الإنسان إذا كان في مزدلفة أو في عرفة يكون في مكان منفصل عن مكة فيترخص برخص السفر، أما إذا كان في منى فإن منى في الوقت الحاضر صارت كأنها حي من أحياء مكة، فلهذا نرى أن الاحتياط للمكي أن لا يجمع ولا يقصر في منى، مع أنه لا جمع في منى حتى لغير المكيين، إذ أن منى السنة فيها لغير المكيين القصر بدون جمع، أما مزدلفة وعرفة فهي منفصلة عن مكة ولم تتصل بها،
حسب ما رأيت أنه لم يتصل البناء، وعلى كل حال لو فرض أن مكة كبرت في المستقبل وصارت المزدلفة منها مثل منى فالحكم واحد.
س ١٥٩٢ (*) : سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كثير من الحجاج أشكل عليهم اليوم عدم صلاة الجمعة في منى ولا يعرفون سبب ذلك، وكذلك مسألة الجمع بين الصلوات أفيدونا جزاكلم الله خيراً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الجمعة فإنها لا تصلى في هذا المكان بناء على أنه مشعر، والنبي ﷺ لم يصل الجمعة يوم عرفة، ولذلك كان الناس يصلون ظهراً.
وأما الجمع بين الصلاتين فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجمع بين الصلاتين في منى لا قبل يوم عرفة ولا بعدها، وهذا هو السنة لكن لو كان هناك حاجة إلى الجمع يمكن أن تكون
الرفقة في تعب شديد ويشق عليهم عدم الجمع فلا بأس في الجمع.
وصلاة الجمعة للمسافرين حال السفر لا تجوز ولا تصح؛ لقول
стр. 9382
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) . والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصل صلاة الجمعة في السفر، أما إذا كان الجماعة في البلد وسمعوا نداء
الجمعة وجب عليهم أن يصلوا الجمعة.
س ١٥٩٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أداء العمرة بعد مناسك الحج وقبل طواف الوداع حيث أني لم أنو إلا بالحج مفرداً وبعد نويت العمرة وأحرمت بالعمرة من جدة وجدة
ليست بلداً لي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمرة بعد الحج إذا حصل مثل ما حصل لعائشة- ﵂ حينما أحرمت للعمرة فحاضت قبل أن تصل إلى مكة فأمرها النبي ﷺ أن تحرم بالحج ففعلت وبعد انتهاء الحج طلبت من النبي ﷺ أن تعتمر فأمر أخوها عبد الرحمن ابن أبي بكر- ﵄ أن يخرج بها إلى التنعيم فأحرمت منه (٢) ، فإذا جرى لامرأة مثل ما جرى لأم المؤمنين عائشة- ﵂ ولم تطب نفسها إلا بفعل العمرة بعد الحج، فهذا لا بأس به لورود السنة به، وأما من سواها فإن النبي ﷺ وأصحابه- ﵃ لم يقم أحد منهم بعمل عمرة بعد أداء الحج، بل هذا عبد الرحمن بن أبي بكر كان مصاحباً أخته وخارجاً إلى التنعيم، ومع
стр. 9383
ذلك ما أتى بعمرة، ولو كانت العمرة بعد الحج من الأمور المشروعة، لكان عبد الرحمن بن أبي بكر يفعلها، لأنها متيسرة عليه حيث أنه قد ذهب مع أخته إلى التنعيم، فهذا دليل على أنه لا يشرع
للحاج أن يأتي بالعمرة بعد الحج، إلا إذا رجع إلى بلده ثم أتى بها من بلده، مثل لو كان من أهل جدة فلما انتهى الحج خرج إلى جدة، ثم رجع محرماً بالحج فلا حرج عليه هنا؛ لأنه أتى بالعمرة من بلده.
س ١٥٩٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد استقدام أهله لأداء الحج لكن العملية مكلفة بالنسبة له ولا يطيقها، ولكن يمكن استقدامها للعمرة ويبقيها إلى موسم الحج، ثم تحج ثم يرجعها؛ هل هذا الأمر جائز يا شيخ أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قدمت بمحرم فليس هناك مانع.
س ١٥٩٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن يذهب رجل إلى مكة للتجارة بجانب أداء فريضة الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للإنسان أن يذهب إلى مكة بنية التجارة والحج؛ لقول الله تبارك تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) (١) لكن ينبغي أن يغلّب جانب الحج.
стр. 9384
س ١٥٩٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من حج بجواز سفر مزور فما الحكم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجه صحيح؛ لأن تزوير الجواز لا يؤثر في صحة الحج، ولكن عليه الإثم وعليه أن يتوب إلى الله ، وإن يعدل اسمه إلى الاسم الصحيح حتى لا يحصل تلاعب
لدى المسؤلين، ولئلا تسقط الحقوق التي وجبت عليه بالاسم الأول لاختلاف اسمه الثاني عن الاسم الأول، فيكون بذلك آكلاً للمال بالباطل مع الكذب في تغيير الاسم.
وبهذه المناسبة أود أن أنصح إخواني بإن الأمر ليس بالهين بالنسبة لأولئك الذين يزورون الأسماء، ويستعيرون أسماء لغيرهم من أجل أن يستفيدوا من إعانة الحكومة، أو من أمور أخرى، فإن ذلك تلاعب في المعاملات وكذب وغش وخداع للمسؤولين والحكام، وليعلموا أن من اتقى الله جعل له مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب، وأن من اتقي الله جعل الله له من أمره يسراً،
وأن من اتقى الله وقال قولاً سديداً أصلح الله له عمله وغفر له ذنبه، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (١) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (٢) والله الموفق.
стр. 9385
س ١٥٩٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة مرت بالميقات وهي حائض فأحرمت منه ونزلت إلى مكة وأخرت العمرة حتى طهرت فما حكم عمرتها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمرة صحيحة ولو أخرتها إلى يوم أو يومين، ولكن بشرط أن يكون ذلك بعد طهارتها من الحيض لأن المرأة الحائض لا يحل لها أن تطوف بالبيت، ولهذا لما حاضت عائشة- ﵂ وهي قد أقبلت إلى مكة محرمة بالعمرة قال لها النبي ﷺ "أحرمي بالحج وافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " (١) ولما حاضت صفية- ﵂ قال ﷺ : "أحاسبتنا هي " ظن أنها لم تطف طواف الإفاضة، فقالوا: "إنها قد أفاضت " فقال: "انفروا" (٢) فالمرأة الحائض لا يحل لها أن تطوف بالبيت، فإذا قدمت إلى مكة وهي حائض وجب عليها الانتظار حتى تطهر ثم تطوف بالبيت.
أما إذا حصل الحيض بعد طواف العمرة وقبل السعي فلتكمل عمرتها ولا شيء عليها؛ وإذا أتاها الحيض بعد السعي، فلا يجب عليها طواف الوداع حينئذ؛ لأن طواف الوداع يسقط عن الحائض.
