعل للشيخ
﵀ في ذلك قولين.
وأما ما نقل عن ظاهر كلام الشيخ أنه لا يجب بتركه دم، فقد صرح الشيخ في منسكه بأن طواف الوداع واجب عند الجمهور، وحكم الواجب معلوم عند الجمهور، أن في تركه دماً. والله أعلم.
стр. 9244
رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم الدكتور ... حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو الله تعالى أن تكونوا ومن تحبون بخير، ونحن كذلك ولله الحمد، رزق الله الجميع شكر نعمته وحسن عبادته.
ثم يا محب أبلغني بعض الإخوان أنه سمع لكم جواباً في ( ... ) أن طواف الوداع في العمرة ليس بواجب. وأن ذلك بالإجماع.
وكونكم ترونه غير واجب لم يكن سبباً لكتابتي هذه لك؛ لأن كثيراً من أهل العلم يرونه، وكل واحد لا يكلف سوى ما أداه إليه اجتهاده، لكن السبب لكتابتي إليك هو نقل الإجماع إن صح ما
أبلغنيه الأخ، فإن الشافعية- رحمهم الله تعالى- يرون وجوبه على الحاج والمعتمر، ففي (الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ص ٢٣٦ جـ١) : "وأما طواف الوداع فهو واجب مستقل ليس من الناسك على المعتمد، فيجب على غير نحو حائض كنفساء بفراق مكة ولو مكيًّا، أو غير حاج ومعتمر" أهـ. المراد منه، وفي (المجموع لشرح المهذب ص١٩٩ ج٨ ط الإمام) : السادسة هل طواف الوداع من جملة المناسك أم عبادة مستقلة؟ فيه خلاف، قال إمام الحرمين والغزالي: هو من الناسك، وليس على غير الحاج والمعتمر طواف
стр. 9245
وداع إذا خرج من مكة لخروجه. أهـ. ثم ذكر القول المقابل.
والمالكية ذكروا أن طواف الوداع كذلك، لكنهم يرونه سنة في النسكين: الحج والعمرة، المهم أنهم لم يفرقوا بين الحج والعمرة في ظاهر كلام (جواهر الإكليل ص١٨٥ جـ١) : (وندب لكل من
أراد الخروج من مكة مكيًّا، أو آفاقياً قدم بنسك أو تجارة، طواف الوداع إن خرج لميقات) . أهـ المراد منه.
وقال الحجاوي في الإقناع من كتب الحنابلة: (وهو- يعني طواف الوداع- على كل خارج من مكة، قال القاضي والأصحاب: إنما يستحق عليه عند العزم عليه، واحتج به الشيخ تقي الدين على
أنه ليس من الحج) ، ولا عد واجبات الحج ومنها طواف الوداع قال: (قال الشيخ) يعني به الشيخ تقي الدين (: طواف الوداع ليس من الحج، وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة) . أهـ.
لكن لعل هذا الكلام من الشيخ أعني قوله: (وإنما هو لكل من أراد الخروج من مكة) بناء على ما يقتضيه قول القاضي والأصحاب؛ لأنه قال في الفروع ص٥٢١ ج٣ ط آل ثاني: (وإن خرج غير حاج فظاهر كلام شيخنا لا يودع) . اهـ. أو يكون للشيخ في ذلك قولان.
وهذا القول أعني وجوب طواف الوداع على المعتمر يعضده عموم حديث ابن عباس- ﵄ قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي ﷺ : "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (١) رواه مسلم بهذا اللفظ، وأصله في الصحيحين
стр. 9246
بلفظ: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض) (١) ، وهكذا رواه أبو داود (٢) ، وزاد (الطواف) وعموم هذا الحديث يشمل كل منصرف من مكة، وهو وإن كان في حجة الوداع والانصراف فيها كان من الحج، فإن العمرة من الحج لقول النبي ﷺ : "دخلت العمرة في الحج" (٣) وفي الصحيحين من حديث يعلى بن أمية، أن رجلاً أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر الخلوق فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله على النبي ﷺ ، وذكر الحديث، وفيه: فلما سري عنه قال: "أين السائل عن العمرة؟ " فلما أتى قال: "اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك ". وفي لفظ: "ما أنت صانع في حجك" (٤) . و (ما) في قوله: (ما تصنع) أو (ما أنت صانع) للعموم، فما يصنع في الحج يصنع في العمرة، إلا ما استثني بالنص والإجماع كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى ورمي الجمار.
ومن تراجم البخاري في أبواب العمرة: باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع؟ ثم ساق
стр. 9247
حديث عائشة- ﵂ حين اعتمرت من التنعيم قال في الفتح: وكأن البخاري لما لم يكن في حديث عائشة التصريح بأنها طافت للوداع بعد طواف العمرة لم يبن الحكم في الترجمة اهـ ص
٦١٢ ج٣ المطبعة السلفية.
ومن تراجم الترمذي: (باب ما جاء من حج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت) ثم ذكر حديث الحارث بن عبد الله بن أوس قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت" (١) وقال: حديث غريب، وهكذا روى غير واحد عن
الحجاج بن أرطاة مثل هذا، وقد خولف الحجاج في بعض هذا الإسناد. أهـ. كلام الترمذي، ولم يذكر المخالف، ولا نوع المخالفة، والحجاج حاله معروفة.
فإن قال قائل: إنه لم ينقل أن النبي ﷺ طاف للوداع إذا اعتمر.
فجوابه: أن طواف الوداع إنما صار وجوبه عام حجة الوداع فليس واجباً قبلها، والنبي ﷺ في عمرة الجعرانة دخل مكة ليلاً وخرج فلم يقم بمكة، وهكذا نقول: إن المعتمر لو طاف وسعى وحل، ثم خرج بدون إقامة فلا وداع عليه.
قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن المعتمر لو طاف فخرج إلى بلده أنه يجزئه عن طواف الوداع كما فعلت عائشة أهـ.
نقله عنه في الفتح ص٦١٢ ج٣ المطبعة السلفية.
وإذا كان هذا مقتضى هذه الأخبار فإن النظر يقتضيه أيضاً،
стр. 9248
فإن المعتمر قدم إلى البيت بنسك حياه به، فينبغي أن يودعه بطواف كالحاج. ثم إن الطواف أحوط وأبرأ للذمة، فالطائف مثاب على عمله لاسيما إذا قصد به فعل الأحوط والاستبراء لدينه.
