← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

أولاً: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح. ثانياً: ما فديته بدنة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول. ثالثاً: ما فديته جزاؤه أو ما يقوم مقامه، وهو قتل الصيد. رابعاً: ما فديته صيامٌ أو صدقة أو نسك حسب البيان السابق في فدية الأذى، وهو حلق الرأس. وألحق به العلماء بقية المحظورات سوى الثلاثة السابقة.

стр. 9592

الفصل السادس في صفة العمرة العمرة إحرامٌ وطوافٌ وسعيٌ وحلقٌ أو تقصيرٌ. فأما الإحرام فهو نية الدخول في النسك والتلبس به. والسنة لمريده أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، ويتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته بدهن عود أو غيره، ولا يضره بقاؤه بعد الإحرام لما في "الصحيحين " من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يُحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص المسك في رأسه ولحيته بعد ذلك " (١) . والاغتسال عند الإحرام سُنَّةٌ في حق الرجال والنساء، حتى المرأة الحائض والنفساء؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس حين ولدت محمد بن أبي بكر في ذي الحليفة في حجة الوداع أمرها فقال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " رواه مسلم من حديث جابر ﵁. ثم بعد الاغتسال والتطيب يلبس ثياب الإحرام، وهي للرجال إزارٌ ورداء، وأما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب غير أن لا تتبرج بزينة، ولا تنتقب ولا تلبس القفازين وتغطي وجهها عند الرجال غير المحارم. ثم يصلي غير الحائض والنفساء صلاة الفريضة إن كان في وقت فريضة، وإلا صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء. فإذا فرغ من الصلاة أحرم، وقال لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. هذه تلبية النبي ﷺ ، وربما زاد: لبيك إله الحق لبيك.

стр. 9593

والسنة للرجال رفع الصوت بالتلبية لحديث السائب بن خلاد ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية " (١) أخرجه الخمسة. ولأن رفع الصوت بها إظهارٌ لشعائر الله وإعلانٌ بالتوحيد. وأما المرأة فلا ترفع صوتها بالتلبية ولا غيرها من الذكر لأن المطلوب في حقها التستر. ومعنى قول الملبي: لبيك اللهم لبيك، أي: إجابةً لك يا رب، وإقامة على طاعتك، لأن الله سبحانه دعا عباده إلى الحِج على لسان الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (٢) . وإذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يمنعه من إتمام نُسكه؛ من مرض أو غيره، فإنه يسن أن يشترط عند نية الإحرام، فيقول عند عقده: "إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني "، أي: إن منعني مانع من إتمام نُسكي من مرض أو تأخر أو غيرهما، فإني أحل بذلك من إحرامي، لأن النبي ﷺ دخل على ضباعة بنت الزبير فقال: "لعلك أردت الحج؟ " فقالت: والله ما أجدني إلا وَجعة، قال: "حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حَبَستني، وقال: إن لك على ربك ما استثنيتِ ". حديث صحيح (٣) .

стр. 9594

وأما من لا يخاف من عائق يمنعه من إتمام نُسكه فلا ينبغي له أن يشترط، لأن النبي ﷺ أحرم ولم يشترط، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (١) ، ولم يأمر بالاشتراط كل أحدٍ أمراً عامًّا، وإنما أمر به ضُباعة بنت الزبير لوجود المرض بها، والخوف من عدم إتمام نُسكها. وينبغي للمحرم أن يُكثر من التلبية لأنها الشعارُ القولي للنسك خصوصاً عند تغير الأحوال والأزمان، مثل أن يعلو مرتفعاً، أو ينزل منخفضاً، أو يُقبل ليلٌ، أو نهار، أو يهمَّ بمحظور أو مُحرم أو نحو ذلك. ويستمر في التلبية في العمرة من الإحرام إلى أن يشرع في الطواف وفي الحج من الإحرام إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد. فإذا قَرُب من مكة سُنَّ أن يغتسل لدخولها إن تيسر له، لأن النبي ﷺ كان يغتسل عند دخولها. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج خرج من الثنية السُّفلى" (٢) متفق عليه. فإذا تيسر للحاج الدخول من حيث دخل النبي ﷺ والخروج من حيث خرج فهو أفضل. فإذا وصل المسجد الحرام قدم رجله اليمنى لدخوله، وقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم.

стр. 9595

ويدخل بخشوع وخضوع وتعظيم لله ، مُستحضراً بذلك نعمة الله عليه بتيسير الوصول إلى بيته الحرام. ثم يتقدم إلى البيت متجهاً نحو الحجر الأسود ليبتدىء الطواف، ولا يقول: نويت الطواف لأنه لم يرد عن النبي ﷺ . والنية محلها القلب. فيستلم الحجر الأسود بيده اليمنى ويقبله إن تيسر له ذلك، يفعل ذلك تعظيماً لله ، واقتداء برسول الله ﷺ لا اعتقاداً أن الحجر ينفع أو يضر، فإنما ذلك لله . وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يُقبّل الحجر ويقول: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله لمج يقبلك ما قبلتك " رواه الجماعة. فإن لم يتيسر له التقبيل، استلمه بيده وقبلها، ففي "الصحيحين " من حديث ابن عمر ﵄ أنه استلم الحجر بيده ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت النبي ﷺ يفعله. فإن لم يتيسر له استلامه بيده فلا يُزاحم، لأن الزحام يؤذيه، ويؤذي غيره، وربما حصل به الضرر، ويذهب الخشوع، ويخرج بالطواف عما شرع من أجله من التعبد لله، وربما حصل به لغو وجدال، ومقاتلة. ويكفي أن يُشير إليه بيده ولو من بعيد، وفي "البخاري " من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ طاف بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه. وفي رواية: أشار إليه بشيء كان عنده وكبّر. ثم يأخذ ذات اليمين، ويجعل البيت على يساره، فإذا وصل الركن اليماني استلمه إن تيسر له بدون تقبيل، فإن لم يتيسر له فلا يزاحم.

