← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً. أما بعد: فهذه فصولٌ في السفر والحج وزيارة المسجد النبوي ألقيناها في عدة مجالس، وكتبناها في فصولِ. الفصل الأول: في السفر وشيء من آدابه وأحكامه. الفصل الثاني: في شروط الحج. الفصل الثالث: في المواقيت وأنواع الأنساك. الفصل الرابع: ما يجب به الهدي من الأنساك، وصفة الهدي. الفصل الخامس: في محظورات الإحرام. الفصل السادس: في صفة العمرة. الفصل السابع: في صفة الحج. الفصل الثامن: في واجبات الحج. الفصل التاسع: في أخطاء يرتكبها بعض الحجاج. الفصل العاشر: في زيارة المسجد النبوي. وقد أضفنا إليها أسئلة مهمة في هذه الموضوعات. أسال الله أن يجعلها خالصة لوجهه، وأن ينفع بها، إنه جوادٌ كريم. المؤلف

стр. 9557

الفصل الأول في السفر وشيء من آدابه وأحكامه السفر: مفارقة الوطن، ويكون لأغراض كثيرة؛ دينية ودنيوية. وحكمه: حكم الغرض الذي أُنشىء من أجله: فإن أُنشىء لعبادة كان عبادة؛ كسفر الحج والجهاد. وإن أُنشىء لشيء مباح كان مباحاً: كالسفر للتجارة المباحة. وإن أُنشىء لعمل محرَّم كان حراماً كالسفر للمعصية والفساد في الأرض. وينبغي لمن سافر للحج أو غيره من العبادات أن يعتني بما يلي: (١) إخلاص النية لله- بأن ينوي التقرب إلى الله في جميع أحواله لتكون أقواله وأفعاله ونفقاته مقربة له إلى الله ، تزيد في حسناته، وتكفر سيئاته، وترفع درجاته. قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: "إنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فِي امرأتك " (١) أي: فمها، متفق عليه. (٢) أن يحرص على القيام بما أوجب الله عليه من الطاعات واجتناب المحرمات، فيحرص على إقامة الصلاة جماعة في أوقاتها، وعلى النصيحة لرفقائه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ودعوتهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. ويحرص كذلك على اجتناب المحرمات القولية والفعلية، فيجتنب

стр. 9558

الكذب والغيبة والنميمة والغش والغدر، وغير ذلك من معاصي الله . (٣) أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة من الكرم بالبدن والعلم والمال، فيُعين من يحتاج إلى العون والمساعدة، ويبذل العلم لطالبه والمحتاج إليه، ويكون سخيًّا بماله، فيبذله في مصالح نفسه ومصالح إخوانه وحاجاتهم. وينبغي أن يُكثر من النفقة وحاجات السفر، لأنه ربما تعرض الحاجة وتختلف الأمور. وينبغي أن يكون في ذلك كله طَلْقَ الوجه، طيب النفس، رضي البال، حريصاً على إدخال السرور على رفقته ليكون أليفاً مألوفاً. وينبغي أن يصبر على ما يحصل من جفاء رفقته ومخالفتهم لرأيه، ويداريهم بالتي هي أحسن، ليكون محترماً بينهم، معظماً في نفوسهم. (٤) أن يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل. وينبغي أن يكبر كلما صعد مكاناً عالياً، ويُسبح إذا هبط مكاناً منخفضاً. وإذا نزل منزلاً فليقل: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فمن نزل منزلاً ثم قالها لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.

стр. 9559

الصلاة في السفر يجب على المسافر أن يحافظ على أداء الصلاة في أوقاتها جماعة، كما يجب على المقيم كذلك. قال الله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)) (١) . فأوجب الله الجماعة على الطائفتين في حال الحرب والقتال مع الخوف، ففي حال الطمأنينة والأمن تكون الجماعة أوجب وأولى. ولقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه يُواظبون على صلاة الجماعة حضراً وسفراً حتى قال عبد الله بن مسعود ﵁: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف) (٢) . رواه مسلم. ويجب أن يعتني بوضوئه وطهارته، فيتوضأ من الحدث الأصغر، كالبول والغائط والريح والنوم المستغرق، ويغتسل من الجنابة كإنزال المني والجماع. فإن لم يجد الماء، أو كان معه ماء قليل يحتاجه لطعامه وشرابه، فإنه يتيمم لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا

стр. 9560

بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١) . وكيفية الوضوء والغُسل معلومة. وكيفية التيمم أن يضرب الأرض بيديه فيمسح بهما وجهه وكفيه " ففي "صحيح البخاري " أن النبي ﷺ قال لعمار بن ياسر ﵁: "يكفيك الوجه والكفان " (٢) ، وفي رواية: (ضرب النبي ﷺ بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه) (٣) وفي رواية مسلم (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة (٤) . وطهارة التيمم طهارة مؤقت، فمتى وجد الماء بطلت ووجب عليه استعماله، فإذا تيمم عن جنابة ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال عنها، وإذا تيمم من الغائط ثم وجد الماء وجب عليه الوضوء عنه. وفي الحديث: "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته " (٥) . والسنة للمسافر أن يقصر الصلاة الرباعية، وهي الظهر والعصر والعشاء الآخرة إلى ركعتين، لما في "الصحيحين " من حديث ابن عمر ﵄ قال: صحبتُ رسول الله ﷺ وكان لا يزيد في السفر على

стр. 9561

ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك (١) . وفي "صحيح البخاري " عن عائشة ﵂ قالت: "فُرِضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعاً، وتُركت صلاة السفر على الأولى" (٢) . فالسنة للمسافر قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين من حين أن يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه، سواء طالت مدة سفره أم قَصُرت. وفي "صحيح البخاري " عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أقام بمكة تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين يعني عام الفتح، إلا أن يصلي المسافر خلف إمام يُصلي أربعاً فيلزمه أن يُصلي أربعاً، سواءً أدرك الإمام من أول الصلاة أم من أثنائها لقول النبي ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " (٣) . وقال النبي ﷺ : " ... فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (٤) . وسُئل ابن عباس ﵄: ما بال المسافر يُصلي ركعتين إذا انفرد وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة (٥) . وكان ابن عمر ﵄ إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلى وحده صلى ركعتين، يعني في السفر. وأما الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فهو سنة

стр. 9562

للمسافر عند الحاجة إليه، إذا جد به السير واستمر به، فيفعل ما هو الأرفق به من جمع التقديم أو التأخير؛ ففي "الصحيحين " من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب (١) . وللبيهقي (٢) : كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر وزالت الشمس صلى الظهر والعصر جمعاً. وأما إذا لم يكن المسافر محتاجاً للجمع فلا يجمع، مثل أن يكون نازلاً في مكان لا يريد أن يرتحل منه إلا بعد دخول وقت الثانية، فالأولى عدم الجمع لأنه غير محتاج إليه، ولذلك لم يجمع النبي حين كان نازلاً في منى في حجة الوداع لعدم الحاجة إليه. وأما صلاة التطوع، فيتطوع المسافر بما يتطوع به المقيم، فيصلي صلاة الضحى وقيام الليل والوتر وغيرها من النوافل سوى راتبة الظهر والمغرب والعشاء فالسنة أن لا يُصليها. والله أعلم.

