وفي تركها عند الجمهور من العلماء فدية شاة أو سُبع بدنة أو سُبع بقرة تُذبح في مكة وتُعطى فقراء أهلها، والله أعلم.
فأما طواف الوداع فهو واجب على كل من خرج من الحجاج من مكة إلى بلده، لقول ابن عباس ﵄: "أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن الحائض " (١) .
وثبت عن النبي ﷺ أنه طاف بالبيت حين خُروجه من مكة في حجة الوداع (٢) .
стр. 9627
الفصل التاسع
أخطاء يرتكبها بعض الحجاج
قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)) (١) .
وقال تعالى: (فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)) (٢) .
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)) (٣) .
وقال تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)) (٤) .
وقال تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)) (٥) .
فكل ما خالف هدي النبي ﷺ وطريقته فهو باطل وضلال مردود على فاعله، كما قال النبي ﷺ : (من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ" (٦) ، أي: مردود على صاحبه، غير مقبول منه.
وإن بعض المسلمين- هداهم الله ووفقهم- يفعلون أشياء في كثير من العبادات غير مبنية على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولاسيما في الحج الذي يكثر فيه المقدمون على الفُتيا بدون علم، ويُسارعون فيها حتى صار مقامُ الفتيا متجراً عند بعض الناس للسمعة والظهور، فحصل بذلك من الضلال والإضلال ما حصل.
стр. 9628
والواجب على المسلم أن لا يُقدِمَ على الفُتيا إلا بعلمٍ يواجه به الله ، لأنه في مقام المُبلغ عنِ الله تعالى القائل عنه، فليتذكر عند الفُتيا قوله تعالى في نبيه ﷺ : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)) (١) ، وقوله
تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (٢) .
وأكثر الأخطاء من الحجاج ناتجة عن هذا- أعني عن الفُتيا بغير علم- وعن تقليد العامة بعضهم بعضاً دون برهان.
ونحن نبين بعون الله تعالى السنة في بعض الأعمال التي يكثر فيها الخطأ، مع التنبيه على الأخطاء، سائلين الله أن يوفقنا للحق، وأن ينفع بذلك إخواننا المسلمين إنه جوادٌ كريمٌ.
стр. 9629
الإحرام والأخطاء فيه
ثبت في "الصحيحين " وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحفة، ولأهل نجد قرنَ المنازل، ولأهل اليمن يَلمْلَم، وقال: "فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة" (١) .
وعن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرق" (٢) رواه أبو داود والنسائي.
وثبت في "الصحيحين " أيضاً من حديث عبد الله بن عُمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "يُهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويُهل أهلُ الشام من الجحفة، ويُهل أهلُ نجد من قرن ... " (٣) الحديث.
فهذه المواقيت التي وقَّتها رسول الله ﷺ حدود شرعية توقيفية موروثة عن الشارع، لا يحلُّ لأحد تغييرها أو التعدي فيها، أو تجاوزها بدون إحرام لمن أراد الحج أو العمرة، فإن هذا من تعدي حدود الله، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)) (٤) ،
ولأن النبي ﷺ قال في حديث ابن عمر ﵄: يُهل أهل المدينة ويُهل أهل الشام ويُهل أهل نجد، وهذا خبر بمعنى الأمر، ولهذا قال ابن عمر ﵄: فرضها رسول الله ﷺ .
والإهلالُ: رفع الصوتِ بالتلبية، ولا يكونُ إلا بعد عقدِ الإحرام.
فالإحرامُ من هذه المواقيت واجبٌ على من أراد الحج أو العمرة إذا
стр. 9630
مرَّ بها أو حاذاها، سواءُ أتى من طريق البر أو البحر أو الجو.
فإن كان من طريق البر نزل فيها إن مر بها أو فيما حاذاها إن لم يمر بها، وأتى بما ينبغي أن يأتي به عند الإحرام، من الاغتسال وتطييب بدنه ولبس ثياب إحرامه، ثم يُحرم قبل مغادرته.
وإن كان من طريق البحر، فإن كانت الباخرة تقف عند محاذاة الميقات اغتسل وتطيب ولبس ثياب إحرامه حال وقوفها، ثم أحرم قبل سيرها، وإن كانت لا تقف عند محاذاة الميقات اغتسل وتطيب ولبس ثياب إحرامه قبل أن تُحاذيه، ثم يُحرم إذا حاذته.