стр. 9596

ولا يستلم من البيت سوى الحجر الأسود والركن اليماني؛ لأنهما كانا على قواعد إبراهيم، ولأن النبي ﷺ لم يستلم سواهما. وروى الإمام أحمد (١) عن مجاهد عن ابن عباس أنه طاف مع معاوية بالبيت، فجعل مُعاوية يستلم الأركان كلها، فقال ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله ﷺ يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً. فقال ابن عباس: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" فقال معاوية: صدقت. ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)) (٢) . وكلما مر بالحجر الأسود فعل ما سبق وكبر ويقول في بقية طوافه ما أحب من ذكر ودعاء وقراءة، فإنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله. والسنة للرجل في هذا الطواف- أعني الطواف أول ما يقدم- أن يضطبع في جميع طوافه ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى منه، دون الأربعة الباقية. فأما الاضطباع فهو أن يُبرز كتفه الأيمن، فيجعل وسط ردائه تحت إبطه وطرفيه على كتفه الأيسر. وأما الرمل فهو: إسراعُ المشي مع مُقاربة الخُطا. والطواف سبعة أشواط، يبتدىء من الحجر الأسود وينتهي به. ولا يصحُّ الطواف من داخل الحِجْر. فإذا أتم سبعة أشواط، تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ)

стр. 9597

إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (١) ثم صلى ركعتين خلفه قريباً منه إن تيسر، وإلا فبعيداً، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)) وفي الثانية بعد الفاتحة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)) ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر له، وإلا فلا يشير إليه. ثم يخرج إلى المسعى ليسعى، فإذا دنا من الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (٢) ، ولا يقرؤها في غير هذا الموضع. ثم يرقى على الصفا حتى يرى الكعبة، فيستقبلها ويرفع يديه فيحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو، وكان من دُعاء النبي ﷺ هنا: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " يكرر ذلك ثلاث مراتٍ، ويدعو بينها. ثم ينزل من الصفا إلى المروة ماشياً حتى يصل إلى العمود الأخضر، فإذا وصله، أسرع إسراعاً شديداً بقدر ما يستطيع إن تيسر له بلا أذية، حتى يصل العمود الأخضر الثاني، ثم يمشي على عادته حتى يصل المروة، فيرقى عليها ويستقبل القبلة، ويرفع يديه ويقول ما قاله على الصفا. ثم ينزل من المروة إلى الصفا يمشي في موضع مشيه، ويسرع في موضع إسراعه، فيرقى على الصفا، ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويقول مثل ما سبق في أول مرة، ويقول في بقية سعيه ما أحب من ذكر وقراءة ودعاء. والصعود على الصفا والمروة، والسعي الشديد بين العلمين، كلها

стр. 9598

سنة وليست بواجب. فإذا أتم سعيه سبعة أشواط، من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر، حلق رأسه إن كان رجلاً أو قصره، والحلق أفضل إلا أن يكون متمتعاً والحج قريب لا يمكن أن ينبت شعره قبله، فالتقصير أفضل، ليبقى الشعر فيحلقه في الحج، لأن النبي ﷺ أمر أصحابه حين قدموا صبيحة رابعة ذي الحجة أن يتحللوا بالتقصير. وأما المرأة فتقصر رأسها بكل حال، ولا تحلق، فتقصر من كل قرنٍ أُنملة. ويجب أن يكون الحلق شاملاً لجميع الرأس؛ لقوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ) (١) ، ولأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (٢) . وكذلك التقصير يعمُّ به جميع الرأس. وبهذه الأعمال تمت عمرته وحل منها حِلاًّ كاملاً، يُبيح له جميع محظورات الإحرام. خلاصة أعمال العمرة: ١- الاغتسال كما يغتسل للجنابة والتطيب. ٢- لبس ثياب الإحرام، إزار ورداء للرجل، وللمرأة ما شاءت من الثياب المباحة. ٣- التلبية والاستمرار فيها إلى الطواف. ٤- الطواف بالبيت سبعة أشواط ابتداء من الحجر الأسود وانتهاءً به. ٥- صلاة ركعتين خلف المقام.

стр. 9599

٦- السعي بين الصفا والمروة سبعةَ أشواط ابتداء بالصفا وانتهاء بالمروة. ٧- الحلق أو التقصير للرجال، والتقصيرُ للنساء.

стр. 9600

الفصل السابع في صفة الحج الإحرام بالحج: إذا كان ضحى يوم التروية- وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- أحرم من يريد الحج بالحج من مكانه الذي هو نازلٌ فيه. ولا يسن أن يذهب إلى المسجد الحرام أو غيره من المساجد فيحرم منه، لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه فيما نعلم. ففي "الصحيحين " من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لهم: "أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج ... " (١) الحديث. ولمسلم عنه ﵁ قال: "أمرنا رسول الله لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح " (٢) وإنما أهلوا من الأبطح لأنه مكان نزولهم. ويفعل عند إحرامه بالحج كما فعل عند إحرامه بالعمرة، فيغتسل ويتطيب ويصلي سنة الوضوء، ويُهل بالحج بعدها، وصفة الإهلال والتلبية بالحج كصفتهما في العمرة، إلا أنه في الحج يقول: لبيك حجًّا، بدل: لبيك عمرة، ويشترط أن محلي حيث حبستني، إن كان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام نسكه، وإلا فلا يشترط. الخروج إلى منى: ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً من غير جمع؛ لأن النبي ﷺ فعل كذلك.