стр. 9386
س ١٥٩٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لو ارتد الإنسان عن الإسلام- والعياذ بالله- وقد أدى فريضة الحج ثم عاد للإسلام فهل تكفيه فريضة الحج الأولى التي عملها. وبالنسبة للحديث: "وشاب نشأ في طاعة الله ". هل نقول: إن الإنسان مثلاً لو نشأ في طاعة الله في فترة سن الشباب ثم ارتد ثم رجع هل ينطبق عليه هذا الحديث ؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن الردة تحبط الأعمال لقول الله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) (١) ولقوله تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)) (٢) لكن هذا مقيد بما إذا مات على الكفر لقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)) (٣) . فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام فإن أعماله الصالحة السابقة للردة لا تبطل، وكذلك ما له من المزايا والمناقب والفضائل، فالشاب الذي نشأ في طاعة الله، ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يحصل له ثواب الشاب الذي نشأ في طاعة الله، وكذلك الصحابي لو ارتد ثم عاد إلى الإسلام فإن صحبته لا تبطل، بل هذه المنقبة له كسائر الأعمال الصالحة.
стр. 9387
س ١٥٩٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص كلف بانتداب إلى الطائف، فأنهى العمل خلال ساعات وأراد أن يأخذ عمرة مع موافقة العمل على ذلك هل يصح له هذا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يصح للإنسان إذا انتدب لعمل معين وأنهاه، ثم أراد أن يأتي بعمرة يصح له أن يأتي بذلك؛ لأن العمل الذي انتدب من أجله قد أتمه وبقي بقية وقت، فله أن يتصرف فيه بما
يشاء، لا سيما إذا كان قد استأذن من مسئوله وأذن له، فإن الأمر واضح بأن هذا جائز.
س ١٦٠٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص له أولاد يشغلونه عن حج التطوع ويخشى عليهم من نقص الأخلاق في أثناء أداء حج التطوع فما الأفضل له ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن تربية أولاده واجبة، وحج التطوع ليس بواجب، وكذلك عمرة التطوع، فإذا كان يخشى على أولاده من الضياع إذا ذهب للعمرة في رمضان مثلاً، أو للحج تطوعاً
فإنه لا يجوز أن يذهب للحج، لأنه مسؤول عن أهله سؤالاً مباشراً.
س ١٦٠١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد أن يعتمر عن الميت هل له أن يشرك نفسه في الثواب؟ وإذا اعتمر الصبية ونوى هو أجرهم للميت هل يكون ذلك ؟
стр. 9388
فأجاب فضيلته بقوله: هذان سؤالان في سؤال.
أما المسألة الأولى: فإنه لا يصح أن ينوي نسكاً واحداً عن اثنين، لأن النسك لا يجزئ إلا عن واحد، كما لو أردت أن تصوم قضاء عن نفسك وعن ميت فإنه لا يصح.
أما المسألة الثانية: فإن ثواب الأولاد لهم، لأن الصبي الذي لم يبلغ يكتب له الثواب، ولا يكتب عليه العقاب، لكن لك أجر لكونك أحرمت بهم، ودليل هذا أن النبي ﷺ قال في المرأة التي رفعت إليه الصبي: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" (١) الحج للصبي، وأنت لك أجر، أما ما اشتهر عند العامة أن أجره يكون لأبيه لا لمن حج له، فهذا لا أصل له.
س ١٦٠٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس هداهم الله يلتقطون الصور في المشاعر المقدسة وربما رفع الشخص يديه في الدعاء من أجل التصوير فقط فهل هذا جائز؟ وهل يخل
بالحج أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: التقاط صور للحجاج في مكان العبادة غير جائز من وجهين:
الوجه الأول: أنهم يفعلون ذلك للاحتفاظ بالصور والذكرى، وكل تصوير يقصد منه الاحتفاظ للذكرى فإنه حرام.
стр. 9389
الوجه الثاني: أنه لا يسلم غالباً من الرياء؛ لأن الإنسان يأخذ هذه الصور ليريها للناس أنه حج، ولهذا يفعل كما قال السائل يرفع يديه للدعاء، وهو لا يدعو ولكن من أجل أن تلتقط له صورة.
أما إذا احتيج إلى ذلك لكون هذا الرجل نائباً عن شخص فقال: التقط الصورة لأثبت أنني حججت، فإذا وصل إلى صاحبه الذي أنابه مزق الصورة، فإن ذلك لا بأس به؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، ولم يقصد به مجرد الذكرى، أو الاقتناء.
س ١٦٠٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم إنه إذا كان نائباً عن الغير فلا بأس أن يصور لأن الحاجة داعية إلى ذلك ألا يمكن الاستغناء بالشهود عن الصور ؟
فأجاب فضيلته بقوله: على كل حال الاستغناء بالشهود عن الصورة قد يكتفي به، ولكن الشهود قد يلحقهم مانع من أداء الشهادة، وقد لا يثق النائب بهم تمام الثقة.
س ١٦٠٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدي معي في الحج ومعي كذلك أخي ولله الحمد، وأخي يريد أن يأخذ لنا صورة تذكارية لأن الوالدة مشتاقة لنا وهي لم ترانا منذ ستة أشهر وسنبقى مقيمين في هذه البلاد سنة كاملة فهل إذا تصورنا علينا شيء؛ وما حكم اقتناء الكتب التي فيها صور ؟
стр. 9390
فأجاب فضيلته بقوله: لا أرى هذا، لا أرى أن يصوروا أنفسهم للتذكار؛ لأن التذكار يعني اقتناء الصور، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة،
وليبلغوا الوالدة ويعتذروا منها ويقولوا: مضى ستة أشهر وباقي سنة فلتتحمل.
وأما الكتب التي فيها صور فلا بأس باقتنائها؛ لأن الإنسان لا يقتنيها لأجل الصورة إنما يقتنيها لأجل ما فيها من العلم، فلا بأس بها.