стр. 9563

الفصل الثاني في شروط الحج إن الشريعة الإسلامية جاءت من لدن حكيم خبير، لا يُشرع منها إلا ما كان مُوافقاً للحكم، ومطابقاً للعدل، لذلك كانت الواجبات والفرائض لا تلزم الخلق إلا بشروط مرعية يلزم وجودها حتى يكون فرضها واقعاً موقعه. فمن ذلك فريضة الحج لا تكون فرضاً على العباد إلا بشروط: * الشرط الأول: أن يكون مسلماً، بمعنى أن الكافر لا يجب عليه الحج قبل الإسلام، وإنما نأمره بالإسلام أولاً، ثم بعد ذلك نأمره بفرائض الإسلام، لأن الشراِئع لا تُقبل إلا بالإسلام، قال الله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)) (١) . * الشرط الثاني: العقل، فالمجنون لا يجب عليه الحج ولا يصح منه لأن الحج لابد فيه من نية وقصد، ولا يمكن وجود ذلك في المجنون. * الشرط الثالث: البلوغ، ويحصل البلوغ في الذكور بواحد من أمور ثلاثة: ١- الإنزال، أي إنزال المني لقوله تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (٢) ، وقول النبي ﷺ : "غسل الجمعة واجب على كل محتلم " (٣) . متفق عليه.

стр. 9564

٢- نباتُ شعر العانة، وهو الشعر الخشن ينبت حول القُبل لقول عطية القرظي ﵁. عُرضنا على النبي ﷺ يوم قُريظة، فمن كان محتلماً أو أنبتَ عانته قُتِل ومَنْ لا تُرِك (١) . ٣- تمام خمس عشرة سنة، لقول عبد الله بن عمر ﵄، عُرضت على النبي ﷺ يوم أُحد وأنا ابن أربعَ عشرة سنةٌ فلم يُجزني. زاد البيهقي وابن حبان: ولم يَرَني بلغتُ، وعُرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. وفي رواية للبيهقي وابن حبان: ورآني بلغت. قال نافع: فقدِمتُ على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته الحديث، فقال: "إن هذا الحد بين الصغير والكبير، وكتب لعماله أن يفرضوا- يعني من العطاء- لمن بلغ خمس عشرة سنة". رواه البخاري. ٤- ويحصل البلوغ في الإناث بما يحصل به البلوغ في الذكور، وزيادة أمر رابع، وهو الحيضُ، فمتى حاضت فقد بلغت وإن لم تبلغ عشر سنين. فلا يجب الحج على من دون البلوغ لصغر سنه، وعدم تحمُّله أعباء الواجب غالباً، ولقول النبي ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يَكبُر، وعن المجنون حتى يفيق " (٢) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الحاكم.

стр. 9565

لكن يصح الحج من الصغير الذي لم يبلغ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لقي رَكباً بالروحاء- اسم موضع- فقال: "من القوم؟ " قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: "رسول الله "، فرفعت إليه امرأة صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم ولكِ أجر" (١) رواه مسلم. وإذا أثبت النبي ﷺ للصبي حجًّا ثبت جميع مقتضيات هذا الحج فليُجنِّب جميع ما يجتنبه المحرم الكبير من محظورات الإحرام، إلا أن عمدَه خطأٌ، فإذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام فلا فدية عليه ولا على وليِّه. * الشرط الرابع: الحرية، فلا يجب الحج على مملوك لعدم استطاعته. * الشرط الخامس: الاستطاعة بالمال والبدن، بأن يكون عنده مال يتمكن به من الحج ذهاباً وإياباً ونفقة، ويكون هذا المال فاضلاً عن قضاء الديون والنفقات الواجبة عليه، وفاضلاً عن الحوائج التي يحتاجها من المطعم والمشرب والملبس والمنكح والمسكن ومتعلقاته وما يحتاج إليه من مركوب وكُتبِ علم وغيرها، لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (٢) . ومن الاستطاعة أن يكون للمرأة مَحْرَمٌ، فلا يجب أداء الحج على من لا محرم لها لامتناع السفر عليها شرعاً، إذ لا يجوز للمرأة أن تسافر للحج ولا غيره بدون محرم، سواء أكان السفر طويلاً أم قصيراً، وسواء

стр. 9566

أكان معها نساء أم لا، وسواء كانت شابة جميلة أم عجوزاً شوهاء، وسواء في طائرة أم غيرها لحديث ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب يقول: " لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم "، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : "انطلق فحج مع امرأتك " (١) . ولم يستفصله النبي ﷺ هل كان معها نساء أم لا؟ ولا هل كانت شابة جميلة أم لا؟ ولا هل كانت آمنةً أم لا؟ والحكمة في منع المرأة من السفر بدون محرم صونُ المرأة عن الشر والفساد، وحمايتها من أهل الفجور والفسق؛ فإن المرأة قاصرة في عقلها وتفكيرها والدفاع عن نفسها، وهي مطمعُ الرجال، فربما تُخدع أو تُقهر، فكان من الحكمة أن تُمنع من السفر بدون محرم يُحافظ عليها ويصونها؛ ولذلك يُشترط أن يكون المَحرَم بالغاً عاقلاً، فلا يكفي المحرم الصغير أو المعتوه. والمَحرَمُ زوج المرأة، وكل ذَكرٍ تَحرمُ عليه تحريماً مؤبداً بقرابةٍ، أو رضاع، أو مصاهرة. فالمحارم من القرابة سبعة: ١- الأصول؛ وهم الآباء والأجداد وإن علوا، سواء من قِبَلِ الأب أو من قِبَلِ الأم. ٢- الفروع؛ وهم الأبناء وأبناء الأبناء وأبناء البنات وإن نزلوا. ٣- الإخوة؛ سواءٌ كانوا إخوةً أشقاء أم لأب أم لأم. ٤- الأعمام؛ سواء كانوا أعماماً أشقاء أم لأب أو لأم، وسواء كانوا

