س ١٥٤٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعت أن الحجاج رخص لهم في مشاهدة النساء من غير المحارم، والذي سمعت منه هذا الكلام روى لي دليلاً هو قصة الفضل- ﵁ مع الرسول ﷺ (١) فهل هذا فيه شيء من الصحة أثابكم الله ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس فيه شيء من الصحة، بل إن الواجب على الحاج أن يتحفظ من النظر أكثر من غيره، ولهذا لا يجوز للحاج أن يستمتع بزوجته مع أنها حلال لقوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (٢) والأبلغ من ذلك أن النبي ﷺ نهى عن التزوج في الحج، وعن الخطبة في الحج فقال النبي ﷺ : "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب " (٣) فإذا كان النبي ﵊ نهى عن عقد النكاح الذي قد
يكون وسيلة إلى الاستمتاع بالزوجة، ونهى عن ما يكون وسيلة لعقد النكاح وهي الخطبة، فما بالك بالنظر والتمتع بالنظر ولا سيما إلى النساء الأجنبيات، فلا شك في تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات في الحج وفي غير الحج، وأما قصة الفضل- ﵁ فإن فيها دليلاً على من استدل بها؛ لأن النبي ﷺ لما جعل الفضل ينظر إلى المرأة وتنظر إليه صرف النبي ﷺ وجه الفضل إلى
стр. 9347
الشق الآخر، فدل هذا على أن النظر لا يجوز، وإلا لما صرف النبي ﷺ شقه إلى الشق الآخر.
س ١٥٤٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم التمسك بالكعبة المشرفة ومسح الخدود عليها ولحسها باللسان ومسحها بالكفوف ثم وضعها على صدر الحاج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: التقرب إلى الله تعالى بتلك الأعمال من البدع التي تضر؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، وغاية ما ورد في مثل هذا الأمر هو الالتزام بحيث يضع الإنسان صدره وخده ويديه على الكعبة فيما بين الحجر الأسود والباب، لا في جميع جوانب الكعبة كما يفعله جهال الحجاج اليوم.
وأما اللحس باللسان أو التمسح بالكعبة ثم مسح الصدر به، أو الجسد فهذا بدعة بكل حال؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ .
وبهذه المناسبة أود أن ألفت نظر الحجاج إلى أن المقصود بسمح الحجر الأسود، والركن اليماني هو التعبد لله تعالى بمسحهما، لا التبرك بمسحهما، خلافاً لما يظنه الجهلة، حيث يظنون أن المقصود هو التبرك، ولهذا ترى بعضهم يمسح الركن اليماني، أو الحجر الأسود ثم يسمح بيده على صدره، أو على وجهه، أو على صدر طفله، أو على وجهه، وهذا ليس بمشروع وهو اعتقاد لا أصل له، ويدل على أن المقصود التعبد المحض دون
стр. 9348
التبرك، أن عمر- ﵁ قال وهو عند الحجر (إني لأعلم إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك) (١) .
وبهذه المناسبة أيضاً أود أن أبين أن ما يفعله كثير من الجهلة، يتمسحون بجميع جدران الكعبة، وجميع أركانها فإن هذا لا أصل له، وهو بدعة ينهى عنه، ولما رأى عبد الله بن عباس- ﵄ معاوية- ﵁ يستلم الأركان كلها أنكر عليه، فقال له معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً. فأجابه ابن عباس: (لقد كان في رسول الله أسوة حسنة، وقد رأيت النبي ﷺ يمسح الركنين اليمانيين) (٢) فرجع معاوية إلى قول ابن عباس ﵄ فدل هذا على أن التعبد لله تعالى بمسح الكعبة أو مسح أركانها إنما هو عبادة يجب أن تتبع فيه آثار النبي ﷺ فقط.
س ١٥٤٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في الحرم المكي بعض الناس يتعلق بأستار الكعبة وجدارها ويظل على هذه الحالة مدة من الزمن فما الحكم في ذلك وكذلك بعض الناس يمسح الحجر الأسود بالدراهم تبركاً ؟
стр. 9349
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: التعلق بأستار الكعبة أو إلصاق الصدر عليها، أو ما أشبه ذلك بدعة لا أصل له، فلم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه يفعلون ذلك، وغاية ما ورد الالتزام فيما بين باب الكعبة والحجر الأسود فقط، وأما بقية جهات
الكعبة وأركانها فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أنهم كانوا يلتزمون بها، أو يلصقون صدورهم بها، وكذلك ما ذكره السائل من أن بعض الحجاج يأخذ الدراهم ويمسح
بها على الحجر الأسود. فهو أيضاً بدعة لا أصل له، والحجر الأسود لا يتبرك بمسحه، وإنما يتعبد لله وتعالى بمسحه، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ وهو يقبل الحجر
الأسود (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ عن يقبلك ما قبلتك) (١) .
وليعلم أن العبادات مبناها على الاتباع لا على الذوق والابتداع، فليس كل ما عنّ للإنسان واستحسنه بقلبه يكون عبادة لله حتى يأتي سلطان من الله على أن ذلك مما يحبه ويقرب
إليه، وقد أنكر الله تعالى على الذين يتعبدون بشرع لم يأمر به فقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (٢) وثبت
стр. 9350
عن النبي ﷺ أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) أي
مردود على صاحبه غير مقبول منه، وغاية ما نقول لهؤلاء الجهال: أنهم معذورون لجهلهم، غير مثابين على فعلهم؛ لأن هذا بدعة، وقد قال النبي ﷺ : () كل بدعة ضلالة" (٢) فنصيحتي لإخواننا الحجاج والعمار أن يعبدوا الله تعالى على بصيرة، وأن لا يتقربوا
إلى الله تعالى بما لم يشرعه، وأن يصطحبوا معهم مناسك الحج والعمرة التي ألفها علماء موثوق بعلمهم وأمانتهم، والواجب على الموجهين لهم- الذين يسمون المطوفين- الواجب عليهم أن يتقوا الله ، وأن يتعلموا أحكام الحج والعمرة قبل أن يتصدروا لهدي الناس إليها، وإذا تعلموها فالواجب عليهم أن يحملوا الناس عليها أي على ما جاءت به السنة من مناسك الحج والعمرة، ليكونوا هداة مهتدين، دعاة إلى الله تعالى مصلحين، أما بقاء الوضع على ما هو عليه الآن من كون المطوفين لا يفعلون شيئاً يحصل به اتباع السنة وغاية ما عندهم أن يلقنوا الحجاج دعوات في كل شوط دون أن يهدوهم إلى مواضع النسك المشروعة محل نظر، ومن المعلوم أن تخصيص كل شوط بدعاء معين لا أصل له في السنة، بل هو بدعة نص على ذلك أهل العلم- ﵏ فلم يرد عن النبي ﵊ أنه جعل للشوط الأول دعاء خاصاً، وللثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وغاية ما ورد
стр. 9351
عنه التكبير عند الحجر الأسود، وقول: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)) (١) بين الركن اليماني والحجر الأسود، وقد كان ابن عمر- ﵄
يقول في ابتداء طوافه: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
خلاصة الجواب على هذا السؤال: أنه لا يشرع للإنسان أن يتمسح بسترة الكعبة، أو بشيء من أركانها، أو بشيء من جهات جدرانها، أو يلصق صدره على ذلك، بل هذا بدعة لم يرد عن النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه- ﵃ وغاية ما هنالك أنه ورد عنهم الالتزام، وموضعه بين الحجر الأسود وباب الكعبة، وكذلك ما يتعلق بتقبيل الحجر الأسود واستلامه واستلام الركن اليماني، نسأل الله تعالى لنا ولأخواننا أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
س ١٥٤٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنوي الحج هذه السنة ولما أخبرت أقاربي حملوني أمانات عديدة وطلبوا مني مطالب وكانت يسيرة لكنها كثرت ولا أستطيع تحقيقها كلها وأنا تحملت
стр. 9352
لهم هذه الأمانات التي منها مجموعة أطوف لكل واحد منهم وهم كثير فهل يلزمه الوفاء بها؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمه أن يفعل، ولو وصوه بذلك، ولو تعهد به لهم؛ لأن هذا اختلف أهل العلم في كونه نافعاً لمن جعل له، هل يصل الثواب أو لا يصل؟ ثم إن فيه أيام المواسم مخالفة للسنة؛ لأن السنة ألا يزيد الإنسان في موسم الحج على أطوفه النسك وهي: الطواف أول ما يقدم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، وعلى هذا فنقول: لا حرج عليك إذا لم تف لهم بهذه الوصايا التي أوصوك بها.
