الشيخ: نعم حجتها جائزة.
س ١٨٥٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يلزم حلق الشعر بالنسبة للرجل أم يجوز التقصير ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يوم العيد الأفضل الحلق، ويجوز التقصير، وأما العمرة للمتمتع فالأفضل فيها التقصير، وأما الحلق ففي الحج.
س ١٨٥٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججنا العام الماضي ولم نصل إلى مزدلفة إلا في الساعة العاشرة من النهار، ولم نبت فيها بسبب السير هل علينا فدية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن فديتم فهو أحسن، وإذا لم تفدوا فأنا أتوقف في هذا ما أدري والله أعلم، لكن الفدية أحسن.
س ١٨٥٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أخي حج العام الماضي مفرداً ولم يهد إلا أنه أدى كل المناسك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المفرد ليس عليه هدي.
س ١٨٥٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إنسان مسلم يرغب في الحج وعليه خمسة أيام من رمضان لم يستطع قضاءها فهل يجوز أن يحج ؟
стр. 9522
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يتم حجه وإن كان عليه أيام من رمضان، لأن أيام رمضان له أن يؤخرها إلى شعبان القادم.
وهذه فائدة ثانية: بعض الناس يقولون: إذا ما تمم له ما يحج وهذا أيضاً غير صحيح يحج الواحد لو ما تمم له.
س ١٨٦٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت ووالدي في العام الماضي ومعنا زوجاتنا وحججنا عن طريق مؤسسة تجمع في الخيمة ثمانية أنفار وطلبنا أن يكون معنا في الخيمة التي نسكنها نساء كي لا يخرج أمام نساءنا فأضافوا إلى خيمتنا أربع خادمات أندونيسيات فسكنا في الخيمة معاً فهل في ذلك شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا جائز لكن ينبغي أن تضعوا فاصلاً بينكم، اجعلوا حاجزاً بينكم في الخيمة ولابد.
السائل: ما جعلنا حاجز ولم نسأل في ذلك فهل حجنا صحيح؟
الشيخ: في المستقبل لازم أن تجعل هذه المؤسسات حواجز في الخيام بين الرجال والنساء، وحجكم إن شاء الله صحيح.
س ١٨٦١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز ذبح الأضحية (والنحر) في بلد أنت فيه أو ترسل مبلغ مقابل ذلك إلى بلدك أو أي بلد من بلدان المسلمين ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن تضحي في بلدك إذا كان
стр. 9523
أهلك عندك، وإذا كان أهلك في مكان آخر وليس عندهم من يضحي لهم فأرسل دراهم لهم يضحوا هناك.
س ١٨٦٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يرتبط الأضحية والنحر بشروط ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لابد من شروط:
يشترط أن يكون المضحى به من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم.
وأن يبلغ السن الذي حدده الشارع، وهو نصف سنة للضأن، وسنة للمعز، وسنتان للبقر، وخمس سنوات للإبل.
وشرط ثالث: أن يسلم من العيوب المانعة من الإجزاء وهي أربع بينها الرسول ﷺ بقوله: " أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا مخ فيها" (١) وهذه أربع، وكذلك التي بمعناها أو أشد مثل العمياء، ومقطوعة اليد أو الرجل، فإنها بمعناها أو أشد.
بقي شرط رابع: وهو أن تكون الأضحية في الوقت المحدد وهو من صلاة يوم عيد النحر إلى غروب الشمس آخر يوم من أيام التشريق، فتكون الأيام أربعة: يوم العيد، واليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر.
стр. 9524
س ١٨٦٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ركعتا الإحرام هل هي واجبة أم سنة وهل تفعل في أوقات النهي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليست بواجبة ولا سنة، فلا تصلها لكن اجعل إحرامك بعد صلاة الفريضة إن كان وقت فريضة، وإلا فصل ركعتين للوضوء وأحرم بعدهما.
س ١٨٦٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نسيت في العمرة فلبست ثيابي قبل أن أقصر فهل علي شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما جرى عليك الآن ليس عليك فيه شيء، لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (١) لكن في المستقبل إذا نسيت ولبست ثيابك قبل التقصير فاخلع الثياب
والبس ثياب الإحرام، وقصر وعليك ثياب الإحرام، أي تخلع ثيابك فوراً وتلبس ثياب الإحرام وتقصر ثم تعود وتلبس ثيابك.
س ١٨٦٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: خرجت من الرياض إلى جدة قاصداً العمرة أنا والأهل في الطائرة، ولما كانت الطائرة قرب السيل أعلن المضيف أن من ينوي العمرة يلبس
الإحرام، ولم يكن لدي إحرام في ذلك الوقت ولما وصلت الطائرة جدة كنت في حيرة من أمري ولم أجد شخصاً يرشدني في ذلك، واستعنت بالله ثم استأجرت سيارة وذهبت بها إلى السيل عن طريق
стр. 9525
مكة وأحرمت من هناك، ورجعت وأديت العمرة، ويقول بعض الناس إن علي دم فهل هذا صحيح أنا والأهل؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليك شيء، لأنك أحرمت من الميقات.
س ١٨٦٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت مع زوجها وكانت حاملاً وعند رمي الجمار رمت الأولى ووكلته في الباقي بسبب الزحمة حيث لم تقدر فهل عليها شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس، لأن الذي لا يقدر أن يرمي له أن يوكل، والذي يقدر ويخاف من الزحام يرمي بالليل.
س ١٨٦٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فيه حديث متداول عند العوام أن الإنسان إذا أراد عمرة ثانية قبل أربعين يوم من العمرة الأولى أنه لا يحرم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بصحيح.