стр. 9567

أعماماً للمرأة أو لأحدٍ من آبائها أو أمهاتها، فإن عم الإنسان عمٌّ له ولذريته منهما نزلوا. ٥- الأخوال سواء كانوا أخوالاً أشقاء أم لأب أم لأم، وسواء كانوا أخوالاً للمرأة أو لأحدٍ من آبائها أو أُمهاتها، فإن خال الإنسان خالٌ له ولذريته مهما نزلوا. ٦- أبناء الإخوة وأبناء أبنائهم وأبناء بناتهم وإن نزلوا، سواءٌ كانوا أشقاء أم لأب أم لأم. ٧- أبناء الأخوات وأبناء أبنائهن وأبناء بناتهن وإن نزلوا، سواءٌ كن شقيقات أم لأب أم لأم. والمحارم من الرضاع نظير المحارم من النسب، لقول النبي ﷺ : "يحرمَ من الرضاع من يحرمُ من النسب " (١) . متفق عليه. * والمحارم بالمصاهرة أربعة: ١- أبناء زوج المرأة وأبناء أبنائه وأبناء بناته وإن نزلوا. ٢- آباء زوج المرأة وأجداده من قِبَل الأب أو من قِبَل الأم وإن عَلَوا. ٣- أزواج بنات المرأة وأزواج بنات أبنائها وأزَواج بنات بناتها وإن نزلن. وهذه الأنواع الثلاثة تثبت المحرمية فيهم بمجرد العقد الصحيح على الزوجة، وإن فارقها قبل الخلوةِ والدخولِ. ٤- أزواج أمهات المرأة وأزواج جداتها وإن علوا، سواء من قِبَل الأب أو من قِبَل الأم، لكن لا تثبت المحرمة في هؤلاء إلا بالوطء، وهو الجماع في نكاح صحيح، فلو تزوج امرأة ثم فارقها قبل الجماعِ لم

стр. 9568

يكن محرماً لبناتها وإن نزلن. فإن لم يكن الإنسان مستطيعاً بماله فلا حج عليه، وإن كان مستطيعاً بماله عاجزاً ببدنه؛ نظرنا: فإن كان عجزاً يُرجى زواله كمرض يُرجى أن يزول، انتظر حتى يزول، ثم يؤدي الحج بنفسه. وإن كان عجزاً لا يُرجى زواله، كالكبر والمرض المُزمن الذي لا يُرجى برؤه، فإنه يُنيب عنه من يقوم بأداء الفريضة عنه لحديث ابن عباس ﵄ أن امرأة من خثعم قالت: "يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، قال: "حجي عنه " (١) رواه الجماعة. هذه شروط الحج التي لابد من توافرها لوجوبه. واعتبارها مطابقٌ للحكمة والرحمة والعدل (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)) (٢) .

стр. 9569

الفصل الثالث في المواقيت وأنواع الأنساك المواقيت نوعان: زمانية ومكانية. فالزمانية للحج خاصة، أما العمرة فليس لها زمن معين لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) (١) وهي ثلاثة شوال وذو القعدة وذو الحجة. وأما المكانية فهي خمسة، وقَّتها رسول الله ﷺ ففي "الصحيحين " من حديث ابن عباس ﵄ قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحُليفة، ولأهل الشام الجُحفة، ولأهل نجد قَرن المنازل، ولأهل اليمن يَلَملَم، فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهلُّه من أهله، وكذا حتى أهل مكة يهلُّون منها" (٢) . وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق (ذات عِرْق) (٣) رواه أبو داود والنسائي. فالأول: ذو الحليفة ويسمى (أبيار علي) بينه وبين مكة نحو عشر مراحل، وهو ميقات أهل المدينة ومن مرَّ به من غيرهم. الثاني: الحجفة، وهي قرية قديمة بينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل، وقد خربت فصار الناس يُحرمون من رابغ بدلاً عنها وهي ميقات أهل الشام ومن مر بها من غيرهم إن لم يمروا بذي الحليفة قبلها، فإن مروا به لزمهم الإحرام منه.

стр. 9570

الثالث: قرن المنازل؛ ويسمى (السيل) وبينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو ميقات أهل نجد ومن مر به من غيرهم. الرابع: يلملم وهو جبل أو مكان بتهامة، بينه وبين مكة نحو مرحلتين، ويسمى (السعدية) وهو ميقات أهل اليمن ومن مر به من غيرهم. الخامس: ذات عرق، ويسمى عند أهل نجد (الضريبة) بينها وبين مكة مرحلتان، وهي لأهل العراق ومن مر بها من غيرهم. ومن كان أقرب إلى مكة من هذه المواقيت فميقاته مكانه فَيُحرم منه، حتى أهل مكة يحرمون من مكة، إلا في العمرة فيحرم من كان في الحَرَم من أدنى الحلّ لأَن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: "اخْرُج بأختِك -يعني عائشة لما طلبت منه العمرة- من الحَرَم فَلتُهِل بعمرة" (١) متفق عليه. ومن كان طريقه يميناً أو شمالاً من هذه المواقيت فإنه يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، فإن لم يُحاذِ ميقاتاً مثل أهل سواكنَ في السودان ومن يمر من طريقهم فإنهم يحرمون من جُدّة. ولا يجوز لمن مر بهذه المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزها إلا محرماً، وعلى هذا فإذا كان في الطائرة وهو يُريد الحج أو العمرة، وجب عليه الإحرام إذا حاذى الميقات من فوقه، فيتأهب ويلبس ثياب الإحرام قبل محاذاة الميقات، فإذا حاذاه عقد نية الإحرام فوراً. ولا يجوز له تأخيره إلى الهبوط في جُدَّة، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى، وقد قال سبحانه: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (٢) ،

стр. 9571

(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)) (١) ، (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (٢) . ومن مر بالمواقيت وهو لا يريد حجًّا ولا عمرة، ثم بدا له بعد ذلك أن يعتمر أو يحج فإنه يُحرم من المكان الذي عزم فيه على ذلك لأن في "الصحيحين " من حديث ابن عباس ﵄ في ذكر المواقيت قال: ومن كان دون ذلك فَمِن حيث أنشأ، وإذا مر بهذه المواقيت وهو لا يريد الحج ولا العمرة وإنما يريد مكة لغرض آخر كطلب علم، أو زيارة قريب، أو علاج مرض، أو تجارة أو نحو ذلك فإنه لا يجب عليه الإحرام إذا كان قد أدى الفريضة، لحديث ابن عباس السابق وفيه: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة" (٣) ، فإن مفهومه أن من لا يريدهما لا يجب عليه الإحرام. وإرادة الحج والعمرة غير واجبة على من أدى فريضتهما، وهما لا يجبان في العُمرِ إلا مرة واحدة، لقول النبي ﷺ حين سئل هل يجب الحج كل عام؟ قال: "الحج مرة فما زاد فهو تطوع " (٤) . والعمرة كالحج لا تجب إلا مرة في العمر. لكن الأولى لمن مر بالميقات أن لا يدع الإحرام بعمرة أو حج إن كان في أشهره، وإن كان قد أدى الفريضة، ليحصل له بذلك الأجر، ويخرج من الخلاف في وجوب الإحرام عليه.