س ١٥٤٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: مجموعة طلبوا مني أن اشتري لهم من الأماكن المقدسة حاجات مثل سجادة وكفن مغسول بماء زمزم، فما حكم الوفاء بتلك الطلبات ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما السجادات فإن كانوا أوصوك بها، لأن السجادات تتوفر في ذلك المكان أكثر من غيره، وقد تكون أرخص فلا حرج، وأما إذا كان الاعتقاد أن السجادات التي تشترى
من هناك لها مزية على غيرها في الفضل، فليس بصحيح، ولا تشتريها لهم بناءاً على هذا الاعتقاد.
وأما الكفن فإنه ليس بمشروع أن يشتري الإنسان كفنه من تلك المواضع، ولا أن يغسله بماء زمزم؛ لأن ذلك ليس وارداً عن النبي
стр. 9353
عليه الصلاة والسلام ولا عن أصحابه- ﵃ وإنما يتبرك بالكفن فيما ورد به النص، وهو ما ثبت به الحديث عن النبي ﷺ أنه أهديت إليه جبة فسأله إياها رجل من الصحابة فلامه الناس وقالوا: كيف تسأل النبي ﷺ ذلك، وقد علمت أنه لا يرد سائلاً؟! فقال: إني أريد أن تكون كفني، فصارت كفنه، كذلك طلب عبد الله بن عبد الله
بن أبي من النبي ﷺ أن يكفن أباه عبد الله بن أبي بقميص الرسول عليه
الصلاة والسلام ففعل، فهذه الأكفان كانت من لباس الرسول ﵊ لا بأس أن يتبرك بها الإنسان، وإما كونها من مكة أو من المدينة فهذا لا أصل للتبرك به.
س ١٥٥٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الفرق بين طواف القدوم وطواف الإفاضة وطواف الوداع ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الفرق بينها أن طواف القدوم إذا كان من القارن والمفرد سنة وليس بواجب، فلو تركه الحاج المفرد أو القارن فلا حرج عليه، ودليل ذلك أن عروة بن المضرس- رضي الله
عنه- وافق النبي ﷺ في صباح يوم العيد وصلى معه في المزدلفة صلاة الصبح وأخبره أنه ما ترك جبلاً إلا وقف عنده، فقال له النبي ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليل أو نهارا فقد تم حجه " (١) ، ولم يذكر له النبي ﷺ
стр. 9354
طواف القدوم، وهذا يدل على أنه ليس بواجب.
أما إذا كان طواف القدوم للمعتمر فإنه ركن في العمرة سواء أكانت العمرة عمرة تمتع أو عمرة مفردة.
وأما طواف الإفاضة فإنه ركن في الحج، وهو الذي يكون من بعد الوقوف في عرفة، والوقوف في مزدلفة، ولا يتم الحج إلا به.
وأما طواف الوداع فهو واجب من واجبات الحج، وكذلك واجب من واجبات العمرة، لكنه ليس من ذات الحج ولا ذات العمرة، ولهذا لا يجب على من لم يغادر مكة، والفرق بين الطواف
الواجب والطواف الركن: أن طواف الركن لا يتم النسك إلا به، وأما طواف الواجب وهو طواف الوداع فإن النسك يتم بدونه، ولكن إذا تركه الإنسان فعليه ذبح شاة في مكة يوزعها على الفقراء، فصار الفرق كما يلي: طواف القدوم سنة إلا طواف المعتمر فإنه ركن في العمرة، طواف الإفاضة ركن في الحج لا يتم الحج إلا به، طواف الوداع واجب يتم النسك بدونه، ولكن في تركه فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء.
س ١٥٥١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل في المملكة واستدعى زوجته لزيارته وبالفعل حضرت وكانت له مدة طويلة بعيداً عنها ووصلت في شهر رمضان وجامعها في نهار رمضان
стр. 9355
ولم يدر ما كفارة ذلك؟ وبعد ذلك بثلاثة أشهر أديا فريضة الحج فهل الحج صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالنسبة للحج فالحج صحيح؛ لأن عدم القيام بالكفارة لا يوجب فساده، وأما الكفارة فيجب عليه أن يكفر هو وزوجته إذا كانت مطاوعة، والكفارة عتق رقبة على كل
واحد، فإن لم يوجد فعلى كل واحد منهما أن يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فأطعم ستين مسكيناً إلا إذا كانت الزوجة مكرهة فإنه لا شيء عليها لا قضاء ولا كفارة، وكذلك لو كانت
مسافرة، وكذلك لو كانت الزوجة تظن أنه يجب عليها إجابة الزوج في هذه الحال فإنه ليس عليها قضاء ولا كفارة؛ لأنها جاهلة، وهنا يجب أن نعلم الفرق بين الجهل بالحكم وبين الجهل بما يترتب على الحكم، فالجهل بالحكم يعذر فيه الإنسان ولا يترتب على فعله شيء، والجهل بما يترتب على الفعل لا يسقط ما يجب فيه، فمثلاً إذا كان رجل قد جامع في نهار رمضان وهو يعلم أنه حرام، لكن لا يعلم أن فيه هذه الكفارة المغلظة، فإن الكفارة لا تسقط عنه ويجب أن يكفر، وأما إذا كان يظن أنه لا شيء فيه أي ليس فيه تحريم، فهذا ليس عليه شيء، ويدل لهذا قصة الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال ماذا علي؟ فأخبره النبي ﷺ بالكفارة، فهذا دليل على أن الرجل إذا جامع وهو يعلم أن الجماع
стр. 9356
حرام ولكن لا يدري ماذا عليه، فإن عليه الكفارة ولابد، فإذا كانت المرأة مكرهة، أو تظن أن طاعة الزوج واجبة في تلك الحال، أو المرأة حين قدومها مفطرة على أنها مسافرة، ثم جامعها زوجها
فليس عليها هي شيء؛ لأن القول الراجح أن المسافر إذا قدم مفطراً فإنه لا يلزمه الإمساك بل يبقى على فطره.