س ١٨٦٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الذي يؤدي العمرة والحج مرة واحدة فقط ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإنسان إذا أدى العمرة أول مرة وأدى الحج لم يجب عليه شيء بعد ذلك حتى لو بقي عن مكة أربعين
стр. 9526
سنة، فذهب إلى مكة وهو لا يريد حجًّا ولا عمرة فلا شيء عليه. "
س ١٨٦٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هناك رجل أتى للحج وأثناء وقوفه بعرفات أصيب بضربة شمس وأدخل المستشفى ولم يتمكن من رمي جمرة العقبة ولا بقية الجمرات ولا بقية المناسك فماذا عليه؟ وهل حجه صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: مادام وقف بعرفة فحجه صحيح، وهل طاف طواف الإفاضة (طواف الحج) وسعى؟
السائل: لا ما طاف طواف الحج ولم يسع لأنه بقي مدة في المستشفى وتحلل.
الشيخ: هل قال عند إحرامه إن حبسني حابس فمحلى حيث حبستنى؟
السائل: لا لم يقل.
الشيخ: الصحيح أدن عليه هدياً لأنه أحصر عن إتمام الحج.
السائل: الهدي عن كل المناسك أم عن كل منسك هدي؟
الشيخ: لا بل يتحلل بهدي، ويعيد الحج من جديد في السنة القادمة إن كان لم يؤد الفريضة.
السائل: إذا كان سافر لمصر مثلاً يلزمه أن يرجع مرة أخرى؟
الشيخ: إن كان حجه هذا هو الفريضة فلابد أن يؤديه فيرجع يحج مر ة أخرى.
стр. 9527
س ١٨٧٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قال تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (١) ما المقصود بالجناح؟ وما المقصود بالتطوع في الآية الكريمة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المراد بالجناح الإثم يعني أنه لا إثم عليه أن يطوف بين الصفا والمروة إذا كان حاجًّا أو معتمراً، وكان الصحابة تحرجوا من الطواف بينها يعني خافوا من الإثم، فأنزل الله
هذه الآية وأنه ليس عليكم إثم بالطواف بها ثم قال: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) يعني من فعل الطاعة لله سواء كانت واجبة أو كانت مستحبة (فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) والمعنى أن الطواف بها من طاعة الله، ومن
فعل طاعة لله (فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) يثيبه عليها الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
س ١٨٧١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص حج عن نفسه وأتيحت له الفرصة للحج مرة أخرى فحج عن قريب له ميت ولا يريد من ذلك سوى الأجر والثواب وأن يكون عمله خالصاً لله تعالى ولم يعلم أحداً عن ذلك حتى ولا أبناء هذا الشيخ الميت فهل يجب عليه أن يخبر أبناءه حتى لا يحجوا عنه مرة أخرى أم يحتفظ بهذا بينه وبين الله ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هل الحجة التي حجها عن صاحبها
стр. 9528
هل هي فريضة أو نافلة؟
السائل: فريضة.
الشيخ: إذاً لابد أن يخبرهم لئلا يحجوا مرة ثانية حتى يعلموا أن الفريضة سقطت عنه.
стр. 9529
من دروس المسجد الحرام
كلمة للحجاج عام ١٤١٥ ه ـ
إن الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله، وأصحابه،
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا حجاج بيت الله الحرام نتكلم اليوم عن الركن الخامس من أركان الإسلام وهو حج بيت الله الحرام، الحج هو قصد المشاعر المقدسة لإقامة المناسك تعبداً لله ، فرضه الله تعالى على
المسلمين في السنة التاسعة من الهجرة، ولم يفرض قبل ذلك والحكمة من تأخره أمران:
الأول: أن مكة كانت قبل هذا الوقت تحت حكم المشركين، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يفتح مكة إلا في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان، ولم يحج النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم في السنة التاسعة، لأن هذه السنة كثر فيها الوافدون على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أنحاء الجزيرة ليأخذوا
стр. 9530
عنه دينهم، فرأى ﷺ أن من المناسب أن يبقى في المدينة يتلقى أولئك الوفود.
الثاني: أن النبي ﷺ أراد أن تكون حجته حجة خالصة للمسلمين بمعنى ألا يشارك فيها مشرك، ولهذا أمر أبا بكر ﵁ أن يؤذن في الناس في السنة التاسعة، أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (١) ، فأخبر النبي ﷺ بأنه حاج في العام العاشر من الهجرة، فقدم إلى المدينة بشر كثير يقدرون بنحو مائة ألف، يرون من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شمائله مد البصر (٢) ، فحج ﵊ في ذلك العام.
ولكن على من يجب الحج أهو على كل إنسان؟ بين الله من يجب عليه بقوله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (٣) لم يقل في الصلاة من استطاع أن يصلي ولا في الصوم من استطاع أن يصوم، بل في الحج من استطاع إليه سبيلاً، وذلك لأن الحج يكون من أنحاء بعيدة ويشق على الناس الوصول إلى البيت، فلهذا قيده الله بقوله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) والاستطاعة نوعان: استطاعة بالمال،
واستطاعة بالبدن، فالاستطاعة بالمال بأن يكون عند الإنسان ما يحج به من المال زائداً على نفقاته وحاجته وضرورياته وقضاء ديونه، وبناء على ذلك إذا كان على الإنسان دين لا يستطيع وفائه مع
стр. 9531
الحج، أي إما أن يحج وإما أن يقضي الدين، فهذا يقضي الدين أولاً، ثم يحج ثانياً، وإذا كان عند الإنسان مال إما أن يتزوج به وإما أن يحج وهو محتاج للزواج يشق عليه عدمه فيتزوج لأن الله يقول: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (١) ، وإذا كان عنده مال وفيه مرض يحتاج إلى معالجة بهذا المال ولا يكفي هذا المال للعلاج والحج فيقدم العلاج، وهلم جر ا، لأن الله يقول: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) .