س ١٦٠٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الحج من مالٍ لم تخرج منه زكاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج من مال لم تخرج زكاته صحيح. ولكن عجباً لهذا الرجل كيف يدع الزكاة ويؤدي الحج مع أن الزكاة سابقة للحج بإجماع المسلمين ولهذا أوجبها الله تعالى كل
عام، ولم يوجب الحج إلا مرة واحدة في العمر، وأعجب من ذلك وأغرب رجل لا يصلى ثم يحج، وهذا الذي لا يصلي أقول: لا يحل له أن يدخل مكة، ولا يقبل منه حج، ولا صدقة، ولا جهاد، ولا أي عمل صالح؛ لأن ترك الصلاة كفر يخرج من الملة، والكافر المرتد الخارج عن ملة الإسلام لا يقبل الله منه أي عمل صالح. فأنا أعجب من بعض المسلمين الذين إن شئت قلت: إن إسلامهم عاطفياً أكثر
стр. 9391
من عقلياً واستسلاماً، نجدهم مثلاً يحرصون على الصوم وهم لا يصلون الصلاة في وقتها، يصوم ويتسحر في آخر الليل وينام ولا يصلي الفجر إلا مع الظهر، أو أنه لا يصلي أبداً. وفي الحج أيضاً
يحرص الإنسان غاية الحرص، حتى إنه يحرص على الحج مع عدم وجوب الحج عليه، وهو مضيع لكثير من الواجبات، والواجب أن يكون إسلام الإنسان استسلاماً لله وإسلاماً عقلياً يحكم فيه الإنسان العقل على العاطفة، وينظر ما قدمه الله تعالى ورسوله ﷺ ويقدمه، دون أن يقدم ما ترضاه نفسه ويدع ما لا ترضاه.
س ١٦٠٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على الشخص إذا أراد الحج أن يختار من يثق بعلمه ودينه، وهل عليه إثم إذا حج مع أناس يدخنون ويغتابون وغير ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أنه من الحكمة والعقل أن يختار الإنسان رفقة ذات علم ودين؛ لأن الرسول ﷺ قال: "مثل الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة" (١) ولا سيما في سفر الطاعة كسفر الحج، فإن الإنسان محتاج لأن يكون معه طالب علم يرجع إليه عند الإشكال، ويوجهه طالب العلم عند المشاعر، ولكن لا حرج أن يخرج مع أناس دون ذلك بشرط ألا يفعلوا محرماً في سفرهم، فإن
стр. 9392
فعلوا محرماً حرم السفر إلا لمن أراد أن يمنعهم من المحرم، فلو اصطحبت رفقة تفتح الأغاني المحرمة، أو يشربون الدخان فإن ذلك محرم عليك، إلا إذا كان يمكنك أن تمنعهم من هذا فلا بأس
لأنك تكسب منعهم من المحرم.
س ١٦٠٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل شرب الدخان حال الإحرام يكون من الفسوق الذي نهى الله عنه في قوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) .
فأجاب فضيلته بقوله: نعم شرب الدخان من الفسوق، فالإنسان المحرم إذا كان يشرب الدخان لم يمتثل حكم الله لأنه فسق في شربه للدخان، لأن الإصرار على شرب الدخان يجعل
شرب الدخان من الفسوق، وكذلك لو ابتلى الإنسان بقوم يغتابون الناس ويسخرون بهم فإنه لا يجوز أن يصحبهم إلا إذا كان كما قلت أولاً يمكنه أن يمنعهم من ذلك.
س ١٦٠٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج مع مخيم حكومي عن طريق قريب يعرفه دخل بواسطته إلى المخيم ومن ثم علم رئيس المخيم أنه غير مسجل في العمل فسكت عنه مقدراً للرجل الذي يعرفه فما حكم حجه ؟
стр. 9393
فأجاب فضيلته بقوله: حجه صحيح لكن لا يجوز للإنسان أن يُدخل على جماعة من ليس منهم إلا بإذن رئيسهم ولا يجوز لرئيسهم أن يأذن له إلا إذا علم رضى الجميع، مثال ذلك: جماعة
اشتركوا في حملة عددهم مئة فلا يجوز لواحد منهم أن يدخل واحداً إلا بإذن رئيس الحملة، ولا يجوز لرئيس الحملة إذا استئذن في إدخال هذا الرجل أن يأذن إلا بإذن الجميع.
س ١٦٠٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هناك مخيمات خاصة بالحج في بعض الجهات وفيها جميع الخدمات حتى الأكل والشرب، بدون مقابل، وقد يحدث أن يأتي حاج يعرف شخصاً من
منسوبي هذه الجهات، فيستطيع أن يدخله ضمن مخيمات الحج، فهل يحق له هذا، ويجوز فعله، وهل حجي صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، الخيام التي تحجز ويتحجرها أصحابها في منى، لا حرج على الإنسان أن يطلب خيمة منها، لأن له الحق في أن ينزل في منى، وأما الأكل والشرب
والكهرباء وما أشبهها فإن أذن المسئول عن هذه المخيمات، فلا بأس بذلك، وإن لم يأذن، فإنه لا يجوز أن يأكل أو أن ينتفع بالكهرباء والمكيفات التي جعلت في هذه الأماكن. والغالب أن
المسئول عن هذه الخيام الغالب أنه يسمح للإنسان أن ينتفع ويأكل ويشرب ضمن الناس وتكون هذه بمنزلة الضيافة، وحينئذ يكون
стр. 9394
الأكل والشرب والانتفاع بالكهرباء وكذلك بالنزول في الخيمة يكون أمراً جائزاً ما دام صدر الإذن به من المسئول عنها.
س ١٦١٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول أتيت إلى مكة لأداء العمرة لنفسي وبعد الانتهاء من العمرة أردت أن أسافر إلى المدينة ووالدتي لم تعتمر قط، مع العلم بأنها موجودة على قيد الحياة ولكن لا تستطيع الأداء فهل لي أن أعتمر لها إذا رجعت من المدينة إلى مكة، وهل هذا من التكرار الذي ذكرتموه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرجو أن لا يكون هذا من التكرار الذي ذكرنا أنه ليس على عهد السلف، فإن هذا الرجل حينما أدى العمرة عن نفسه في مكة، وذهب إلى المدينة إنما ذهب لغرض من
الإغراض فلا حرج أن يرجع من المدينة بعمرة ينويها لأمه أو لأبيه أو لمن شاء من المسلمين، ولكن أقول وأكرر مرة بعد أخرى أن الدعاء للوالدين أفضل من أن تهدى إليهما ثواب العمرة، أو ثواب
الطواف، أو ثواب القراءة، أو ثواب الصوم، أو ثواب الصدقة، أو قل ذلك استناداً إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) فالرسول ﵊ يتحدث عن العمل ومع ذلك لم يقل: (أو ولد صالح يعمل له صلاة،
стр. 9395
أو صيام، أو صدقة) بل قال: (أو ولد صالح يدعو له) فالدعاء للوالدين أفضل من إهداء الصلاة، أو الصدقة، أو الصوم إلا ما كان واجباً كما لو مات الأب ولم يؤد الحج، أو الأم لم تؤد الحج، أو
يؤدي العمرة فهنا نقول إن أداء الواجب أفضل من الدعاء على أن في النفس من ذلك شيئاً.