فنأمل منكم التأمل في هذا، والله الموفق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ١١/١٦/١٣٩٩هـ.
стр. 9249
أركان الحج والعمرة
وحكم من ترك شيئاً منها
стр. 9250
س١٤٥٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما أركان الحج وما أركان العمرة ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: ذكر العلماء- ﵏ أن أركان الحج أربعة: الإحرام وهو نية الدخول في النسك، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي، وأن أركان العمرة ثلاثة:
الإحرام وهو نية العمرة، والطواف، والسعي.
س١٤٥٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما صفة العمرة؟ وما أركانها وواجباتها؟ وهل من الممكن أن يهدى ثواب العمرة للوالد المتوفى ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: الحمد لله رب العالين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، العمرة من شعائر الله ، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب،
ولها واجبات وأركان، وصفتها أن الإنسان إذا وصل إلى الميقات اغتسل كما يغتسل للجنابة، ولبس إزاراً ورداءً، والأفضل أن يكونا أبيضين نظيفين، وتطيب في رأسه ولحيته وبدنه، وقال: لبيك اللهم
عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. ولا يزال يلبي حتى يشرع في الطواف، فإذا وصل إلى السجد الحرام دخله مقدماً رجله اليمنى
قائلاً: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يتقدم إلى الحجر الألممود فيستلمه بيده اليمنى- أيمما يمسحه- ويقبله إن تيسر، فإن لم يتيسر
стр. 9251
فإنه يشير إليه ثم يجعل الكعبة عن يساره ويطوف سبعة أشواط، يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى منها، والرمل أن يسرع في المشي مع مقاربة الخطى، بدون أن يهز الكتفين، ويشرع له الاضطباع وهو أن يكشف عاتقه الأيسر، وهذا الاضطباع لا يشرع إلا في الطواف فقط، وليس مشروعاً من حين الإحرام كما يظنه العامة، بل إذا شرعت في الطواف فاضطبع إلى أن تنتهي فقط، وفي طوافك تدعو بما شئت، وتذكر الله ، وتقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وقد شاع عند كثير من الناس كتيبات فيها أدعية مخصوصة لكل شوط، وهذه الأدعية المخصوصة لكل شوط ليست من السنة، بل هي بدعة، فلا ننصحك بها، بل ادع الله سبحانه وتعالما بحاجتك التي في قلبك، والتي تريدها أنت، وتعرف معناها وتتضرع إلى الله في تحقيقها، أما هذه الأدعية المكتوبة فإن كثيراً من الناس يتلوها وكأنها حروفاً هجائية،- فإذا فرغت من الطواف فاقصد مقام إبراهيم، واقرأ قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وصل ركعتين خلف مقام إبراهيم، قريباً منه إن تيسر، وإلا ولو بعيداً، تقرأ في الركعة الأولى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) بعد الفاتحة، وفي الثانية: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) بعد الفاتحة، وتخفف هاتين الركعتين، ولا تجلس بعدهما، بل تنصرف إلى المسعى، واعلم أنه ليس هناك دعاء عند مقام إبراهيم؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ، فإذا فرغت من الركعتين فاتجه إلى المسعى فإذا قربت من الصفا فاقرأ قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله) أبدأ بما بدأ الله به، ثم اصعد
стр. 9252
إلى الصفا واستقبل القبلة وارفع يديك وكبر واحمد الله، وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم
الأحزاب وحده، ثم ادع الله بما شئت، وأنت لا تزال واقفاً على الصفا، ثم أعد الذكر مرة أخرى والدعاء، ثم أعد الذكر مرة ثالثة ثم انصرف إلى المروة تمشي مشياً معتاداً إلى أن تصل إلى العلم
الأخضر، فإذا وصلت إلى هذا العمود الأخضر فاسع، يعني فاركض ركضاً شديداً بشرط أن لا تؤذي أحداً، حتى تصل إلى العلم الأخضر الثاني، ثم تمشي مشياً معتاداً إلى المروة، فإذا وصلت
المروة فإنك تقول مثل ما قلت على الصفا عدا الآية فهذا شوط، فإذا رجعت من المروة إلى الصفا فهو شوط آخر، وإذا أتممت سبعة أشواط، فقد تم السعي فحينئذ تحلق رأسك أو تقصره، ويكون
التقصير شاملاً لكل الرأس، وليس لجزء منه، أو لشعيرات منه، وبهذا تمت العمرة وحللت منها، فالبس ثيابك فإن رجعت إلى بلدك من فورك فلا وداع عليك، وإن تأخرت في مكة فلا تخرج من مكة حتى تطوف الوداع بدون سعي، ولا تحتاج إلى ثياب الإحرام في هذه الحال، وتجعل طواف الوداع آخر أمورك، هذه صفة العمرة.
قال أهل العلم: وأركانها: الإحرام، والطواف، والسعي.
وواجباتها: أن يكون الإحرام من الميقات، والحلق أو التقصير.
وقول السائل: هل يجوز أن أهدي العمرة إلى أبي.
فجوابه: إن كنت قد أديت العمرة عن نفسك فلا حرج عليك أن تجعل العمرة لأبيك، وإن كنت لم تؤدها عن نفسك فابدأ بنفسك
стр. 9253
أولاً، ولأننا نقول: إذا لم تكن العمرة واجبة على أبيك فالأفضل أن تدعو لأبيك، وأن تجعل العمرة لك، لأن النبي ﷺ أرشد أمته إلى الدعاء دون هبة الثواب، فقال ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١) ولم يقل ﷺ (أو ولد صالح يعتمر له، أو يحج له، أو يصلي له، أو يصوم له) ولو كان هذا الأفضل لأرشد إليه النبي ﷺ ، لأنه
﵊ لا يدع خيراً يعلمه إلا دل أمته عليه، لكمال نصحه صلوات الله وسلامه عليه، وشفقته على أمته، وأنت سوف تحتاج إلى العمل، بل أنت محتاج إلى العمل حتى في الدنيا، لصلاح القلب واستنارته وزيادة الخير، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا) فاجعل الأعمال الصالحة لنفسك، واجعل الدعاء لن تحب، هذا هو الأحسن والأفضل.
