والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين مرة وأكملها بقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كذلك تغفر خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر، وإذا صام الإنسان رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وإذا قامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وإذا قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه
وآله وسلم أن رجلاً أو امرأة رأى كلباً يلهث عطشاً فنزع من الماء بخفه وسقى الكلب فغفر الله بسقيا الكلب، فلا تظن أن الأمر محصور على الحج، فأسباب مغفرة الذنوب كثيرة، فإذا رأى ولي
الأمر أن يرتب الناس فهذا خير، فعليك أن تمتثل وألا تتحيل.
وقد سمعت بعض الناس- نسأل الله العافية- يحرم ويبقي ثوبه عليه حتى يتجاوز نقطة التفتيش، فهذا الذي يحرم ويبقي ثوبه عليه، كأنه يقول للناس: اشهدوا أني عاص لرسول الله، لأن النبي ﵌ يقول: "لا يلبس المحرم القميص " وهذا لبس، وبعض الناس يفعل أيضاً شيئاً آخر يؤخر الإحرام عن الميقات حتى يتجاوز التفتيش، وهذا أيضاً عاص للرسول ﵊؛ لأن النبي ﷺ أمر بالإهلال من المواقيت لمن أراد الحج أو العمرة، فلا تتقرب يا أخي إلى الله بمعصية الله، واترك الحج، حتى تحصل على رخصة.
س ١٥١٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ذهب هو وصاحبه للحج في العام الماضي فمات صاحبه فهل يكمل عنه الحج أم لا ؟
стр. 9312
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أحرم الإنسان بالحج ومات قبل تمامه فإنه لا يقضى عنه ما بقي، ودليل ذلك أن النبي ﷺ كان واقفاً بعرفه فأتوا إليه، وقالوا له: يا رسول الله إن فلان وقصته ناقته فسقط منها ومات، فقال: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تغطوا رأسه، ولا تحنطوه،- أي لا تجعلوا فيه طيباً- فإنه يبعث يوم القيام ملبياً" (١) يعنى يخرج من قبره يقول: لبيك اللهم لبيك.
ولم يقل: كملوا عنه، ولأننا لو كملنا عنه لفاته هذه المنقبة، وهي أن يخرج محرماً، لأننا إذا كملنا عنه حل، لذلك إذا مات الإنسان في أثناء النسك فلا يقضى عنه شيء، وإذا كان لم يحل التحلل الأول
دفن في ثوبه أي في إزاره وردائه، ولا يؤتى له بكفن جديد، ليخرج من قبره يقول: لبيك اللهم لبيك، وهذا نظيره المجاهد، الذي يقتل شهيداً، فإنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون
الدم، والريح ريح المسك.
س ١٥١٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رفقة حجاج مات معهم شخص فما الذي يفعلونه في شأن الأنساك المتبقية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا مات الإنسان وهو محرم بالنسك فإنه لا يقضى عنه؛ لأن النبي ﷺ قال في الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة فمات، قال ﵊: "اغسلوه بماء وسدر، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه وكفنوه في ثوبيه، فإنه يبعث يوم
стр. 9313
القيامة ملبياً". وهذا يدل على أن الإنسان إذا مات أثناء النسك لا يقضى عنه ما بقي.
س ١٥١٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ذهب إلى العمرة والحج مع أمه وبعض أخواته، وبعد مناسك العمرة كانوا في منى وفي اليوم الثامن وافت هذا الرجل المنية، فذهبت الأم مع بقية أخواته وتركن الحج فما الحكم وماذا يلزمهن ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هؤلاء النسوة قد اشترطن عند الإحرام أنه إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني فلا حرج عليهن، لأن بعض الناس قد لا يتحمل أن يكمل الحج مع المصيبة
أما إذا كن لم يشترطن فهذه مشكلة، ويجب عليهن الآن أن يعتبرن أنفسهن محرمات، حتى يذهبن إلى مكة ويؤدين العمرة تحللاً من الحج، ويحججن العام القادم لأنهن تركن الحج قبل الوقوف، فينقلب إحرامهن عمرة، فيلزمهن الآن أن يذهبن إلى مكة على اعتبار أنهن محرمات، وأن يأتين بالعمرة وهدي وفي العام القادم يلزمهن أن يأتين بالحج هذا إذا لم يكن اشترطن، فإن اشترطن ذلك فليس عليهن شيء.
س ١٥١٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جزار ذهب للحج وعندما كان بمنى ذهب للمجزرة بأجرة وقبل أن يرمي جمرة العقبة وهو داخل المجزرة قطع الحج وخرج إلى بيته فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للحاج أن يذبح الهدي قبل أن
стр. 9314
يرمي، ولا حرج عليه في ذلك، لكن هذا الرجل لم يتحمل وكأنه ذهب إلى بيته وقطع الحج، فنقول لك: إن الحج وإن قطعته لا ينقطع إلا بإتمامه، ولهذا لو قال وهو محرم بالحج: فسخت نية الحج
وهونت عن الحج. فإنه لا يخرج منه ويجب أن يكمل، وهذا مما يختص به الحج من بين العبادات، فالعبادات التي غير الحج لو قطعها الإنسان انقطعت، لكن الحج لا ينقطع ولو قطعه الإنسان،
فمثلًا لو أن الإنسان يصلي وقطع صلاته انقطعت، ولو كان محرماً بحج أو عمرة ونوى قطع الحج والعمرة فإنه لا ينقطع، ويلزمه الإتمام، وعلى هذا نقول لهذا الرجل ونحن الآن في زمن الحج:
يلزمك أن تتم الحج، وذلك بأن ترجع إلى منى، وتبيت بها الليالي: الليلة الحادية عشرة والثانية عشرة، ويلزمك أن ترمي الجمرات في أيام التشريق.
س ١٥١٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة طلقها زوجها بعدما تلبست بالإحرام وهو محرم، هل تتم نسكها أم تعود وتعتبر محصرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تعود، لأنه إذا طلق الإنسان زوجته الطلقة الأولى أو الثانية فهو محرم لها يجوز أن تتجمل له وأن تتزين له، وأن تفعل المغريات التي توجب أن يراجعها، ولهذا قال
الله في الرجعيات: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ الله وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) . كثير من
стр. 9315
الناس اليوم مع الأسف إذا طلق زوجته يطردها من البيت مباشرة وهذا حرام عليه، إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، وكثير من النساء إذا طلقت ذهبت إلى أهلها، وهذا. حرام عليها (وَلَا يَخْرُجْنَ) ثم قال تعالى في آخر الآية: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) . إذن المطلقة الرجعية تبقى في بيت زوجها تتجمل له وتتطيب وتفعل جميع المغريات لرجوعها إلى زوجها.
وبالنسبة لهذه المرأة التي طلقها زوجها وهو محرمها نقول: إذا كان الطلاق الأول أو الثاني فهو محرم لها، وإذا كان الثالث فليس بمحرم، ولكن تمضي في حجها معه للضرورة.