стр. 9572

أنواع الأنساك ثلاثة الأول: التمتع بالعمرة إلى الحج، وهو أن يُحرم في أشهر الحج بالعمرة وحدها، ثم يفرغ منها بطواف وسعي وتقصير، ويحل من إحرامه، ثم يحرم بالحج في وقته من ذلك العام. الثاني: القران؛ وهو أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً، أو يُحرم بالعمرة أولاً ثم يُدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها فإذا وصل إلى مكة طاف طواف القدوم، وسعى بين الصفا والمروة للعمرة والحج سعياً واحداً، ثم استمر على إحرامه حتى يُحل منه يوم العيد. ويجوز أن يؤخر السعي عن طواف القدوم إلى ما بعد طواف الحج، لاسيما إذا كان وصوله إلى مكة متأخراً وخاف فوات الحج إذا اشتغل بالسعي. الثالث: الإفراد؛ وهو أن يُحرم بالحج مفرداً، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم، وسعى للحج، واستمر على إحرامه حتى يحل منه يوم العيد. ويجوز أن يؤخر السعي إلى ما بعد طواف الحج كالقارن. وبهذا تبين أن عمل المُفرد والقارن سواء، إلا أن القارن عليه الهديُ لحصول النُّسُكين له دون المفرد. وأفضل هذه الأنواع التمتع، لأن النبي ﷺ أمر به أصحابه وحثهم عليه، بل أمرهم أن يُحولوا نية الحج إلى العمرة من أجل التمتع. فعن ابن عباس ﵄ أنه سُئل عن متعةِ الحج؟ فقال: "أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال النبي ﷺ : "اجعلوا إهلالكم بالحج عُمرةً إلا من قلد

стр. 9573

الهدي" (١) فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب) رواه البخاري. وعن جابر ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مُهلين بالحج، معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طُفنا بالبيت والصفا والمروة، فقال لنا رسول الله ﷺ : "من لم يكن معه هديٌ فليحلُل "، قال: قلنا: أي الحل؟! قال: "الحلُ كله". قال: فأتينا النساء، ولبسنا الثياب ومَسَسنا الطيب، فلما كان يومُ التروية أهللنا بالحج " (٢) رواه مسلم. وفي رواية له قال: "قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبرُّكم، ولولا هديي لأحللت كما تُحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم اسق الهديَ، فَحِلُّوا" (٣) . فحللنا وسَمِعنا وأطعنا ". فهذا صريح في تفضيل التمتع على غيره من الأنساك لقوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسُق الهدي " (٤) ، ولم يمنعه من الحل إلا سوقُ الهدي، ولأن التمتع أيسر على الحاج، حيث يتمتع بالتحلل بين الحج والعمرة، وهذا هو الذي يوافق مُراد الله حيث قال سبحانه: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (٥) ، وقال النبي ﷺ : "بُعِثتُ بالحنيفية السمحة" (٦) .

стр. 9574

هذا وقد يُحرم الحاج بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، ثم لا يتمكن من إتمامها قبل الوقوف بعرفة، ففي هذه الحال يدخل الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها ويصير قارناً، ولذلك مثالان: المثال الأول: امرأة أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج، فحاضت أو نَفِست قبل أن تطوف، ولم تطهر قبل وقت الوقوف بعرفة، فإنها تُحرم بالحج وتصير قارنة، وتفعل ما يفعله الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهر وتغتسل. المثال الثاني: شخص أحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، فلم يتمكن من الدخول إلى مكة قبل وقت الوقوف بعرفة، فإنه يُدخِلُ الحج على العمرة ويصير قارناً لتعذُّر إكمال العمرة منه.

стр. 9575

الفصل الرابع فيما يجب به الهدي من الأنساك، وما صفة الهدي سبق في الفصل الثالث أن الأنساك ثلاثة: التمتع والقِران والإفراد، والذي يجب به الهديُ هو التمتع والقِران. والمتمتع: هو مَن أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم حلَّ منها وأحرم بالحج في عامِه، فلو أحرم بالعمرة قبل دخول شهر شوال، وبقي في مكة ثم حج في عامه فلا هدي عليه لأنه ليس بمتمتع، حيث كان إحرامه بالعمرة قبل دخول أشهر الحج. ولو أحرم بالعمرة بعد دخول شوال وحج من العام الثاني، فلا هدي عليه أيضاً لأن العمرة في عامٍ والحج في عام آخر. ولو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، وحل منها ثم رجع إلى بلده وعاد منه مُحرماً بالحج وحده لم يكن متمتعاً لأنه أفرد الحج بسفر مستقل. وأما القِران: فهو أن يُحرم بالعمرة والحج معاً، أو يُحرم بالعمرة أولاً ثم يُدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها كما سبق. ولا يجب الهدي على المتمتع والقارن إلا بشرط أن لا يكونا من حاضري المسجد الحرام، أي: لا يكونا من سكان مكة أو الحرم، فإن كانوا من سكان مكة أو الحرم فلا هدي عليهم لقوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (١) . ويلزم الهدي أهل جُدّة إذا أحرموا بتمتع أو قِران، لأنهم ليسوا من حاضري المسجد الحرام.

стр. 9576

ومَن كان من سُكان مكة ثم سافر إلى غيرها لطلب علم أو غيره، ثم رجع إليها متمتعاً أو قارناً فلا هدي عليه لأن العبرة بمحل إقامته ومسكنه وهو مكة. أما إذا كان من أهل مكة ولكن انتقل للسكنى في غيرها ثم رجع إليها متمتعاً أو قارناً فإنه يلزمه الهدي، لأنه حينئذ ليس من حاضري المسجد الحرام. ومتى عَدِمَ المتمتع والقارن الهدي أو ثمنه بحيث لا يكونُ معه من المال إلا ما يحتاجه لنفقته ورجوعه فإنه يسقط عنه الهدي، ويلزمه الصوم؛ لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) . ويجوز أن يصوم الأيام الثلاثة في أيام التشريق؛ وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، لقول عائشة وابن عمر ﵃: "لم يُرخّص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي " (١) رواه البخاري. ويجوز أن يصومها قبل ذلك، بعد الإحرام بالعمرة إذا كان يعرف من نفسه أنه لا يستطيع الهدي، لقول النبي ﷺ : "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" (٢) ، فمن صام الثلاثة في العمرة فقد صامها في الحج. لكن لا يصوم هذه الأيام يوم العيد لحديث أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ "نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر " (٣) . متفق عليه.