س١٤٥٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ترك أكثر من واجب متعمداً، ولا يريد أن يجعل مكان تركه للواجب فدية فماذا يفعل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الأحسن ألا يحج، وأن يبقى في بيته يستريح ويريح، هذا هو الجواب، وآيات الله لا يمكن أن تتخذ هزواً، يجب أن تمشي على الحدود الشرعية، وإلا اترك
стр. 9254
العمل، فهذا تلاعب. وحكى لي بعض الناس أن بعض من حول مكة إذا كان ليلة العاشر أحرموا من مكانهم وخرجوا إلى عرفة ومعهم الطعام والشراب والصبيان وجلسوا في عرفة كأنهم في نزهة
فإذا انتهوا من هذه الأكلة قالوا مشينا إلى مزدلفة وصلوا بها المغرب والعشاء، ثم قالوا: مشينا إلى منى، ورموا جمرة العقبة، وحلقوا ثم طافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة، وبذلك حلوا التحلل
كله، ثم خرجوا إلى بلدهم ونام الرجل في أحضان زوجته في ليلة العيد، وهذا والله من الاستهزاء بآيات الله، كيف النبي ﵊ يبقى في حجته الثامن، والتاسع، والعاشر، والحادي
عشر، والثاني عشر، والثالث عشر سبعة أيام، وهؤلاء سبع ساعات، إن هذا إلا استهزاء بآيات الله ، ونقول: هؤلاء أقرب إلى الإثم من الأجر، فمن أراد أن يحج فليحج كما جاء في الشرع وإلا فليدعه.
стр. 9255
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جواب الأسئلة الواردة من رئيس تحرير مجلة ( ... ) :
جواب السؤال الأول:
الأمور التي لا يصح الحج بدونها هي:
الأول: الإحرام، وهو نية الدخول في الحج، لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (١) . ووقته منِ دخول شهر شوال، لقول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة/١٩٧] .
وأمكنة الإحرام المعينة خمسة، وهي:
١- ذو الحليفة (وتسمى اَبيار علي) لأهل المدينة.
٢- الجحفة (وهي قرية قرب رابغ) وقد خربت، فجعل الإحرام من (رابغ) بدلاً عنها، لأهل الشام.
٣- يلملم (وهو جبل، أو مكان في طريق اليمن إلى مكة) لأهل اليمن.
٤- قرن المنازل (ويسمى السيل) لأهل نجد.
٥- ذات عرق (وتسمى الضريبة) لأهل العراق.
فمن مر بهذه المواقيت أو حاذاها برًّا، أو بحراً، أو جوًّا،
стр. 9256
وهو يريد الحج وجب عليه الإحرام؟ لقول النبي ﷺ : "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة" (١) وهو خبر بمعنى الأمر.
ومن كان دون هذه المواقيت وأراد الحج أحرم من مكانه، ولا يكلف الخروج إلى الميقات، لقول النبي ﷺ : "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" (٢) .
ومن الخط! تأخير بعض الحجاج القادمين جوًّا إحرامهم إلى النزول في جدة، مع أنهم يحاذون المواقيت قبل أن يصلوا إلى جدة، فالواجب عليهم ملاحظة ذلك، والإحرام في الطائرة إذا حاذوا
الميقات.
الثاني: الوقوف بعرفة، لقول الله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا الله عِنْدَ الْمَشْعَرِ) الْحَرَامِ [البقرة/١٩٨] ولقول النبي ﷺ : "الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك" (٣) .
ووقته من زوال الشمس من اليوم التاسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من اليوم العاشر، لأن النبي ﷺ وقف بعد زوال الشمس وقال: "من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك". ومكانه
стр. 9257
عرفة كلها؟ لقول النبي ﷺ : "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف" (١) .
ومن الخط! أن يقف الحاج خارج حدود عرفة في بطن عرنة أو ما وراءه؛ لأن من لم يقفما بعرفة فلا حج له، فالواحط على الحاج أن يحتاط ويبحث عن حدود عرفة ليتأكد من صحة موقفه.
الثالث: الطواف بالبيت، لقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج/٢٩] ، ولأن النبي ﷺ قال حين أخبر أن صفية- ﵂ حاضت: "أحابستنا هي؟ " فقالوا: يا رسول الله إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة قال: "فلتنفر إذن" (٢) فقوله: "أحابستنا هي؟ " دليل على أن طواف الإفاضة لابد منه، وإلا لما كان سبباً لحبسهم، ولهذا لما أخبر بأنها طافت طواف الإفاضة رخص في الخروج.
ووقته بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة، لقوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج/٢٩] . ولا يكون قضاء التفث ووفاء النذور إلا بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة.
الرابع: السعي بين الصفا والمروة، لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله) [البقرة/١٥٨] ولقول ابن عباس- ﵄:) ثم أمرنا (يعني رسول الله ﷺ ) عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا) (٣) . وقال النبي ﷺ لعائشة- ﵂:
стр. 9258
"يجزى عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك" (١) وقالت عائشة- ﵂: (ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة) (٢) .
ووقته بعد طواف الإفاضة فإن قدَّمه عليه فلا حرج لاسيما إن كان ناسياً أو جاهلاً، لأن النبي ﷺ سأله رجل: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: "لا حرج" (٣) .
فهذه الأربعة: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، لا يصح الحج بدونها.
أما الأمور التي تجب في الحج، ولكن يصح بدونها، فهي:
١- استمرار الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس يوم التاسع من ذي الحجة، لأن النبي ﷺ وقف إلى الغروب وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" ولأن في الدفع قبل الغروب مشابهة لأهل الجاهلية، فإنهم كانوا يدفعون قبل غروب الشمس.
٢- المبيت بمزدلفة ليلة عيد النحر، لقوله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا الله عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) [البقرة/١٩٨] .
ووقته من غروب الشمس تلك الليلة إلى صلاة الفجر، لقول النبي ﷺ لعروة بن مضرس- ﵁: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو
стр. 9259
نهاراً فقدتم حجه وقضى تفثه" (١) .