س ١٥١٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أحرم بالعمرة وعلى مشارف مكة تعرض لحادث مروري وتم نقله إلى المستشفى، حيث تعرض لإصابات، ولم يتمكن من أداء العمرة، فماذا عليه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشكلة أن هذا قد وقع فما أدري ماذا صنع الرجل؟ ولنقل: إن الرجل تحلل، وألغي العمرة فالواجب غليه هدي، كما قال الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ)
يعنى منعتم عن إتمامهما (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) فعلى هذا الرجل الآن أن يذبح في مكة هدياً يفرقه على الفقراء.
س ١٥١٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لما كان الحريق في منى هذا العام ١٤١٧ هـ ترك بعض الناس الحج وعاد إلى أهله قبل أن يكمل حجه، وظن أنه يكفيه أن يذبح دما ويكفي عن الحج، فما
стр. 9316
حكم هذا العمل، وهل يعذرون لأجل ما أصابهم من الروع والذعر؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما أكثر العلماء فيرى أنه لا عذر لهم، وأنهم يبقون على إحرامهم، ولا يتحللون منه، فلا يحل لهم جميع محظورات الإحرام، ثم إن تمكنوا من الرجوع قبل فوات الوقوف بعرفة وجب عليهم الرجوع، وإن لم يتمكنوا وفاتهم الوقوف، وجب عليهم أن يأتوا إلى مكة ويحلوا إحرامهم بعمرة، يعنى يأتون إلى مكة ويطوفون ويسعون ويقصرون، ثم يحلون ويذبحون هديًا وعليهم الحج من العام القادم؛ لأنهم فرطوا، هذا الذي عليه أكثر أهل العلم. ومن العلماء من يقول: يجوز التحلل بالحصر بالخوف أو مرض، أو كسر، أو ما أشبه ذلك، وبناء على هذا القول نقول لهؤلاء: إذا اضطروا إلى التحلل من أجل الذعر والخوف، فيذبحوا هدياً في مكة ويتحللوا نهائياً، ولا يلزمهم
القضاء في المستقبل إلا أن تكون هذه الحجة حجة الإسلام.
س ١٥١٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج وحصل بينه وبين صاحب الحملة نقاش وكان محرماً فرجع وحل إحرامه فماذا يلزمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول هذا السائل: اعلم أنك تعتبر محرماً الآن، فعليك أن تبادر بخلع الثياب، ولبس ثياب الإحرام وتذهب إلى مكة، وتأتي بالعمرة يعنى تطوف وتسعى وتقصر، ثم عليك أن تحج من العام القادم. وعليك الهدي، لأنك تحللت بلا
стр. 9317
عذر. وأنصحك ومن يسمع إذا وقع عليكم مشكلة فاسألوا العلماء من حينها، فلو أنك في ذاك الوقت سألت العلماء: هل يجوز لك أن تتحلل لمجرد الخصومة بينك وبين صاحبك؟! لكانت المسألة سهلة، فنصيحتي لك ولغيرك أنه إذا وقعت إشكالات في العبادة أن تبادر بالسؤال عنها.
س ١٥٢٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من وجد مخيمه قد احترق في اليوم الثالث وقد اشترط فهل يجوز له أن يتحلل من إحرامه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: اسأل إذا احترقت الخيمة فهل هذا حابس يمنع من إتمام النسك؟ ما يمنع، فإذا احترقت الخيمة بدلها خيمة وإذا لم يتمكن من البقاء في هذا المكان بحث عن مكان آخر، فهذا لا يعتبر من الحابس، أما لو أصيب وعجز أن يكمل فهو حابس، والذين احترقت خيامهم ولم يمنعهم من إتمام النسك إلا الاحتراق، فليس لهم عذر في الواقع، فهم كالذين تكلمنا عنهم قبل قليل.
س ١٥٢١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أحرم الصبي بالحج أو العمرة ولم يكمل حجه أو عمرته وهو لم يشترط فهل على وليه شيء؟ وسائل يقول: فتاة لم تبلغ ولبست الإحرام للعمرة وعندما وصلت مطار جدة كانت متعبة لمرض ألم بها ففسخت الإحرام ولم تعتمر من عامها ذلك فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس إذا أحرم الصبي أو الصبية
стр. 9318
التي لم تبلغ، فإذا أحرم الصبي بالعمرة أو الحج وقال: إنه هو، أو رأى وليه أنه يتعب ويشق عليه ففسخ الإحرام فلا حرج في ذلك؛ لأن الصبي غير مكلف، لقول النبي ﷺ : " رفع القلم عن ثلاثة" وذكر منهم "الصغير حتى يبلغ " (١) كما إنه إذا شرع في الصلاة ثم
خرج منها لم يأثم وقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) إنما يوجه الخطاب للمكلف، أما غير المكلف فلا يتوجه إليه الخطاب على سبيل الإلزام، وهذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة- ﵀
وصاحب الفروع- ﵀ تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، وفيه توسعة على الناس في الواقع؛ لأنه أحياناً مع الزحام والحر والمشقة يتعب الصبي ويصرخ ويصيح، وربما يمزق إحرامه، فكونه يلزم
هذا الصغير وهو غير مكلف لا يجب عليه الحج، ولا يتوجه إليه الخطاب إلزاماً بدون دليل قطعي أو ظني غالب، يكون في نفوسنا شيء، وما دامت المسألة ليس فيها دليل من القرآن، أو السنة،
وليس فيها إجماع فإن القول الراجح أنه لا يلزمه إتمام النسك.
س ١٥٢٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا فعل الصبي محظوراً يوجب الفدية فهل على وليه شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه لا شيء فيه، لأن عمد الصبي خطأ، والخطأ لا يجب فيه الفدية، وبما أن هذا الصبي لا يأثم فإنه لا فدية عليه، فإذا قدر أن هذا الصبي حلق رأسه، أو فعل أي محظور
стр. 9319
فليس عليه شيء، فقط يلزم وليه أن يعلمه، ويبين له أن هذا الشيء غير جائز.
س ١٥٢٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أحرم بالعمرة وطاف ولم يكمل السعي ولبس ثيابه فماذا عليه؟ وآخر يقول: رجل أحرم هو وزوجته بالعمرة فلما طافوا بعض الأشواط
قطعوا العمرة وذهبوا ولبسوا ثيابهم ولم يرجعوا إلا بعد أيام بسبب الزحام فما هي القاعدة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: القاعدة أن الحج والعمرة إذا شرع فيهما الإنسان وجب عليه إتمامهما، لقول الله ﵎: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) فلا يحل له أن
يقطعهما، حتى ولو كان زحاماً، وعليه أن ينتظر حتى يخف الزحام، ثم يكمل العمرة، فهؤلاء الذين قطعوا عمرتهم نقول الحكم فيهمِ:
أولاً: أنهم آثمون، إلا أن يكونوا جاهلين فلا إثم عليهم.
ثانياً: أنهم لا يزالون في إحرامهم حتى ولو خلعوا ملابس الإحرام ولبسوا الثياب العادية، فهم لا يزالون في إحرام، فيجب على الرجل أن يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام.