وإن كان من طريق الجو، اغتسل عند ركوب الطائرة، وتطيب، ولبس ثوب إحرامه قبل مُحاذاة الميقات، ثم أحرم قُبيلَ مُحاذاته، ولا ينتظرُ حتى يُحاذيه، لأن الطائرة تمر به سريعة فلا تُعطي فرصة، وإن أحرم قبله احتياطاً فلا باس.
والخطأ الذي يرتكبه بعض الناس أنهم يمرون من فوق الميقات في الطائرة أو من فوق محاذاته ثم يُؤخرون الإحرام حتى ينزلوا في مطار جدة فيُحرمون منها، وهذا مخالفٌ لأمر النبي ﷺ وتعدّ لحدود الله تعالى.
وفي "صحيح البخاري " عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما فتح هذان المِصران- يعني البصرة والكوفة- أتوا عمر ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي ﷺ حدَّ لأهل نجد قرناً، وإنه جَورٌ عن طريقنا، وإن أردنا أن نأتي قرناً شق علينا، قال: فانظروا إلى حذوها من طريقكم.
فجعل أمير المؤمنين أحدُ الخلفاء الراشدين ميقات من لم يمر بالميقات إذا حاذاه، ومَنْ حاذاه جوًّا فهو كمن حاذاه برًّا، ولا فرق.
стр. 9631
فإن وقع الإنسان في هذا الخطأ، فنزل جُدة قبل أن يُحرم فعليه أن يرجع إلى الميقات الذي حاذاه في الطائرة فيُحرم منه، فإن لم يفعل وأحرم من جدة فعليه عند أكثر العلماء فدية يذبحها في مكة ويُفرقها كلها على الفقراء فيها، ولا يأكل منها، ولا يُهدي منها لغني لأنها بمنزلة الكفارة.
стр. 9632
الطوافُ والأخطاء الفعلية فيه
ثبت عن النبي ﷺ أنه ابتدأ الطواف من الحجَرِ الأسود في الركن اليماني الشرقي من البيت، وأنه طاف بجميع البيت من وراء الحجر، وأنه رَمَل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط في الطواف أولَ ما قَدِمَ مكة، وأنه كان في طوافه يستلم الحجر الأسود ويُقبله، واستلمه بيده وقبلها، واستلمه بمحجن كان معه وقبل المحجن وهو راكب على بعيره، وطاف على بعيره فجعل يُشير إلى الركن- يعني الحجر- كلما مر به.
وثبت عنه ﷺ أنه كان يستلم الركن اليماني.
واختلاف الصفات في استلام الحجر إنما كان- والله أعلم- حسب السهولة، فما سَهُل عليه منها فعل، وكلُّ ما فعل من الاستلام والتقبيل والإشارة إنما هو تعبد لله تعالى، وتعظيم له، لا اعتقاد أن الحجر ينفعُ أو يضر.
وفي "الصحيحين " عن عمر ﵁ أنه كان يُقبّل الحجر ويقول: "إني لأعلمُ أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبي ﷺ يُقبّلك ما قبَّلتك " (١) .
стр. 9633
الأخطاء التي تقع من بعض الحجاج
١- ابتداء الطواف قبل الحجر الأسود، أي بينه وبين الركن اليماني، وهذا من الغلو في الدين الذي نهى عنه النبي ﷺ وهو يشبه من بعض الوجوه تقدم رمضان بيوم أو يومين، وقد ثبت النهي عنه.
وادعاء بعض الحجاج أنه يفعل ذلك احتياطاً غير مقبول منه، فالاحتياط الحقيقي النافع هو اتباع الشريعة، وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله.
٢- طوافهم عند الزحام من داخل الحجر، بحيث يدخل من باب الحِجر إلى الباب المقابل، ويدع بقية الحجر عن يمينه، وهذا خطأ عظيم لا يصح الطواف إذا فعله، لأن الحقيقة أنه لم يطف بالبيت، وإنما طاف ببعضه.
٣- الرَّملُ في جميع الأشواط السبعة.