س ١٥٥٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل أتم الرسول ﷺ عمرة الحديبية أم لم يتمها؟ وكم عمرة أعتمر الرسول ﷺ وما هي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: عمرة الحديبية لم يكملها النبي بحسب الأمر الواقع؛ لأن قريش صدوه عن المسجد الحرام، لكنه أتمها حكماً. لأنه ترك العمل عجزاً، ومن شرع بالعمل وتركه عجزاً
عنه كتب له أجره قال الله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (١) .
وأما عُمْر النبي ﷺ فإنها كانت أربعاً: إحداها: عمرة الحديبية، والثانية: عمرة القضاء، التي قاضى عليها قريشاً فإن من جملة الشروط التي وقعت بينهم في الصلح أن النبي ﷺ يعتمر من العام القادم، وقد فعل ﵊ "، والثالثة: عمرة
الجعرانة فعلها النبي ﷺ حين رجع من غزوة حنين، والرابعة: العمرة التي في حجة الوداع، فإنه ﷺ كان قارناً جامعاً بين الحج
стр. 9357
والعمرة في إحرام واحد، فهذه أربع عمر أعتمرها النبي ﷺ وكلها كانت في أشهر الحج، فعمرة الحديبية وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، كانت في ذي القعدة، وعمرته مع حجته كان الإحرام بها في آخر ذي القعدة وإتمامها في ذي الحجة لأن عمرة القارن تندرج في الحج أفعال الحج، ولهذا كان القول الراجح: أنه لا يلزم القارن طوافان وسعيان، وإنما يكفيه طواف واحد وسعي واحد، فإن رسول الله ﷺ لم يطف إلا طوافاً واحداً، ولم يسع إلا سعياً واحداً، وأما طوافه حين قدم فهو طواف قدوم، وطوافه عند خروجه طواف وداع.
س ١٥٥٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا كل سنة أسافر بصالون كبير ويمتلئ هذا الصالون من أفراد العائلة ومن الأقارب تذهب علينا الأيام في مشاعر الحج نقضيها بالمزاح واللعب
والضحك، وأحياناً قد يأتي كلمات نابية، وفي هذه السنة أود أن أسافر إلى الحج الأخرى أي أن أركب مع وسائل النقل الأخرى لكي لا أسافر مع من أسافر معهم كل سنة حتى أحج حجاً تطمئن إليه نفسي وأرتاح فيه وأقبل على الله ، فأيهما الأحسن لي والأفضل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان يمكنك أن تسافر مع أهلك وتوجههم إلى ما فيه الخير، وإلى ترك اللغو من الكلام والرفث فهذا
стр. 9358
خير وأفضل، لما فيه من صلة الرحم والتقارب بين الأقارب واصلاح الأحوال، وإذا كان لا يمكنك إصلاح أحوالهم فإن الأفضل أن تختار لك جماعة من أهل العلم والدين وتسافر معهم إلى الحج ليكون حجكم أقرب إلى الصواب من غيره.
س ١٥٥٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: اشتريت خيمتي وحزمت أمتعتي وأريد السفر للحج هذا العام لأكمل ما فعلته في الأعوام الماضية من المسيرة مع الصالحين لعل الله أن يرحمنا جميعاً
لكنني أريد أن أتزود بزاد في حجي هذا فما هو الزاد أثابكم الله ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول الله : (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (١) فخير الزاد أن تتقي الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، فتحرص على أداء الصلاة في أوقاتها مع الجماعة، وتحرص على الصدق في أقوالك وأفعالك، وتحرص على النصيحة لإخوانك، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وعلى إعانة من يحتاج إلى عون بالمال، أو البدن، أو الجاه، وكذلك تتجنب ما نهى الله عنه من تأخير الصلاة عن أوقاتها، أو ترك صلاة الجماعة، أو الإخلال بشيء من واجباتها، أو الكذب، أو الغيبة، أو النميمة، أو الإساءة للخلق بالقول أو الفعل، تتجنب جميع ما حرم الله عليك، فالتقوى اسم جامع لفعل ما أمر الله به، وترك جميع ما نهى
стр. 9359
عنه، لأنها مشتقة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان وقاية له من عذاب الله ولا وقاية من عذاب الله، إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
س ١٥٥٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما يفعله كثير من الناس من حجز المكان في المسجد الحرام أو في غيره، يضع كرسي أو المصحف مثلاً على مكانه ويأتي بعد ست أو سبع ساعات ويحجز عن غيره من المسلمين الذين يأتون قبله، فهل هذا جائز أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي نرى في حجز الأماكن في المسجد الحرام أو في غيره من المساجد أنه إن حجز وهو في نفس المسجد، أو خرج من المسجد لعارض وسيرجع عن قرب فإنه لا بأس بذلك، لكن بشرط إذا اتصلت الصفوف يقوم إلى مكانه ولا يتخطى الرقاب.
وأما ما يفعله بعض الناس يحجز ويذهب إلى بيته وينام ويأكل ويشرب، أو إلى تجارته يبيع ويشتري، فهذا حرام ولا يجوز، هذا هو القول الصحيح في هذا المسألة، لكن قد يرد علينا مسألة الحجز في منى فإنه يذكر عن النبي ﷺ أنه قيل له: ألا نبني بناء يعني في منى، فقال: "منى، مناخ من سبق " (١) فنقول: إذا حجز الناس في منى فأحجز، لأنه لو لم تفعل ما وجدت مكاناً، ولو أن الناس كلهم
стр. 9360
اتقوا الله ، وتركو الحجز، وصار من سبق فهو أحق، فهذا هو الخير، لكن الآن الأمر بالعكس، إلا أنه بحمد الله في ظني أن ما حصل أخيراً من الحملات التي تأخذ أرضاً بإذن المسئولين عن توزيع الأراضى هي أهون بكثير من الحجز؛ لأنه بذلك تكون البقاع منظمة، وكل إنسان يعرف مكانه.
س ١٥٥٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل عند شخص براتب شهري فلو ذهب لأداء فريضة الحج هل يستحق الراتب الشهري أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا حسب العرف أو الشرط الذي بينهما فإن كان العرف أنه يستحق وجب إعطاؤه، أو كان الشرط بينه وبين المستأجر أنه إذا حج أجرته ماضية فعلى ما اشترط.