ثالثاً: أنه يلزمهم الآن أن يرجعوا إلى مكة ليتموا عمرتهم، فإذا كانوا طافوا، ولكن لم يسعوا، نقول: بقي عليكم السعي، وإن كانوا طافوا بعض الأشواط ثم خرجوا، نقول: أعيدوا الطواف من أوله، وإذا كانوا سعوا بعض الأشواط، فنقول: ارجعوا فابدؤوا
стр. 9320
السعي من أوله.
وإنه يؤسفنا أن هذا واقع كثير من الناس في هذا العام، لما رأوا الزحام تركوا الإكمال، وذهبوا إلى أهلهم، وربما يكون الإنسان قد وطئ زوجته في هذه المدة، وربما يكون قد تزوج، وإذا كان قد تزوج فإن عقد النكاح غير صحيح؛ لأنه ما زال محرماً، والمحرم لا يصح عقد النكاح له، فإذا قدر أنه عقد قلنا: أمسك، لا تأتي أهلك حتى تذهب وتكمل العمرة، ثم أعد العقد من جديد.
س ١٥٢٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل سار من الميقات إلى مكة حاجاً ولما وصل إلى مركز التفتيش بين مكة وجدة منعوا دخوله مكة، لأنه لم يكن معه بطاقة للحج فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً لا نشير على الإنسان أن يخاطر ويحج وليس معه بطاقة، بل إذا لم يكن معه بطاقة فمعناه إنه قد حج أولاً، ويكفي الباقي تطوع، وإذا علم الله من نيتك أنه لولا المانع
لحججت، فإنه يرجى أن يكتب لك أجر الحج؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أن من تمنى الشهادة بصدق رزق أجرها ولو مات على فراشه، أو نال أجر الشهيد ولو مات على فراشه (١) فأنت إذا علمت أن السلطات سوف تمنعك أصلاً فلا تسافر، أديت الفريضة والحمد لله، لكن على فرض أن الإنسان لم يعلم بهذا، وذهب وأحرم، ثم منع فإنه يذبح هدياً في مكان منعه، لقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا
стр. 9321
اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ويتحلل ويرجع.
س ١٥٢٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قام بأداء العمرة قبل ثماني سنوات أثناء الطواف أحس بتعب شديد وإعياء ولم يستطع إكمال العمرة وتحلل ولبس ملابسه وخرج من مكة فهل عليه شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: من مدة ثماني سنوات -سبحان الله- منذ سنوات ما سأل عن دينه، لو ضاعت له شاة عرجاء لذهب يطلبها في الليل، وهذا الدين لا يسأل عنه إلا بعد ثماني سنوات،
فانظر إلى التفريط. هذا الرجل يلزمه على قول بعض العلماء أن يلبس الآن ثياب الإحرام، ويذهب إلى مكة ويطوف ويسعى ويقصر، ولابد، وإن كان قد جامع في أثناء هذا فإنها فسدت عمرته، فيكلمها، ويأتي بعمرة جديدة قضاء لما فسد، وأن كان قد تزوج بعد ذلك يعنى بعد أن ألغى العمرة فنكاحه فاسد، يجب أن يتجنب زوجته، وأن يجدد العقد من جديد بعد أن يقضي العمرة، وهذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل- ﵀.
وعند أصحابه قول آخر: أن الإنسان إذا عجز عن إكمال النسك لمرض، وليس لتعب؛ لأن التعب يمكنه أن يستريح، فإذا كان لمرض فإنه يتحلل، ولكن عليه هدي، لقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) فاسأل الرجل: هل تعبه هذا أدى إلى مرضه بحيث لا يستطيع أن يكمل العمرة لو استراح، أو لا؟ إذا كان يستطيع فمعناه لا زال في عمرته فليذهب ويكمل عمرته،
стр. 9322
ولكن المحظورات التي فعلها على القول الراجح لا تضره؛ لأنه جاهل إلا مسألة الزواج، فإنه يجب عليه- إذا تزوج في هذه المدة- أن يجدد العقد، إذن الخلاصة: الذي نرى أنه إن كان هذا التعب
أدى إلى مرض لا يستطيع معه أن يكمل فهذا ليس عليه إلا الهدي: هدي الإحصار، وإلا فإنه لا يزال محرماً الآن، ويجب عليه أن يذهب محرماً من بلده من بيته الآن ويكمل العمرة، وليس عليه شيء فيما فعل من المحظورات؛ لأنه جاهل، وإن كان قد عقد النكاح في هذه المدة فعليه أن يجتنب زوجته حتى يتم العمرة فيعقد له من جديد.
س ١٥٢٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج ووقف عرفة ثم منعه صاحب العمل من إكمال المناسك وقال: حجك تم ما دام وقفت بعرفة، خلاص ما يحتاج تكمل النسك فهل حجه تام؟ وماذا يلزمه الآن ونحن في أيام الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: باقي عليه الطواف والسعي، إذا لم يكن قارناً، أو مفرداً سعى مع طواف القدوم، وباقي عليه المبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، ورمى الجمار وطواف الوداع، يلزم صاحب العمل أن يأذن له بالبقية، ولا يجوز أن يقول: تحلل الآن خلاص، ولو قال ذلك فله الحق أن يمتنع ويرفع الأمر إلى الجهات المسئولة.
س ١٥٢٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أحرم الإنسان ونوى العمرة ولكن الظروف لم تسمح لضيق الوقت فهل عليه شيء في ذلك ؟
стр. 9323
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: قول السائل: (ولكن الظروف لم تسمح) إن كان يقصد أنه لم يحصل له وقت يتمكن فيه مما أراد فلا بأس به، وإن يقصد أن للظروف تأثيرًا فإنه لا يجوز.
وأما ما سأل عنه فالإنسان إذا أحرم بالعمرة وجب عليه إتمامها، لقول الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) حتى لو كانت نافلة، وهذا من خصائص الحج أن الإنسان إذا شرع فيه يجب عليه
أن يتمه ومثله العمرة، ولكن إذا أحصر بأن حصل له مانع لا يتمكن من إتمام العمرة فإنه يتحلل، لكن إن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه أن محله حيث حبس، فإنه يتحلل ولا شيء عليه، وفي هذه الحال التي يتوقع الإنسان فيها أنه لا يحصل له إتمام نسكه، ينبغي له أن يشترط عند الإحرام: إن حبسني حابس فمحلي حيث حسبتني، لأجل إذا حصل الحادث تحلل ولا شيء عليه، أما إذا كان حصل له عذر قاهر لا يتمكن معه من إتمام العمرة ولم يشترط أن محله حيث حبس، فإنه في هذه الحال يتحلل وعليه دم، لقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) بعد قوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) قال: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) فعلى هذا نقول: تتحلل بالنحر والحلق.