стр. 9577

ويجوز أن يصوم هذه الثلاثة متوالية ومتفرقة، ولكن لا يؤخرها عن أيام التشريق. وأما السبعة الباقية فيصومها إذا رجع إلى أهل إن شاء متوالية، وإن شاء متفرقة، لأن الله سبحانه أوجبها ولم يشرط أنها متتابعة. مسائل تتعلق بالهدي: المسألة الأولى: في بيان نوع الهدي. المسألة الثانية: فيما يجب أو ينبغي أن يتوافر فيه. المسألة الثالثة: في مكان ذبحه. المسألة الرابعة: في وقت ذبحه. المسألة الخامسة: في كيفية الذبح المشروع. المسألة السادسة: في كيفية توزيعه. فأما نوع الهدي: فهو من الإبل أو البقر أو الغنم الضأن والمعز لقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) (١) . وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم. وتجزىء الواحدة من الغنم في الهدي عن شخص واحد. وتُجزىء الواحدة من الإبل أو البقر عن سبعة أشخاص لحديث جابر ﵁ قال: "أمَرَنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر، كلُّ سبعةٍ منا في بَدَنة" (٢) متفق عليه. وأما ما يجب أن يتوافر فيه: فيجب أن يتوافر فيه شيئان:

стр. 9578

١- بلوغ السن الواجب وهو خمس سنين في الإبل، وسنتان في البقر، وسنة في المعز، وستة أشهر في الضأن، فما دون ذلك لا يجزئ لقول النبي ﷺ : "لا تذبحوا إلا مُسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعةً من الضأن " رواه الجماعة إلا البخاري. ٢- السلامة من العيوب الأربعة التي أمر النبي " ﷺ باتقائها وهي: - العوراء البين عورها، والعمياء أشد فلا تجزئ. - المريضة البين مرضها بجرب أو غيره. - العرجاء البين ضلعها، والزمنى التي لا تمشي، ومقطوعة إحدى القوائم أشدُّ. - الهزيلة التي لا مُخَّ فيها. لما روى مالك في "الموطأ" عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ سُئل: ماذا يتقى من الضحايا، فأشار بيده وقال: "أربعاً،- وكان- البراء يُشيرُ بيده ويقولُ: يدي أقصر من يد رسول الله ﷺ ، "العرجاء البيِّن ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تُنقى". فأما العيوب التي دون ذلك كعيب الأذن والقرن فإنها تكره، ولا تمنع الإجزاء على القول الراجح. وأما ما ينبغي أن يتوافر في الهدي، فينبغي أن يتوافر فيه السمن والقوة وكبر الجسم وجمال المنظر، فكلما كان أطيب فهو أحب إلى الله ، وإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. وأما مكان ذبح الهدي: ففي منى، ويجوز في مكة وفي بقية الحرم،

стр. 9579

لقول النبي ﷺ : "كل فجاج مكة منحرٌ وطريقٌ " (١) رواه أبو داود. وقال الشافعي ﵀: الحرم كله منحر؛ حيث نحر منه أجزأه في الحج والعمرة. وعلى هذا فإن كان ذبح الهدي بمكة أفيد وأنفع للفقراء فإنه يذبح في مكة، إما في يوم العيد، أو في الأيام الثلاثة بعده. ومن ذبح الهدي خارج حدود الحرم في عرفة أو غيرها من الحل لم يجزئه على المشهور. وأما وقت الذبح: فهو يوم العيد إذا مضى قدر فعل الصلاة بعد ارتفاع الشمس قدرَ رمحٍ إلى آخر أيام التشريق، لأن النبي ﷺ نحر هديه ضحى يوم العيد، ويُروى عنه ﷺ أنه قال: "كل أيام التشريق ذبح " (٢) . فلا يجوز تقديم ذبح هدي التمتع والقران على يوم العيد، لأن النبي ﷺ لم يذبح قبل يوم العيد، وقال: "خُذوا عني مناسككم " (٣) ، وكذلك لا يجوز تأخير الذبح عن أيام التشريق لخروج ذلك عن أيام النحر. ويجوز الذبح في هذه الأيام الأربعة ليلاً ونهاراً، ولكن النهار أفضل. وأما كيفية ذبح الهدي: فالسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فإن لم يتيسر نحرها قائمة فباركة. والسنة في غير الإبل الذبح مضجعة على جنبها. والفرق بين النحر والذبح أن النحر في أسفل الرقبة مما يلي الصدر، والذبح في أعلاها ما يلي الرأس.

стр. 9580

ولابد في النحر والذبح من إنهار الدم بقطع الودجين لقول النبي ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً" (١) متفق عليه. وإنهارُ الدم يكون بقطع الودجين، وهما العرقان الغليظان المُحيطان بالحُلقوم، وتمام ذلك بقطع الحُلقوم والمريء أيضاً. ولابد من قول الذابح: "بسم الله " عند الذبح أو النحر، فلا تؤكل الذبيحة إذا لم يذكر اسم الله عليها، لقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (٢) ، ولا تجزئ عن الهدي حينئذ لأنها ميتة لا يحل أكلها. وأما كيفية توزيع الهدي: فقد قال الله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)) (٣) ، (وأمر النبي ﷺ في حجته من كل بدنة بقطعة فجُمعت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها) (٤) رواه مسلم. فالسنة أن يأكل من هديه ويُطعم منه غيره، ولا يكفي أن يذبح الهدي ويرمي به بدون أن يتصدق منه وينتفع به، لأن هذا إضاعةٌ للمال، ولا يحصل به الإطعام الذي أمر الله به، إلا أن يكونَ الفقراء حوله فيذبحه ثم يُسلمه لهم، فحينئذ يبرأ منه. فعلى الحاج أن يعتني بهديه من جميع هذه النواحي ليكون هدياً مقبولاً مقرباً له إلى الله ، ونافعاً لعباد الله.