س ١٦١١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا قلنا إن الرجل الذي لا يصلي لا يجوز له أن يدخل مكة واستدللنا بالآية التي تدل على تحريم دخول المشركين. فهل تارك الصلاة يعتبر مشرك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: تارك الصلاة يعتبر مشركاً لقول النبي ﷺ : "بين الرجل وبين الكفر والشرك: ترك الصلاة" (١) ثم إن المشرك إنما منع لفساد عقيدته، والكافر: فإن العقيدة وفاسد العلم، ولا فرق بين المشرك والمرتد، بل إن المرتد أسوأ حالاً من المشرك، لأن المرتد لا يقرّ على عقيدته، ربما يكون بينه وبين المسلمين عهد لا يعتدون عليه، لكن المرتد ليس له عهد، بل يجبر على الرجوع إلى الإسلام، فإن لم يفعل قتل.
س ١٦١٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كثر في الآونة الأخيرة استخدام جهاز النداء الآلي والجوال ما يزعج المصلين في
стр. 9396
صلاتهم أو أثناء الخطبة بأجراسها فهلا نبهتهم على ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: أنا أنبه على هذا بأن كل شيء يؤذي المؤمنين فإنه ممنوع لأن النبي ﷺ خرج على أصحابه ذات يوم وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال: "لا يؤذين بعضكم بعضاً في القراءة" (١) هذه وهي قراءة القرآن فكيف بهذا الجرس؟ فإذا حضرت الصلاة فأغلقها.
س ١٦١٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال الجوال أو الهاتف في المسجد للمعتكف وما ضوابط ذلك إذا كان جائزاً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس باستعمال الجوال والهاتف للمعتكف في المسجد إذا لم يشوش على الناس، فإن شوش على الناس فإنه لا يستعمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج على أصحابه ذات ليلة وهم يصلون في المسجد أوزاعاً ويجهرون في القراءة فقال: "لا يؤذين بعضكم بعضاً في القراءة، وكلكم يناجى ربه " وأمرهم ألا يجهروا لئلا يؤذي بعضهم بعضاً، فإذا كانت هذه الجوالات أو البياجر تشوش على المصلين فإن الواجب أن يغلقها الإنسان حتى لا يشوش على إخوانه.
وبهذه المناسبة أود أن أذكر إخواني الأئمة الذين يصلون
стр. 9397
بالميكرفون ويفتحونه على حافات المسجد أو في المنارة فإن ذلك يشوش على من بقربهم من المساجد ويشوش على أهل البيوت الذين يصلون وحدهم وربما يؤدي إلى الإضرار بأهل البيوت، قد يكون المريض متشوفاً للنوم فيذهب عنه النوم ويتأذى بهذا، فأدعوا أخواني الأئمة إلى إقفال الميكرفونات عن المنابر وقت الصلاة لأنها أذية لا شك فيها، وليس فيها فائدة للمصلين، لأن المصلين قد يستغنوا بالمكبرات الداخلية، لأن الذين خارج المسجد إذا سمعوا القراءة وظنوا أن الإمام قريباً يركع أسرعوا وركضوا لإدراك الركوع فخالفوا بذلك السنة ولأن بعض الناس- قد شكي إلينا هذا- يبقى
في بيته ويقول توه في الركعة الأولى والإنسان إذا أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ثم يبقى إلى أن يبقى ركعة فيخرج ثم قد يدرك ركعة وقد لا يدركها.
س ١٦١٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقول بعض الناس (هل حجي مقبول) ، هل صلاتي مقبولة، هل صيامي مقبول ما رأيكم في كلمة مقبول مع أن القبول علمه عند الله ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس في هذا شيء؛ لأن المراد بمقبول أنه جار على المناهج الشرعية، وأما قبول العمل ذاته من هذا الشخص المعين فهو عند الله، لكن كلامه على أنه مقبول بحسب الظاهر على ما تقتضيه قواعد الشريعة هذا المراد بالمقبول.
стр. 9398
س ١٦١٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: السائلة تقول: حججت في العام الماضي أنا وزوجي وفي يوم عرفة ضاع زوجي ولم أره إلا بعد أن انتهى الحج في بلدي فهل حجي صحيح أم ناقص ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج صحيح وليس به نقص لقول الله ﵎: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١) وقول الله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (٢) وماذا تصنع إذا فقدت زوجها؟ تستمر في حجها وترجع مع رفقتها.
س ١٦١٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو المرجع المناسب لمعرفة صفة الحج والعمرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله الآن المناسك كثيرة لعلماء موثوقين والحمد لله، وأجمع حديث في صفة الحج حديث جابر بن عبد الله- ﵁ فإنه ذكر حج النبي ﷺ من خرج من المدينة إلى أن عاد مفصلاً فهو أجمع حديث وأشمل حديث.
س ١٦١٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما تعليق فضيلتكم على عدم الاستفادة من أيام الحج الفاضلة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا صحيح كثير من الناس يجعل الحج كأنه نزهة ومزاح ولغو، ولا يستغل هذه الأيام الفاضلة،
стр. 9399
ورسول الله ﷺ يقول: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشرة" وعلى رأسها يوم عرفة ويوم النحر. قالوا: "ولا الجهاد في سبيل الله " قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء" (١) فاستغل هذه الأيام
لأنك لا تدري أتدركها بعد هذا العام أو لا؟ ولا تدري أيحصل لك المجيء إلى مكة بعد هذا العام أولا؟
س ١٦١٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في الحملات يكثر الرجال والنساء فهل تصلي النساء مع الرجال في مكان منفصل في منى حال ما يكونون في المخيم سواء كانوا خلفهم أو بجوارهم أم يفرق بين من كانت على جانب ومن كانت خلف وإذا كان غير مشروع فهل من المشروع أن تصلي امرأة بتلك النساء أم ماذا يصنعن، هل يصلين فرادى ويتفرقن وقد يشوش الرجال على النساء حال الصلاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للنساء أن يصلين تبع الرجال، كما يجوز لهن أن يصلين في مساجد البلد، وإذا لم يصلين مع إمام الرجال فلهن أن يصلين جماعة، ولهن أن يصلين فرادى، وذلك لأن
المرأة ليست من أهل الجماعة حتى يقال إننا نلزمها بأن تصلي مع جماعة الرجال، أو أن تقيم النساء جماعة لهن، ولهذا اختلف
стр. 9400
العلماء هل يسن للنساء أن يصلين جماعة سواء في السفر أو الحضر أو لا يسن؟.
فمنهم من قال: يسن لهن أن يقمن صلاة الجماعة إذا كن منفردات عن الرجال.
ومنهم قال: إنه لا يسن ذلك، والمخاطب بالجماعة هم الرجال فقط، لكن لو فعلن وأقمن الصلاة جماعة فلا حرج عليهن.
وخلاصة الجواب: أن نقول الحملات التي معها نساء يجوز للنساء أن يصلين مع الرجال جماعة، لكن بدون اختلاط، والأفضل أن يكون النساء خلف الرجال، ويجوز أن يكون النساء في خيمة محاذية لخيمة الرجال، إما يميناً وإما شمالاً لكن الإمام لابد أن يكون متقدماً في مكانه.