стр. 9601

وفي "صحيح مسلم " عن جابر ﵁ قال: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب النبي ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر" (١) . وفي "صحيح البخاري " من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان صدراً من خلافته (٢) ، ولم يكن ﷺ يجمع في منى بين الصلاتين في الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، ولو فعل ذلك لنُقل كما نُقل جمعه في عرفة ومزدلفة. ويقصر أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة، لأن النبي ﷺ كان يُصلي بالناس في حجة الوداع في هذه المشاعر ومعه أهل مكة، ولم يأمرهم بالإتمام، ولو كان الإتمام واجباً عليهم لأمرهم به كما أمرهم به عام الفتح حين قال لهم: "أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر" (٣) . لكن حيث امتد عمران مكة فشمل منى وصارت كأنها حي من أحيائها فإن أهل مكة لا يقصرون فيها. الوقوف بعرفة: فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع سار من منى إلى عرفة فنزل بنمرة إلى الزوال إن تيسر له، وإلا فلا حرج عليه؛ لأن النزول بنمرة سنة لا واجب. فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين، يجمع بينهما جمع تقديم كما فعل رسول الله ﷺ .

стр. 9602

ففي "صحيح مسلم " من حديث جابر ﵁ قال: وأمر- يعني رسول الله ﷺ - بقبة من شعر تُضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة (١) فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلَت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً. ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس " الحديث ". والقصر والجمع في عرفة لأهل مكة وغيرهم. وإنما كان الجمع جمع تقديم ليتفرغ الناس للدعاء، ويجتمعوا على إمامهم، ثم يتفرقوا على منازلهم، فالسنة للحاج أن يتفرغ في آخر يوم عرفة للدعاء والذكر والقراءة ويحرص على الأذكار والأدعية الواردة عن النبي ﷺ ، فإنها من أجمع الأدعية وأنفعها فيقول: - اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي وإليك رب مآبي ولك رب تُراثي. - اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر. - اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح. - اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين،

стр. 9603

وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه. - اللهم لا تجعلني بدعاءك رب شقيًّا، وكن بي رؤوفاً رحيماً يا خير المسؤولين ويا خير المعطين. - اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً. - اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر. - اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. - اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. - اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ومن درك الشقاء، ومن سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء. - اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا. - اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر. - اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. فالدعاء يوم عرفة خير الدعاء. قال النبي ﷺ : "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد

стр. 9604

وهو على كل شيء قدير" (١) . وإذا لم يحط بالأدعية الواردة عن رسول الله ﷺ ، دعا بما يعرف من الأدعية المباحة. فإذا حصل له ملل، وأراد أن يستجم بالتحدث مع رفقته بالأحاديث النافعة، أو مُدارسة القرآن، أو قراءة ما تيسر من الكتب المفيدة، خُصوصاً ما يتعلق بكرم الله تعالى وجزيل هباته، ليقوي جانب الرجاء في هذا اليوم، كان حسناً، ثم يعود إلى الدعاء والتضرع إلى الله، ويحرص على اغتنام آخر النهار بالدعاء. وينبغي أن يكون حال الدعاء مستقبلاً القبلة، وإن كان الجبل خلفه أو يمينه أو شماله، لأن السنة استقبال القبلة، ويرفع يديه، فإن كان في إحداهما مانع رفع السليمة، لحديث أسامة بن زيد ﵁ قال: "كنت رِدفَ النبي ﷺ بعرفات فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع الأخرى" رواه النسائي (٢) . ويُظهر الافتقار والحاجة إلى الله ، ويُلح في الدعاء ولا يستبطىء الإجابة. ولا يعتدي في دعائه بأن يسأل ما لا يجوز شرعاً، أو ما لا يُمكن قدراً، فقد قال الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)) (٣) . وليتجنب أكل الحرام فإنه من أكبر موانع الإجابة، ففي "صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ... " (٤) الحديث. وفيه، "ثم ذكر الرجل يطيل

стр. 9605

السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حر امٌ، وغذي بالحرام فأنى يُستجاب لذلك ". فقد استبعد النبي ﷺ إجابة من يتغذى بالحرام ويلبس الحرام مع توفر أسباب القَبول في حقه وذلك لأنه يتغذى بالحرام. وإذا تيسر له أن يقف في موقف النبي ﷺ عند الصخرات فهو أفضل، وإلا وقف فيما تيسر له من عرفة، فعن جابر ﵁ أن النبي قال: "نحرتُ هاهنا، ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجَمعٌ- يعني مزدلفة- كلها موقف " رواه أحمد ومسلم. ويجب على الواقف بعرفة أن يتأكد من حدودها، وقد نُصبت عليها علامات يجدها من يتطلبها، فإن كثيراً من الحجاج يتهاونون بهذا فيقفون خارج حدود عرفة جهلاً منهم، وتقليداً لغيرهم، وهؤلاء الذين وقفوا خارج حدود عرفة ليس لهم حج؛ لأن الحج عرفة، لما روى عبد الرحمن بن يعمر: "أن أناساً من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة فسألوه فأمر مُنادياً ينادي: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك، أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، وأردف رجلاً ينادي بهن " (١) رواه الخمسة. فتجب العناية بذلك، وطلب علامات الحدود حتى يتيقن أنه داخل حدودها. ومن وقف بعرفة نهاراً وجب عليه البقاءُ إلى غروب الشمس، لأن

стр. 9606

النبي ﷺ وقف إلى الغروب، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " ولأن الدفع قبل الغروب من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بمخالفتها. ويمتد وقتُ الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر يوم العيد، لقول النبي ﷺ : "من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدركَ " (١) . فإن طلع الفجر يوم العيد قبل أن يقف بعرفة فقد فاته الحج. فإن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه إن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني تحلل من إحرامه ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط فإنه يتحلل بعمرة فيذهب إلى الكعبة، ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق، وإن كان معه هدي ذبحه، فإذا كان العام القادم قضى الحج الذي فاته، وأهدى هدياً، فإن لم يجد صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، لما روى مالك في "الموطأ" أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أبا أيوب وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج فأتيا يوم النحر أن يُحِلا بعمرة ثم يرجعا حلالاً ثم يحجا عاماً قابلاً ويهديا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. المبيت بمزدلفة: ثم بعد الغروب يدفع الواقف بعرفة إلى مزدلفة فيصلي بها المغرب والعشاء؛ يصلي المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين. وفي "الصحيحين " عن أُسامة بن زيد ﵄ قال: "دفع النبي ﷺ من عرفة فنزل الشعب، فبال ثم توضأ ولم يُسبغ الوضوء، فقلت: يا رسول الله الصلاة! قال: "الصلاة أمامك " فجاء المزدلفة