س ١٥٥٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عند بعض الناس خادمة فإذا أرادوا أن يحجوا أو يعتمروا أخذوها معهم بقصد الخير ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الخادمة تابعة لأهل البيت، فإذا لم يكن عندها في البيت أحد إذا خرجوا للحج فإنهم يحجون بها؛ لأن حجها معهم أحفظ لها من بقاءها وحدها في البيت، وأحفظ لها مما لو جعلوها عند جيرانهم، أو عند أقاربهم، فمثل هذا يرخص به إن شاء الله، لأن سفرها معهم آمن من بقاءها.
стр. 9361
س ١٥٥٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يتطلب المسلم المشقة في الحج لحديث "أجرك على قدر نصبك " (١) ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحديث يقول فيه النبي ﷺ : "على قدر نصبك " ولم يقل: (أتعبي فيها) والمعنى إذا تعبتي في العمرة وزاد عليك العمل فالأجر على قدر العمل، وعلى قدر التعب، فمثلاً: إنسان يذهب للمسجد ليصلي جماعة ويتعب بعض الشيء، وإنسان آخر يذهب بسهولة، فالأول يؤجر على مشقته، لكن لا نقول: اطلب الاشقاق على نفسك، بل إن طلب الاشقاق على النفس من الأمور المذمومة، ولهذا نهى النبي ﷺ عبد الله بن عمرو ابن العاص- ﵄ أن يصوم كل الدهر، وأن يقوم كل الليل (٢) ، لما فيه من المشقة، الله تعالى يقول: (مَّا يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ......) (٣) .
أما (أجرك على قدر نصبك) فالمعنى إذا تعبتي في نسكك فلك أجر على التعب، كإنسان يطوف والمطاف واسع، وإنسان آخر يطوف بمشقة، فالثاني أكثر أجرًا للمشقة، لكن لا نقول: انتظر
حتى يوجد الزحام الشديد ثم طف.
стр. 9362
س ١٥٥٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل العمل إذا كان شاقًّا على النفس أعظم للأجر، وما رأيك فيمن يقول أحج على بعير أو على قدمي لأنه أعظم للأجر؟ ويأخذ هذا من حديث عائشة عندما أمرها الرسول ﷺ أن تعتمر من التنعيم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا أن نقول المشقة إن كانت من لازم فعل العمل فإنك تؤجر عليها، وإن كانت من فعلك فإنك لا تؤجر عليها بل ربما تأثم عليها. مثلاً إذا كان الإنسان حج
على سيارة أو طيارة لكن في أثناء المناسك حصل له تعب من الشمس أو من البرد أيام الشتاء أو ما أشبه ذلك، فإنه يؤجر على هذه المشقة لأنها بغير فعله، أما لو كانت المشقة بفعله مثل أن يتعرض
هو بنفسه للشمس، فإنه لا يؤجر على هذا، ولهذا لما رأى النبي ﷺ رجلاً قد نذر أن يقف في الشمس منعه من ذلك ونهاه لأن تعذيب الإنسان لنفسه إساءة إليها وظلم لها، والله لا يحب الظالمين، فالحاصل أن المشقة الحاصلة في العبادة إن كانت بفعلك، فأنت غير مأجور عليها، وإن كانت بغير فعلك فأنت مأجور عليها، وأما حديث عائشة- ﵂: أن النبي ﷺ أمرها أن تخرج إلى التنعيم، فليس هذا من طلب المشقة،
ولكن لأنه لا يمكن للإنسان أن يحرم بالعمرة من الحرم، ولهذا قال النبي ﵊ لعبد الرحمن بن أبي بكر وقد أمره بأن يخرج بعائشة، قال: "اخرج بأختك من الحرم كي تهل
стр. 9363
بعمرة" (١) فأشار النبي ﷺ إلى أن الحكمة من الخروج إلى التنعيم هو أن تخرج من الحرم، لتأتي بالعمرة من الحل، ولا يمكن للإنسان أن يحرم بالعمرة في الحرم.
س ١٥٦٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اعتمر، وبعد ما أنهى العمرة ذهب إلى الطائف لشغل ما، وبعد ما أتم شغله أراد أن يعتمر لميت فهل هذا جائز ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا اعتمر الإنسان ثم خرج من مكة إلى الطائف أو إلى جدة لسبب، ثم بدا له أن يعتمر لميت فلا حرج في ذلك، ولو تكرر لا مانع، والذي ينهى عنه أن يكون في مكة ثم يخرج ليأتي بالعمرة، هذا هو الذي ينهى عنه.
س ١٥٦١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل وجد كتاباً مرمياً في الطريق داخل مكة وأخذه فهل يعتبر لقطة أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يعتبر هذا في حكم اللقطة، ولقطة الحرم- أي حرم مكة- والحرم إذا قيل: (الحرم) ليس هو المسجد، بل الحرم كل ما كان داخل الأميال فهو حرم، ولقطته ليست كغيره
قال النبي ﷺ : في مكة "لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" (٢) يعنى أنك لا
стр. 9364
تأخذ شيئاً ساقطاً في مكة إلا إذا كنت تريد أن تنشده مدى الحياة، إما الساقطة في غير مكة فتنشد سنة، فإن وجد صاحبها وإلا فهي لمن وجدها.
ولكن لا ينبغي أن ندع هذا الكتاب تدهسه السيارات وتمزقه بل نأخذه ونعطيه المسؤلين عن مثل هذه الأمور في مكة.
س ١٥٦٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا شاب نذرت على نفسي أن أترك معصية ونذرت سبع مرات كلما أنذر أعود لتلك المعصية، فأنذر على نفسي تركها، هل علي ذنب وهل له كفارة وهل يجوز لي الحج قبل الكفارة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً أنصح أخانا أن لا يجعل الحامل له على ترك المعصية النذر، لأنه يعتاد هذا حتى لا يدع المحرم إلا بنذر والله- يقول في كتابه: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) (١) يعنى أطيعوا طاعة معروفة بدون يمين، ولا حاجة للقسم، كذلك لا حاجة للنذر، فاجعل عندك عزيمة قوية تستطيع أن تدع هذه المعصية بدون نذر،
هذا هو الأفضل والأولى، ولكن إذا نذرت أن لا تفعل المعصية ثم فعلتها، فعليك أن تستغفر الله وتتوب من هذه المعصية، ولا تعود
стр. 9365
إليها، وعليك أن تكفر عن النذر كفارة يمين وهي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أي عتق رقبة، وإطعامهم يكون مما يأكل الناس (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) (١) ، وأوسط ما نطعم اليوم هو الرز، تطعم عشرة أنفار من الفقراء طعاماً أرزاً عشاءً، أو غداءً، وإن شئت وزعه عليهم غير مطبوخ، فتعطى كل واحد حوالي كيلو، ومعه شيء من اللحم يأدمه، وبذلك ينحل النذر، ولكني أعود فأكرر أنه ينبغي للإنسان أن تكون طاعته لله مربوطة بعزيمة وقوة فيدع المعاصي بدون نذر.
أما حجه قبل أن يكفِّر فلا بأس ولا حرج، لأن الكفارة يسيرة، وإذا لم يستطع إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة فإنه يصوم ثلاثة أيام متتابعة.