ويجوز الدفع في آخر الليل إلى منى للضعفة من النساء والصبيان، ممن يشق عليهم زحام الناس، ليرموا الجمرة قبل وصول الناس إلى منى، لأن ابن عمر- ﵄ كان يقدم ضعفة
أهله، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة وكان يقول: (أرخص في أولئك رسول الله ﷺ ) (٢) . وكانت أسماء بنت أبي بكر- ﵄ تمضي فترمي الجمرة، ثم ترجع فتصلي الصبح في منزلها وتقول: إن
رسول الله ﷺ أذن للظعن (٣) .
ومزدلفة كلها موقف، ويجب على الحاج أن يتأكد من حدودها، لئلا ينزل خارجاً عنها.
٣- رمي جمرة العقبة يوم العيد، ورمي الجمرتين الأخريين معها في أيام التشريق، لقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا الله فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) [البقرة/٢٠٣] . والأيام المعدودات أيام التشريق، ورمي الجمار من ذكر الله تعالى، لقول النبي ﷺ : "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله" (٤) .
ومن الخطأ أن يعتقد بعض الحجاج أنهم يرمون الجمرات على الشيطان، ومن أجل هذا الخطأ صاروا يرمون الجمرات بعنف شديد
стр. 9260
وصراخ مناف للخشوع والسكون والطمأنينة، التي ينبغي أن يتصف بها ذاكر الله .
ووقت رمي جمرة العقبة يوم العيد من القدوم إلى منى من مزدلفة إلى طلوع الفجر من اليوم الحادي عشر، والأولى أن لا يؤخر الرمي إلى ما بعد غروب الشمس في الأيام كلها.
ووقت الرمي في الجمرات الثلاث في أيام التشريق من زوال الشمس إلى طلوع الفجر من اليوم التالي، إلا اليوم الثالث فينتهي بغروب الشمس لانتهاء أيام التشريق. قال جابر بن عبد الله- رضي
الله عنهما-: (رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس) (١) ، وقال ابن عمر- ﵄: (كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا) (٢) .
ويرمي الجمرات الثلاث أيام التشريق مرتبة، فيبدأ بالأولى ثم بالوسطى، ثم بجمرة العقبة، لأن النبي ﷺ كان يرميهن كذلك.
وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" (٣) .
٤- الحلق، أو التقصير للرجال، والتقصير فقط للنساء، لقول النبي ﷺ : (أليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير" (٤) ، ويجب أن يشمل جميع الرأس، لقوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) [الفتح/٢٧] .
стр. 9261
ووقته بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة، والأفضل أن يكون بعد رمي جمرة العقبة وذبح الهدي يوم العيد، لفعل النبي ﷺ ، وإن قدَّمه عليهما فلا حرج، لقولْ ابن عباس- ﵄: كان النبي ﷺ غ يسأل يوم النحر بمنى فيقول: "لا حرج " فسأنه رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح قال: "اذبح ولا حرج " (١) . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄: ما سئل يومئذ عن لمجماء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج " (٢) .
٥- المبيت بمنى ليلتين ليلة إحدى عشرة وليلة اثنتي عشرة لمن تعجل، فإن تأخر فليلة ثلاث عشرة أيضاً، لأن النبي ﷺ بات بها وقال: "لتأخذوا عني مناسككم ". وروى ابن عمر- ﵄ أن العباس بن عبد المطلب- ﵁ استأذن من النبي جم ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له، وفي لفظ: فرخص له (٣) ، والتعبير بالرخصة دليل على وجوب المبيت لغير عذر.
فهذه الأمور الخمسة واجبة في الحج، لكن الحج يصح بدونها، وفي تركها عند الجمهور من العلماء فدية شاة، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة تذبح في مكة، وتعطى فقراء أهلها والله أعلم.
فأما طواف الوداع فهو واجب على كل من خرج من الحجاج
стр. 9262
من مكة إلى بلده لقول ابن عباس- ﵄: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض) . وثبت عن النبي ﷺ أنه طاف بالبيت حين خروجه من مكة في حجة الوداع.
стр. 9263
س ١٤٥٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الفرق بين الحج والعمرة؟ وما هو الركن الذي لا يصح الحج إلا به؟ وما هي مبطلات الحج ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: الظاهر أن جواب هذا السؤال يحتاج إلى مجلد، فالحج والعمرة يختلفان، فالحج حج أكبر، والعمرة حج أصغر، والعمرة مكونة من إحرام، وطواف، وسعي، وحلق أو تقصير، أما الحج فهو مركب من أكثر من ذلك فهو إحرام، وطواف، وسعي، وحلق، أو تقصير، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ومبيت بمنى، ورمي جمار، فهو أكبر وأوسع من العمرة، ثم إن الحج يختص بوقت معين في أيام الحج، وأما العمرة ففي كل وقت، ثم الحج من أركان الإسلام باتفاق العلماء، أما العمرة فيها خلاف، فمن العلماء من قال: إنها واجبة، ومنهم من قال: إنها ليست بواجبة، ومنهم من قال: إنها واجبة على غير المكي أي الساكن في مكة.
وأما محظورات الإحرام فتشترك فيها العمرة والحج، لأنها تتعلق بالإحرام، والإحرام لا يختلف فيه الحج والعمرة.
وأما الأركان فتختلف العمرة عن الحج فيتفق العمرة والحج بأن من أركانهما الطواف، والسعي، والإحرام، وهذه الثلاثة أركان في العمرة وليس فيها ركن رابع، وأما الحج ففيه ركن رابع
وهو الوقوف بعرفة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "الحج عرفة" (١) وهذا يختص بة الحج.
أما الواجبات، فالواجبات في العمرة شيئان فقط: أن يكون
стр. 9264
الإحرام من الميقات المعتبر شرعاً، وأن يحلق أو يقصر بعد الفراغ من الطواف والسعي. وأما الحج فواجباته أكثر يشترك مع العمرة في الواجبات بأن يكون الإحرام من الميقات المعتبر شرعاً، والحلق أو
التقصير ويزيد الحج بوجوب البقاء في عرفة إلى غروب الشمس، ووجوب المبيت في مزدلفة، ووجوب المبيت في منى الحادية عشرة، والثانية عشرة من شهر ذي الحجة، والثالثة عشرة إن تأخر،
ووجوب رمي الجمار.