أما الاستطاعة بالبدن بأن يكون الإنسان قادراً على الحج بلا مشقة، فإن كان يشق عليه لمرض أو كبر، فإنه إن كان لديه مال يجب عليه أن يقيم من يحج عنه، وإن لم يكن له مال فلا جب عليه الحج، فإن من ليس لديه مال لا يجب عليه الحج ولو كان قادراً، وحينئذ نقول: إذا تمت شروط الحج أي شروط الوجوب وجب على الإنسان أن يبادر به وأن لا يؤخره، لأن الله أمر به، ونحن نعلم لو أن ملك من الملوك أمرك أن تفعل شيئاً وتأخرت عن فعله فإنه يغضب عليك ويؤدبك ويعاقبك، هذا وهو أمر من إنسان لإنسان فكيف بأمر الرب ؟ إذا أمرك بأمر وتمت شروط الوجوب فبادر ولا يحل لك أن تتأخر، ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، هو الآن قادر
وربما يكون في العام المقبل غير قادر، وربما يموت فتأخير الحج بعد استكمال شروط الوجوب حرام، يجب أن يبادر بذلك.
فإن قال قائل: كيف تقول هذا القول وقد قال الله تعالى:
стр. 9532
(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (١) وهذه الآية نزلت في السنة الثالثة من الهجرة والنبي لم يحج إلا في العاشرة وأنت تقول أنه واجب على الفور؟
فالجواب: أن قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) يخاطب به من شرع في الحج والعمرة فإنه يجب عليه الإتمام، وليس معناه ابتداء الفرض، وفرق بين وجوب الإتمام وبين وجوب الشروع في
العمل، والآية الكريمة (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) فيها أمر من شرع في الحج أو العمرة أن يتمهما، وليس فيها أن الحج والعمرة واجبة، وفرق بين وجوب الإتمام ووجوب الابتداء، وإذا وجب الحج على الإنسان فإنه يجب عليه أن يتعلم كيف يحج لا أن يذهب مع الناس، هكذا سمعت الناس يقولون فقلته، رأيت الناس يفعلون شيئاً ففعلته، بل يجب أن يتعلم أحكام الحج ليعبد الله على بصيرة، وإنما
قلنا يجب أن يتعلم أحكام الحج لأن للعبادة شرطين:
الأول: الإخلاص لله، بمعنى أن الإنسان لا يريد بعبادته إلا وجه الله، فمن أشرك مع الله غيره فعبادته باطلة مردودة، فلو قصد بعبادته أن يقول الناس إن فلاناً عابد، فعمله حابط، ولو قصد بعبادته أن يكرمه الناس، فعبادته باطلة، ولو قصد بعبادته أن يتقرب إلى رئيس أو وزير أو ما أشبه ذلك فعبادته باطلة، لابد أن تكون العبادة خالصة لله، وأنا أقول لك أيها الأخ الكريم ماذا ينفعك الناس إذا تعبدت لله تعالى من أجل أن يمدحوك؟ ماذا ينفعونك؟ إنهم لن
стр. 9533
ينفعوك، وماذا يضرك الناس لو أخلصت العبادة لله؟ إنهم لن يضروك، إذن لا تر اعي الناس، اجعل عملك خالصاً لله كما قال ربك : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (١) (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (٢) (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) (٣) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب الإخلاص لله ، ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلاً يتبين به الفرق بين المخلص وغير المخلص، فقال: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " (٤) .
رجلان هاجرا خرجا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام الفعل واحد، والصورة واحدة، لكن اختلف حكم الفعلين أحد الفعلين لله تعالى، هاجر إلى الله ورسوله، والثاني هجرته لدنيا يصيبها تجارة
أو امرأة يتزوجها، فالأول هجرته صحيحة يثاب عليها، والثاني لا، ولهذا قال: "فهجرته لله ورسوله "، والثاني قال: "هجرته إلى ما هاجر إليه "، رجل حج من أجل أن يقول الناس إذا رجع إلى بلده:
فلان حاج، هذا ليس بمخلص، رجل حج من أجل أن يستقبله الناس إذا رجع إلى بلده فيمدحوه فيقولون: فلان ما شاء الله حج،
стр. 9534
فهذا غير مخلص.
الشرط الثاني لقبول العبادة أن تكون موافقة لشرع الله، أي أن يكون المتعبد لله متابعاً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن لم يكن متابعاً للرسول فإنها لا تقبل عبادته، دليله قال الله
تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (١) وقال النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) أي مردود عليه مهما أتقن العمل، ومهما جد فيه، ومهما داوم عليه فإنه مردود؛ لأنه ليس على شريعة الله ، وبناء
على هذا الشرط يجب أن يتعلم الإنسان كيف يحج لا يأتي هكذا إمعة مع الناس، بل يجب أن يعرف كيف يحج، ولكن ما الطريق إلى العلم؟ كيف يحج؟ الطريق طريقان:
الأول: قراءة الكتب التي يثق بمؤلفيها، والثاني: ملازمة أحد أهل العلم، والسؤال والاستفهام سواء لازمه في البلد قبل أن يأتي للحج، أو سافر معه وصحبه، فإن صحبة العلماء كلها خير، وبناء
على هذا نذكر كيف حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصل النبي ﷺ الميقات خارجاً من المدينة، وميقات أهل المدينة ذي الحليفة، فأحرم من هناك وركب ناقته، فلما استوت به على البيد لبى: لبيك اللهم، يعني يا الله، لبيك تكرار وتوكيد، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لا شريك لله تعالى لا في ألوهيته ولا في
стр. 9535
عبوديته، ولا في أسمائه وصفاته، لا شريك له في ربوبيته، خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماء، وجعل الليل والنهار، وخلق الشمس والقمر، وخلق النجوم، وخلقنا، وخلق البهائم،
وهلم جرا، فالله تعالى ليس له شريك في الربوبية، وليس له معين في الخلق، يعني لم يعاونه أحد على خلقه جل وعلا، بل انفرد بالخلق والتدبير واستمع إلى قول الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) (١) فنفى الله هذه الثلاثة لا يملكون مثقال ذرة يعني ليس أحد يملك (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ) أي ولا يشارك أيضاً (وَمَا لَهُ مِنْهُمْ) أي ما لله من هذه الأصنام من معين (مِّن ظَهِيرٍ) الظهير يعني المعين كما قال تعالى: (والملائكة بعد ذلك ظهير) .