س ١٥٢٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من أصيب بمرض يوم عرفة وهو في حج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان قد اشترط إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، حل ولاشيء عليه، وإلا لزمه أن يبقى على
стр. 9324
الحج حتى ينتهي، وإذا خشي مشقة كبيرة ولم يتمكن من إتمامه فالصحيح أنه يكون كالمحصر بالعدو، بمعنى أنه يتحلل ويذبح هدياً إن تيسر له، ويحج من العام القادم إذا كان حجه فرضاً.
***
تم بحمد الله تعالى
المجلد الثالث والعشرون
ويليه بمشيئة الله
المجلد الرابع والعشرون.
стр. 9325
س ١٥٢٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما المنافع التي يشهدها الناس في الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين: المنافع التي يشهدها المسلمون في الحج منافع كثيرة منافع دينية، ومنافع إجتماعية، ومنافع دنيوية.
وأما منافع الدينية: فهي ما يقوم به الحجاج من أداء المناسك، وما يحصل من التعليم والتوجيه من العلماء من هنا ومن هناك، وما يحصل كذلك من الإنفاق في الحج، فإنه من الإنفاق في سبيل الله .
وأما المنافع الإجتماعية: فهي ما يحصل من تعارف الناس بينهم، وأئتلاف قلوبهم، واكتساب بعضهم من أخلاق بعض، وحسن المعاملة والتربية بعضهم البعض، كما هو مشاهد لكل لبيب تأمل ذلك.
وأما الفوائد الدنيوية: فما يحصل من المكاسب لأصحاب السيارات وغيرها مما يستأجر لأداء الحج، وكذلك ما يحصل للحجاج من التجارة التي يوردونها معهم ويستوردونها من مكة وغير هذا من المنافع العظيمة، ولهذا قال الله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) فأتى فيها بالجمع الذي هو صيغة منتهى الجموع،
стр. 9326
ولكن مع الأسف الشديد أن الحج في هذه الأزمنة عند كثير من الناس لا يستفاد منه هذه الفوائد العظيمة، بل كأن الحج أفعال وأقوال جرداء، ليس فيها إلا مجرد الصور فقط، ولهذا لا تكسب
القلب خشوعًا، ولا تكسب ألفة بين المؤمنين، ولا تعلمًا لأمور دينهم، بل ربما يكره بعضهم أن يسمع كلمة وعظ من ناصح لهم، بل ربما يكون مع بعضهم سوء نية في دعوة الناس إلى الباطل، إما
بالمقال، وإما بالفعال بتوزيع النشرات المضلة الفاسدة وهذا لا شك أنه مما يحزن، ومما يجعل هذا الحج خارجًا عن نطاقه الشرعي الذي شرع من أجله، لذا أنصح أخواني الحجاج بما يلي:
أولاً: إخلاص النية لله تعالى في الحج، بأن لا يقصدوا من حجهم إلا الوصول إلى ثواب الله تعالى ودار كرامته.
ثانياً: الحرص التام على اتباع النبي ﷺ في حجه، فإنه ﷺ كان يقول: "لتأخذوا عني مناسككم " (١) .
ثالثاً: الحرص التام على التألف والتقارب بين المسلمين، وتعريف بعضهم بعضاً بما ينبغي أن يعرفوه من مشاكل دينية واجتماعية وغيرها.
رابعاً: الرفق بالحجاج عند المشاعر، وعند الطواف، وعند السعي وعند رمي الجمرات، وعند الدفع من مزدلفة ومن عرفة وغير ذلك.
стр. 9327
خامساً: الحرص على أداء المناسك بهدوء وطمأنينة، وألا يكون الواحد كأنما أتى ليقابل جيشاً، أو جندياً محارباً، ويظهر ذلك عند رمي الجمرات فإن بعض الناس تجدهم مقبلين إلى الجمرات والواحد منهم ممتلىء غضباً وحنقاً، وربما يتكلم بكلمات نابية لا تليق بغير هذا الموضع فكيف بهذا الموضع؟!.
سادساً: أن يبتعد كل البعد عن الإيذاء الحسي، والمعنوي بمعنى أنه يجتنب إلقاء القاذورات في الطرقات، وإلقاء القمامة في الطرقات وغير ذلك، الإيذاء المعنوي أن يتجنب شرب الدخان مثلاً بين أناس يكرهون ذلك، مع أن شرب الدخان محرم في حال الإحرام وغير حال الإحرام، وإذا وقع في الإحرام أنقص الإحرام وأنقص أجر الحج والعمرة؟ لأن الله تعالى يقول: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) والدخان محرم، والإصرار عليه يؤدي إلى أن يكون كبيرة من الكبائر، فالمهم أن الإنسان ينبغي له في هذا الحج أن يكون على أكمل ما يكون من دين وخلق حتى يجد طعم وحلاوة هذا الحج.
س ١٥٣٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يحتج كثير من شاربوا الدخان إذا نصحوا بان الله ابتلاهم به فما توجيهكم لمثل هؤلاء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: شارب الدخان إذا نصح قال إن الله
стр. 9328
ابتلاه بهذا، هذا إقرار منه بأن الدخان بلوى وحرام، ولكن نقول هذا مردود عليه من القرآن والسنة، أما القرآن فقال الله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا) . (١) قال الله تعالى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) فحجتهم باطلة بالقرآن. في السنة لما قال النبي ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار" قالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل؟ قال: "لا. اعملوا فكل ميسر لما خلق له " (٢) . ونقول لهذا الرجل المبتلى بشرب الدخان اسأل الله العافية، اسأل الله العافية وجاهد نفسك بالامتناع عنه، وإن شيئاً فشيئاً قد لا يقدر الإنسان المبتلى بشرب الدخان الإقلاع عنه فوراً لكن شيئاً فشيئاً فإذا أقلعت عنه ابتغاء وجه الله ذقت بذلك حلاوة الإيمان فارتدت عليك الصحة ونشطت فحاول يا أخي أن تقلع عن الدخان، واعلم أنك إذا شربت الدخان وأنت محرم نقص حجك ونقصت عمرتك؛ لأن الله يقول: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (٣) وشرب الدخان فسوق.
س ١٥٣١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قال رسول الله ﷺ -
стр. 9329
"الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (١) بعض المراجع من كتب الفقه تقول: إنه لا يغفر بالحج إلا الصغائر وتأخير الفروض عن أوقاتها، أما الكبائر فلا تغفر بالحج، والبعض الآخر يقول: يغفر
بالحج كل شيء حتى الكبائر لكن بشرط التوبة من الكبائر وسداد التبعات فما رأيكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج المبرور هو الذي جمع عدة أوصاف:
الوصف الأول: أن يكون خالصاً لله ، بحيث لا يريد الإنسان بحجه ثناءً من الناس، أو استحقاق وصف معين يوصف به الحاج، أو شيئاً من الدنيا دون عمل الآخرة، أو ما أشبه ذلك.