وأما طواف الوداع فليس من واجبات الحج، وليس من واجبات العمرة المتصلة، وإنما هو واجب مستقل، يجب على من أدى العمرة أو أدى الحج إذا أراد الخروج إلى بلده، ولهذا لا يجب الطواف على أهل مكة لأنهم مقيمون فيها.
س١٤٥٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج بعد أن رمى جمرة العقبة سافر إلى محل إقامته أمريكا فماذا يلزمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يلزمه أن يعود للطواف والسعي، أما إذا كان قد طاف وسعى فعليه دم لترك الرمي، ودم لترك المبيت، ودم لترك طواف الوداع، تذبح في مكة وتوزع على الفقراء.
س١٤٦٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة؟ وأيهما أفضل ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة واجب، لأن النبي ﷺ لما قدم مكة حجة الوداع وطاف وسعى أمر
стр. 9265
كل من لم يسق الهدي أن يقصر ثم يحلق (١) ، فلما أمرهم أن يقصروا، والأصل في الأمر للوجوب، دل على أنه لابد من التقصير، ويدل لذلك أن النبي ﵊ أمرهم حين أحصروا في غزوة الحديبية أن يحلقوا حتى إنه ﷺ غضب حين توانوا في ذلك (٢) .
وأما هل الأفضل في العمرة التقصير أو الحلق؟
فالأفضل الحلق، إلا للمتمتع الذي قدم متأخراً، فإن الأفضل في حقه التقصير من أجل أِن يتوِفر الحلق للحج.
س١٤٦١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج في العام الماضي وأخل ببعض الواجبات وما دونها جاهلاً، وأراد أن يحج هذه السنة حجة متابعاً فيها لهدي الرسول ﷺ ، فهل ينوي بها الفريضة أم أنها تكون نافلة، وتجبر النقص في حجة الماضي ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نعرف الأشياء التي أخل. بها في حجه، فإذا كان ترك شيئاً يبطل الحج بتركه كطواف الإفاضة وجب عليه أن يأتي به قبل أن يحج
الثانية.
وأما إذا كان ترك شيئاً من الواجبات التي لا يبطل الحج بتركها، كالمبيت في منى مثلاً، فإن ذلك لا يبطل الحج، ولكن عليه أن يذبح شاة في مكة ويوزعها على الفقراء، نظراً لأن هذا الواجب
له بدل، فليذبح البدل، هذا إذا كان قادراً، أما إذا لم يكن قادراً على ذبح الشاة فلا شيء عليه.
стр. 9266
وينوي أن تكون هذه الحجة الجديدة نافلة، لأنه قد حج الفريضة، كصلاة الفجر مثلاً، ثم انتهى من الصلاة تذكر أنه ترك هذا الواجب فليس له أن يعيد الصلاة لأجل ذلك، وإنما يكفيه أن
يسجد للسهو.
س١٤٦٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: طفلة صغيرة عمرها ثلاثة أعوام أحرمت بها والدتها للعمرة، وعند السعي لم تكمل هذه الأشواط لعجزها وصغر سنها، فماذا يلزمهم ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: الصبي أو الصبية إذا كانا دون البلوغ وخرجا من الإحرام قبل إتمامه، أي خرجا من النسك قبل إتمامه فلا حرج عليهما، وذلك لأنهما غير مكلفين، وبناءً على هذا
لا يكون على هذه الصبية شيء.
وبهذه المناسبة أود أن أقول: إن تكلف الناس، وتكليفهم صبيانهم من ذكور وإناث بالإحرام بالعمرة، أو بالحج في أيام الضيق، وأيام المواسم ليس بجيد، ولا ينبغي للإنسان أن يفعله؟
لأنه يكون مشقة على الصبي الذي أحرم، خصوصاً إذا قلنا بوجوب إتمامه إتمام النسك، وفيه أيضاً إشغال قلب وفكر بالنسبة لأهله، وكون الإنسان يتفرغ لنسكه ويبقى أولاده بلا نسك أفضل، والنبي ﷺ لم يأمر أمته بأن يحججوا الصبية غاية ما في ذلك أن امرأة رفعت
صبيًّا، وقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر" (١) لكنه لم يأمر أمته أن يحججوا الصبيان، فالذي أرى أنه من الخير أن يترك الصبيان
стр. 9267
بلا إحرام في أيام الضيق والمواسم؛ لأن ذلك أيسر عليهم وعلى أهليهم
س١٤٦٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من ترك واجباً من واجبات الحج هل يكفيه دم التمتع أم يطلب منه دم آخر ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: ذكر أهل العلم- ﵏ أن من ترك واجباً من واجبات الحج فعليه فدية أن يذبح شاة أي واحدة من الغنم، أو يشترك في بدنة، أو بقرة، والبدنة والبقرة كل منهما
يجزئ عن سبعة، وبناء على ذلك فإن الدم الواجب لترك الواجب لا يغني عنه هدي التمتع؟ لأن هدي التمتع له سبب يوجبه مستقل، ودم الواجب له سبب يوجبه مستقل، وهذا لا يدخل في هذا، بل لو أن الإنسان ترك واجبين، أو أكثر فعليه لكل واجب فدية كما سبق، واستدل أهل العلم لذلك بحديث ابن عباس- ﵄ (من ترك شيئاً من نسك أو نسيه فليهرق دماً) (١) .
س١٤٦٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض من يكون داخل هذه البلاد من الأمصار الأخرى إذا أرادوا أن يذهبوا إلى مكة للحج يمنعون، لأنهم حجوا أول مرة حج الفريضة، ويكثر السؤال هل يجوز لهم أن يتجاوزوا الميقات بثيابهم وهم قد أحرموا؟ ثم إذا
стр. 9268
تجاوزوا نقطة التفتيش لبسوا ثياب الإحرام؟ ومن ألزمهم بالدم فهل له من حجة؟
فأجاب- ﵀ بقوله: لا يجوز أن يلبسوا الثياب. فإذا أحرموا التزموا بشرع الله، وإذا منعوا يكون هذا مما سلط عليهم فيسألون الله أن يخفف عنهم هذا المنع.