س ١٦١٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم يجوز أن تصلي النساء مع الجماعة فهل وجود ممر بين مخيم الرجال والنساء يؤثر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يؤثر وجود الممر؛ لأن المخيم واحد، ولكن كما قلت إن صلاة النساء وحدهن أولى من صلاتهن مع الرجال فيما إذا خشي من الاختلاط.
стр. 9401
س ١٦٢٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نطلب من فضيلتكم كلمة لأصحاب الحملات ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الكلمة التي أوجهها لإخواني أصحاب الحملات أن يتقوا الله فيمن كان معهم من الحجاج، وأن يحرصوا غاية الحرص على أن يؤدوا المناسك على الوجه المطلوب
الثابت عن النبي ﷺ ويحسن أن يكون لهم تنظيم في رحلتهم، ماذا يقرؤون؟ ماذا يقولون حتى ينتفع الجميع.
س ١٦٢١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما توجيهكم لأصحاب حملات الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: صاحب الحملة أمين وموجه للحجاج الذين معه، فالواجب عليه أن يتقي الله في هؤلاء الحجاج لأن الله قد استرعاه عليهم، فيجب أن يتقي الله فيهم في أداء مناسك الحج
والعمرة، بحيث يؤدونها على الوجه المشروع الذي جاء في سنة رسول الله ﷺ بقدر المستطاع، وأن يفي لهم بما التزم به، وإننا لنرى من بعض هؤلاء الذين يحجون بالحجاج تفريطاً يخل بحج هؤلاء القوم، وهذا ظلم وخطأ عظيم، وهو مسئول عن ذلك أمام الله ، فليتق الله فيمن ولاه عليهم، وليحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب على ذلك في الآخرة.
стр. 9402
س ١٦٢٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يدفع مائة ريال لبعض الناس الذين لهم علاقة بإخراج الجوازات لكي يختم له الإقامة له بالحج فما حكم حجه هذا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجه صحيح إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، ولكن يبقى النظر هل يجوز للإنسان أن يرشي المسئول من أجل أن يخالف النظام من أجل هذه الرشوة.
س ١٦٢٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أسألك يا فضيلة (١) الشيخ وأنا الآن في منى، كنت قبل خمس سنوات ممن يسب الصحابة ﵃ فرأيت في المنام الشيخ محمد بن صالح
العثيمين هذا الذي أمامي مع الرسول صلى الله عليه واَله وسلم فكان الرسول يعطيه حصيات في يده ويقول لك: سلمها للولد هذا ويقسمها على أصحابه تنفعهم، وبعد عدة أيام أتاني أناس فأخذوني معاهم حمداً لله قضيت معهم فترة أربعين يوماً فتبصرت الحمد لله ولكن يا شيخ الآن فيه ناس كلما سألتهم عن شيء قالوا هؤلاء أصحاب بدع فأنا أحبهم حباً شديداً ولا أريد أن أخرج عنهم فماذا رأيت يا شيخ أبقى معهم؟ وما تأويل هذه الرؤيا؟ وهل حجي صحيح؟ حيث حججت ثلاث مرات وأنا أعتقد أن سب الصحابة ﵃ طاعة ؟
стр. 9403
فأجاب فضيلته بقوله: على كل حال أنا أشكرك على هذا السؤال لأنه صريح، وسأجيب بإذن الله ، اعلموا أن سب الصحابة ﵃ منكر عظيم وإذا سبهم على سبيل العموم
كان كافراً بالله ، كيف يرضى الإنسان أن يسب أصحاب محمد ﷺ ، وسب الصحابة سب للرسول ﵊، وجه ذلك أنه إذا كان أصحاب هذا النبي الكريم موضع قدح وذم فإن الخليل للمرء يكون على دين المرء، قال النبي ﷺ : "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخال " (١) ، فإن الإنسان عندما يرى شخصاً يصاحب قرناء سوء فإنه يتهمه بالسوء أليس كذلك؟ فإذا كان هؤلاء الصحابة الكرام محل قدح وذم، فإن هذا يعني أن ذلك قدح في رسول الله ﵊، ولا يخفى ما في قدح النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثالثاً: هو قدح في حكمة الله ، كيف يختار الله لأفضل البشر عنده أصحاب سوء وقرناء فتنة، لا يمكن، لكن الذي يدعيه قادح بحكمة الله .
رابعاً: القدح في الصحابة قدح في الشريعة الإسلامية كلها، لأن الذي نقل الشريعة هم الصحابة، فإذا كان ناقل الشيء محل قدح وذم فإنه لا يقبل ما روى، ولا يكون شريعة، فتبين الآن أن قدح
стр. 9404
الصحابة يستلزم أربع مفاسد:
الأول: أنه قدح في أصحاب النبي ﷺ .
الثاني: بأنه قدح برسول الله.
الثالث: أنه طعن في حكمة الله .
الرابع: أنه قدح في الشريعة الإسلامية لأنهم الذين نقلوها.
وأما ما جرى بينهم من الفتن فهذا عن اجتهاد، المصيب منهم له أجران، والمخطىء له أجر واحد، ولا يمكن أبدأ أن يكون ذلك قدح فيه، فعلي ﵁ أقرب بلا شك إلى الصواب من
معاوية، ولكننا لا نقدح بمعاوية لأنه مجتهد، ثم إن ما جرى بين الصحابة فالواجب الكف عنه، وألا يتحدث به ولا يسمع إلى أشرطة تنقل هذا الشيء، لأنكم تعلمون أن التاريخ كثير منه مبني على
السياسة، فإذا كان الخليفة وجدت المدح والثناء حتى جعلوه فوق الثريا، وإذا سقط حطوا من قدره، فالتاريخ خاضع للسياسة تماماً فلا يجوز أن نخوض فيما جرى بين الصحابة ﵃، تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، وأمر من الله ولهذا قال الناظم:
ونسكت عن حرب الصحابة فالذي جرى بينهم كان اجتهاداً مجردا فعلينا أن نحب الصحابة ﵃ ونثني عليهم ونترضَّى عنهم، ولا يجوز أن نخوض فيما جرى بينهم من هذه الأمور.
стр. 9405
أما بالنسبة لجماعة التبليغ، فجماعة التبليغ لا شك أنهم لهم تأثيراً كبيراً، فكم من إنسان هداه الله على أيديهم، وكم من كافر أسلم، فهذا شيء مشاهد ولهم تأثير بالغ لكنهم يشوب دعوتهم
شيئان:
الشيء الأول: الجهل، فكثير منهم على جهل ليس عندهم علم، وهذا يمكن دواؤه بأن يحرصوا على التعلم.
الشيء الثاني: أن عندهم بعض البدع وهذا دواؤه أن يعالجوا في تركه، أما تأثيرهم فتأثير بالغ فنسمع قصصاً عظيمة في أناس هداهم الله وهم من أفسق الناس وأفجر الناس على أيدي هؤلاء، فأنت إن خرجت معهم لتصحح الخطأ في أوضاعهم فجزاك الله خيراً.