الوصف الثاني: أن يكون متبعًا فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بحيث يأتي بالحج كما حج النبي ﷺ أو أذن فيه، ودليل هذا قول النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: " خذوا عني مناسككم " (٣) ومن ثم يتبين ضرورة الإنسان إذا أراد الحج إلى أن يقرأ مناسك الحج قبل أن يحج حتى يحج على بصيرة وبرهان، وإذا كان لا يستطيع القرأة فليشتر ما يستمع إليه من أشرطة من علماء
стр. 9330
موثوق بهم وإن لم يتيسر ذلك فليسأل علماء بلده كيف يحج، ولا أظن العلماء يقصرون في بيان ذلك عند سؤالهم عنه.
الوصف الثالث: أن يكون من نفقات طيبة، أي من كسب طيب؟ لأن الكسب الخبيث خبيث؟ فليتحرى الإنسان أن تكون نفقاته في الحج من كسب طيب، لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا
طيبًا.
الوصف الرابع: أن يتجنب فيه المآثم سواءً كانت هذه المآثم، من خصائص الإحرام كمحظورات الإحرام، أو من المآثم العامة كالغيبة، والنميمة، والكذب وما أشبه ذلك، لقول الله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) .
ومن هذا أن يتجنب أذية الناس بالمزاحمة عند الطواف، أو السعي، أو الجمرات، أو غير ذلك؛ لأن أذية الناس من الأمور المحرمة قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)) (٢) فلا يجوز أن يأتي لرمي الجمرات بانفعال وغضب وشد عضلات، وكأن بني آدم الذين أمامه خراف لا يهتم بهم، فإن هذا مما ينافي أن يكون الحج
مبروراً.
ومن ذلك أي مما يشترط للحج أن يكون مبروراً أن يتجنب
стр. 9331
شرب الدخان؛ لأن شرب الدخان محرم كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة العامة، وإذا كان محرمًا كان الإصرار عليه كبيرة من كبائر الذنوب، ولو أن الحجاج تجنبوا شرب الدخان في مواسم الحج، لاعتادت أبدانهم على تركه، ثم من الله عليهم بالإقلاع عنه إقلاعاً تاماً.
فالحج المبرور قال فيه النبي ﷺ : "ليس له جزاء إلا الجنة" (١) وهذا لا يقتضي أن يغفر للإنسان التبعات التي لبني آدم، فالتبعات التي لبني آدم لابد من إيصالها إليهم، فمن أخذ مالاً للناس وحج - وإن حج بغير هذا المال الذي أخذه وإن أتقن حجه تماماً في الإخلاص والمتابعة- فإنه لا يغفر له الذنب، حتى يرد الحق إلى أهله، وإذا كانت الشهادة في سبيل الله، وهي من أفضل الأعمال (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) (٢) (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (٣) إذا كانت الشهادة في سبيل الله لا تكفر الدين، فالحج من باب أولى، ولهذا نقول: إذا كان على الإنسان دين فلا يحج حتى يقضي هذا الدين، إلا إذا كان ديناً مؤجلاً وهو واثق من قضائه إذا حل الأجل، فهنا لا بأس أن يحج، أما إذا كان الدين حالاً غير مؤجل، أو كان مؤجلاً لكنه لا يثق من نفسه أن يوفيه عند أجله فلا يحج، وليجعل المال الذي يريد الحج به وفاءً للدين، وبهذا علم أن الحج المبرور لا يسقط حقوق
стр. 9332
الآدميين، بل لابد من إيصالها إليهم إما بوفاء أو إبراء.
س ١٥٣٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم فيمن يصطحب معه آلات اللهو المحرمة في الذهاب إلى الحج أو العمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: اصطحاب الآلات المحرمة إذا استعملها الإنسان لا شك أنه على معصية، والإصرار على المعصية كبيرة، وإذا استعملت حين تلبسه بالإحرام بالعمرة أو بالحج كان
ذلك أشد إثماً لقول الله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) فعلى الإنسان المسلم أن يتجنب كل ما حرم الله عليه لا في الذهاب إلى الحج ولا في الرجوع منه ولا في التلبس به.
س ١٥٣٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل ما يفعله الحاج من المعاصي ينقص من أجر الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المعصية مطلقاً تنقص من ثواب الحج لقول الله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) بل إن بعض أهل العلم قال: إن المعصية في الحج تفسد الحج؛ لأنه منهي عنها في الحج، ولكن جمهور أهل العلم على قاعدتهم المعروفة، (أن التحريم إذا لم يكن خاصا بالعبادة فإنه لا يبطلها) والمعاصي ليست خاصة بالإحرام إذ المعاصي حرام في
стр. 9333
الإحرام وغير الإحرام، وهذا هو الصواب وأن هذه المعاصي لا تبطل الحج، ولكنها تنقص الحج.
س ١٥٣٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أول من حج البيت الحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر الأرزقي في تاريخ مكة أن آدم ﵊ حج البيت الحرام، والله أعلم.
س ١٥٣٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لماذا سميت الكعبة ببيت الله الحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين: سميت الكعبة بيت الله؛ لأنها محل تعظيم الله ، فإن الناس يقصدونها من كل مكان ليؤدوا الفريضة التي فرضها الله عليهم، ولأن الناس يستقبلونها في صلواتهم في كل مكان ليؤدوا شرطاً من شروط صحة الصلاة، كما قال الله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (١) .
وأضافها الله إليه تشريفاً وتعظيماً وتكريماً لها، فإن المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون صفة من صفاته، وإما أن يكون خلقاً من مخلوقاته، فإن كانت صفة من
стр. 9334
صفاته فإنما أضيف إليه لأنه قائم به، والله متصف به، كسمع الله وبصره، وعلمه، وقدرته، وكلامه وغير ذلك من صفات الله ، وإن كان مخلوقاً من مخلوقاته فإنما يضاف إلى الله عز
وجل من باب التكريم والتشريف والتعظيم، وقد أضاف الله تعالى الكعبة إلى نفسه في قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) (١) وأضاف المساجد إليه في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (٢) وقد يضيف الله تعالى الشيء إلى نفسه من مخلوقاته لبيان عموم ملكه كما في قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (٣) .
وخلاصة الجواب أن نقول: إن الله أضاف الكعبة إلى نفسه تشريفاً وتعظيمًا وتكريمًا لها، ولا يظن ظان أن الله أضاف الكعبة إلى نفسه لأنها محله الذي هو فيه، فإن هذا ممتنع عن الله فهو
محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء من مخلوقاته بل (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (٤) وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (٥) وهو فوق سماواته مستوٍ على عرشه، ولا يمكن أن يكون حالا في شيء من مخلوقاته أبداً.
стр. 9335
س ١٥٣٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من الذي بنى الكعبة، ومن الذي رفع قواعدها؟ ولماذا سميت بهذا الاسم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال الله ﵎: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) (١) فإبراهيم ﵊ هو الذي بنى الكعبة ورفع قواعدها بمشاركة ابنه إسماعيل عليهما الصلاة والتسليم، وقد جاء في بعض الآثار أن الكعبة بنيت في عهد آدم ﵊، ولكنها اندثرت وتهدمت ثم جدد إبراهيم بناءها والله أعلم.