فيحرم عليهم هذا العمل، ووجوب الدم في ترك الواجب في النفس منه شيء، ليس فيه إلا حديث ابن عباس- ﵄ قال: (من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق دماً) ، وهذا فيه
نقاش. أولاً: في ثبوته، والثاني: هل له حكم الرفع أو لا، لكن كونه يأثم فهو بالاتفاق.
س١٤٦٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل احتلم في الليلة الثالثة في منى وأصبح اليوم الثالث جنباً، وقبل الشمس تيمم وصلى حتى المساء ورمى الجمرات، وعند عودته إلى مكة المكرمة
اغتسل وصلى المغرب والعشاء وطاف طواف الإفاضة ومضى، وحتى الآن لم يذبح، فهل ح جه صحيح؟
فأجاب- ﵀ بقوله: لم يذكر تفاصيل الحج وكيفيته من أوله إلى آخره، لكن الذي ذكر الآن لا يوجب بطلان حجه، فحجه لا يفسد بما ذكره، ولكن يجب عليه إذا احتلم في منى، أو غيرها من
المشاعر أن يغتسل، فإن تعذر عليه ذلك وخاف فوات الوقت فإنه يتيمم، ولكن إذا تيمم لصلاة الفجر مثلاً التي خاف فوات وقتها فإنه يتعين عليه أن يطلب الماء في النهار ليغتسل.
стр. 9269
وأما الهدي فلا ندري هل يجب عليه أم لا؛ لأنه إذا كان متمتعاً وهو قادر على الهدي وقت حجه وجب عليه أن يهدي، وكذلك إذا كان قارناً، أما إذا كان غير قارن ولا متمتع وهو مفرد
فإنه لا يجب عليه الهدي.
س١٤٦٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من أحرم بالحج متمتعاً وطاف وسعى ولكنه لم يحلق أو يقصر بل حل من إحرامه وبقي إلى اليوم الثامن من ذي الحجة فأحرم بالحج من جدة إلى منى وأدى الناسك كاملة حتى طواف الوداع ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: هذا الحاج ترك التقصير في عمرته، والتقصير من واجبات العمرة، وفي ترك الواجب عند أهل العلم دم يذبحه الإنسان في مكة، ويوزعها على الفقراء، وعلى هذا
فنقول لهذا الحاج: عليك على ما قاله أهل العلم أن تذبح فدية بمكة، وتوزعها على الفقراء، وبهذا تتم عمرتك وحجك، وإن كان خارج مكة فيوصي أن يذبح له الفدية بمكة.
س١٤٦٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قدم إلى مكة في رمضان وهو صائم ويقول: إن أديت العمرة حين وصولي إلى مكة في النهار صائماً أديتها وأنا هزيل، وإن أخرتها إلى الليل أديتها بنشاط وإن أفطرت وأديتها حين وصولي أديتها بنشاط فما الأفضل في حقي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن يبادر الإنسان في فعل العمرة
стр. 9270
من حين يصل فإن الرسول ﷺ كان لا ينيخ بعيره إلا عند البيت ويقضي العمرة فوراً، وهذا قاعدة خذوها منهاجاً لحياتكم، (الشيء القصود يبدأ به قبل كل شيء) لأنه هو المقصود، وهذه القاعدة لها فروع منها حديث عِتْبَان بن مالك- ﵁ كان إمام قومه
وكبر وضعف بصره وبينه وبين قومه وادي يأتي السيل ويمنعه أن يصلي معهم، فطلب من النبي ﵌ أن يخرج إليه ليصلي في مكان في بيته يتخذه عتبان مصلى، وكان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً، فقال: "سأفعل إن شاء الله "، فخرج ﵊ ومعه نفر من أصحابه فلما وصل إليه وعلم أهل الحي أن الرسول قد جاء ثاب إليه قوم يعني اجتمعوا حول البيت يشهدون الرسول ﷺ ، قال عتبان: فستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حين دخل البيت، ثم قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك؟ " فأشرت إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله ﷺ
فكبر، فقمنا فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم " (١) فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى قبل كل شيء، وهذه مسألة اجعلوها في حياتكم، المقصود يبدأ به قبل التابع في كل شيء، فإذا قدم الإنسان إلى العمرة ورأى أنه مجهد وقال: إن أخرت العمرة إلى الليل صرت نشيطاً، وإن فعلتها وأنا صائم تعبت وأديتها بكسل، وإن أفطرت أديتها بقوة ونشاط، فهذه ثلاث حالات فنقول: الأفضل أن تفطر وتؤديها بقوة.
стр. 9271
زيارة المسجد النبوي
стр. 9272
س١٤٦٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم زيارة المسجد النبوي؟ وهل لها تعلق بالحج ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: زيارة المسجد النبوي سنة، لقول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) (١) فيسافر الإنسان لزيارة المسجد النبوي، لأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام (٢) ، ولكنه إذا سافر إلى المدينة فينبغي أن يكون قصده الأول الصلاة في مسجد الرسول ﷺ ، إذا وصل إلى هناك زار قبر الرسول ﷺ وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ على الوجه الشروع في ذلك من غير بدع ولا غلو.
وقولك في السؤال: هل له علاقة بالحج؟
جوابه: أنه لا علاقة له بالحج، وأن زيارة المسجد النبوي منفصلة، والحج والعمرة منفصلان عنه، لكن أهل العلم- ﵏ يذكرونها في باب الحج أو في آخر كتاب الحج، لأن الناس في
عهد سبق يشق عليهم أن يفردوا الحج والعمرة في سفر، وزيارة المسجد النبوي في سفر، فكانوا إذا حجوا واعتمروا مروا بالمدينة لزيارة مسجد رسول الله ﷺ ، وإلا فلا علاقة بين هذا وهذا.
стр. 9273
س١٤٦٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الأداب المشروعة في زيارة قبر الرسول ﷺ -؟
فأجاب- ﵀ بقوله: الأداب المشروعة أن يزور قبر الرسول ﷺ على وجه الأدب، وأن يقف أمام قبر رسول الله ﷺ ويسلم عليه، فيقول: السلام عليك يا أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله عليك وبارك، وجزاك عن أمتك خير الجزاء، ثم
يخطو خطوة ثانية، عن يمينه ليكون مقابل وجه أبي بكر- ﵁ ويقول: السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن أمة محمد خيراً، ثم يخطو خطوة عن يمينه
ليكون مقابل وجه عمر بن الخطاب ﵁ ويقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن أمة محمد خيراً، ثم ينصرف. هذه هي الزيارة المشروعة.