لو قال قائل: الولي هل يدبر الكون؟ هل ينزل الغيث؟ هل يوجب أن تلد المرأة؟ أبداً، كل هذا لا يكون، ومن اعتقد أن وليًّا من الأولياء يدبر الكون، أو يخلق، أو يرزق، فهو مشرك كافر مخلد في
النار، الجاهليون خير منه، الجاهليون الذين قاتلهم الرسول ﵊ خير من هذا، لأن الجاهليين الذين قاتلهم الرسول ﵊ إذا سألتهم من خلق السماوات والأرض؟
يقولون: الله، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (٢) (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
стр. 9536
مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (١) ، (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) (٢) ، فهم يقرون بهذا ومع ذلك قاتلهم الرسول ﵊،
واستحل دمائهم، وأموالهم، ونسائهم، وذرياتهم.
فلو قال قائل: أنا لا أعتقد أن الولي ينفع، ولكن أعتقد أنه واسطة بيني وبين الله.
فالجواب: أن هذا يخالف الواقع؛ لأن المتعلقين بالأولياء يدعون الولي نفسه، يقول يا سيدي فلان افعل كذا وكذا، فبطل قولهم إننا نجعلهم وسطاً ثم نقول: لو جعلتهم وسطاً فليس هذا من
العقل ومن الشرع، لأن هذا الولي ميت جثة جماد، ربما تكون الأرض قد أكلته ولم يبق إلا عجب الذنب، فكيف تجعله واسطة هل سيدعو الله لك؟ لو قلت يا سيدي فلان اشفع لي عند الله لا ينفع هذا، لأنه ميت، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث " (٣) انقطع عمله كيف يدعو الله لك هذا غير صحيح.
ونقول الصحابة ﵃، هل كانوا يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويقولون: يا رسول الله اشفع لنا؟
стр. 9537
الجواب: لا، هل كانوا يأتون إلى قبره، ويقولون: يا رسول الله أدعو لنا الله أن يسقينا، أدعو الله أن يرفع عنا الحروب؟ لم يفعلوا هذا، ولما قحط وأجدب الناس في عهد أمير المؤمنين عمر رضي
الله عنه وخرجوا يستسقون لم يذهبوا إلى قبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقولون: يا رسول الله أدعو الله أن يسقينا أبداً، بل هم دعوا الله حتى قال عمر بن الخطاب: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، وإننا نستسقي إليك بعم نبينا- يعني العباس بن عبد المطلب- فقام العباس واستسقى، فلا تعلق يا أخي قلبك بأي مخلوق لا حي ولا ميت، بل بعدك عن تعلقك بالمخلوق الميت يجب أن يكون أولى من تعلقك بالمخلوق الحي، لأن المخلوق الحي قد ينفع في بعض الأمور، أما الميت فلا ينفع، وبناء على ذلك يجب علينا ونحن مسلمون إذا رأينا أحداً من العامة يذهب إلى الأضرحة يدعو صاحب الضريح، أو يطلب أن يكون شفيعاً له يجب علينا أن ننصحه، وأن نقول: يا أخي بدلاً من أن تذهب إلى الضريح اذهب إلى المسجد، لا تكن ممن يعمر المشاهد ويهجر المساجد، لأن بعض الناس لعب بهم الشيطان فعمروا المشاهد وهجروا المساجد، لا يأتون إلى المساجد لكن المشاهد يملئونها، نقول له يا أخي اتق الله لا تأتى إلى هذا الضريح، بدلاً من أن تأتي للضريح، اذهب إلى المسجد، فالصحابة ﵃ كان النبي ﷺ عندهم قريباً منهم، ولكنهم لا يأتون إلى قبره، فيقولون: اشفع لنا يا رسول
стр. 9538
الله أبداً، ما جرى هذا إطلاقاً، بل كانوا يأتون إلى المسجد يصلون فيه ويعبدون الله فيه، فلا تعبد غير الله، لا تعبد غير الله لا بقولك ولا بفعلك، العبادة لله وحده فمن تعبد لغير الله فهو مشرك، ولهذا منع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كل شيء يفضي إلى عبادة غير الله، فسئل عن الرجل يلقى أخاه أينحني له قال: "لا" (١) ، حتى لو حنى رقبته فلا يجوز، سدًّا للباب، لأنه يتوصل بالانحناء إلى ما هو أبلغ، ولما قدم إليه بعض أصحابه سجد له، أي هذا الصحابي سجد للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنه قدم من بلاد يسجدون فيها لأساقفتهم فنهاه وقال: "لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها" (٢) ، ويجب على من انحنى الناس له أن ينكر عليهم، ولا يحل له أن يقرهم على ذلك، لأن النبي ﷺ نهى عن السجود له، فإذا سلم عليك إنسان وانحنى لك فانهه لا تقل: والله الرجل أكرمني، لا أحب أن أخجله، بل انهه عن هذا، لأن هذا أعظم هدية تهديها إليه، أن تمنعه عما نهى عنه الرسول ﵊. ومن ذهب إلى قبر فسجد لصاحب القبر فهو مشرك، سجد لغير الله، والسجود لا يكون إلا لله ، كذلك أيضاً لا شريك لّه تعالى في أسمائه وصفاته، قال " الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (٣) .