وأما لمَ سميت كعبة فلأنها بناء مربع، وكل بناء مربع له أركان أربعة يمسى كعبة، وقد أضاف الله تعالى هذا البيت إلى نفسه، فقال جل وعلا: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)) (٢) وفرض الله على عباده أن يتوجهوا إليه في صلواتهم، وفرض أن يحجوا إليه مرة في العمر.
س ١٥٣٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما صحة هذا الحديث: إن لله في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت، ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين
إليها أي إلى الكعبة ؟
стр. 9336
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والنظر إلى الكعبة ليس بعبادة، بل النظر إلى الكعبة إن قصد الإنسان بذلك أن يتأمل هذا البناء المعظم الذي
فرض الله على عباده أن يحجوا إليه، وازداد بهذا التفكير إيماناً فهو مطلوب من هذه الناحية، وأما مجرد النظر فليس بعبادة، وبهذا يتبين ضعف قول من يقول: إن المصلي يسن له إذا كان يشاهد
الكعبة أن ينظر إليها دون أن ينظر إلى موضع سجوده، فإن هذا القول ضعيف لأنه ليس عليه دليل، ولأن الناظر إلى الكعبة والناس يطوفون حولها لابد أن ينشغل قلبه، والسنة للمصلي أن ينظر إلى
موضع سجوده، إلا في حال التشهد فإنه ينظر إلى موضع إشارته، أي إلى إصبعه وهو يشير به، وكذلك الجلوس بين السجدتين فإنه يشير بإصبعه عند الدعاء فينظر إليه.
س ١٥٣٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الحجاج يأتون إلى مكة في وقت مبكر وكل يوم ينزلون إلى المسجد الحرام للطواف والجلوس فيه مما يحدث زحمة في الحرم لكثرة القادمين
للحج فهل هذا من السنة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس من السنة للحاج أن يكثر الطواف بالبيت، والسنة في حقه أن يتبع في ذلك هدي النبي ﷺ ، ورسول الله ﷺ في حجة الوداع قدم إلى مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة،
стр. 9337
وطاف طواف القدوم، ثم طاف طواف الإفاضة يوم العيد، ثم طاف طواف الوداع صبيحة اليوم الرابع عشر، ولم يطف بالكعبة إلا ثلاث مرات، وكل هذه الأطوفة أطوفة نسك لابد منها، فعمل بعض الناس الآن بترددهم على البيت في أيام الحج هذا ليس مشروعاً، وقد أقول: إنهم إلى الإثم أقرب منهم إلى الأجر؛ لأنهم يضيقون المكان على من يؤدون مناسك الحج والعمرة، وليس ذلك من الأمور المشروعة فيحصل في فعلهم هذا أذية بدون قصد مشروع، فينبغي للمسلم أن يكون عابد لله تعالى بحسب الهدى لا بحسب الهوى، فالعبادة طريق مشروع من قبل الله تعالى ورسوله ﷺ ، وليس الطريق المشروع بحسب ما تهواه، وما أكثر المحبين للخير الذين يعبدون
الله تعالى بأهوائهم، ولا يتبعون في ذلك ما جاء في شرع الله، وهذا شيء كثير في الحج وفي غيره، ولكن الذي ينبغي للإنسان أن يعود نفسه على التعبد بما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ فقط، ولو ذهبنا نضرب لذلك أمثلة لكثرت لكن لا بأس أن نذكر بعض الأمثلة:
بعض الناس إذا جاءوا والإمام راكع تجده يسرع لإدراك الركعة، وهذا خلاف المشروع، فإن الرسول ﵊ يقول: "فأمشوا عليكم السكينة" (١) وقال لأبي بكرة- ﵁ "لا تعد" (٢) لما أسرع، وهنالك أيضاً أن بعض الناس في الطواف
стр. 9338
يبدؤون من قبل الحجر الأسود يقولون: نفعل هذا احتياطاً، ولكن الاحتياط حقيقة هو في اتباع السنة، فالمشروع أن يبدءوا من الحجر نفسه، وأن ينتهوا أيضاً بالحجر نفسه والذي أدعو إليه إخواننا المسلمين أن يكونوا في هذا العمل وغيره متبعين للسنة، ومن ذلك أيضاً أن بعض الناس يتسحر في يوم الصيام يمسك عن الأكل والشرب قبل الفجر معتقداً أن ذلك واجب عليه، حتى إن في بعض المواقيت يكتبون: (وقت الإمساك، وقت الفجر) فيجعلون وقتين: وقتًا للإمساك، ووقتًا للفجر، وهذا أيضاً خلاف المشروع فإن الله تعالى يقول: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (١) وقال النبي ﵊: "كلوا وأشربوا حتى تسمعوا أذان أبن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" فلا (٢) وجه لكون الإنسان يحتاط فيمسك قبل طلوع الفجر، وإنما السنة أن يكون كما أمر الله تعالى وكما أمر رسوله ﷺ ، ولقد نبه النبي ﵊ إلى أن الاحتياط للعبادة بتقدمها أمر ليس بالمشروع ولا بمحبوب إلى الله في قوله ﷺ ، "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه " (٣) فهذه ثلاثة أمثلة في الصلاة، وفي الحج، وفي الصيام.
стр. 9339
س ١٥٣٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من يبيع ويشتري ويكتسب وهو يؤدي الحج والعمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: جواب هذا السؤال بينه الله في قوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) (١) فإذا كان الإنسان قد أتى بنية الحج، ولكنه حمل معه سلعة يبيعها في
الموسم، أو اشترى سلعة من الموسم لبيعها في بلده، فإن هذا لا بأس به، ما دام القصد الأول هو الحج أو العمرة، وهو من توسيع الله على عباده، لم ينههم جل وعلا ويمنعهم من الاتجار
والتكسب، ومثل ذلك إذا كان الإنسان صاحب سيارة وأراد أن يحج ثم حمل عليها أناس بالأجرة فإن ذلك لا بأس به ولا حرج فيه، ويدخل في عموم قوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .
س ١٥٤٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الجن قد آمنوا برسالة محمد ﷺ وآمنوا بالرسل من قبل؟ وأيضاً هل الحج مفروض عليهم وإن كان كذلك فأين يحجون ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على ذلك أن الجن مكلفون بلا شك، مكلفون بطاعة الله ، وأن منهم المسلم والكافر، ومنهم الصالح ومنهم دون ذلك، كما ذكر الله تعالى في
стр. 9340
سورة الجن حيث قالوا: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)) (١) وقالوا: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)) وقد (٢) صرف الله نفراً من الجن إلى رسول الله ﷺ فاستمعوا القرآن وآمنوا به، وذهبوا دعاة إلى قومهم، كما قال الله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)) (٣) وهذا يدل على أن الجن كانوا مؤمنين بالرسل السابقين وأنهم يعلمون كتبهم لقولهم: (كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)) وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أكرم وفد الجن الذين وفدوا إليه بأن قال لهم: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، تجدونه أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة فهي علف لدوابكم " (٤) ولهذا نهى النبي ﷺ عن الاستجمار بالعظام، وعن الاستجمار بالروث وقال: "إن العظام زاد إخوانكم من الجن " (٥) ،
стр. 9341
والظاهر أنهم مكلفون بما يكلف به الإنس من العبادات ولاسيما أصولها كالأركان الخمسة.