стр. 9607

فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أُقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها". فالسنة للحاج أن لا يصلي المغرب والعشاء إلا بمزدلفة اقتداء برسول الله ﷺ ، إلا أن يخشى خروج وقت العشاء بمنتصف الليل فإنه يجب عليه أن يُصلي قبل خروج الوقت في أي مكان كان. ويبيت بمزدلفة، ولا يُحيى الليل بصلاة ولا بغيرها، لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك. وفي "صحيح البخاري (١) " من حديث ابن عمر ﵄ قال: جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع ولم يُسبح بينهما شيئاً ولا على إثر كل واحدة منهما. وفي "صحيح مسلم " (٢) من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر. ويجوز للضعفة من رجال ونساء أن يدفعوا من مزدلفة بليل في آخره. في "صحيح مسلم " (٣) عن ابن عباس ﵄ بعث بي رسول الله ﷺ بسحرٍ من جمع في ثقل رسول الله ﷺ . وفي "الصحيحين " من حديث ابن عمر ﵄ أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون

стр. 9608

الله ما بدا لهم ثم يدفعون، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخَصَ في أولئك رسول الله ﷺ (١) . وأما من ليس ضعيفاً ولا تابعاً لضعيف، فإنه يبقى بمزدلفة حتى يُصلي الفجر اقتداء برسول الله ﷺ . وفي "صحيح مسلم " عن عائشة ﵂ قالت: "استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة تدفع قَبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثَبِطَة، فأذن لها وحَبَسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه ولأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة فأكون أدفعُ بإذنه أحب إلي من مفروح به " (٢) . وفي رواية أنها قالت: "فليتني كنتُ استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة". فإذا صلى الفجر أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وهلله ودعا بما أحب حتى يسفر جداً. وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه لقول النبي ﷺ : "وقفتُ هاهنا وجمعٌ كلها موقف " (٣) . السير إلى منى والنزول فيها: ينصرف الحجاج المقيمون بمزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس عند الانتهاء من الدعاء والذكر، فإذا وصلوا إلى منى عملوا ما يأتي:

стр. 9609

١- رمي جمرة العقبة وهي الجمرة الكبرى التي تلي مكة في منتهى منى، فيلقط سبع حصيات مثل حصا الخَذَفِ، أكبر من الحمص قليلاً، ثم يرمي بهن الجمرة، واحدة بعد واحدة، ويرمي من بطن الوادي إن تيسر له فيجعل الكعب عن يساره ومنى عن يمينه، لحديث ابن مسعود ﵁ "أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة" متفق عليه. ويُكبر مع كل حصاةٍ فيقول: الله أكبر. ولا يجوزُ الرمي بحصاة كبيرة ولا بالخفاف والنعال ونحوها. ويَرمي خاشعاً خاضعاً مُكبراً الله ، ولا يفعل ما يفعله كثيرٌ من الجهال من الصياح واللغط والسب والشتم؛ فإن رمي الجمار من شعائر الله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)) (١) . وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (٢) . ولا يندفع إلى الجمرة بعنف وقوة، فيؤذي إخوانه المسلمين أو يضرهم. ٢- ثم بعد رمي الجمرة يذبح الهدي إن كان معه هدي، أو يشتريه فيذبحه. وقد تقدم بيان نوع الهدي الواجب وصفته ومكان ذبحه وزمانه وكيفية الذبح، فليلاحظ. ٣- ثم بعد ذبح الهدي يحلق رأسه إن كان رجلاً، أو يقصره، والحلق

стр. 9610

أفضل، لأن الله قدمه فقال: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (١) ولأنه فعل النبي ﷺ ، فعن أنس بن مالك ﵁ "أن النبي ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة، فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق: خُذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يُعطيه الناس " (٢) رواه مسلم. ولأن النبي ﷺ دعا للمحلقين بالرحمة والمغفرة ثلاثاً وللمقصرين مرة، ولأن الحلق أبلغ تعظيماً لله حيث يُلقى به جميع شعر رأسه. ويجب أن يكون الحلق أو التقصير شاملاً لجميع الرأس لقوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) . والفعل المضاف إلى الرأس يشمل جميعه، ولأن حلق بعض الرأس دون بعفض منهي عنه شرعاً لما في "الصحيحين " (٣) عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن القَزع، فقيل لنافع: ما القزعُ؟ قال: أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضاً، وإذا كان القزع منهيًّا عنه لم يصح أن يكون قربة إلى الله، ولأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه تعبداً لله وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (٤) . وأما المرأة فتقصر من أطراف شعرها بقدر أنملة فقط. فإذا فعل ما سبق حل له جميع محظورات الإحرام ما عدا النساء فيحل له الطيب واللباس وقص الشعر والأظافر وغيرها من المحظورات

стр. 9611

ما عدا النساء. والسنة أن يتطيب لهذا الحل، لقول عائشة ﵂: "كنت أُطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يُحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت " (١) . متفق عليه، واللفظ لمسلم. وفي لفظ له: "كنت أطيب النبي ﷺ قبل أن يُحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسكٌ ". ٤- الطواف بالبيت وهو طواف الزيارة والإفاضة لقوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (٢) . وفي "صحيح مسلم " (٣) عن جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ قال: ثم ركب ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر ... الحديث. وعن عائشة ﵂ قالت: حججنا مع رسول الله ﷺ فأفضنا يوم النحر ... الحديث متفق عليه. وإذا كان مُتمتعاً أتى بالسعي بعد الطواف، لأن سعيه الأول كان للعمرة، فلزمه الإتيان بسعي الحج. وفي "الصحيحين " (٤) عن عائشة ﵂ أنها قالت: "فطاف الذين كانوا أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا

стр. 9612

الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً". وفي "صحيح مسلم " (١) عنها أنها قالت: "ما أتم الله حج امرىء ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة" وذكره البخاري تعليقاً. وفي "صحيح البخاري " (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: "ثم أمرنا- يعني رسول الله ﷺ - عشية التروية أن نُهلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا وعلينا الهدي " ذكره البخاري في: (باب ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) . وإذا كان مفرداً أو قارناً فإن كان قد سعى بعد طواف القدوم لم يعد السعي مرة أخرى لقول جابر ﵁: "لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، طوافه الأول " (٣) رواه مسلم. وإن كان لم يَسْعَ وجب عليه السعي لأنه لا يتم الحج إلا به كما سبق عن عائشة ﵂. وإذا طاف طواف الإفاضة وسعى للحج بعده أو قبله إن كان مُفرداً أو قارناً فقد حل التحلل الثاني، وحلَّ له جميع المحظورات؛ لما في "الصحيحين " (٤) عن ابن عمر ﵄ في صفة حج النبي ﷺ قال: "ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حُرم منه ".

стр. 9613

والأفضل أن يأتي بهذه الأعمال يوم العيد مرتبة كما يلي: ١- رمي جمرة العقبة. ٢- ذبح الهدي. ٣- الحلق أو التقصير. ٤- الطواف ثم السعي إن كان متمتعاً أو كان مفرداً أو قارناً ولم يسعَ مع طواف القدوم. لأن النبي ﷺ رتبها هكذا وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (١) . فإن قدم بعضها على بعض فلا بأس لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: "لا حرج " (٢) متفق علي. وللبخاري عنه قال: "كان النبي ﷺ يُسأل يوم النحر بمنى؟ فيقول: "لا حرج " فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج " وقال: رميت بعدما أمسيت قال: "لا حرج ". وفي "صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: "أن النبي ﷺ سُئل عن تقديم الحلق على الرمي، وعن تقديم الذبح على الرمي، وعن تقديم الإفاضة على الرمي، فقال: "ارمِ ولا حرج "، قال: فما رأيته سُئل يومئذ عن شيء، إلا قال: "افعلوا ولا حرج " (٣) . وإذا لم يتيسر له الطواف يوم العيد جاز تأخيره، والأولى أن لا يتجاوز به أيام التشريق إلا من عُذرِ كمرض وحيض ونفاس.

стр. 9614

الرجوع إلى منى للمبيت ورمي الجمار: يرجع الحاج يوم العيد بعد الطواف والسعي إلى منى، فيمكث فيها بقية يوم العيد وأيام التشريق ولياليها، لأن النبي ﷺ كان يمكث فيها هذه الأيام والليالي، ويلزمه المبيت في منى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر وليلة الثالث عشر إن تأخر، لأن النبي ﷺ بات فيها. وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (١) . ويجوز ترك المبيت لعذر يتعلق بمصلحة الحج أو الحجاج، لما في "الصحيحين " (٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن العباس بن عبد المطلب ﵁ استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له. وعن عاصم بن عدي أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى، الحديث (٣) . رواه الخمسة وصححه الترمذي. ويرمي الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام التشريق كل واحدة بسبع حصيات مُتعاقبات، يكبر مع كل حصاة ويرميها بعد الزوال. فيرمي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم يتقدم فيسهّل فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو وهو رافعٌ يديه. ثم يرمي الجمرة الوسطى، ثم يأخذُ ذات الشمال فيسهّل فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو وهو رافعٌ يديه. ثم يرمي جمرة العقبة، ثم ينصرف ولا يقفُ عندها.

стр. 9615

هكذا رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يفعل كذلك. وإذا لم يتيسر له طول القيام بين الجمار، وقف بقدر ما يتيسر له ليحصل إحياء هذه السنة التي تركها أكثر الناس، إما جهلاً أو تهاوناً بهذه السنة. ولا ينبغي ترك هذا الوقوف فتضيع السنة، فإن السنة كلما أُضيعت كان فعلها أوكد لحصول فضيلة العمل ونشر السنة بين الناس. والرمي في هذه الأيام- أعني أيام التشريق- لا يجوز إلا بعد زوال الشمس، لأن النبي ﷺ لم يرم إلا بعد الزوال، وقد قال: "لتأخذوا عني مناسككم " (١) : فعن جابر ﵁ قال: "رمى النبي ﷺ الجمرة يوم النحر ضُحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس " (٢) رواه مسلم. وهكذا كان الصحابة ﵃ يفعلون. ففي "صحيح البخاري " أن عبد الله بن عمر ﵄ سُئل: متى أرمي الجمار؛ قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا (٣) . وإذا رمى الجمار في اليوم الثاني عشر فقد انتهى من واجب الحج فهو بالخيار إن شاء بقي في منى لليوم الثالث عشر ورمى الجمار بعد الزوال، وإن شاء نفر منها لقوله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) (٤) .