стр. 9539
أحرم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذي الحليفة ومازال يلبي، وأحرم بالقِران أي جمع بين الحج والعمرة فقال: لبيك اللهم عمرة وحجًّا، لبيك اللهم عمرة وحجًّا، وإنما أحرم بالقِران لأنه ساق الهدي، وحينما وصل إلى المسجد الحرام بدأ بالطواف استلم الحجر الأسود، وطاف سبعة أشواط، وفي هذا الطواف رمل ثلاثة أشواط أي أسرع في المشي، ثم مشى الأربعة الباقية، وفي هذا الطواف أيضاً اضطبع، فجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر، والاضطباع لا يكون في أول الإحرام وإنما يكون في الطواف فقط، فما نراه الآن من كثير من الحجاج أنهم يضطبعون من حين أن يحرموا خطأ، يجب علينا إذا رأينا أحداً وتمكنا من نصيحته أن نقول له يا أخي الاضطباع لا يكون إلا في الطواف ولا يكون في جميع الإحرام، ولما طاف تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (١) وصلى ركعتين خفيفتين، وقرأ في الأولى قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية قل هو الله أحد، ثم رجع إلى الحجر الأسود فاستلمه، والاستلام هو
مسكه باليد ثم خرج إلى الصفا، ولما دنا من الصفا قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (٢) أبدأ بما بدأ الله، فبدأ بالصفا فصعد عليه فاستقبل القبلة فرفع يديه يذكر الله ويدعوه وكان من ذكر الله
الذي قاله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد
стр. 9540
وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا، ثم أعاد الذكر مرة أخرى ثم دعا ثم أعاده مرة ثالثة، ثم نزل متجهاً إلى المروة يمشي، حتى إذا
أنصبت قدماه في بطن الوادي سعى، أعجل المشي وركض ركضاً شديداً، فلما صعد من بطن الوادي مشى كعادته، حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، ثم نزل متجهاً إلى الصفا حتى أتم سبعة أشواط، ثم أمر الناس الذين لم يسوقوا الهدي أن يجعلوها عمرة، أما هو فبقي على إحرامه لأنه ساق الهدي، وفي اليوم الثامن من ذي الحجة خرج إلى منى بأصحابه فنزل فيها،
وصلى فيها خمس صلوات وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، صلى الظهر والعصر والعشاء قصراً بلا جمع، ولما طلعت الشمس سار إلى عرفة ونزل في نمرة- موضع قريب من عرفة- حتى إذا زالت الشمس- جاء وقت الظهر- ركب ونزل في بطن عرنة- وهو الوادي الذي فيه الآن مسجد عرفة- وخطب الناس، وصلى بها الظهر والعصر جمعاً وقصراً، ثم ركب حتى أتى الموقف، وموقف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان عند الجبل عند الصخرات العظيمة الكبيرة، وقف هناك وقال للناس: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (١) يعني لا تكلفوا أنفسكم بالحضور إلى هذا المكان كل عرفة موقف، وجعل صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو الله إلى أن غربت الشمس، وكان راكبا على بعيره رافعاً يديه
стр. 9541
حين الدعاء، ولما غربت الشمس سار إلى مزدلفة فوصل إليها بعد دخول وقت العشاء فصلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، وفي هذه الليلة أوتر؛ لأن النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم لم يكن يترك الوتر حضراً ولا سفراً وقال لأمته: " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" (١) ولم يذكر ذلك جابر بن عبد الله ﵄ في سياق حجه ﵊ إما لأنه لم يعلم، أو لأنه كان نائماً، أو لغير ذلك من الأسباب، ولما صلى الصبح ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ودعا الله ووحده وكبره حتى أسفر جداً، ثم دفع إلى منى وسلك الطريق
الوسطى، وكانت منى لها طرق على اليمين والشمال والوسط، فسلك الطريق الوسطى لأنها تخرجه على الجمرة، فلما وصل الجمرة رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، رماها راكباً، ثم
انصرف بعد ذلك إلى المنحر- أي إلى المكان الذي أعده لنحر هديه - وكان قد أهدى مائة بعير فنحر منها ثلاثاً وستين بيده، ثم أعطى علي بن أبي طالب ﵁ الباقي فنحره، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشركه في هديه حيث كان ﵁ قادماً من اليمن ببعث من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحر الهدي ثم حلق رأسه كله بالموس، ثم أمر أن يؤخذ من كل ناقة قطعة من اللحم فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من
стр. 9542
مرقها، ثم تحلل وتطيب ونزل إلى البيت فطاف بالكعبة سبعة أشواط، وشرب من ماء زمزم، وصلى ظهر يوم العيد، ثم ركب راجعاً إلى منى، ووجد بعض الصحابة هناك فصلى بهم الظهر
إماماً، لكنها نافلة والفريضة هي التي صلاها في المسجد الحرام، وبات هناك ثلاث ليال، وفي كل يوم من أيام التشريق يرمي الجمرات الثلاث، الأولى ثم يقف بعدها يدعو الله، ثم الوسطى ثم يقف بعدها يدعو الله، ثم جمرة العقبة ثم ينصرف ولا يقف، ولما رمى اليوم الثالث عشر نزل صلى الله عليه وعلى آله وسلم من منى إلى مكان يقال له المحصب لكثرة حصبائه فنام تلك الليلة وصلى في هذا المكان صلاة الظهر يوم الثالث عشر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة، ثم أذن بالرحيل فارتحل المسلمون حتى أتوا المسجد الحرام فطافوا للوداع، ثم صلى الفجر، ثم انصرف إلى المدينة، وأمضى في مكة عشرة أيام من اليوم الرابع إلى اليوم الرابع عشر، هذه خلاصة لحج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أسأل الله تعالى أن يرزقني وإياكم الإخلاص، اللهم ارزقنا الإخلاص لوجهك والمتابعة لرسولك، اللهم اختم لنا بالخير، اللهم اجعل خير أعمالنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا وأسعدها يوم نلقاك، اللهم اجعلنا من دعاة الحق وأنصاره، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، وقادة مصلحين، اللهم يسر أمورنا، واستر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، اللهم أصلحنا وأصلح بنا، وأصلح لنا
стр. 9543
يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 9544
من دروس المسجد الحرام عام ١٤١٦ هـ
كلمة للحجاج حول بعض الكتب والنشرات التي توزع في موسم الحج
إن الحمد لله، نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله أرسله الله تعالى بدين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه
وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد، يا عباد الله بين يدي منشورات على صفة كتيبات فيها سور من القرآن، وفيها أحاديث موضوعة مكذوبة على الرسول ﵊، وفيها أخطاء مطبعية، وفيها أيضاً طلب لأمور بدعية مثل قراءة الفاتحة على المرحوم فلان بن فلان وما أشبه ذلك، وإنني بهذه المناسبة أحذر إخواني في المسجد الحرام من تلقي هذه الرسائل، وأن لا يقرأوها، ولا ينظروا فيها إلا بعد عرضها على العلماء المحققين حتى يبينوا ما فيها من خطأ وصواب، وأحذر كذلك إخواني عن ما ينشر في بعض المساجد- في غير المسجد
стр. 9545
الحرام- من مطويات ونشرات فيها أحاديث مكذوبة على رسول الله ﷺ قد يكون ناشرها أراد خيراً لكن لم يوفق له، وقد يكون ناشرها خرافياً مبتدعاً يريد أن ينشر خرافته وبدعته بين المسلمين، وقد تكون له إرادات أخرى، والله أعلم بما في القلوب، لكنني أحذر
العامة من تلقي هذه المطويات والمنشورات إلا بعد أن تعرض على أهل العلم والتحقيق حتى لا يضل الناس بمثل هذا، ومثل هذه المنشورات التي يتقدم بها من يتقدم هي خسارة على من تقدم بها
خسارة مالية، وخسارة بدنية وإضاعة وقت وإثم كبير، لأن من نشر حديثاً عن النبي ﷺ يرى أنه كذب فإنه أحد الكاذبين (١) ، هكذا صح عن النبي ﷺ ، وصح عنه أنه من كذب عليه متعمداً فليتبوأ مقعده من النار (٢) ، وصح عنه أنه ليس الكذب عليه ككذب على أحد من الناس (٣) ، لأن الكذب عليه إدخال شيء في شريعته ليس منها،
فيكون الكاذب عليه قد افترى على الله كذباً، فالحذر الحذر أيها المسلمون من مثل هذه المنشورات والمطويات إلا بعد عرضها على أهل العلم والتحقيق حتى يتبين ما فيها من حق وباطل.