وحجهم يكون كحج الإنس زمناً ومكاناً، وإن كانو قد يختلفون عن الإنس في جنس العبادات التي لا تناسب حالهم فتكون مختلفة عن التكليف الذي يكلف به الأنس.
س ١٥٤١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من باب المحبة للرسول ﷺ أو أحد الصحابة- ﵃ هل يجوز للإنسان أن يحج عنهم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الصحابة- ﵃ فلا بأس أن يحج الإنسان عنهم كما يحج عن أي مسلم، لكن مع ذلك نرى أن الدعاء للأموات أفضل بكثير من الأعمال الصالحة، حتى الأب والأم إذا دعوت الله لهما فهو أفضل من أن تحج عنهما، إذا لم يكن فرضاً، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما تحدث عن عمل الإنسان بعد موته قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) ولم يقل ﵊: (يحج عنه، ولا يتصدق عنه، ولا يصوم عنه، ولا يزكي، ولا يحج) بل قال: "ولد صالح
يدعو له" وهل تظن أيها المؤمن أحداً أنصح للأحياء، والأموات من
стр. 9342
الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! لا والله لا نظن، بل نظن ونعتقد أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنصح الخلق للأحياء والأموات، ومع ذلك قال: "أو ولد صالح يدعو له ".
ثانياً: أما النبي ﷺ فإهداء القرب له بنفسه من السفه من حيث العقل، ومن البدعة من حيث الدين، أما كونه بدعة في الدين فلأن الصحابة- ﵃ الذين شاهدوا الرسول ﷺ ولازموه وأحبوه أكثر منا، ما كانوا يفعلون ثم نأتي نحن في آخر الدنيا ونهدي للرسول ﷺ بالحج عنه، أو بالصدقة عنه هذا غلط من ناحية
شرعية، ومن الناحية العقلية هو سفه؛ لأن كل عمل صالح يقوم به العبد فالنبي ﷺ مثله؛ لأن من دل على خير فله مثل فاعله، وإذا أهديت ثواب العمل الصالح للرسول ﷺ فهذا يعني أنك حرمت نفسك فقط؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم منتفع بعملك، له مثل أجرك سواء أعطيته أم لم تعطه، وأظن أن هذه البدعة لم تحدث إلا في القرن الرابع، وعلى ذلك أنكرها العلماء، وقالوا: لا وجه لها، وإذا كنت صادقاً في محبة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأرجو أن تكون صادقاً- فعليك باتباعه وأتباع سنته وهديه، كن وأنت تتوضأ كأنما تشعر بأن الرسول ﷺ يتوضأ أمامك، وكذلك في الصلاة وغيرها حتى تحقق المتابعة ولست أقول (أمامك) أنه عندك في البيت هذا لا أقوله، لكن المعنى
من شدة اتباعك له كأنه أمامك يتوضأ، ولهذا أوجه الآن إلى نقطة
стр. 9343
مهمة، نحن نتوضأ للصلاة- والحمد لله- عندما نتوضأ أكثر الأحيان وأكثر الناس لا يشعرون، إلا أنهم يؤدون شرطاً من شروط الصلاة لكن ينبغي أن يلاحظ.
أولاً: أن نشعر بأننا نمتثل أمر الله حيث قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (٨)) (١) .
ثانياً: أن نشعر بأتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأننا توضأنا نحو وضوءه.
ثالثاً: أن نحتسب الأجر؛ لأن هذا الوضوء يكفر الله به كل خطيئة حصلت من هذه الأعضاء، الوجه إذا غسله آخر قطره يكفر بها عن الإنسان، وكذلك بقية الأعضاء، هذه ثلاثة أمور
غالباً لا نشعر بها إنما نعمل كأننا أدينا شرطاً من شروط الصلاة، فأسأل الله أن يعينني وأخواني المسلمين على ذلك حتى تكون العبادة طاعة لله تعالى واتباعاً لرسول الله ﷺ واحتساباً لثواب الله.
س ١٥٤٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد أن يحج ومحمل عدة وصايا، وطلب منه مجموعة من الناس أن يأتي لهم بشيء من مكة أومن المدينة مثل حجر أو ماء أو تراب أو ما شابه
ذلك فهل يلزمه أن يفي بها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة
стр. 9344
والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين: هذه الوصايا التي أشار إليها أن يأتي لمن أوصوه بتراب، أو ماء، أو أحجار من الحرم، لا يلزمه أن يفي بها، وله أن يردها عليهم، ولو كانت وصاياهم بأن يدعو الله لهم في هذه المشاعر لكان ذلك أولى وأجدر، فإذا استبدل هذه الوصايا بأن يدعو الله لهم في هذه المشاعر بما فيه خيرهم في دينهم ودنياهم كان ذلك أولى وأجدر وأحسن.
وأرى أن الإنسان يسأل الله تعالى بنفسه دون أن يجعل له واسطة بينه وبين الله، لأن ذلك أقوى في الرجاء وأقرب إلى الخشية.
س ١٥٤٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم السير في المشاعر المقدسة ورفع اليدين والأصوات إشادة بزعيم من الزعماء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكمه أنه من الأمور المنكرة لأن هذه المشاعر ليست وسيلة لدعاية لشخص، أو لحكومة، أو لدولة وإنما هذه المشاعر كما قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (١) لا لإقامة ذكر فلان وفلان من الرؤساء، أو الزعماء، سواء كانوا زعماء دينيين، أو زعماء ذوي سلطان، فالواجب على الحجاج جميعاً أن يكون همهم وشأنهم في هذا المكان هو التعبد لله ﵎، مع التداول فيما بينهم ولا سيما الزعماء منهم أمور المسلمين؛ لأن ذلك من المنافع
стр. 9345
التي قال الله تعالى فيها: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) وقد ظن بعض الناس أن المنافع التي تحصل في الحج مقدمة على ذكر الله في الحج لأن الله تعالى قدم ذكرها فقال (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) وفي هذا نظر، بل إن قوله: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) من جملة المنافع المشهودة في هذا المشعر، وعلى هذا فيكون عطفها على شهود المنافع، من باب عطف الخاص على العام، الدال على العناية به، فيكون ذكر الله تعالى أهم من هذه المنافع،
ولكن مع ذلك لا تهمل هذه المنافع التي تحصل بإجتماع المسلمين، وتعارفهم وتناصحهم، ودراسة أمورهم وشئوونهم، أما من اتخذ هذا دعاية لحاجة أو حكومة أو طائفة من الناس فإن هذا من المنكر الذي كما أشرنا إليه قبل يجعل هذا المذكور شريكاً مع الله تعالى في هذه المواطن.
س ١٥٤٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كم في الحج من وقفات ؟
فأجاب فضيلته بقوله: فيه ست وقفات: وقفة على الصفا، ووقفة على المروة، ووقفة في عرفة، ووقفة في مزدلفة، ووقفة بعد رمي الجمرة الأولى، ووقفة بعد رمي الجمرة الثانية في أيام التشريق.