٤- المزاحمة الشديدة للوصول إلى الحجر لتقبيله، حتى إنه يؤدي في بعض الأحيان إلى المُقاتلة والمشاتمة، فيحصل من التضارب والأقوال المنكرة ما لا يليق بهذا العمل، ولا بهذا المكان في مسجد الله الحرام، وتحت ظل بيته، فينقص بذلك الطواف، بل النسك كله، لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (١) .
وهذه المزاحمة تُذهب الخشوع وتُنسي ذكر الله تعالى، وهما من أعظم المقصود في الطواف.
٥- اعتقادهم أن الحجر الأسود نافع بذاته، ولذلك تجدهم إذا
стр. 9634
استلموه مسحوا بيديهم على بقية أجسامهم، أو مسحوا بها على أطفالهم الذين معهم!!
وكل هذا جهل وضلال، فالنفع والضرر من الله وحده، وقد سبق قول أمير المؤمنين عمر ﵁: "إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبَّلتك " (١) .
٦- استلامهم- أعني بعض الحجاج- لجميع أركان الكعبة، ورُبما استلموا جميع جدران الكعبة، وتمسحوا بها، وهذا جهل وضلال، فإن الاستلام عبادة وتعظيم لله ، فيجب الوقوف فيها على ما ورد عن النبي ﷺ ، ولم يستلم النبي ﷺ من البيت سوى الركنين اليمانيين (الحجر الأسود وهو في الركن اليماني الشرقي من الكعبة، والركن
اليماني الغربي) .
وفي "مسند الإمام أحمد" عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أنه طاف مع معاوية ﵁، فجعل معاوية يستلم الأركان كلها، قال ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله ﷺ يستلمها؟ فقال معاوية: ليس شيءٌ من البيت مهجوراً. فقال ابن عباس:
لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنة. فقال معاوية: صدقت.
стр. 9635
الطواف والأخطاء القولية فيه
ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يُكبر الله تعالى كلما أتى على الحجر الأسود. وكان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)) (١) .
وقال: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (٢) .
والخطأ الذي يرتكبه بعض الطائفين في هذا، تخصيص كل شوط بدعاء معين لا يدعو فيه بغيره، حتى إنه إذا أتم الشوط قبل تمام الدعاء قطعه ولو لم يَبق عليه إلا كلمة واحدة، ليأتي بالدعاء الجديد للشوط الذي يليه، وإذا أتم الدعاء قبل تمام الشوط سكت.
ولم يرد عن النبي ﷺ في الطواف دعاء مخصص لكل شوط.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: وليس فيه- يعني الطواف- ذكر محدود عن النبي ﷺ ، لا بأمره، ولا بقوله، ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثيرٌ من الناس من دعاء مُعين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له.
وعلى هذا فيدعو الطائف بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، ويذكر الله تعالى بأي ذكر مشروع من تسبيح أو تحميد أو تهليل أو تكبير أو قراءة القرآن.
ومن الخطأ الذي يرتكبه بعض الطائفين أن يأخذ هذه الأدعية المكتوبة فيدعو بها وهو لا يعرف معناها، وربما يكون فيها أخطاء من
стр. 9636
الطابع أو الناسخ تقلبُ المعنى رأساً على عقب، وتجعل الدعاء للطائف دعاء عليه، فيدعو على نفسه من حيث لا يشعر، وقد سمعنا من هذا العَجَبَ العجاب.
ولو دعا الطائف ربه بما يريده ويعرفه، فيقصد معناه لكان خيراً له وأنفع، ولرسول الله ﷺ أكثر تأسياً وأتبع.
ومن الخطأ الذي يرتكبه بعضُ الطائفين أن يجتمع جماعةٌ على قائد يطوف بهم ويُلقنهم الدعاء بصوت مرتفع فيتبعه الجماعة بصوت واحد، فتعلوا الأصوات، وتحصل الفوضى، ويتشوش بقية الطائفين، فلا يدرون ما يقولون، وفي هذا إذهاب للخشوع، وإيذاء لعباد الله في هذا المكان الآمن.
وقد خرج النبي ﷺ على الناس وهم يُصلون ويجهرون بالقراءة، فقال النبي ﷺ : "كلكم يُناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن " (١) . رواه مالك في "الموطأ"، قال ابن عبد البر: وهو حديثٌ صحيح.