وأحذر كذلك هؤلاء الذين ينشرون هذه المطويات وأقول لهم: إن أي إنسان يضل بسبب هذه المنشورات والمطويات فإثمه على الذي نشر هذه المنشورة أو المطوية، ويكون هذا الرجل ممن
стр. 9546
أنفق ماله ليصد عن سبيل الله فيدخل في قوله ﵎: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) (١) وهو وإن لم يصل إلى درجة الكفر لكنه فيه شبه من هؤلاء الكافرين الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وأحذر هؤلاء الذين ينشرون هذه المنشورات والمطويات أن لا ينشروا شيئاً إلا بعد أن يتحققوا من صحته حتى لا يضل الناس بغير علم، نعوذ بالله تعالى من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً البصيرة في دينه، والبصيرة لما يخفيه أعداء المسلمين الذين يرضون بأفواههم ولكن في قلوبهم شر وبلاء وفتنة تأبى قلوبهم، فنسأل الله ﵎ أن يجعلنا ممن رأى الحق حقًّا واتبعه، ورأى الباطل باطلاً واجتنبه.
стр. 9547
كلمة حولي الحريق بمنى في حج عام ١٤١٧ ه ـ
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
إخواني، في حج هذا العام عام سبعة عشر وأربعمائة وألف حدث حريق في يوم التروية، وكثير من الناس في منى، وكثير من الناس في مكة، وكثير من الناس في عرفة، وكثير من الناس الذين في منى قد أحرموا، وكثير منهم لم يحرموا، وكانت الكارثة عظيمة لولا أن الله تعالى منَّ بتقليلها حتى انحصرت فيما انحصرت فيه، وقد قدرت الخيام التي التهمتها النار بسبعين ألف خيمة، والموتى
بأكثر من ثلاثمائة حاج، والجرحى بنحو ألفين أو يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، والضائعون أيضاً كثيرون، ولا شك أن هذه كارثة، ولكن بسبب الذنوب والمعاصي، لقول الله تعالى: (وَمَآ أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (٢)
فيجب علينا أن نتخذ من ذلك عبرة وعظة، ومن أكبر ما ينبغي أن نتعظ فيه أن لا نتخذ من الحج نزهة، لا نريد منه إلا أن نرفه أنفسنا ويجلس بعضنا إلى بعض بالمزح والضحك وإضاعة الوقت، لأن
الحج عبادة، حتى إن الله تعالى سماه نذراً وسماه فرضاً فقال تبارك
стр. 9548
وتعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ) (١) وقال: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) (٢) فهو عبادة جليلة ليس نزهة، ومن الناس من يتخذه وقتاً للتسول، ومن الناس من يتخذه وقتاً للسرقة والعدوان والعياذ بالله، فالناس يختلفون، فهذه المصائب لا شك أنها بذنوبنا، ولا شك أيضاً أنها قد كتبت علينا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولهذا يجب علينا أن
نتخذ من هذه المصيبة موعظة تتعظ بها القلوب، وأن نتخذ منها رضاءً بقضاء الله وقدره، وأن نقول: الحمد لله على كل حال، والذين أصيبوا بها وماتوا إن كانوا محرمين فإنه يرجى أن يكونوا
شهداء، ويخرجون من قبورهم يقولون: لبيك اللهم لبيك، فيجتمع لهم الشهادة والموت على الإحرام، والخروج من القبور يلبون، ومن لم يكن أحرم فإنا نرجو أن يكون من الشهداء أيضاً، لأن
الحريق شهيد، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (٣) ، ولقد كان في هذه الحادثة عجائب، منها الريح الشديدة التي كانت تنقل اللهب من مكان إلى مكان، فتنقل قطع الخيام
المشتعلة من جهة إلى جهة، ثم إذا وقعت في جهة احترقت الجهات التي انتقلت إليها هذه القطعة، وأخبرني شخص أثق به عن إنسان شاهد بعينه أن حمامة مرت قد أصابها اللهب ففرت من اللهب
стр. 9549
وجناحها وذيلها يلتهب فسقطت ميتة أدركها الاحتراق على خيمة فاشتعلت الخيمة، سبحان الله، هذا مما يدل على أن الله ابتلى العباد بهذا الحريق، ثم الرياح الشديدة العاصفة في ذلك اليوم
التي نراها تسوق النيران سوقاً حثيثاً مما يدل على أن الله أراد من عباده- وله حكمة- أن يتعظوا بمثل هذه الأمور وحصل فيها من الحريق ما حصل، وحصل فيها أن من الناس من فقد أمه، ومنهم من فقد زوجته، ومنهم من فقد أبناءه، ومنهم من رؤي محترق وهو ساجد- سبحان الله- ساجد لله ، فأما أن يكون يصلي الظهر أو العصر، وإما أن يكون لما أحس أن النار أدركته قام يصلي وأحب أن يموت على صلاته، وعلى كل حال نسأل الله تعالى لإخواننا الذين ماتوا أن يغفر لهم ويكتبهم من الشهداء، وأن يشفي إخواننا الذين مازالوا على قيد الحياة، ويجعل ما أصابهم في تكفير سيئاتهم ورفعة درجاتهم، ونسأل الله تعالى أن يأجر كل من أصيب بهذه المصيبة؛ لأن كل مؤمن مصاب بلا شك بهذه المصيبة، فنسأل الله تعالى أن يجبر كسر الجميع، وأن يعفو عنا، ويغفر لنا، إنه على كل شيء قدير.