س ١٥٦٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الأدعية المشروعة في الحج والعمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمى الجمار لإقامة ذكر الله " (٢) فيشرع له عند ابتداء الطواف أن يقول: بسم الله، الله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ ثم في أثناء طوافه يدعو بما أحب من أدعية القرآن والسنة
стр. 9366
وغيرها مما يريده في نفسه، ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) ثم كلما حاذى الحجر الأسود كبر وفي السعي إذا صعد الصفا
رفع يديه وكبر الله وحده وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو، ثم يعيد هذا الذكر مرة ثانية ثم يدعو، ثم يعيد الذكر ثم ينزل متجهًا إلى المروة ويقول مثل ما قال في الصفا. وفي الوقوف بعرفة يكثر من ذكر الله مثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري
وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك إبتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، اللهم ربنا
стр. 9367
آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ويدعو بما يحضره من أدعية الكتاب والسنة وبما يريده لأن رغبات الناس وحاجاتهم تختلف وكل إنسان يدعو بما يشاء لأنه لا توقيف في ذلك وأما عند رمى الجمرات فإنه يكبر عند كل حصاة يقول: الله أكبر، والذي ينبغي للحاج أن يصون حجه عن الرفث والفسوق والجدال قال تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) وأن يكون هادئا مطمئناً لا يؤذي.
س ١٥٦٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فتاة تقول في شهر رمضان ذهبت بقصد العمرة في رمضان ولكنني لم أكمل العمرة فقد قمت بالطواف حول الكعبة والصفا والمروة وقد مرضت مرضاً شديداً هو الجنون ورجعنا إلى البلد بألم وحزن وبعد فترة قصيرة استيقظت من هذا المرض والحمد لله ولكنني منذ ذلك وحتى الآن يوجد في قلبي وسواس من إلحاد وعدم رضاء الله وآلمنى أن أقول هذا، مع العلم أنني أؤدي جميع الفرائض من صلاة وصوم وزكاة ولا أستطيع أن أمسح هذا الشعور من قبلي برغم محاولتي بالتوبة والدعاء لله فأرجو منكم حل هذه المشكلة لأنني في غاية الحيرة
والألم وهل أنا مذنبة وماذا أفعل وقد تركت الحجاب؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالنسبة لعمرتها فإن ظاهر كلامها أنها أدت العمرة؛ لأنها تقول: إنها طافت حول الكعبة وفي الصفا
стр. 9368
والمروة، وما بقي عليها إلا التقصير إذا كانت لم تقصر. وأما بالنسبة لما تجده في قبلها من وساوس فإن ذلك لا يضرها، بل أن هذا من الدلالة على أن إيمانها خالص وصريح وصحيح، وذلك لأن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم بمثل هذه الوساوس إذا رأى في إيمانه قوة وصراحة، يريد أن يبطل هذه القوة ويضعفها، ويزيل هذه الصراحة إلى شكوك وأوهام، ودواء ذلك أن لا تلتفت إلى هذه الوساوس إطلاقاً ولا تهمها، ولا تكون لها على بال، ولتمض في عبادتها لله من طهارة، وصلاة، وزكاة، وصيام، وحج وغيرها وبهذا يزول عنها إذا غفلت عنه، فالدواء ما أرشد إليه النبي ﵊ أن ينتهي الإنسان عن ذلك، ويعرض عنه، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يشتغل بفرائضه وسننه عن مثل هذه الأمور فسيزول بإذن الله.
وأما تركها للحجاب فإذا كان ذلك في زوال عقلها كما ذكرت فإنه لا إثم عليها؛ لأن المجنون قد رفع عنه التكليف، وأما إذا كان بعد أن زال عنها هذا البلاء، فإنه يجب عليها أن تتوب إلى الله
وتستغفره من ذنبها وتعود إلى حجابها.
س ١٥٦٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شاب عاق لوالديه وهما خارج المملكة فهل له أن يحج قبل الرجوع إليهما مع أنه لو سافر قبل أن يحج ليسترضيهما فلا يتمكن من الرجوع إلى هنا
стр. 9369
لصعوبة الطريق وهل تقبل منه الأعمال الصالحة وقد تاب إلى الله وندم على ما حصل منه ندماً شديداً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن الأعمال الصالحة تقبل من هذا الرجل الذي تاب إلى الله من عقوق الوالدين، ولكن نظراً إلى أن العقوق من حقوق الآدميين فإنه لابد من استرضاه الوالدين واستسماحهما لأن من تحقيق توبته إلى الله أن يسترضي والديه ويستسمحهما عما جرى منه من العقوق. ولا حرج عليه لو حج قبل ذلك.
س ١٥٦٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاجة تقول: في هذا الحج قلت كلمة خفت أن تكون أثرت في حجي وهذه الكلمة قلتها وأنا أصعد مكان في منى وتعبت فقلت: أعوذ بالله من هذا
المكان، وقلت ذلك جاهلة، ومن غير قصد وأريد أن أعرف هل هذا يؤثر في حجي؟ وأيضاً عند الجمرات دعوت بصوت مرتفع قليلاً وأظن أن الرجال سمعوا صوتي، هل إذا سمعوا صوتي عليّ إثم في
ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الأول وهو قولها: (أعوذ بالله من هذا المكان) فلا أظنها استعاذت بالله من هذا المكان من أجل أنه مشعر من مشاعر الحج، لكن تعوذت من هذا المكان لصعوبته ومشقته عليها وهذا لا ينقص شيئاً من حجها.
стр. 9370
وأما الثاني وهو سماع الرجال صوتها فلا بأس به أصلاً سواءً في الحج أو في غيره، فإن صوت المرأة ليس بعورة لقول الله ﵎: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)) (١) فنهي الله عن الخضوع بالقول يدل على جواز أصل القول؛ لأن النهي عن الأخص يدل على جواز الأعم، وعلى هذا فالمرأة ليس صوتها عورة، فيجوز أن تتكلم بحضرة الرجال، إلا إذا خافت فتنة، فحينئذ يكون هذا السبب هو الذي يقتضي منع رفع صوتها.
فإذا قال قائل: أليست المرأة مأمورة بخفض الصوت عند التلبية مع أن الأصل في التلبية أن تكون جهراً؟ قلنا: بلى، الأمر كذلك، تؤمر المرأة بخفض الصوت في التلبية، وبخفض الصوت في أذكار الصلوات الفريضة إذا صلين مع الجماعة، وذلك لأن إظهار المرأة صوتها يخشى منه أن يتعلق بصوتها أحد من الرجال يسمعه، فيحصل بذلك فتنة، ولهذا قلنا: إنه لا بأس برفع المرأة صوتها في حضرة الرجال، ما لم تخش الفتنة، أما الخضوع بالقول فهذا حرام بكل حال.
س ١٥٦٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيهما أفضل للمعتمر نوافل الصلاة أم نوافل الطواف ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنه إذا كان الاعتمار في
стр. 9371
وقت يكثر فيه العُمَّار، فإن الأفضل أن يتشاغل بالصلاة، من أجل أن يوفِّر مكان الطواف للطائفين.