ويا حبذا لو أن هذا القائد إذا أقبل بهم على الكعبة وقف بهم وقال: افعلوا كذا، قولوا كذا، ادعوا بما تُحبون، وصار يمشي معهم في المطاف حتى لا يخطىء منهم أحد، فطافوا بخشوع وطمأنينة، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، وتضرعاً وخُفية بما يحبونه، وما يعرفون معناه ويقصدونه، وسَلِمَ الناسُ من أذهم.
стр. 9637
الركعتان بعد الطواف والخطأ فيهما
ثبت عن النبي ﷺ أنه لما فرغ من الطواف تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (١) ، فصلى ركعتين، والمقام بينه وبين الكعبة، وقرأ في الركعة الأولى الفاتحة وقل يا أيها الكافرون، وفي الركعة الثانية الفاتحة وقل هو الله أحد.
والخطأ الذي يفعله بعض الناس هنا ظنهم أنه لابد أن تكون صلاة الركعتين قريباً من المقام، فيزدحمون على ذلك، ويُؤذون الطائفين في أيام الموسم، ويُعوقون سير طوافهم، وهذا الظن خطأ، فالركعتان بعد الطواف تُجزيان في أي مكان من المسجد، ويُمكن المصلي أن يجعل المقام بينه وبين الكعبة، وإن كان بعيداً عنه، فيُصلي فِي الصحن أو في رُواق المسجد، ويسلم من الأذية فلا يُؤذِي ولا يُؤذى، وتحصلُ له الصلاة بخشوع وطمأنينة.
ويا حبذا لو أن القائمين على المسجد الحرام منعوا من يؤذون الطائفين بالصلاة خلف المقام قريباً منه، وبيَّنوا لهم أن هذا ليس بشرط للركعتين بعد الطواف.
ومن الخطأ أن بعض الذين يُصلون خلف المقام يُصلون عدة ركعات كثيرة بدون سبب، مع حاجة الناس الذين فرغوا من الطواف إلى مكانهم.
ومن الخطأ أن بعض الطائفين إذا فرغ من الركعتين وقف بهم قائدهم يدعو بهم بصوتٍ مرتفع فيُشوشون على المصلين خلف المقام، فيعتدون عليهم، وقد قال الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)) (٢) .
стр. 9638
هـ
صعود الصفا والمروة والدعاء فوقهما والسعي بين العلمين
والخطأ في ذلك
ثبت عن النبي ﷺ أنه حين دنا من الصفا قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (١) ، ثم رقى عليه حتى رأى الكعبة فاستقبل القبلة ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو، فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجزَ وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل ماشياً فلما انصبت قدماه في بطن الوادي وهو ما بين العلمين الأخضرين سعى حتى إذا تجاوزهما مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على
الصفا.
والخطأ الذي يفعله بعض الساعين هنا أنهم إذا صعدوا الصفا والمروة استقبلوا الكعبة فكبروا ثلاث تكبيرات يرفعون أيديهم ويومئون بها كما يفعلون في الصلاة، ثم ينزلون، وهذا خلاف ما جاء عن النبي ﷺ ، فإما أن يفعلوا السنة كما جاءت إن تيسر لهم، وإما أن يدعوا ذلك ولا يحدثوا فعلاً لم يفعله النبي ﷺ .
ومن الخطأ الذي يفعله بعض الساعين أنهم يسعون من الصفا إلى المروة، أعني أنهم يشتدون في المشي ما بين الصفا والمروة كله، وهذا خلاف السنة، فإن السعي فيما بين العلمين فقط، والمشي في بقية
المسعى، وأكثر ما يقع ذلك إما جهلاً من فاعله، أو محبة كثير من الناس للعجلة والتخلص من السعي، والله المستعان.
стр. 9639
ومن الخطأ أن بعض، النساء يسعين بين العلمين، أي يُسرعن في المشي بينهما كما يفعل الرجال، والمرأة لا تسعى، وإنما تمشي المشية المعتادة، لقول ابن عمر ﵄: ليس على النساء رمل بالبيت ولا بين الصفا والمروة.
ومن الخطأ أن بعض الساعين يقرأ قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (١) كلما أقبل على الصفا أو على المروة، والسنة أن يقرأها إذا أقبل على الصفا في أول شوط فقط.
ومن الخطأ أن بعض الساعين يُخصص لكل شوط دعاءً معيناً، وهذا لا أصل له.