وأما ما يفعله بعض الناس من التمسح بجدران الحجرة، أو التبرك بها، أو ما أشبه ذلك، فكله من البدع، وأشد من ذلك وأنكر وأعظم أن يدعو النبي ﷺ لتفريج الكربات وتحصيل الرغوبات، فإن هذا شرك أكبر مخرج عن الملة، والنبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، ولا يملك لغيره كذلك نفعاً ولا ضرًّا، ولا يعلم الغيب، وهو ﷺ قد مات كما يموت غيره من بني آدم، فهو بشر يحيا كما يحييون، ويموت كما يموتون، وليس له من تدبير الكون شيِء أبداً، قال الله تعالى له- للرسول ﷺ -: (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) . وقال الله تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ الله)
стр. 9274
وقال الله له: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ الله وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) فالرسول ﷺ بشر محتاج إلى الله ، وليس به غنى عنه طرفة عين، ولا يملك أن يجلب نفعاً لأحد، أو يدفع ضّرا عن أحد، بل هو عبد مربوب، مكلف
كما يكلف بنو آدم، وإنما يمتاز بما منَّ الله عليه من الرسالة التي لم تكن لأحد قبله، ولن تكون لأحد بعده، وهى الرسالة العظمى التي بعث بها إلى سائر الناس إلى يوم القيامة.
س١٤٧٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم زيارة بعض المقابر بالمدينة كالبقيع والشهداء ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: زيارة القبور سنة في كل مكان ولاسيما زيارة البقيع الذي دفن فيه كثير من الصحابة- ﵃ ومنهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان- ﵁ وقبره
هناك معروف.
وكذلك يسن أن يخرج إلى أحد ليزور قبور الشهداء هنالك، ومنهم حمزة بن عبد المطلب- ﵁ عم رسول الله ﷺ .
وكذلك ينبغي أن يزور مسجد قباء، يخرج متطهراً ويصلي فيه ركعتين؛ لأن في ذلك فضلاً عظيماً.
وليس هناك شيء يزار في المدينة سوى هذه: زيارة المسجد النبوي، وزيارة قبر الرسول ﷺ وقبر صاحبيه- ﵄ وزيارة البقيع، وزيارة شهداء أحد، وزيارة مسجد قباء، وما عدا ذلك من المزارات فإنه لا أصل له.
стр. 9275
س١٤٧١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الذي يلزم من وجد في قلبه ميلاً إلى طلب أصحاب هذه القبور، الشفاعة أو قضاء الحوائج ﷺ أو الشفاء أو ما إلى ذلك ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: الذي يجد في قلبه ميلاً إلى طلب الشفاعة من أصحاب القبور، فإن كان أصحاب القبور من أهل الخير، وكان الإنسان يؤمل أن يجعلهم الله شفعاء له يوم القيامة
بدون أن يسألهم ذلك، ولكنه يرجو أن يكونوا شفعاء له، فهذا لا بأس به، فإننا كلنا نرجو أن يكون رسول الله ﷺ شفيعاً لنا، ولكننا لا نقول: يا رسول الله اشفع لنا، بل نسأل الله تعالى أن يجعله شفيعاً لنا، وكذلك أهل الخير الذي يرجى منهم الصلاح فإنهم يكونون
شفعاء يوم القيامة، فإن الشفاعة يوم القيامة تنقسم إلى قسمين:
قسم خاص برسول الله ﷺ لا يشركه فيه أحد، وهي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها ﷺ للخلق إلى ربهم ليقضي بينهم، فإن الناس يوم القيامة ينالهم من الكرب والغم ما لا يطيقون فيقولون: ألا تذهبون إلى من يشفع لنا عند الله ، يعني يريحهم من هذا الموقف، فيأتون إلى اَدم، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى ﷺ
موسى، ثم إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام، وكلهم لا يشفعون، حتى يأتوا إلى رسول الله ﷺ وتنتهي الشفاعة إليه، فيشفع عند الله أن يقضي بين عباده، فيجيء الله ويقضي بين عباده، والشفاعة الثانية: شفاعتة ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
أما الشفاعة العامة التي تكون للرسول ﷺ ولغيره من إلأنبياء
стр. 9276
والصديقين والشهداء والصالحين، فهذه تكون فيمن دخل النار أن يخرج منها، فإن عصاة المؤمنين إذا دخلوا النار بقدر ذنوبهم، فإن الله تعالى يأذن لمن شاء من عباده من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين أن يشفعوا في هؤلاء بأن يخرجوا من النار.
فالمهم أن الإنسان إذا رجا الله أن يشفِّع فيه نبيه محمداً ﷺ أو يشفِّع فيه أحداً من الصالحين بدون أن يسألهم ذلك، فهذا لا بأس به.
وأما أن يسألهم فيقول: يا رسول الله اشفع لي، أو يا فلان اشفع لي، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز، بل هو من دعاء غير الله ، ودعاء غير الله شرك.
س١٤٧٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم زيارة المساجد السبعة في المدينة أو هذه المزارات التي يزورها بعض الحجاج ؟
فأجاب ﵀ بقوله: نحن ذكرنا أنه لا يزار إلا هذه الخمسة التي هي: مسجد النبي ﷺ ، وقبره وقبر صاحبيه وهي في مكان واحد، هذه القبور الثلاثة، والبقيع، وفيه قبر عثمان- ﵁ وشهداء أحد وفيهم حمزة بن عبد المطلب- ﵁ ومسجد قباء، وما عدا ذلك فإنه لا يزار، وما أشرت إليه من المساجد السبعة أو غيرها مما لم تذكر، فكل هذا لا أصل لزيارته، وزيارته بقصد التعبد لله تعالى بدعة؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ -
стр. 9277
ولا يجوز لأحد أن يثبت لزمان، أو مكان، أو عمل أن فعله أو قصده قربة إلا بدليل من الشرع.