س ١٥٦٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بما أن النساء يمنعن من الطواف أثناء صلاة التراويح فهل الأفضل للرجل الطواف أم الاستمرار في صلاة التراويح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يستمر في صلاة التراويح ليكتب له قيام الليلة كلها، والطواف له وقت آخر.
س ١٥٦٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تسأل فتقول: كنت في مكة الكرمة، وصلني نبأ أن قريبتي قد توفيت فطفت لها سبعاً حول الكعبة ونويتها لها، فهل يجوز ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز لك أن تطوفي سبعاً تجعلين ثوابها لمن شئت من المسلمين، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀: أن أي قربة فعلها المسلم وجعل ثوبها لمسلم ميت
أو حي فإن ذلك ينفعه، سواء كانت هذه القربة عملاً بدنيًا محضاً، كالصلاة والطواف، أم مالياً محضاً كالصدقة، أم جامعاً بينهما كالأضحية.
ولكن ينبغي أن يعلم أن الأفضل للإنسان أن يجعل الأعمال الصالحة لنفسه، وأن يخص من شاء من المسلمين بالدعاء له؛ لأن
стр. 9372
هذا هو ما أرشد إليه النبي ﷺ في قوله: "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) .
س ١٥٧٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيهما أفضل للمرأة الطواف في حالة ازدحام المطاف أو انشغالها بعبادة أخرى بعيداً عن الرجال ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان في مواسم العمرة، أو الحج فالأفضل أن لا يكرر الإنسان الطواف، حتى الرجل فكيف بالمرأة؟!
س ١٥٧١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعت رجلاً يقول: (اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه) ، ما صحة هذا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الدعاء الذي سمعته، "اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، وإنما نسألك اللطف فيه " دعاء محرم لا يجوز، وذلك لأن الدعاء يرد القضاء كما جاء في الحديث: "لا يرد القدر إلا
الدعاء" (٢) . وأيضاً كأن هذا السائل يتحدي الله يقول: اقض ما شئت ولكن الطف. والدعاء ينبغي للإنسان أن يجزم به وأن يقول: اللهم
стр. 9373
إني أسألك أن ترحمني، اللهم إني أعوذ بك أن تعذبني، وما أشبه ذلك، أما أن يقول: لا أسألك رد القضاء، فما الفائدة من الدعاء إذا كنت لا تسأله رد القضاء، والدعاء يرد القضاء، فقد يقضي الله
القضاء ويجعل له سبباً يمنع ومنه الدعاء، فالمهم أن هذا الدعاء لا يجوز، ويجب على الإنسان أن يتجنبه وأن ينصح من سمعه بأن لا يدعو بهذا الدعاء.
س ١٥٧٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في منى بعد الرمي حصل خلاف أسر عبارة عن خصام بيني وبين أم زوج ابنتي. وبقيناً على هذا الخصام عدة أشهر، فهل الخصام يبطل الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يبطل الحج، ولكن ينبغي للإنسان المحرم بحج أو عمرة أن لا يجادل؛ لقوله : (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) .
س ١٥٧٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: ذهبت إلى الحج وأنا مغتربة وحدث أن ابنة لي كانت تعاني نوعاً من المرض، وأخذت مدة على الدواء وترفض الأكل وألزمتها عدة مرات فرفضت فغضبت عليها وضربتها ضرباً شديداً، لكني ندمت على هذا الفعل وبكيت كثيراً عليها. فهل علي شيء في ذلك وهل يؤثر على حجي ؟
стр. 9374
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت هذه البنت التي أعطيتها الدواء بوصف من الطبيب، وكانت مريضة وضربتها ضرباً غير مبرح - أي ليس شديداً- بل ضرب تأديب، فإن هذا لا بأس به سواء في الحج، أو في غير الحج. والمقصود أن هذا الضرب مما سمح به الشرع: أن يكون للتأديب، وأن يكون غير مبرح، وحينئذ فليس عليك شيء.
س ١٥٧٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حاج ومعه طفلة صغيرة فضربها للتأديب فما حكم ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الضرب للتأديب لا بأس به، فقد ضرب أبو بكر- ﵁ غلامه وهو محرم.
س ١٥٧٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: ذهبت إلى الحج وأنا مغتربة، وحدث أن ضللت الطريق ومعي أطفالي الثلاثة، الصغير منهم يبلغ من العمر عاماً، وسرنا سبع
ساعات نبحث عن الخيام، وحصل لنا تعب شديد، وعندما هدانا الله إلى خيامنا طلبت من إحدى النساء ماء ليشرب أولادي ويغتسلوا فرفضت، وقالت: نحن قد اشتريناه، لأن المخيم لم يحضروا فيه الماء منذ الصباح. فاستعطفتهم فأبوا، فتضايقت منهم، فتحدثوا إلى بعضهم بطريقة أحزنتني وحسبتهم يغتابونني، فرفعت صوتي
стр. 9375
عليهم، فما الحكم في ذلك؟ وهل يدخل في الجدل ويبطل حجي به؟
فأجاب فضيلته بقوله: بالنسبة لمن طلبت منهم الماء فلم يعطوك، هؤلاء في الحقيقة حرموا أنفسهم خيراً كثيراً، ولو كانوا قد اشتروا الماء فهي تريد سقي أولادها العطاش، ولم تقل أريد الماء لأتوضأ أو ما شابه ذلك، بل تريد إرواء ظمأ أولادها، وقد قال النبي ﷺ : "من سقى مسلماً على ظمًّا سقاه الله من الرحيق المختوم " (١) ، فهؤلاء المساكين حرموا أنفسهم من هذا الأجر الذي بينه الرسول ﵊ لمن سقى مسلماً على ظمأ، فلو سقوها وأولادها لكان خير اً لهم.
أما بالنسبة لها وتكلمها عليهم فهذا لا ينبغي منها، فعلى المرء أن يصبر ويحتسب الأجر من الله ﵎، فتصبر وتحتسب حتى يجعل الله فرجاً ومخرجًا منه. والله الموفق.
س ١٥٧٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل على الإنسان حرج إذا نام ورجلاه باتجاه الكعبة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس على الإنسان حرج إذا نام ورجلاه باتجاه الكعبة، بل إن الفقهاء- ﵏ يقولون: إن المريض الذي لا يستطيع القيام ولا القعود يصلي على جنبه ووجهه للقبلة،
стр. 9376
فإن لم يتمكن صلى مستلقياً، ورجلاه إلى القبلة.