стр. 9550
من فوائد الحج
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن الله تعالى بحكمته نوع العبادات على الخلق ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وأقوم سبلاً، فإن الناس يختلفون في مواردهم ومصادرهم، فمنم من يتقبل القيام بنوع من العبادات لأنه يلائمه ولا يتقبل النوع الآخر لأنه لا يلائمه، فتجده في النوع الأول منقاداً مسرعاً، وفي الثاني متثاقلاً ممانعاً، والمؤمن حقاً هو الذي ينقاد لما يرضي مولاه لا لما يوافق هواه.
ومن تنوع العبادات تنوع أركان الإسلام فمنها ما هو بدني محض يحتاج إلى عمل وحركة جسم كالصلاة، ومنها ما هو بدني لكنه كف عن المحبوبات التي تميل إليها النفس كالصيام، ومنها ما
هو مالي محض كالزكاة، ومنها ما هو مالي بدني كالحج.
فالحج جامع للتكليف البدني والمالي، ولما كان يحتاج إلى سفر وتعب أكثر من غيره لم يوجبه الله تعالى في العمر إلا مرة واحدة، ونص على اشتراط الاستطاعة فيه. والاستطاعة شرط للوجوب فيه وفي غيره، لكن الحج أمس بها من غيره، هذا وللحج
стр. 9551
فوائد عظيمة منها:
١- أنه قيام بأحد أركان الإسلام التي لا يتم إلا بها، وهذا يدل على أهميته ومحبة الله له.
٢- أنه نوع من الجهاد في سبيل الله، ولذلك ذكره الله تعالى بعد ذكر آيات الجهاد.
وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لعائشة حين سألته هل على النساء جهاد؟ قال: "نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة " (١) .
٣- الثواب الجزيل والأجر العظيم لمن قام به على الوجه المشروع، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (٢) وقال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٣) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم " (٤) . رواه النسائي وابن ماجه.
٤- ما يحصل فيه من إقامة ذكر الله وتعظيمه وإظهار شعائره مثل التلبية، والطواف بالبيت وبالصفا والمروة، والوقوف بعرفة
стр. 9552
والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار وما يتبع ذلك من الذكر والتكبير والتعظيم، وفي الحديث عن النبي هـ أنه قال: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (١) .
٥- ما يكون فيه من اجتماع المسلمين من جميع الأقطار وتبادل المودة والمحبة والتعارف بينهم، وما يتصل بذلك من المواعظ والتوجيه والإرشاد إلى الخير والحث على ذلك.
٦- ظهور المسلمين بهذا المظهر الموحد في الزمان والمكان والعمل والهيئة، فكلهم يقفون في المشاعر بزمن واحد، وعملهم واحد، وهيئتهم واحدة، إزار ورداء، وخضوع وذلك بين يدي الله .
٧- ما يحصل في الحج من مواسم الخير الديني والدنيوي وتبادل المصالح بين المسلمين ولذلك قال الله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (٢) وهذا يعم منافع الدين والدنيا.
٨- ما يحصل من الهدايا الواجبة والمستحبة من تعظيم حرمات الله، والتنعم بها أكلاً وإهداء وصدقة للفقراء. فمصالح الحج وحكمه وأسراره كثيرة.
стр. 9553
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أخي المسلم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد:
فمن نعمة الله عليك أن بلغك هذه العشر المباركة- عشر ذي الحجة- التي قال فيها النبي ﷺ : "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر "، قالوا، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (١) .
ومن شكر نعمة الله أن تستغل هذه الأيام بالأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله ، ومن هذه الأعمال:
١- التكبير والتحميد والتهليل والتسبيح لله ، يفعل ذلك الرجال جهراً في أسواقهم ومساجدهم وأماكنهم العامة، والنساء تفعل ذلك سراً.
٢- صيام هذه الأيام- إلا يوم العيد- وأخص هذه الأيام باستحباب الصوم فيها يوم عرفة، فقد ثبت عنه ﷺ أن صيامه يكفر السنة الماضية والباقية (٢) .
٣- الحج، وهو من أفضل القربات إلى الله في هذه الأيام، وهو من أسباب غفران الذنوب، فقد قال ﷺ : "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " (٣) .
стр. 9554
٤- كثرة الدعاء، في كل وقت وخصوصاً في هذه الأيام الفاضلة فربك سبحانه قال:. (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (١) . وقال ﷺ : "الدعاء هو العبادة" (٢) .
واعلم- بارك الله فيك- أن هذه الأيام محل لجميع الأعمال الصالحة، من قراءة القرآن، والصدقة، والصلاة النافلة، وصلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إلى خلق الله، وغير ذلك، لعموم
حديث ابن عباس المذكور.
ولا يفوتني- أخي- أن أوصيك بتقوى الله وباستغلال هذه الأيام فلعلك لا تدركها العام القادم، واحرص على الإخلاص لله والمتابعة للنبي ﷺ في كل أقوالك وأفعالك تكن مقبولاً.