стр. 9616

والتأخر أفضل لأنه فعل النبي ﷺ ، ولأنه أكثر عملاً حيث يحصل له المبيت ليلة الثالث عشر، ورمي الجمار من يومه. لكن إذا غربت الشمس في اليوم الثاني عشر قبل نفره من منى فلا يتعجل حينئذ لأن الله سبحانه قال: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) فقيّد التعجل في اليومين، ولم يُطلق فإذا انتهت اليومان فقد انتهى وقتُ التعجل، واليوم ينتهي بغروب شمسه. وفي "الموطأ" عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: من غربت له الشمس من أوساط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفر حتى يرمي الجمار من الغد، لكن إذا كان تأخره إلى الغروب بغير اختياره مثل أن يتأهب للنفر ويشد رحله فيتأخر خروجه من منى بسبب زحام السيارات أو نحو ذلك فإنه ينفر ولا شيء عليه ولو غربت الشمس قبل أن يخرج من منى. الاستنابة في الرمي: رمي الجمار نسك من مناسك الحج، وجزء من أجزائه، فيجب على الحاج أن يقوم به بنفسه إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، سواء كان حجه فريضة أم نافلة، لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (١) . فالحج والعمرة إذا دخل فيهما الإنسان وجب عليه إتمامهما وإن كانا نفلاً. ولا يجوز للحاج أن يُوكل مَنْ يرمي عنه إلا إذا كان عاجزاً عن الرمي بنفسه لمرض أو كِبَر أو صِغَر أو نحوها، فيوكل من يثق بعلمه ودينه فيرمي عنه سواء لقط المُوَكل الحصا وسلمها للوكيل، أو لقطها الوكيلُ ورمى بها عن موكله.

стр. 9617

وكيفية الرمي في الوكالة أن يرمي الوكيل عن نفسه أولاً سبع حصيات، ثم يرمي عن موكله بعد ذلك، فيعينه بالنية. ولا بأس أن يرمي عن نفسه وعمن وكله في موقف واحد، فلا يلزمه أن يكمل الثلاث عن نفسه، ثم يرجع عن موكله، لعدم الدليل على وجوب ذلك. طواف الوداع: إذا نَفَرَ الحاج من منى وانتهت جميع أعمال الحج، وأراد السفر إلى بلده فإنه لا يخرجُ حتى يطوف بالبيت للوداع سبعة أشواط، لأن النبي ﷺ طاف للوداع قد قال: "لتأخذوا عني مناسككم " (١) . ويجبُ أن يكون هذا الطواف آخر شيء يفعله بمكة لحديث ابن عباس ﵄ قال: "كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله ﷺ : "لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " (٢) رواه مسلم. فلا يجوز البقاء بعده بمكة، ولا التشاغل بشيء إلا ما يتعلق بأغراض السفر وحوائجه، كشد الرحل وانتظار الرفقة، أو انتظار السيارة إذا كان قد وعدَهم صاحبها في وقت معين فتأخر عنهم، ونحو ذلك. فإن أقام لغير ما ذُكر وَجَبَ عليه إعادة الطواف ليكون آخر عهده بالبيت. ولا يجب طواف الوداع على الحائض والنفساء لحديث ابن عباس ﵄ قال: "أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه

стр. 9618

خفف عن الحائض " (١) متفق عليه. وفي "صحيح مسلم " عن عائشة ﵂ قالت: حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت عائشة: فذكرت حيضتها لرسول الله ﷺ فقال: "أحابستنا هي؟ " فقلت: يا رسول الله إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال النبي ﷺ :"فلتنفر" (٢) . والنفساء كالحائض لأن الطواف لا يصح منها.

стр. 9619

مجمل أعمال الحج عمل اليوم الأول وهو اليوم الثامن: ١- يحرمُ بالحج من مكانه فيغتسل ويتطيب ويلبس ثياب الإحرام ويقول: لبيك حجًّا، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. ٢- يتوجه إلى منى فيبقى فيها إلى طُلوع الشمس في اليوم التاسع، ويُصلي فيها الظهر من اليوم الثامن، والعصر والمغرب والعشاء والفجر، كل صلاة في وقتها، ويقصر الرباعية. عمل اليوم الثاني وهو اليوم التاسع: ١- يتوجه بعد طلوع الشمس إلى عرفة، ويُصلي الظهر والعصر قصراً وجمعَ تقديم، وينزل قبل الزوال بنمرة إن تيسر له. ٢- يتفرغ بعد الصلاة للذكر والدعاء مستقبل القبلة رافعاً يديه إلى غُروب الشمس. ٣- يتوجه بعد غروب الشمس إلى مُزدلفة فيصلي فيها المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين، ويبيت فيها حتى يطلع الفجر. ٤- يصلي الفجر بعد طلوع الفجر، ثم يتفرغ للذكر والدعاء حتى يسفر جداً. ٥- يتوجه قبل طلوع الشمس إلى منى. عمل اليوم الثالث وهو يوم العيد: ١- إذا وصل إلى منى، ذهب إلى جمرة العقبة، فرماها بسبع حصيات متعاقبات، واحدة بعد الأخرى، يكبر مع كل حصاة. ٢- يذبح هديه إن كان له هدي.

стр. 9620

٣- يحلق رأسه أو يقصره، ويتحلل بذلك التحلل الأول فيلبس ثيابه ويتطيب وتحل له جميع محظورات الإحرام سوى النساء. ٤- ينزل إلى مكة فيطوف بالبيت طواف الإفاضة، وهو طواف الحج، ويسعى بين الصفا والمروة للحج، إن كان متمتعاً، وكذلك إن كان غير متمتع ولم يكن سعى مع طواف القدوم. وبهذا يحل التحلل الثاني، ويحل له جميع محظورات الإحرام حتى النساء. ٥- يرجع إلى منى فيبيت فيها ليلة الحادي عشر. عمل اليوم الرابع وهو الحادي عشر: ١- يرمي الجمرات الثلاث، الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، كل واحدة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة، يرميهن بعد الزوال ولا يجوز قبله. ويلاحظ الوقوف للدعاء بعد الجمرة الأولى والوسطى. ٢- يبيبت في منى ليلة الثاني عشر. عمل اليوم الخامس وهو الثائي عشر: ١- يرمي الجمرات الثلاث كما رماهن في اليوم الرابع. ٢- ينفر من منى قبل غروب الشمس إن أراد التعجل، أو يبيت فيها إن أراد التأخر. عمل اليوم السادس وهو الثالث عشر: هذا اليوم خاص بمن تأخر ويعمل فيه: ١- يرمي الجمرات الثلاث كما سبق في اليومين قبله. ٢- ينفر من منى بعد ذلك. وآخر الأعمال طواف الوداع عند سفره، والله أعلم.