س ١٥٧٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عمن وكل شخصاً ليحج عن أمه ثم علم بعد ذلك أن هذا الشخص قد أخذ وكالات عديدة فما الحكم حينئذ أفتونا مغفوراً لكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي ينبغي للإنسان أن يكون حازما في تصرفه، وأن لا يكل الأمر إلا إلى شخص يطمئن إليه في دينه، بأن يكون أميناً، عالماً بما يحتاج إليه في مثل ذلك العمل الذي وكل
إليه، فإذا أردت أن تعطي شخصاً ليحج عن أبيك المتوفى، أو أمك فعليك أن تختار من الناس من تثق به في علمه وفي دينه؛ وذلك لأن كثيراً من الناس عندهم جهل عظيم في أحكام الحج، فلا يؤدون
الحج على ما ينبغي، وإن كانوا هم في أنفسهم أمناء، لكنهم يظنون أن هذا هو الواجب عليهم وهم يخطئون كثيراً، ومثل هؤلاء لا ينبغي أن يعطوا إنابة في الحج لقصور علمهم، ومن الناس من يكون عنده علم لكن ليس لديه أمانة، فتجده لا يهتم بما يقوله أو يفعله في مناسك الحج، لضعف أمانته ودينه، ومثل هذا أيضاً لا ينبغي أن يعطى، أو أن يوكل إليه أداء الحج، فعلى من أراد أن ينيب شخصاً في الحج عنه أن يختار أفضل من يجده علماً وأمانة، حتى يؤدي ما طلب منه على الوجه الأكمل.
وهذا الرجل ذكر السائل أنه أعطاه ليحج عن والدته وسمع
стр. 9377
فيما بعد أنه أخذ حجات أخرى من غيره، ينظر فلعل هذا الرجل أخذ هذه الحجات عن غيره وأقام أناساً يؤدونها وقام هو بأداء الحج عن الذي استنابه.
ولكن هل يجوز للإنسان أن يفعل هذا الفعل، أي هل يجوز للإنسان أن يتوكل عن أشخاص متعددين في الحج، أو في العمرة ثم لا يباشر هو بنفسه ذلك بل يكلها إلى أناس آخرين؟
فنقول في الجواب: إن ذلك لا يجوز ولا يحل، وهو من أكل المال بالباطل، فإن كثيراً من الناس يتاجرون في هذا الأمر، تجدهم يأخذون عدة حجج وعدة عمر، على أنهم هم الذين سيقومون بها
ولكنه يكلها إلى فلان وفلان من الناس بأقل مما أخذ، هو فيكسب أموالاً بالباطل، ويعطي أشخاصاً قد لا يرضونهم من أعطوه هذه الحجج أو العمر، فعلى المرء أن يتقي الله في إخوانه، وفي
نفسه؛ لأنه إذا أخذ مثل هذا المال فقد أخذه بغير حق، ولأنه إذا أؤتمن من قبل إخوانه على أنه هو الذي يؤدي الحج أو العمرة فإنه لا يجوز له أن يكل ذلك إلى غيره؛ لأن هذا الغير قد لا يرضاه من أعطاه هذه الحجج، أو هذه العمر.
س ١٥٧٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: معتمر قبل سبع سنوات ترك السعي ليخرج مع رفقته معتقداً أنه إذا أبطل هذا العمل بطل حجه، وحج بعد ذلك واعتمر فماذا يلزمه جزاك الله خيراً ؟
стр. 9378
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: أقول إن تأخير هذا السائل سؤاله إلى ما بعد سبع سنوات خطأ عظيم، يجب على المرء أن يسأل عن دينه أولاً قبل أن يعمل، ثم إذا عمل وشك في نفسه من بعض الأفعال
التي فعلها فليسأل عنها مباشرة، ولكن الأمر وقد وقع الآن، فالذي أرى أنه يجب عليه أن يذهب إلى مكة، ويأتي بعمرة فيطوف ويسعى ويقصر، ثم يأتي بالسعي الأول، لأنه ما زال ديناً في ذمته،
والحجات التي حجها بعد ذلك هي حجات منفصلة ما نواها قضاء عما سبق.
س ١٥٧٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يستطيع الحج كل سنة وقال له بعض الناس إن في هذا إيذاء للحجاج فهل هذا صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن الحج مشروع كل سنة، لأن النبي ﷺ رغب فيه وقال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (١) .
لكن إذا كنت تخشى الفتنة من تكرار الحج، وذلك بما يحدث من مشاهدة النساء والمزاحمة الشديدة بين الرجال والنساء، وقد أديت الفريضة فهنا قد يقال: ترك الحج أفضل واصرف الدراهم التي
كنت تريد الحج بها على أعمال البر والصدقات، وذلك لأن درء
стр. 9379
المفاسد أولى من جلب المصالح. أما الرجل الذي يحج ويؤدي الحج بتؤدة وبأدب شرعي، ويمكن أن يستفيد الناس من علمه، أو عمله وخلقه، فهذا يشرع له أن يحج كل عام.
س ١٥٨٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يقصر الحاج من أهل مكة الصلاة في المشاعر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشهور عند أصحاب الأئمة الثلاثة: الشافعي ومالك وأحمد- ﵏ أن المكي لا يقصر ولا يجمع لأنه غير مسافر، إذ أن السفر ما بلغ ثلاثة وثمانين كيلو، أو أكثر، والمعروف أن عرفة هي أبعد المشاعر عن مكة لا تبلغ هذا المبلغ، فعلى هذا لا يجمع أهل مكة ولا يقصرون، بل يتمون ويصلون كل صلاة في وقتها، سواء في عرفة، أو في مزدلفة، أو في منى.
وذهب أبو حنيفة- ﵀ إلى أنهم يجمعون ويقصرون، وقال: إن هذا الجمع والقصر سببه النسك، وليس سببه السفر، فيقصرون. ولو كانوا في منى وهي أقرب المشاعر إلى مكة.
ولكن الصحيح أن القصر في منى وفي عرفة ومزدلفة، ليس سببه النسك بل سببه السفر، والسفر لا يتقيد بالمسافة، بل يتقيد بالحال وهو أن الإنسان إذا خرج وتأهب واستعد لهذا الخروج،
وحمل معه الزاد والشراب فهو مسافر.
وبناء على ذلك نقول: إن الناس في عهد الرسول ﷺ كانوا
стр. 9380
يتزودون للحج، أهل مكة وغير أهل مكة، ولهذا كان أهل مكة مع الرسول ﷺ في حجة الوداع، يجمعون ويقصرون تبعاً للرسول ﷺ ، ولم يقل: يا أهل مكة أتموا. وهذا القول هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀.
س ١٥٨١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة إلى الحاج المكي هل يقصر في منى وعرفة ومزدلفة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالنسبة للمكي إذا حج فإن الذين يقدرون السفر بالمسافة لا يرون له جمعاً ولا قصراً كالإمام أحمد والشافعي- رحمهما الله- ولهذا لا يجوزون للحاج المكي أن يقصر
أو يجمع، لكن القول الراجح أن السفر لا يتقيد بالمسافة، وإنما يتقيد بالعرف والتأهب له، فما تأهب الناس له وشدوا الرحل إليه فهو سفر، وعلى هذا القول فإنه يجوز للمكي أن يقصر ويجمع إذا
حج ويدل لهذا أن النبي ﷺ قد حج معه أهل مكة ولم يأمرهم بالإتمام، ولما فتح مكة وصار يصلي بهم في مكة كان يأمرهم بالإتمام، ويقول: "أتموا يما أهل مكة فإنما قوم سفر" (١) . وعلى هذا فنقول: إن مذهب الإمام أحمد- ﵀ على المشهور عنه والشافعي- ﵀ أن المكيين لا يجمعون ولا يقصرون في منى وفي عرفة وفي مزدلفة، وأما على القول الثاني الذي رجحناه فإن
стр. 9381
الإنسان إذا كان في مزدلفة أو في عرفة يكون في مكان منفصل عن مكة فيترخص برخص السفر، أما إذا كان في منى فإن منى في الوقت الحاضر صارت كأنها حي من أحياء مكة، فلهذا نرى أن الاحتياط للمكي أن لا يجمع ولا يقصر في منى، مع أنه لا جمع في منى حتى لغير المكيين، إذ أن منى السنة فيها لغير المكيين القصر بدون جمع، أما مزدلفة وعرفة فهي منفصلة عن مكة ولم تتصل بها،
حسب ما رأيت أنه لم يتصل البناء، وعلى كل حال لو فرض أن مكة كبرت في المستقبل وصارت المزدلفة منها مثل منى فالحكم واحد.