وأما الرؤيا لا أؤولها ولا أدري ما هي، الله أعلم.
أما صحة الحج فإننا نسأل هذا الرجل الذي أمامنا ونقول له: هذا الاعتقاد الذي اعتقدته هل كنت تظن أن هذا هو الحق؟
السائل: كنت أظن أن هذا هو الحق حسب ما تعلمت من المشايخ، وكذلك يا شيخ أنا أحبك في الله، وأول ما بدأت أحبك في الله من كنت أسب الصحابة لأني كنت أسمعك في الراديو تقول: (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) كنت أعتقد أن من قال ﷺ أنه لا يحب أهل البيت فحبيتك حب لله عندما كنت أسمعك تقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولهذا رأيتك مع رسول الله ﷺ -
стр. 9406
وأعطيتني الحجرات.
الشيخ: على كل حال الحج مقبول مادمت ترى أنك على حق وجاهل بالأمر ثم لما تبين لك الحق تركت الباطل وأخذت بالحق، أسأل الله أن يثبتك على الحق، وأن يعيذنا وإياكم من الشيطان
الرجيم.
س ١٦٢٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص مات وهو محرم ولم يعرف به إلا متأخراً فهل يكفن أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كان إحرامه باقياً كفن في إحرامه، وإن كان تالفاً ففي أي ثوب آخر؟ لأن النبي ﷺ قال في المحرم الذي وقصته ناقته: "كفنوه في ثوبيه " (١) فدل هذا على أن الأفضل فيمن مات محرماً أن لا يؤتى له بكفن جديد، بل يكفن في إزاره وردائه.
س ١٦٢٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل صحيح أن البيت المعمور يقع فوق الكعبة في السماء السابعة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم البيت المعمور في السماء السابعة، وهو كما جاء في الحديث بحيال الكعبة (٢) ، وحيال الكعبة
стр. 9407
هل معناه أنه فوقها، وهذا ليس بغريب والله على كل شيء قدير، أو المعنى بحيال الكعبة أنه كما تعمر الكعبة من أهل الأرض يعمر البيت المعمور من أهل السماء، الذي يهمنا أن البيت المعمور في
السماء السابعة وأنه يدخله في اليوم سبعون ألف ملك.
س ١٦٢٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يصح حديث أبي داود وسعيد بن منصور أن النبي ﷺ قال لأزواجه في حجة الوداع: "إنما هي هذه ثم ظهور الحصر " (١) ؟
فأجاب فضيلته بقوله: معنى (ثم ظهور الحصر) : أي ثم الزمن ظهور الحصر، والمعنى: هذه ثم الزمن بعد ذلك البيوت:
وهذا إشارة من النبي ﷺ إلى أن أزواجه ينبغي ألا يحججن لمكة وفي آخر خلافة عمر بن الخطاب- ﵁ خاف من التبعة فأذن لهن أن يحججن، فحج من أراد منهن الحج في آخر خلافة عمر ابن الخطاب لأنه خاف من منعهن، ومن ثم نقول: في هذا الزمان
الذي فيه الحجاج كثيراً جداً، ويحصل بالحج من المشقة والتعب والإختلاط بالرجال ومزاحمة الرجال ما يحصل، نقول: لو أن المرأة اكتفت بفرضها، وإذا كان عندها فضل مال تعين من أراد أن يحج فرضاً، فإنها إذا أعانت من يريد أن يحج فرضاً صار لها مثل أجره، خير من كونها تذهب وتزاحم وتتعب، وربما تهلك،
стр. 9408
وكذلك أيضاً لو جاءنا رجل يقول: أنا أريد أن أحج تطوعاً أو أبذل ما أحج به في مساعدة إخواننا المحتاجين في البوسنة والهرسك فنقول له: ساعد هؤلاء المجاهدين في سبيل الله الذين يدافعون عن
أوطانهم، ويدافعون عن دينهم، وعن أعراضهم، وعن صبيانهم، فهو أفضل من أن تجعل هذا في الحج والعمرة تطوعاً.
س ١٦٢٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تعليق بعض الإعلانات للحج والعمرة داخل المساجد ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تعلق الإعلانات للحج والعمرة داخل المساجد؛ لأن غالب الذين يأخذون هذه الرحلات يقصدون الكسب المالي، فيكون هذا نوع من التجارة ولكن بدلاً من
أن تكون بالمسجد تكون عند باب المسجد من الخارج.
س ١٦٢٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يحج بمال حرام هل حجه مقبول ؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح أن حجه صحيح؛ لأنه ليس من شرط الحج المال، فيستطيع الإنسان أن يحج ببدنه، بخلاف الصدقة، إذا تصدق بمال حرام فلا تقبل منه؛ لأن الحرام وقع في عين العبادة، أما الحج فأعمال الإنسان حركته وطوافه وسعيه ورميه، فهي أفعال وليس دراهم ولا نفقة، فالصحيح أن
стр. 9409
حجه صحيح، ولكن لا يحل له أن يستهلك الأموال المحرمة في عبادة ولا غيرها ويجب عليه أن يتخلص منها.
س ١٦٢٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هناك مدرس يشرح للطلاب صفة الحج والعمرة ولكن يقول: لا يستوعب الطلاب استيعاباً جيداً فهل يجوز أن أجعل في المدرسة مجسماً للكعبة والمشاعر حتى يطبقونها تطبيقاً عملياً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا يجوز، ولا ينبغي إطلاقاً ويستطيع أنه يرسم في السبورة صورة كعبة، ويقول: تطوف عليها هكذا، أما أن يجعل مجسماً، فهذا في ظني أنه يجعل العبادات مجرد طقوس وحركات فقط، ليس لها تأثير في القلب.
س ١٦٣٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل صلاة الجنازة في الحرم المكي تضاعف بقية الصلوات في أجر القيراط ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا محل خلاف بين العلماء فبعض العلماء يقول: الذي يضاعف في المسجد الحرام هو الصلوات الخمس فقط وغيرها لا يضاعف.
والذي يظهر من الحديث العموم، وتكون الصلاة على الجنازة داخلة في العموم تضاعف في المسجد الحرام، والله أعلم.
стр. 9410
س ١٦٣١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الجدال في الحج؟ حيث يقع بين الرفقة في الحج خلاف حول بعض الأمور ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول الله في الحج: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) والجدال أنواع:
الأول: جدال يراد به إثبات الحق، فهذا واجب حتى وإن كان الإنسان في الحج، ما دام يريد إثبات الحق ولكن بالتي هي أحسن؛ لقول الله ﵎: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (٢) ولا يقول إن هذا جدال والله يقول: (وَلَا جِدَالَ في اَلحَجِّ) بل نقول: هذا جدال لابد منه، واجب، وهو دفاع في الواقع عن الحق أو إثبات له.