стр. 9621

الفصل الثامن الواجبات في الحج الواجبات في الحج قسمان: قسم لا يصح الحج بدونها، وقسمٌ يصح الحج بدونها. فالتي لا يصح بدونها تسمى الأركان، وهي: ١- الإحرام وهو نية الدخول في الحج لقول الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى" (١) ، ووقته من دخول شهر شوال لقول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (٢) ، وأول هذه الأشهر شوال، وآخرها آخر ذي الحجة. وأمكنة الإحرام المعينة خمسة وهي: * ذو الحليفة (وتسمى أبيار علي) لأهل المدينة. * الجحفة (وهي قرية قرب رابغ) وقد خربت، فجعل الإحرام من (رابغ) بدلاً عنها لأهل الشام. * يلملم (وهو جبل أو مكان في طريق اليمن إلى مكة) لأهل اليمن، وتُسمى (السعدية) . * قرن المنازل (ويسمى السيل) لأهل نجد. * وذات عرق (وتسمى الضريبة) لأهل العراق. من مر بهذه المواقيت فهي ميقات له وإن لم يكن من أهلها. ٢- الوقوف بعرفة لقول الله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ

стр. 9622

فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) (١) ، ولقول النبي ﷺ : "الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك " (٢) . ووقته من زوال الشمس من اليوم التاسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من اليوم العاشر، لأن النبي ﷺ وقف بعد زوال الشمس وقال: "من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك " (٣) . وقيل: يبتدىء وقته من طلوع الفجر من اليوم التاسع، ومكانه عرفة كلها، لقول النبي ﷺ : "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (٤) . ٣- الطواف بالبيت لقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)) ولأن النبي ﷺ قال حين أخبر بأن صفية حاضت: "أحابستنا هي؟ " فقالوا: يا رسول الله إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة! قال: "فلتنفر إذن " (٦) ، فقوله: أحابستنا هي؟ دليل على أن طواف الإفاضة لابد منه وإلا لما كان سبباً لحبسهم، ولهذا لما أخبر بأنها طافت طواف الإفاضة رخص لها في الخروج. ووقته بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة لقوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)) ، ولا يكون قضاء التفث ووفاء النذور إلا بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة. ٤- السعي بين الصفا والمروة لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (٧) ، ولقول ابن عباس ﵄: ثم أمرنا- يعني

стр. 9623

رسول الله ﷺ عشية التروية أن نُهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فَطُفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا. وقال النبي ﷺ لعائشة ﵂: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك " (١) . وقالت عائشة ﵂: ما أتم الله حج امرىء ولا عُمرته ما لم يطف بين الصفا والمروة (٢) . ووقته للمتمتع بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة وطواف الإفاضة، فإن قدَّمه عليه فلا حرج، لاسيما إن كان ناسياً أو جاهلاً، لأن النبي ﷺ سأله رجلٌ: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: " لا حرج " (٣) . وأما القارن والمفرد فلهما السعي بعد طواف القدوم. فهذه الأربعة: الإحرامُ، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة لا يصح الحج بدونها. وأما الواجبات التي يصح الحج بدونها فتسمى اصطلاحاً بـ (الواجبات) وهي: ١- أن يكون الإحرام من الميقات المُعتبر شرعاً، لقول النبي ﷺ : "يُهل أهل المدينة من ذي الحليفة ... " (٤) إلى آخر الحديث. وهو خَبَرٌ بمعنى الأمر، بدليل الرواية الثانية عن ابن عمر ﵄ حين سُئل: من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: فرضها رسول الله ﷺ لأهل نجد قرناً... (٥) إلى آخره.

стр. 9624

والروايتان في "البخاري " عن ابن عمر ﵄. ٢- استمرار الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس يوم التاسع من ذي الحجة، لأن النبي ﷺ وقف إلى الغروب وقال: "لتأخذوا عني مناسككم "، ولأن في الدفع قبل الغروب مشابهة لأهل الجاهلية، فإنهم كانوا يدفعون قبل غروب الشمس. ٣- المبيت بمزدلفة ليلة عيد النحر، لقوله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) (١) ، ووقته إلى صلاة الفجر، لقول النبي ﷺ لعروة بن مضرس ﵁: "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه " (٢) . ويجوز الدفع في آخر الليل إلى منى للضعفة من النساء والصبيان ممن يشق عليهم زحام الناس ليرموا الجمرة قبل وصول الناس إلى منى؛ لأن ابن عمر ﵄ كان يُقدّم ضعفة أهله، فمنهم من يَقدُم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يَقدم بعد ذلك، فإذا قَدمُوا رَموا الجمرة، وكان يقول: أرخَصَ في أولئك رسول الله ﷺ (٣) . وكانت أسماء بنت أبي بكر ﵄ (تنتظر حتى يغيب القمر ثم ترتحل إلى منى فترمي الجمرة، ثم ترجع فتصلي الصبح في منزلها، وتقول: إن رسول الله ﷺ أذن للظعُنِ) (٤) أخرجهما البخاري في "صحيحه ". ومزدلفة كلها موقف، ويجب على الحاج أن يتأكد من

стр. 9625

حدودها لئلا ينزل خارجاً عنها. ٤- رمي جمرة العقبة يوم العيد، ورمي الجمرتين الأخريين معها في أيام التشريق في أوقاتها، لقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) (١) . والأيام المعدودات: أيام التشريق. ورمي الجمار من ذكر الله تعالى لقول النبي ﷺ : "إنما جُعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (٢) . ٥- الحلق أو التقصير للرجال، والتقصير فقط للنساء، لقول النبي ﷺ : "ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير" (٣) . ٦- المبيت بمنى ليلتين، ليلة إحدى عشرة وليلة اثنتي عشرة لمن تعجل، فإن تأخر فليلة ثلاث عشرة أيضاً، لأن النبي ﷺ بات بها، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (٤) . وروى ابن عمر ﵄ أن العباس بن عبد المطلب ﵁ استأذن من النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له (٥) . وفي لفظ: فرخص له. والتعبير بالرخصة دليل على وجوب المبيت لغير عذر. فهذه الأمور الستة واجبة في الحج، لكن الحج يصح بدونها.