س١٤٧٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل المرأة إذا قدمت المدينة حاجة أو معتمرة تزور قبر النبي ﷺ أم لا ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: لا تزور قبر النبي ﷺ ، لأن زيارتها لقبر النبي ﷺ ليس لها ضرورة، إذ إن الإنسان إذا سلم على النبي ﷺ ولو في أقصى المشرق والمغرب، فإن سلامه يبلغه، فليس هناك ضرورة إلى أن تقف على قبره لتسلم عليه، ثم إن كثيراً من العلماء يقول: إنها إذا زارت قبر الرسول ﵊
دخلت في اللعنة، حيث إن النبي ﷺ لعن زائرات القبور (١) ، فلا تزور قبر الرسول ﵊، ويكفي أن تسلم عليه وهي في المسجد النبوي، أو في بيتها، أو من أي مكان.
س١٤٧٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما صحة هذا العمل وهو ما يوجد عند المسجد النبوي خصوصاً عند البقيع من بيع الحب للحمام فبعض الناس يشتريه ثم يرميه وبعضهم يتقصد رميه بالمقبرة فما حكم هذا العمل؟ وحدثونا يا شيخ عن المزارات التي تزار في المدينة النبوية والتي دل عليها الدليل ؟
стр. 9278
فأجاب- ﵀ بقوله: أرى أن هذا عمل ليس بجيد، كون الإنسان يشتري الحب ويلقيه على الأرض للحمام هذا غلط، فأحياناً يداس هذا الحب بالأقدام خصوصاً في أيام الموسم؛ لأن أيام
الموسم يكون الناس بكثرة، ولا تتمكن الحمام من النزول فتأكل وهذا إضاعة مال وإهانة طعام.
أما المزارات التي في المدينة: أولاً: المسجد النبوي تصلي فيه ما شاء الله. ثانياً: قبر النبي ﷺ وقبرا صاحبيه أبي بكر وعمر- ﵄. ثالثاً: البقيع. رابعاً: مسجد قباء. خامساً: شهداء أحد، وغير هذا ليس فيه مكان تشرع زيارته في المدينة.
س١٤٧٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم زيارة البقيع وشهداء أحد فهل يجوز للرجل أن يذهب بأهله من النساء إلى تلك الأماكن؟ وهل يجوز أيضاً للمرأة أن تدخل في الروضة قريباً من قبر النبي ﷺ -؟
فأجاب- ﵀ بقوله: نعم هذا سؤال، وفيه تنبيه يشكر عليه، النساء لا يزرن المقابر، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن زائرات القبور، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة
الله، ولا فرق بين البقيع وشهداء أحد وغيرها من مقابر المسلمين، فلا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها قاصدة زيارة المقبرة، فإن فعلت فهي ملعونة- والعياذ بالله- لكن لو مرت بالمقابر بدون قصد زيارة
ووقفت ودعت لأهل القبور فلا بأس.
стр. 9279
أما زيارة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقبري صاحبيه- ﵄ فقد رخص بعض العلماء في ذلك وقال: إن زيارة المرأة لقبري الرسول صلى الله عليه وعلى اَله وسلم
وقبري صاحبيه ليست زيارة، لأن مكان القبور الثلاثة محاط بثلاثة جدران، فهي لم تقف على القبر وبينها وبين القبور حائل، فهي وإن وقفت مثلاً في الروضة- كما يقول السائل- فإنها لم تكن زائرة لقبر بينها وبينه الحجاب وثلاثة جدر، لكن مع ذلك نرى أن لا تزور المرأة قبر الرسول ﷺ وقبري صاحبيه- ﵄ لأنها إذا ذهبت إلى هناك، يقال: إنها زارت القبر، فهي زيارة عرفية وإن لم تكن حقيقة زيارة، لكنها زيارة عرفية فلا نرى أن تذهب.
ثم أليس المقصود من الوقوف على القبر أن يصل سلامك إلى الرسول؟ الجواب: بلى، هذا المقصود، ومع هذا نقول: أنت لو سلمت عليه في أقصى الدنيا فإن سلامك سوف يبلغه " لأن الله وكل
ملائكة سياحين في الأرض إذا سلم أحد على الرسول ﷺ نقلوا السلام إلى الرسول ﵊، فنحن الآن إذا قلنا: اللهم صل وسلم على رسول الله. نقل سلامنا إليه، في الصلاة تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ينقل السلام إليه، إذن لا ضرورة إلى أن تأتى المرأة إلى القبر.
سمعتما بعض الناس يقول في المدينة: إن أبي وصاني أن أسلم على الرسول وقال: سلم لي على الرسول. وهذا غلط، والرسول ﷺ ليس حيًّا حتى ينقل سلام الحي له، ثم إنه إذا سلم أبوك على الرسول نقل سلامه من هو أقدر منك على إبلاغه وأوثق منك، وهم
стр. 9280
الملائكة، إذن لا حاجة إلى هذا، ونقول أنت في مكانك في أي مكان من الأرض، تقول: السلام عليك أيها النبي، وسيبلغه بأسرع من هذا، وأوثق وأحسن.
س١٤٧٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج أدى مناسك الحج ولم يتمكن من الذهاب لزيارة المسجد النبوي وسافر مباشرة فهل من ضرورة قبول الحج أن يلحق بالزيارة أم لا ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: ليس من ضرورة الحج أن يزور الإنسان المسجد النبوي، ولا علاقة له بالحج، وإنما زيارة مسجد رسول الله ﷺ تكون في كل وقت، ولكن أهل العلم ذكروها في المناسك؛ لأنه فيما سبق كان يشق على الناس أن يأتوا لزيارة المسجد النبوي، فكانوا يجعلونها مع فعل الحج، ليكون السفر إليها واحداً، وإلا فلا علاقة لها بالنسك، بل من اعتقد أن لها علاقة بالنسك، فإن اعتقاده ليس بصحيح؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه- ﵃.
س١٤٧٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: وجدت في الصحيحين حديثاً هذا نصه: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من زارني ميتاً فكأنما زارني حيًّا ، ومن قصدني في مسجدي كنت شهيداً شفيعاً يوم القيامة، ومن زار مكة وقصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان، ومن زار مكة ولم يزرني فقد جفاني "، وقد تعلمنا في المدارس بأن زيارة القبور شرك ينافي كمال