стр. 9346
س ١٥٤٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعت أن الحجاج رخص لهم في مشاهدة النساء من غير المحارم، والذي سمعت منه هذا الكلام روى لي دليلاً هو قصة الفضل- ﵁ مع الرسول ﷺ (١) فهل هذا فيه شيء من الصحة أثابكم الله ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس فيه شيء من الصحة، بل إن الواجب على الحاج أن يتحفظ من النظر أكثر من غيره، ولهذا لا يجوز للحاج أن يستمتع بزوجته مع أنها حلال لقوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (٢) والأبلغ من ذلك أن النبي ﷺ نهى عن التزوج في الحج، وعن الخطبة في الحج فقال النبي ﷺ : "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب " (٣) فإذا كان النبي ﵊ نهى عن عقد النكاح الذي قد
يكون وسيلة إلى الاستمتاع بالزوجة، ونهى عن ما يكون وسيلة لعقد النكاح وهي الخطبة، فما بالك بالنظر والتمتع بالنظر ولا سيما إلى النساء الأجنبيات، فلا شك في تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات في الحج وفي غير الحج، وأما قصة الفضل- ﵁ فإن فيها دليلاً على من استدل بها؛ لأن النبي ﷺ لما جعل الفضل ينظر إلى المرأة وتنظر إليه صرف النبي ﷺ وجه الفضل إلى
стр. 9347
الشق الآخر، فدل هذا على أن النظر لا يجوز، وإلا لما صرف النبي ﷺ شقه إلى الشق الآخر.
س ١٥٤٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم التمسك بالكعبة المشرفة ومسح الخدود عليها ولحسها باللسان ومسحها بالكفوف ثم وضعها على صدر الحاج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: التقرب إلى الله تعالى بتلك الأعمال من البدع التي تضر؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، وغاية ما ورد في مثل هذا الأمر هو الالتزام بحيث يضع الإنسان صدره وخده ويديه على الكعبة فيما بين الحجر الأسود والباب، لا في جميع جوانب الكعبة كما يفعله جهال الحجاج اليوم.
وأما اللحس باللسان أو التمسح بالكعبة ثم مسح الصدر به، أو الجسد فهذا بدعة بكل حال؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ .
وبهذه المناسبة أود أن ألفت نظر الحجاج إلى أن المقصود بسمح الحجر الأسود، والركن اليماني هو التعبد لله تعالى بمسحهما، لا التبرك بمسحهما، خلافاً لما يظنه الجهلة، حيث يظنون أن المقصود هو التبرك، ولهذا ترى بعضهم يمسح الركن اليماني، أو الحجر الأسود ثم يسمح بيده على صدره، أو على وجهه، أو على صدر طفله، أو على وجهه، وهذا ليس بمشروع وهو اعتقاد لا أصل له، ويدل على أن المقصود التعبد المحض دون
стр. 9348
التبرك، أن عمر- ﵁ قال وهو عند الحجر (إني لأعلم إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك) (١) .
وبهذه المناسبة أيضاً أود أن أبين أن ما يفعله كثير من الجهلة، يتمسحون بجميع جدران الكعبة، وجميع أركانها فإن هذا لا أصل له، وهو بدعة ينهى عنه، ولما رأى عبد الله بن عباس- ﵄ معاوية- ﵁ يستلم الأركان كلها أنكر عليه، فقال له معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً. فأجابه ابن عباس: (لقد كان في رسول الله أسوة حسنة، وقد رأيت النبي ﷺ يمسح الركنين اليمانيين) (٢) فرجع معاوية إلى قول ابن عباس ﵄ فدل هذا على أن التعبد لله تعالى بمسح الكعبة أو مسح أركانها إنما هو عبادة يجب أن تتبع فيه آثار النبي ﷺ فقط.
س ١٥٤٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في الحرم المكي بعض الناس يتعلق بأستار الكعبة وجدارها ويظل على هذه الحالة مدة من الزمن فما الحكم في ذلك وكذلك بعض الناس يمسح الحجر الأسود بالدراهم تبركاً ؟
стр. 9349
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: التعلق بأستار الكعبة أو إلصاق الصدر عليها، أو ما أشبه ذلك بدعة لا أصل له، فلم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه يفعلون ذلك، وغاية ما ورد الالتزام فيما بين باب الكعبة والحجر الأسود فقط، وأما بقية جهات
الكعبة وأركانها فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أنهم كانوا يلتزمون بها، أو يلصقون صدورهم بها، وكذلك ما ذكره السائل من أن بعض الحجاج يأخذ الدراهم ويمسح
بها على الحجر الأسود. فهو أيضاً بدعة لا أصل له، والحجر الأسود لا يتبرك بمسحه، وإنما يتعبد لله وتعالى بمسحه، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ وهو يقبل الحجر
الأسود (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ عن يقبلك ما قبلتك) (١) .
وليعلم أن العبادات مبناها على الاتباع لا على الذوق والابتداع، فليس كل ما عنّ للإنسان واستحسنه بقلبه يكون عبادة لله حتى يأتي سلطان من الله على أن ذلك مما يحبه ويقرب
إليه، وقد أنكر الله تعالى على الذين يتعبدون بشرع لم يأمر به فقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (٢) وثبت
стр. 9350
عن النبي ﷺ أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) أي
مردود على صاحبه غير مقبول منه، وغاية ما نقول لهؤلاء الجهال: أنهم معذورون لجهلهم، غير مثابين على فعلهم؛ لأن هذا بدعة، وقد قال النبي ﷺ : () كل بدعة ضلالة" (٢) فنصيحتي لإخواننا الحجاج والعمار أن يعبدوا الله تعالى على بصيرة، وأن لا يتقربوا
إلى الله تعالى بما لم يشرعه، وأن يصطحبوا معهم مناسك الحج والعمرة التي ألفها علماء موثوق بعلمهم وأمانتهم، والواجب على الموجهين لهم- الذين يسمون المطوفين- الواجب عليهم أن يتقوا الله ، وأن يتعلموا أحكام الحج والعمرة قبل أن يتصدروا لهدي الناس إليها، وإذا تعلموها فالواجب عليهم أن يحملوا الناس عليها أي على ما جاءت به السنة من مناسك الحج والعمرة، ليكونوا هداة مهتدين، دعاة إلى الله تعالى مصلحين، أما بقاء الوضع على ما هو عليه الآن من كون المطوفين لا يفعلون شيئاً يحصل به اتباع السنة وغاية ما عندهم أن يلقنوا الحجاج دعوات في كل شوط دون أن يهدوهم إلى مواضع النسك المشروعة محل نظر، ومن المعلوم أن تخصيص كل شوط بدعاء معين لا أصل له في السنة، بل هو بدعة نص على ذلك أهل العلم- ﵏ فلم يرد عن النبي ﵊ أنه جعل للشوط الأول دعاء خاصاً، وللثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وغاية ما ورد