الثاني: جدال في أمور ليست حقاً ولا باطلاً، مثل أن يقول: الشيء الفلاني الذي في الجبل إنسان، وهذا يقول: شجرة، وهذا يقول: حجر وما أشبه ذلك، ويتجادلون هذا منهي عنه لما فيه من
تحريك النفس وصدها عما هي بصدده من الإقبال على النسك.
الثالث: أن يكون جدال بالباطل بمعنى إنه يجادل وهو يعلم أن الحق بخلاف ما يقول، لكن يريد أن ينتصر لنفسه، وأن تكون كلمته هي العليا، فهذا آثم من جهة إنه جادل وهو محرم بالحج، ومن جهة إنه أراد أن يحق الباطل ويبطل الحق.
стр. 9411
وفي هذه الحالة لو أن القافلة جعلت لها أمير يحدد لها المصالح، حتى لا يحصل نزاع؛ لأنه أحياناً يكون جدال فإذا كان هناك أمير فصل، وقد أمر النبي ﷺ المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يأمروا أحدهم (١) ، وتأمير هذا الواحد ليس معناه أنه أمير بلا أمارة، بل هو أمير له أمارة، وله كلمة يجب قبولها، لأنه لم كان أميراً صار من أولياء الأمور، وقد أمر الله بطاعة ولي الأمر إذا لم يأمر بمعصية.
س ١٦٣٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة بعد رمي جمرة العقبة لم يؤدوا جميع الصلوات حتى قدموا إلى أهلهم، فعند قدومهم جمعوا الصلوات كلها يعني الأربعة أيام جمعوها مرة
واحدة، فما حكم عملهم هذا وعذرهم التعب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هؤلاء الذين ذكرت أنهم لما رموا جمرة العقبة تركوا الصلاة حتى رجعوا إلى أهلهم، وعذرهم في ذلك أنهم متعبون، نقول: إن هؤلاء أثموا لأنهم أخروا الصلاة بلا عذر شرعي، ولا ينفعهم قضاؤهم، فلو قضوها ألف مرة فإنها لا تقبل منهم، لأنهم أخرجوها عن الوقت الذي حدده الله بلا عذر وقد قال النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) أي مردود عليه، فعليهم أن يتوبوا إلى الله ، وأن
стр. 9412
يرجعوا إليه مما صنعوا وأن لا يقدموا على شيء في العبادات إلا بعد أن يسألوا أهل العلم.
س ١٦٣٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لا يخفى على فضيلتكم ما يقوم به الكشافة في الحج من أعمال وخدمات نرجو منكم إبداء رأيكم حول هذا الموضوع من خلال ما شاهدتموه وما
تتمنوا أن تكون عليه برامجهم مستقبلاً جزاكم الله خيراً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الكشافة في الواقع لهم سعي مشكور في أيام الحج؛ لأنهم يقومون بتنظيم المرور من جهة، وبإرشاد الضائع من جهة أخرى، وبمساعدة من يحتاج إلى مساعدة، وهم بأنفسهم أيضاً حسب ما بلغنا مستقيمون يقومون بالنوافل التي يستطيعونها، وبالعبادات التي يستطيعونها، وفيه أيضاً من التألف والتعارف بين أفراد الأمة الذين أتوا من أنحاء شتى ما يحصل به الخير الكثير فنصيحتي لهم:
أولاً: أن يخلصوا عملهم لله ، بحيث يريدون بذلك التقرب إلى الله .
ثانيا: أن ينووا بهذا الإحسان على الله ؛ لأن الله تعالى يجزي المحسنين، ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون
стр. 9413
أخيه " (١) وقال: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته " (٢) .
ثالثاً: أوصيهم كذلك بغض البصر عن إطلاقه في مشاهدة النساء المتبرجات، فإنه كما تعلمون في موسم الحج يكون فيه نساء متبرجات بناء على عادتهن فيغضون البصر.
رابعاً: إذا شاهدوا هؤلاء النساء فينصحون أولياءهن إذا كانوا معهن بأن يلزموا نساءهم بالحجاب الشرعي، أهمه تغطية الوجه، وليس الحجاب الشرعي كما يفعله بعض الناس تغطي المرأة كل شيء منها إلا وجهها، لأن هذا ناقص، فإن الأدلة تدل على وجوب ستر الوجه إلا من المحارم والزوج.
ولا شك أن الإنسان إذا رأى أعمال هؤلاء الكشافة فإنه يسر بذلك، فنوصيهم بأن لا يتأخروا إذا طلب منهم المشاركة في ذلك وأن يلاحظوا الإخلاص لله تعالى، والرفق بعباد الله، والإحسان
إليهم.
س ١٦٣٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أناب آخر في الحج ثم هرب بالمال قبل أن يؤدي الحج ؟
стр. 9414
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان حجه واجباً ينيب غيره ويسعى في طلب هذا الهارب.
س ١٦٣٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا قلنا إن المقصود من إشعار البدن وتقليدها تعظيم شعائر الله ، وبيان ما يختص به الفقراء هل يمكن أن يقوم مقام ذلك الأصباغ الموجودة بأن يكتب عليها هذه هدي أو ما أشبه ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أولى أن تتبع.
س ١٦٣٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في النيابة في الحج يدفع بعض الناس للنائب أكثر من تكلفه الحج ويقول: هذا المال كله لك فما حكم هذا المبلغ الزائد ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذين يدفعون أكثر من التكلفة إما أنهم يريدون الإحسان إلى هذا المستنيب الذي استناب عن غيره، وإما أنهم يقولون: نحن لا نقدر مجرد النفقة: بل نقدر النفقة وتعب الرجل ومخاطرته.
س ١٦٣٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للإنسان أن يبحث عن النيابة في الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن علم هذا الشخص أن معينًا يبحث
стр. 9415
عن أحد، فلا بأس أن يذهب بقصد الإحسان إليه، أما أن يذهب إلى الناس ويحرج على نفسه فلا أرى هذا.