أسأل الله أن يتقبل منا جميعاً صالح الأعمال.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قرأت هذه المنشورة المتضمنة للحث على العمل الصالح في عشر ذي الحجة، فوجدتها صحيحة، ونشرها حسن، جزى الله كاتبها خيراً، ونفع بها.
قال ذلك كاتبه: محمد الصالح العثيمين، في ٢٤/١١/١٤١٢ هـ.
стр. 9555
مناسك الحج والعمرة والمشروع في الزيارة
стр. 9556
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً.
أما بعد: فهذه فصولٌ في السفر والحج وزيارة المسجد النبوي ألقيناها في عدة مجالس، وكتبناها في فصولِ.
الفصل الأول: في السفر وشيء من آدابه وأحكامه.
الفصل الثاني: في شروط الحج.
الفصل الثالث: في المواقيت وأنواع الأنساك.
الفصل الرابع: ما يجب به الهدي من الأنساك، وصفة الهدي.
الفصل الخامس: في محظورات الإحرام.
الفصل السادس: في صفة العمرة.
الفصل السابع: في صفة الحج.
الفصل الثامن: في واجبات الحج.
الفصل التاسع: في أخطاء يرتكبها بعض الحجاج.
الفصل العاشر: في زيارة المسجد النبوي.
وقد أضفنا إليها أسئلة مهمة في هذه الموضوعات.
أسال الله أن يجعلها خالصة لوجهه، وأن ينفع بها، إنه جوادٌ كريم.
المؤلف
стр. 9557
الفصل الأول
في السفر وشيء من آدابه وأحكامه
السفر: مفارقة الوطن، ويكون لأغراض كثيرة؛ دينية ودنيوية.
وحكمه: حكم الغرض الذي أُنشىء من أجله: فإن أُنشىء لعبادة كان عبادة؛ كسفر الحج والجهاد.
وإن أُنشىء لشيء مباح كان مباحاً: كالسفر للتجارة المباحة.
وإن أُنشىء لعمل محرَّم كان حراماً كالسفر للمعصية والفساد في الأرض.
وينبغي لمن سافر للحج أو غيره من العبادات أن يعتني بما يلي:
(١) إخلاص النية لله- بأن ينوي التقرب إلى الله في جميع أحواله لتكون أقواله وأفعاله ونفقاته مقربة له إلى الله ، تزيد في حسناته، وتكفر سيئاته، وترفع درجاته.
قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: "إنك لن تُنفق نفقة
تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فِي امرأتك " (١) أي: فمها، متفق عليه.
(٢) أن يحرص على القيام بما أوجب الله عليه من الطاعات واجتناب المحرمات، فيحرص على إقامة الصلاة جماعة في أوقاتها، وعلى النصيحة لرفقائه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ودعوتهم إلى
الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
ويحرص كذلك على اجتناب المحرمات القولية والفعلية، فيجتنب
стр. 9558
الكذب والغيبة والنميمة والغش والغدر، وغير ذلك من معاصي الله .
(٣) أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة من الكرم بالبدن والعلم والمال، فيُعين من يحتاج إلى العون والمساعدة، ويبذل العلم لطالبه والمحتاج إليه، ويكون سخيًّا بماله، فيبذله في مصالح نفسه ومصالح إخوانه وحاجاتهم.
وينبغي أن يُكثر من النفقة وحاجات السفر، لأنه ربما تعرض الحاجة وتختلف الأمور.
وينبغي أن يكون في ذلك كله طَلْقَ الوجه، طيب النفس، رضي البال، حريصاً على إدخال السرور على رفقته ليكون أليفاً مألوفاً.
وينبغي أن يصبر على ما يحصل من جفاء رفقته ومخالفتهم لرأيه، ويداريهم بالتي هي أحسن، ليكون محترماً بينهم، معظماً في نفوسهم.
(٤) أن يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل.
وينبغي أن يكبر كلما صعد مكاناً عالياً، ويُسبح إذا هبط مكاناً منخفضاً.
وإذا نزل منزلاً فليقل: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فمن نزل منزلاً ثم قالها لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.
стр. 9559
الصلاة في السفر
يجب على المسافر أن يحافظ على أداء الصلاة في أوقاتها جماعة، كما يجب على المقيم كذلك.
قال الله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)) (١) .
فأوجب الله الجماعة على الطائفتين في حال الحرب والقتال مع الخوف، ففي حال الطمأنينة والأمن تكون الجماعة أوجب وأولى.
ولقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه يُواظبون على صلاة الجماعة حضراً وسفراً حتى قال عبد الله بن مسعود ﵁: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف) (٢) . رواه مسلم.
ويجب أن يعتني بوضوئه وطهارته، فيتوضأ من الحدث الأصغر، كالبول والغائط والريح والنوم المستغرق، ويغتسل من الجنابة كإنزال المني والجماع.
فإن لم يجد الماء، أو كان معه ماء قليل يحتاجه لطعامه وشرابه، فإنه يتيمم لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا
стр. 9560
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١) .
وكيفية الوضوء والغُسل معلومة.
وكيفية التيمم أن يضرب الأرض بيديه فيمسح بهما وجهه وكفيه " ففي "صحيح البخاري " أن النبي ﷺ قال لعمار بن ياسر ﵁: "يكفيك الوجه والكفان " (٢) ، وفي رواية: (ضرب النبي ﷺ بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه) (٣) وفي رواية مسلم (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة (٤) .
وطهارة التيمم طهارة مؤقت، فمتى وجد الماء بطلت ووجب عليه استعماله، فإذا تيمم عن جنابة ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال عنها، وإذا تيمم من الغائط ثم وجد الماء وجب عليه الوضوء عنه.
وفي الحديث: "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته " (٥) .
والسنة للمسافر أن يقصر الصلاة الرباعية، وهي الظهر والعصر والعشاء الآخرة إلى ركعتين، لما في "الصحيحين " من حديث ابن عمر ﵄ قال: صحبتُ رسول الله ﷺ وكان لا يزيد في السفر على