стр. 9626

وفي تركها عند الجمهور من العلماء فدية شاة أو سُبع بدنة أو سُبع بقرة تُذبح في مكة وتُعطى فقراء أهلها، والله أعلم. فأما طواف الوداع فهو واجب على كل من خرج من الحجاج من مكة إلى بلده، لقول ابن عباس ﵄: "أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن الحائض " (١) . وثبت عن النبي ﷺ أنه طاف بالبيت حين خُروجه من مكة في حجة الوداع (٢) .

стр. 9627

الفصل التاسع أخطاء يرتكبها بعض الحجاج قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)) (١) . وقال تعالى: (فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)) (٢) . وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)) (٣) . وقال تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)) (٤) . وقال تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)) (٥) . فكل ما خالف هدي النبي ﷺ وطريقته فهو باطل وضلال مردود على فاعله، كما قال النبي ﷺ : (من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ" (٦) ، أي: مردود على صاحبه، غير مقبول منه. وإن بعض المسلمين- هداهم الله ووفقهم- يفعلون أشياء في كثير من العبادات غير مبنية على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولاسيما في الحج الذي يكثر فيه المقدمون على الفُتيا بدون علم، ويُسارعون فيها حتى صار مقامُ الفتيا متجراً عند بعض الناس للسمعة والظهور، فحصل بذلك من الضلال والإضلال ما حصل.

стр. 9628

والواجب على المسلم أن لا يُقدِمَ على الفُتيا إلا بعلمٍ يواجه به الله ، لأنه في مقام المُبلغ عنِ الله تعالى القائل عنه، فليتذكر عند الفُتيا قوله تعالى في نبيه ﷺ : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)) (١) ، وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (٢) . وأكثر الأخطاء من الحجاج ناتجة عن هذا- أعني عن الفُتيا بغير علم- وعن تقليد العامة بعضهم بعضاً دون برهان. ونحن نبين بعون الله تعالى السنة في بعض الأعمال التي يكثر فيها الخطأ، مع التنبيه على الأخطاء، سائلين الله أن يوفقنا للحق، وأن ينفع بذلك إخواننا المسلمين إنه جوادٌ كريمٌ.

стр. 9629

الإحرام والأخطاء فيه ثبت في "الصحيحين " وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحفة، ولأهل نجد قرنَ المنازل، ولأهل اليمن يَلمْلَم، وقال: "فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة" (١) . وعن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرق" (٢) رواه أبو داود والنسائي. وثبت في "الصحيحين " أيضاً من حديث عبد الله بن عُمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "يُهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويُهل أهلُ الشام من الجحفة، ويُهل أهلُ نجد من قرن ... " (٣) الحديث. فهذه المواقيت التي وقَّتها رسول الله ﷺ حدود شرعية توقيفية موروثة عن الشارع، لا يحلُّ لأحد تغييرها أو التعدي فيها، أو تجاوزها بدون إحرام لمن أراد الحج أو العمرة، فإن هذا من تعدي حدود الله، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)) (٤) ، ولأن النبي ﷺ قال في حديث ابن عمر ﵄: يُهل أهل المدينة ويُهل أهل الشام ويُهل أهل نجد، وهذا خبر بمعنى الأمر، ولهذا قال ابن عمر ﵄: فرضها رسول الله ﷺ . والإهلالُ: رفع الصوتِ بالتلبية، ولا يكونُ إلا بعد عقدِ الإحرام. فالإحرامُ من هذه المواقيت واجبٌ على من أراد الحج أو العمرة إذا

стр. 9630

مرَّ بها أو حاذاها، سواءُ أتى من طريق البر أو البحر أو الجو. فإن كان من طريق البر نزل فيها إن مر بها أو فيما حاذاها إن لم يمر بها، وأتى بما ينبغي أن يأتي به عند الإحرام، من الاغتسال وتطييب بدنه ولبس ثياب إحرامه، ثم يُحرم قبل مغادرته. وإن كان من طريق البحر، فإن كانت الباخرة تقف عند محاذاة الميقات اغتسل وتطيب ولبس ثياب إحرامه حال وقوفها، ثم أحرم قبل سيرها، وإن كانت لا تقف عند محاذاة الميقات اغتسل وتطيب ولبس ثياب إحرامه قبل أن تُحاذيه، ثم يُحرم إذا حاذته. وإن كان من طريق الجو، اغتسل عند ركوب الطائرة، وتطيب، ولبس ثوب إحرامه قبل مُحاذاة الميقات، ثم أحرم قُبيلَ مُحاذاته، ولا ينتظرُ حتى يُحاذيه، لأن الطائرة تمر به سريعة فلا تُعطي فرصة، وإن أحرم قبله احتياطاً فلا باس. والخطأ الذي يرتكبه بعض الناس أنهم يمرون من فوق الميقات في الطائرة أو من فوق محاذاته ثم يُؤخرون الإحرام حتى ينزلوا في مطار جدة فيُحرمون منها، وهذا مخالفٌ لأمر النبي ﷺ وتعدّ لحدود الله تعالى. وفي "صحيح البخاري " عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما فتح هذان المِصران- يعني البصرة والكوفة- أتوا عمر ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي ﷺ حدَّ لأهل نجد قرناً، وإنه جَورٌ عن طريقنا، وإن أردنا أن نأتي قرناً شق علينا، قال: فانظروا إلى حذوها من طريقكم. فجعل أمير المؤمنين أحدُ الخلفاء الراشدين ميقات من لم يمر بالميقات إذا حاذاه، ومَنْ حاذاه جوًّا فهو كمن حاذاه برًّا، ولا فرق.
следующие страницы →