стр. 9581

واعلم أن إيجاب الهدي على المتمتع والقارن، أو الصيام عند العدم، ليس غُرماً على الحاج، ولا تعذيباً له بلا فائدة، وإنما هو من تمام النسك وكماله، ومن رحمة الله وإحسانه، حيث شرع لعباده ما به كمال عبادتهم وتقربهم إلى ربهم، وزيادة أجرهم، ورفعة درجاتهم، والنفقة فيه مخلوفة، والسعي فيه مشكور، فهو نعمة من الله تعالى يستحق عليه الشكر بذبح الهدي، أو القيام ببدله، ولهذا كان الدم فيه دم شُكران لا دم جبران، فيأكل منه الحاج ويهدي ويتصدق. وكثيرٌ من الناس لا تخطر ببالهم هذه الفائدة العظيمة، ولا يحسبون لها حساباً، فتجدهم يتهربون من وجوب الهدي، ويسعون لإسقاطه بكل وسيلة، حتى إن منهم من يأتي بالحج مفرداً من أجل أن لا يجب عليهم الهدي أو الصيام، فيحرمون أنفسهم أجر التمتع وأجر الهدي أو بدله، والله المستعان.

стр. 9582

الفصل الخامس في محظورات الإحرام محظورات الإحرام: ما يُمنع منه المحرم بحج أو عمرة وهي ثلاثة أقسام: قسم محرم على الذكور والإناث. قسم محرم على الذكور فقط. قسم محرم على الإناث فقط. فأما المحرم على الذكور والإناث فهو: ١- إزالة شعر الرأس بحلق أو غيره لقوله تعالى: (َلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (١) ، وألحق جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى شعر بقية الجسم بشعر الرأس، وعلى هذا فلا يجوز للمحرم أن يُزيل أي شعر كان من بدنه. وقد بين الله فدية حلق الرأس بقوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ َفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (٢) . وأوضح النبي ﷺ أن الصيام مقداره ثلاثة أيام، وأن الصدقة مقدارُها ثلاثة آصع من الطعام لستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك شاة، والمراد شاة تبلغ السن المعتبر في الهدي، وتكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء. ويُسمى العلماء هذه الفدية فدية الأذى لقوله تعالى: (أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) .

стр. 9583

٢- تقليم الأظافر أو قلعها أو قصها قياساً على حلق الشعر؛ على المشهور عند أهل العلم. ولا فرق بين أظفار اليدين والرجلين، لكن لو انكسر ظُفرهُ وتأذى به فلا بأس أن يقص القدر المؤذي منه، ولا فدية عليه. ٣- استعمال الطيب بعد الإحرام في ثوبه أو بدنه أو غيرهما مما يتصل به لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال في المُحرم: "لا يلبس ثوباً مسه زعفران ولا ورس " (١) ، وقال في المحرم الذي وقصته راحلته وهو واقف بعرفة: "لا تُقربوه طيباً" (٢) وعلل ذلك بكونه يُبعث يوم القيامة ملبياً. والحديثان صحيحان. فدل هذا على أن المحرم ممنوع من قُربان الطيب. ولا يجوز للمحرم شم الطيب عمداً ولا خلط قهوته بالزعفران الذي يؤثر في طعم القهوة أو رائحتها، ولا خلط الشاي بماء الورد ونحوه مما يظهر فيه طعمه أو ريحه. ولا يستعمل الصابون المُمَسك إذا ظهرت فيه رائحة الطيب، وأما الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه فلا يضر بقاؤه بعد الإحرام لقول عائشة ﵂: "كنت أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو مُحرم " (٣) متفق عليه. ٤- عقد النكاح لقول النبي عم: "لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا

стр. 9584

يخطب " (١) رواه مسلم. فلا يجوز للمحرم أن يتزوج امرأة ولا أن يعقد لها النكاح بولاية ولا بوكالة، ولا يخطب امرأة حتى يحل من إحرامه. ولا تُزوَّج المرأة وهي محرمة. وعقدُ النكاح حال الإحرام فاسدٌ غير صحيح، لقول النبي ﷺ : "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) . ٥- المباشرة لشهوة بتقبيل أو لمس أو ضمِ أو نحوه لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (٣) . ويدخل في الرفث مقدمات الجماع كالتقبيل والغمز والمُداعبة لشهوة. فلا يحل للمحرم أن يقبل زوجته لشهوة، أو يمسها لشهوة، أو يغمزها لشهوة، أو يداعبها لشهوة. ولا يحل لها أن تمكنه من ذلك وهي مُحرمة. ولا يحل النظر لشهوة أيضاً لأنه يستمتع به كالمباشرة. ٦- الجماع لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (٤) . والرفث الجماع ومقدماته، والجماع أشد محظورات الإحرام تأثيراً على الحج وله حالان: الحال الأولى: أن يكون قبل التحلل الأول فيترتب عليه شيئان: أ- وجوب الفدية وهي بدنَة أو بقرة تجزئ في الأضحية يذبحها

стр. 9585

ويُفرقها كلها على الفقراء، ولا يأكل منها شيئاً. ب- فساد الحج الذي حصل فيه الجماع، لكن يلزم إتمامه وقضاؤه من السنة القادمة بدون تأخير. قال مالك في "الموطأ": بلغني أن عمر وعلياً وأبا هريرة سُئلوا عن رجل أصاب أهله وهو مُحرم؟ فقالوا: يَنفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج قابل والهدي. قال: وقال علي: وإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما. ولا يفسد النسك في باقي المحظورات. الحال الثانية: أن يكون الجماع بعد التحلل الأول، أي بعد رمي جمرة العقبة والحلق، وقبل طواف الإفاضة، فالحج صحيح، لكن يلزمه شيئان على المشهور من المذهب: أ- فدية شاة يذبحها ويفرقها جميعاً على الفقراء، ولا يأكل منها شيئاً. ب- أن يخرج إلى الحل، أي: إلى ما وراء حدود الحرم فيجدد إحرامه، ويلبس إزاراً ورداء ليطوف للإفاضة محرماً. ٧- من محظورات الإحرام: قتل الصيد، والصيد: كل حيوان بري حلال متوحش طبعاً كالظباء والأرانب والحمام، لقوله تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) (١) ، وقوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)) (٢) فلا يجوز للمحرم اصطياد الصيد