س ١٥٩٢ (*) : سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كثير من الحجاج أشكل عليهم اليوم عدم صلاة الجمعة في منى ولا يعرفون سبب ذلك، وكذلك مسألة الجمع بين الصلوات أفيدونا جزاكلم الله خيراً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الجمعة فإنها لا تصلى في هذا المكان بناء على أنه مشعر، والنبي ﷺ لم يصل الجمعة يوم عرفة، ولذلك كان الناس يصلون ظهراً.
وأما الجمع بين الصلاتين فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجمع بين الصلاتين في منى لا قبل يوم عرفة ولا بعدها، وهذا هو السنة لكن لو كان هناك حاجة إلى الجمع يمكن أن تكون
الرفقة في تعب شديد ويشق عليهم عدم الجمع فلا بأس في الجمع.
وصلاة الجمعة للمسافرين حال السفر لا تجوز ولا تصح؛ لقول
стр. 9382
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) . والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصل صلاة الجمعة في السفر، أما إذا كان الجماعة في البلد وسمعوا نداء
الجمعة وجب عليهم أن يصلوا الجمعة.
س ١٥٩٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أداء العمرة بعد مناسك الحج وقبل طواف الوداع حيث أني لم أنو إلا بالحج مفرداً وبعد نويت العمرة وأحرمت بالعمرة من جدة وجدة
ليست بلداً لي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمرة بعد الحج إذا حصل مثل ما حصل لعائشة- ﵂ حينما أحرمت للعمرة فحاضت قبل أن تصل إلى مكة فأمرها النبي ﷺ أن تحرم بالحج ففعلت وبعد انتهاء الحج طلبت من النبي ﷺ أن تعتمر فأمر أخوها عبد الرحمن ابن أبي بكر- ﵄ أن يخرج بها إلى التنعيم فأحرمت منه (٢) ، فإذا جرى لامرأة مثل ما جرى لأم المؤمنين عائشة- ﵂ ولم تطب نفسها إلا بفعل العمرة بعد الحج، فهذا لا بأس به لورود السنة به، وأما من سواها فإن النبي ﷺ وأصحابه- ﵃ لم يقم أحد منهم بعمل عمرة بعد أداء الحج، بل هذا عبد الرحمن بن أبي بكر كان مصاحباً أخته وخارجاً إلى التنعيم، ومع
стр. 9383
ذلك ما أتى بعمرة، ولو كانت العمرة بعد الحج من الأمور المشروعة، لكان عبد الرحمن بن أبي بكر يفعلها، لأنها متيسرة عليه حيث أنه قد ذهب مع أخته إلى التنعيم، فهذا دليل على أنه لا يشرع
للحاج أن يأتي بالعمرة بعد الحج، إلا إذا رجع إلى بلده ثم أتى بها من بلده، مثل لو كان من أهل جدة فلما انتهى الحج خرج إلى جدة، ثم رجع محرماً بالحج فلا حرج عليه هنا؛ لأنه أتى بالعمرة من بلده.
س ١٥٩٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد استقدام أهله لأداء الحج لكن العملية مكلفة بالنسبة له ولا يطيقها، ولكن يمكن استقدامها للعمرة ويبقيها إلى موسم الحج، ثم تحج ثم يرجعها؛ هل هذا الأمر جائز يا شيخ أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قدمت بمحرم فليس هناك مانع.
س ١٥٩٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن يذهب رجل إلى مكة للتجارة بجانب أداء فريضة الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للإنسان أن يذهب إلى مكة بنية التجارة والحج؛ لقول الله تبارك تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) (١) لكن ينبغي أن يغلّب جانب الحج.
стр. 9384
س ١٥٩٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من حج بجواز سفر مزور فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجه صحيح؛ لأن تزوير الجواز لا يؤثر في صحة الحج، ولكن عليه الإثم وعليه أن يتوب إلى الله ، وإن يعدل اسمه إلى الاسم الصحيح حتى لا يحصل تلاعب
لدى المسؤلين، ولئلا تسقط الحقوق التي وجبت عليه بالاسم الأول لاختلاف اسمه الثاني عن الاسم الأول، فيكون بذلك آكلاً للمال بالباطل مع الكذب في تغيير الاسم.
وبهذه المناسبة أود أن أنصح إخواني بإن الأمر ليس بالهين بالنسبة لأولئك الذين يزورون الأسماء، ويستعيرون أسماء لغيرهم من أجل أن يستفيدوا من إعانة الحكومة، أو من أمور أخرى، فإن ذلك تلاعب في المعاملات وكذب وغش وخداع للمسؤولين والحكام، وليعلموا أن من اتقى الله جعل له مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب، وأن من اتقي الله جعل الله له من أمره يسراً،
وأن من اتقى الله وقال قولاً سديداً أصلح الله له عمله وغفر له ذنبه، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (١) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (٢) والله الموفق.
стр. 9385
س ١٥٩٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة مرت بالميقات وهي حائض فأحرمت منه ونزلت إلى مكة وأخرت العمرة حتى طهرت فما حكم عمرتها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمرة صحيحة ولو أخرتها إلى يوم أو يومين، ولكن بشرط أن يكون ذلك بعد طهارتها من الحيض لأن المرأة الحائض لا يحل لها أن تطوف بالبيت، ولهذا لما حاضت عائشة- ﵂ وهي قد أقبلت إلى مكة محرمة بالعمرة قال لها النبي ﷺ "أحرمي بالحج وافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " (١) ولما حاضت صفية- ﵂ قال ﷺ : "أحاسبتنا هي " ظن أنها لم تطف طواف الإفاضة، فقالوا: "إنها قد أفاضت " فقال: "انفروا" (٢) فالمرأة الحائض لا يحل لها أن تطوف بالبيت، فإذا قدمت إلى مكة وهي حائض وجب عليها الانتظار حتى تطهر ثم تطوف بالبيت.
أما إذا حصل الحيض بعد طواف العمرة وقبل السعي فلتكمل عمرتها ولا شيء عليها؛ وإذا أتاها الحيض بعد السعي، فلا يجب عليها طواف الوداع حينئذ؛ لأن طواف الوداع يسقط عن الحائض.