س ١٦٣٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم فيمن يمشون بأحذيتهم على أرض المسجد الحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشي على أرض المسجد الحرام بالحذاء لا ينبغي، وذلك لأنه يفتح باباً للعامة الذين لا يقدرون المسجد، فيأتون بأحذية وهي ملوثة بالمياه، وربما تكون ملوثة بالأقذار يدخلون بها المسجد الحرام فيلوثونه بها، والشيء المطلوب شرعاً إذا خيف أن يترتب عليه مفسدة فإنه يجب مراعاة هذه المفسدة وأن يترك، والقاعدة المقررة عند أهل العلم أنه إذا تعارضت المصالح والمفاسد مع التساوي، أو مع ترجح المفاسد، فإن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، وهذا النبي ﷺ أراد أن يهدم الكعبة، وأن يجدد بناءها على قواعد إبراهيم ﵊ ولكن لما كان الناس حديثى عهد بكفر، ترك هذه الأمر المطلوب، خوفاً من المفسدة، فقال لعائشة- ﵂: "لولا أن قومك حديثو عهد بكفر، لهدمت الكعبة، وبنيتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين، باباً يدخل منه الناس، وباباً يخرجون منه " (١) ولكن الرسول ﷺ توفي وبقيت الكعبة على ما هي
стр. 9416
عليه لم تؤسس على القواعد التي أرادها الرسول ﷺ ، ولما تولى عبد الله بن الزبير- ﵁ الخلافة في الحجاز بناها على قواعد إبراهيم وجعل له بابين، ثم لما عادت ولاية الحجاز إلى بني أمية أعادوها على ما توفي عليه رسول الله ﷺ وجعلوها على هذا الوجه الموجود الآن، بناية مستقلة لها باب وحِجْر من جانبها له بابان، وانظر إلى الحكمة الألهية حيث تحقق ما أراده النبي ﷺ من أن يكون للكعبة بابان، باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه فالحجر من الكعبة- ستة أذرع ونصف كله من الكعبة- فيه باب
يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه، مع الفضاء وعدم التسقيف، فما ظنك لو كانت الكعبة بناية واحدة، ولها بابان، ما ظنك أفلا تكون سبباً لموت كثير من الناس؟! بلى تكون سبباً في موت الكثير
من الناس عند ازدحامهم فيها وعند دخولها، والله أعلم.
س ١٦٣٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سائلة تقول: حججت قبل خمس سنوات ثم قلت إن يسر الله لي حجة أخرى فسأجعل تلك الحجة السابقة سنة، وأجعل هذه فريضة لأني في تلك الحجة في أيام جهل وعدم إدراك، فهل يجوز لها هذا العمل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول فريضتها هي الحجة الأولى، والحجة الثانية هي التطوع.
стр. 9417
واعلم أخي المسلم أن جميع النوافل تكمل بها الفرائض، فالصلاة لها رواتب فإن كان في الفريضة خلل فهذه الراتبة تجبر الخلل والحمد لله، كذلك هذه المرأة نقول: إذا كان في حجها الأول خلل فحجها الثاني يرقع ذلك الخلل، فإن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة إذا كان في الفرائض نقص، والسائلة لم تبين ما وقع منها في حجها السابق حتى يحكم عليه بما تقتضيها الأدلة الشرعية، والله الموفق.
س ١٦٤٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نذرت أن أحج للفريضة إذا توظفت في نفس العام فتوظفت والحمد لله وأنا الآن أحج حجة الفريضة فهل علي شيء في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شيء عليك، مادمت وفيت بالنذر لا شيء عليك، ولكني أنصحكم عن النذر، لا تنذروا مهما كانت الظروف، لأن النبي نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير وإنما
يستخرج به من البخيل ". وفي رواية أخرى: "إنه لا يرد قضاء" (١) ، وبعض الناس إذا أيس من الشيء، قال: إن حصل فللَّه علي كذا وكذا. نقول: لا تفعل. إن كان الله قد قضاه لك حصل بدون النذر، وإن لم يكن فإنه لا يحصل حتى لو نذرت، فاترك النذر، إن كثيراً من الذين ينذرون تجدهم يندمون على هذا ويطلبون أن يفتيهم الناس
стр. 9418
من كل باب لعلهم يسلمون من النذر، وبعضهم- والعياذ بالله- يترك النذر ولا يبالي، وكأنهم لم يقرأوا قول الله : (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)) (١) لا صاروا صالحين ولا منفقين، قال الله : (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) نعوذ بالله، أعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه يعني إلى الموت بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ايكذبون.
س ١٦٤١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ذهب إلى المسعى وسعى وهو يظن أنه مكان الطواف فلما وصل إلى العلم الأخضر عرف أنه في المسعى فنوى السعي فما حكم ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب عليه أن يعود من الأول فإن لم يكن فعل ذلك فليعد السعي الآن، لأن السعي الأول لم يصح، حيث إنه لم ينوه من أوله، نواه من أثناءه فعليه الآن أن يعيد السعي.
س ١٦٤٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم طواف الإنسان محمولاً؟ والسعي بعربية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: طواف الإنسان محمولاً أو الطواف بالعربية وكذلك السعي بالعربية ففيه خلاف بين العلماء منهم من
стр. 9419
يقول: لا يجزي إلا لعذر. ومنهم من يقول يجوز للحاجة كتعليم الناس. والذي يظهر لي أنه لا يجوز إلا لعذر كالمريض، أو رجل تعبان أيضاً ورجل يعلم الناس يطاف به محمولاً يعلم الناس كيفية
الطواف كما فعل النبي ﷺ حين طاف على بعيره ليراه الناس ليتأسوا به، وأما بدون عذر فلا يجوز.
س ١٦٤٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا من أهل مكة هل أصلي الجمعة أم أصلي في منى الظهر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: صل مع الناس هنا في منى لأن بقاء الحاج في منى أفضل من نزوله إلى مكة، فهذا مكان في وقته أفضل من مكة؛ لأن بقاءك في هذا المكان عبادة مطلوبة منك لكن في مكة
تجدها في أي وقت.
س ١٦٤٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه طاف ببرد أخضر؟ وهل يستحب ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أدري عن الجملة الأولى هل طاف ببرد أخضر، وأما الثانية فالأفضل البياض، والجديد أفضل، ثم الغسيل ثم المستعمل.
стр. 9420
س ١٦٤٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: القاعدة تقول إن الحكم يدور مع علته فكيف بقيت سنة الاضطباع والرمل في الأشواط الثلاثة من الطواف الأول وقد انتهتا العلة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: بقيت لأن السنة دلت على هذا والسنة مقدمة على التعليل؛ لأن التعليل دليل عقلي قياسي والسنة خبر أثري. إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حج حجة الوداع
وليس هناك مشركون يريد أن يغيظهم ومع ذلك اضطبع في الطواف كله ورمل في الأشواط الثلاثة ولهذا لما أورد عمر بن الخطاب ﵁ هذا على نفسه وقال فيما الرمل الآن؟ قال: لا أدع سنة سنها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقال في الجواب: إن هذه القاعدة على صواب لكن لما دلت السنة على أن الرمل مشروع حتى في غير إغاظة الكفار قلنا ببقاء الرمل حتى في غير إغاظة الكفار، وفائدته أن يتذكر الإنسان ما جرى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه من مغايظة الكفار.
س ١٦٤٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يفلسفون قضية الاختلاط ويستدلون على أنه جائز ومباح بالاختلاط الموجود في الطواف في المسجد الحرام وكذلك ما جاء وورد عن بعض مجالس النبي ﵌ أنها يفهم منها أنها