стр. 9586

المذكور، ولا قتله بمباشرة أو تسبب أو إعانة على قتله بدلالة أو إشارة أو مناولة سلاح أو نحو ذلك. وأما الأكل منه فهو أقسام ثلاثة: الأول: ما قتله المحرم أو شارك في قتله فأكله حرام على المحرم وغيره. الثاني: ما صاده حلال بإعانة المحرم، مثل أن يدله المحرم على الصيد، أو يناوله آلة الصيد، فهو حرام على المحرم دون غيره. الثالث: ما صاده الحلال للمحرم، فهو حرام على المحرم دون غيره، لقول النبي ﷺ : "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصَد لكم " (١) . وعن أبي قتادة ﵁ أنه صاد حمراً وحشيًّا، وكان أبو قتادة غير محرم وأصحابه محرمين، فأكلوا منه، ثم شكوا في أكلهم، فسألوا النبي ﷺ ؟ فقال: "هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء "؟ قالوا: لا، قال: "فكلوه" (٢) . وإذا قتل المحرم الصيد متعمداً فعليه جزاؤه، لقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) (٣) . فإذا قتل حمامة مثلاً فمثلها الشاة، فيخير بين أن يذبح الشاة ويفرقها على الفقراء فدية عن الحمامة، وبين أن يُقومها ويخرج ما يقابل القيمة طعاماً للمساكين، لكل مسكين نصف صاع، وبين أن يصوم عن إطعام

стр. 9587

كل مسكين يوماً. وأما قطع الشجر فليس حراماً على المحرم من أجل الإحرام، لأنه لا تأثير للإحرام فيه، وإنما يحرم على من كان داخل حدود الحرم سواء أكان محرماً أم غير محرم، وعلى هذا يجوز قطع الشجر في عرفة للمحرم وغير المحرم، ويحرَّم في مزدلفة ومنى على المحرم وغير المحرم لأن عرفة خارج حدود الحرم، ومزدلفة ومنى داخل حدود الحرم. فهذه المحظورات السبعة حرام على الرجال والنساء. ويختص الرجال بمحظورين حرام عليهم دون النساء وهما: ١- تغطية الرأس، لقول النبي ﷺ في المحرم الذي وقصته راحلته بعرفة: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخُمروا رأسه- أي لا تُغطوه- " (١) ، متفق عليه. فلا يجوز للرجل أن يُغطي رأسه بما يلاصقه كالعمامة- والقُبع والطاقية والغُترة ونحوها، فأما غير الملاصق كالشمسية وسقف السيارة والخيمة ونحوها فلا بأس به لقول أم حصين ﵂: "حججنا مع النبي ﷺ حج الوداع فرأتيه حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس النبي ﷺ يُظلله من الشمس " رواه مسلم. وفي رواية: "يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة" (٢) . ولا بأس أن يحمل متاعه على رأسه وإن تغطى ببعض الرأس لأن ذلك لا يُقصد به الستر غالباً. ولا بأس أن يغوص في الماء ولو تغطى رأسه بالماء.

стр. 9588

٢- مما يختص به الرجال من محظورات الإحرام لُبس المخيط، وهو أن يلبس ما يلبس عادة على الهيئة المُعتادة، سواء كان شاملاً للجسم كله، كالبرنس والقميص، أو لجزء منه كالسراويل والفنايل والخفاف والجوارب وشراب اليدين والرجلين، لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ سُئل: ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: "لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرانس ولا السراويل ولا الخفاف ولا ثوباً مسّه زعفرانٌ ولا ورس " (١) متفق عليه. لكن إذا لم يجد الإزار ولا ثمنه لبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين ولا ثمنهما لبس الخفين ولا شيء عليه، لحديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات يقول: "من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين " (٢) متفق عليه. ولا بأس أن يلف القميص على جسمه بدون لبس. ولا بأس أن يجعل العباءة رداءً بحيث لا يلبسها كالعادة. ولا بأس أن يلبس رداءً أو إزاراً مرقعاً. ولا بأس أن يعقد على إزاره خيطاً أو نحوه. ولا بأس أن يلبس الخاتم وساعة اليد ونظارة العين وسماعة الأذن، ويُعلق القربة ووعاء النفقة في عنقه. ولا بأس أن يعقد رداءه عند الحاجة مثل أن يخاف سقوطه، لأن هذه الأمور لم يرد فيها منع عن الرسول ﷺ ، وليست في معنى المنصوص عليه، بل لقد سُئل النبي ﷺ عما يلبس المحرم؟ فقال: "لا يلبس

стр. 9589

القميص ولا العمامة ولا البرانس ولا السراويل ولا الخفاف " (١) . فإجابته ﷺ بما لا يُلبس عن السؤال عما يلبس دليل على أن كل ما عدا هذه المذكورات فإنه يلبسه المحرم. وقد أجاز النبي ﷺ للمحرم أن يلبس الخفين إذا عدم النعلين لاحتياجه إلى وقاية رجليه، فمثل ذلك لبس نظارة العين لاحتياج لابسها إلى حفظ عينيه. وهذان المحظوران خاصان بالرجال، أما المرأة فلها أن تغطي رأسها، ولها أن تلبس في الإحرام ما شاءت من الثياب، غير أن لا تتبرج بالزينة، ولا تلبس القفازين، وهما شراب اليدين، ولا تنتقب ولا تغطي وجهها إلا أن يمر الرجال قريباً منها فتغطي وجهها حينئذ، لأنه لا يجوز كشف الوجه للرجال الأجانب أي غير المحارم. ويجوز للرجال والنساء تغيير ثياب الإحرام إلى غيرها مما لا يمتنع عليهما لبسه حال الإحرام. وإذا فعل المحرم شيئاً من المحظورات السابقة من الجماع أو قتل الصيد أو غيرهما فله ثلاث حالات: الأولى: أن يكون ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو نائماً، فلا شيء عليه، لا إثم ولا فدية ولا فساد نسك، لقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (٢) وقوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)) (٣) . فإذا انتفى حكم الكفر عمن أُكره عليه، فما دونه من الذنوب أولى.

стр. 9590

وهذه نصوص عامة في محظورات الإحرام وغيرها، تفيد رفع الحكم عمن كان معذوراً بها. وقال الله تعالى في خصوص المحظورات في الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (١) ، فقيَّد وجوب الجزاء بكون القاتل متعمداً، والتعمد وصف مناسب للعقوبة والضمان، فوجب اعتباره وتعليق الحكم به، وإن لم يكن متعمداً فلا جزاء عليه ولا إثم، لكن متى زال العذر فعلم الجاهل، وذكر الناسي، واستيقظ النائم، وزال الإكراه وجا عليه التخلي عن المحظور فوراً. فإن استمر عليه مع زوال العذر كان آثماً، وعليه ما يترتب على فعله من الفدية وغيرها. مثال ذلك أن يُغطي المحرم رأسه وهو نائم، فلا شيء عليه مادام نائماً، فإذا استيقظ لزمه كشف رأسه فوراً، فإن استمر في تغطيته مع علمه بوجوب كشفه كان آثماً، وعليه ما يترتب على ذلك. الثانية: أن يفعل المحظور عمداً لكن لعذر يبيحه، فعليه ما يترتب على فعل المحظور ولا إثم عليه لقوله تعالى: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (٢) . الثالثة: أن يفعل المحظور عمداً بلا عذر يبيحه، فعليه ما يترتب على فعله مع الإثم. أقسام المحظورات باعتبار الفدية: تنقسم محظورات الإحرام باعتبار الفدية إلى أربعة أقسام:

стр. 9591

أولاً: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح. ثانياً: ما فديته بدنة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول. ثالثاً: ما فديته جزاؤه أو ما يقوم مقامه، وهو قتل الصيد. رابعاً: ما فديته صيامٌ أو صدقة أو نسك حسب البيان السابق في فدية الأذى، وهو حلق الرأس. وألحق به العلماء بقية المحظورات سوى الثلاثة السابقة.

стр. 9592

الفصل السادس في صفة العمرة العمرة إحرامٌ وطوافٌ وسعيٌ وحلقٌ أو تقصيرٌ. فأما الإحرام فهو نية الدخول في النسك والتلبس به. والسنة لمريده أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، ويتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته بدهن عود أو غيره، ولا يضره بقاؤه بعد الإحرام لما في "الصحيحين " من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يُحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص المسك في رأسه ولحيته بعد ذلك " (١) . والاغتسال عند الإحرام سُنَّةٌ في حق الرجال والنساء، حتى المرأة الحائض والنفساء؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس حين ولدت محمد بن أبي بكر في ذي الحليفة في حجة الوداع أمرها فقال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " رواه مسلم من حديث جابر ﵁. ثم بعد الاغتسال والتطيب يلبس ثياب الإحرام، وهي للرجال إزارٌ ورداء، وأما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب غير أن لا تتبرج بزينة، ولا تنتقب ولا تلبس القفازين وتغطي وجهها عند الرجال غير المحارم. ثم يصلي غير الحائض والنفساء صلاة الفريضة إن كان في وقت فريضة، وإلا صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء. فإذا فرغ من الصلاة أحرم، وقال لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. هذه تلبية النبي ﷺ ، وربما زاد: لبيك إله الحق لبيك.

стр. 9593

والسنة للرجال رفع الصوت بالتلبية لحديث السائب بن خلاد ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية " (١) أخرجه الخمسة. ولأن رفع الصوت بها إظهارٌ لشعائر الله وإعلانٌ بالتوحيد. وأما المرأة فلا ترفع صوتها بالتلبية ولا غيرها من الذكر لأن المطلوب في حقها التستر. ومعنى قول الملبي: لبيك اللهم لبيك، أي: إجابةً لك يا رب، وإقامة على طاعتك، لأن الله سبحانه دعا عباده إلى الحِج على لسان الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (٢) . وإذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يمنعه من إتمام نُسكه؛ من مرض أو غيره، فإنه يسن أن يشترط عند نية الإحرام، فيقول عند عقده: "إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني "، أي: إن منعني مانع من إتمام نُسكي من مرض أو تأخر أو غيرهما، فإني أحل بذلك من إحرامي، لأن النبي ﷺ دخل على ضباعة بنت الزبير فقال: "لعلك أردت الحج؟ " فقالت: والله ما أجدني إلا وَجعة، قال: "حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حَبَستني، وقال: إن لك على ربك ما استثنيتِ ". حديث صحيح (٣) .

стр. 9594

وأما من لا يخاف من عائق يمنعه من إتمام نُسكه فلا ينبغي له أن يشترط، لأن النبي ﷺ أحرم ولم يشترط، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (١) ، ولم يأمر بالاشتراط كل أحدٍ أمراً عامًّا، وإنما أمر به ضُباعة بنت الزبير لوجود المرض بها، والخوف من عدم إتمام نُسكها. وينبغي للمحرم أن يُكثر من التلبية لأنها الشعارُ القولي للنسك خصوصاً عند تغير الأحوال والأزمان، مثل أن يعلو مرتفعاً، أو ينزل منخفضاً، أو يُقبل ليلٌ، أو نهار، أو يهمَّ بمحظور أو مُحرم أو نحو ذلك. ويستمر في التلبية في العمرة من الإحرام إلى أن يشرع في الطواف وفي الحج من الإحرام إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد. فإذا قَرُب من مكة سُنَّ أن يغتسل لدخولها إن تيسر له، لأن النبي ﷺ كان يغتسل عند دخولها. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج خرج من الثنية السُّفلى" (٢) متفق عليه. فإذا تيسر للحاج الدخول من حيث دخل النبي ﷺ والخروج من حيث خرج فهو أفضل. فإذا وصل المسجد الحرام قدم رجله اليمنى لدخوله، وقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم.

стр. 9595

ويدخل بخشوع وخضوع وتعظيم لله ، مُستحضراً بذلك نعمة الله عليه بتيسير الوصول إلى بيته الحرام. ثم يتقدم إلى البيت متجهاً نحو الحجر الأسود ليبتدىء الطواف، ولا يقول: نويت الطواف لأنه لم يرد عن النبي ﷺ . والنية محلها القلب. فيستلم الحجر الأسود بيده اليمنى ويقبله إن تيسر له ذلك، يفعل ذلك تعظيماً لله ، واقتداء برسول الله ﷺ لا اعتقاداً أن الحجر ينفع أو يضر، فإنما ذلك لله . وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يُقبّل الحجر ويقول: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله لمج يقبلك ما قبلتك " رواه الجماعة. فإن لم يتيسر له التقبيل، استلمه بيده وقبلها، ففي "الصحيحين " من حديث ابن عمر ﵄ أنه استلم الحجر بيده ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت النبي ﷺ يفعله. فإن لم يتيسر له استلامه بيده فلا يُزاحم، لأن الزحام يؤذيه، ويؤذي غيره، وربما حصل به الضرر، ويذهب الخشوع، ويخرج بالطواف عما شرع من أجله من التعبد لله، وربما حصل به لغو وجدال، ومقاتلة. ويكفي أن يُشير إليه بيده ولو من بعيد، وفي "البخاري " من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ طاف بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه. وفي رواية: أشار إليه بشيء كان عنده وكبّر. ثم يأخذ ذات اليمين، ويجعل البيت على يساره، فإذا وصل الركن اليماني استلمه إن تيسر له بدون تقبيل، فإن لم يتيسر له فلا يزاحم.
следующие страницы →