стр. 9640
الوقوف بعرفة والخطأ فيه
ثبت عن النبي ﷺ أنه مكث يوم عرفة بنمرة حتى زالت الشمس، ثم ركب، ثم نزل في بطن وادي عُرنة، فصلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين جمعَ تقديم، بأذانٍ واحد وإقامتين، ثم ركب حتى أتى موقفه فوقف، وقال: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (١) ، فلم يزل واقفاً
مستقبل القبلة رافعاً يديه يذكر الله ويدعوه حتى غربت الشمس وغاب قرصُها فدفع إلى مزدلفة.
ومن الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الوقوف:
١- أنهم ينزلون خارج حدود عرفة، ويبقون في منازلهم حتى تغرب الشمس، ثم ينصرفون منها إلى مزدلفة من غير أن يقفوا بعرفة، وهذا خطأ عظيم يفوت به الحج، فإن الوقوف بعرفة ركنٌ لا يصح الحج إلا به، فمن لم يقف بعرفة في وقت الوقوف فلا حج له، لقول النبي ﷺ : "الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك ".
وسبب هذا الخطأ الفادح أن الناس يغتر بعضهم ببعض، لأن بعضهم ينزل قبل أن يصلها ولا يتفقد علاماتها، فيفوت على نفسه الحج ويغرُّ غيره.
ويا حبذا لو أن القائمين على الحج أعلنوا للناس بوسيلة تبلغ جميعهم، وبلغات متعددة، وعهدوا إلى المطوفين بتحذير الحجاج من ذلك، ليكون الناس على بصيرة من أمرهم، ويؤدوا حجهم على الوجه
الذي تبرأ به الذمة.
٢- أنهم ينصرفون من عرفة قبل غروب الشمس، وهذا حرام لأنه
стр. 9641
خلاف سنة النبي ﷺ ، حيث وقف إلى أن غربت الشمس وغاب قرصها، ولأن الانصراف من عرفة قبل الغروب عمل أهل الجاهلية.
٣- أنهم يستقبلون الجبل- جبل عرفة- عند الدعاء، ولو كانت القبلة خلف ظهورهم أو على أيمانهم أو شمائلهم، وهذا خلاف السنة، فإن السنة استقبال القبلة كما فعل النبي ﷺ .
стр. 9642
رمي الجمرات والخطأ فيه
ثبت عن النبي ﷺ أنه رمى جمرة العقبة وهي الجمرة القصوى التي تلي مكة بسبع حصيات، ضحى يوم النحر، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصا الخذف، أي فوق الحمص قليلاً.
وفي "سنن النسائي " من حديث الفضل بن عباس ﵄ وكان رديف النبي ﷺ من مزدلفة إلى منى- قال: فهبط- يعني النبي ﷺ - محسراً وقال: "عليكم بحصا الخذف الذي ترمى به الجمرة"، قال: والنبي ﷺ يشير بيده كما يخذف الإنسان (١) .
وفي "مسند الإمام أحمد" عن ابن عباس ﵄ قال يحيى: لا يدري عوفٌ عبد الله أو الفضل: قال: "قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو واقف على راحلته: هاتِ القطْ لي، قال فلقطت له حصيات هن حصا الخذف، فوضعهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء" مرتين، وقال بيده فأشار يحيى أنه رفعها وقال: "إياكم والغلو فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين " (٢) .
وعن أم سليمان بن عمرو بن الأحوص ﵂ قالت: "رأيت النبي ﷺ يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر، وهو يقول: "يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضاً، وإذا رميتم الجمرة فارموها بمثل حصا الخذفِ " رواه أحمد (٣) .
стр. 9643
وفي "صحيح البخاري " عن ابن عمر ﵄ أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقولُ: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله.
وروى أحمد وأبو داود عن عائشة ﵂ أن النبي قال: "إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (١) .
والأخطاء التي يفعلها بعض الحجاج هي:
١- اعتقادهم أنه لابد من أخذ الحصا من مزدلفة فيتعبون أنفسهم بلقطها في الليل واستصحابها في أيام منى حتى إن الواحد منهم إذا أضاع حصاة حزن حُزناً كبيراً، وطلب من رفقته أن يتبرعوا له بفضل ما معهم من حصا مزدلفة.
وقد عُلم مما سبق أنه لا أصل لذلك عن النبي ﷺ ، وأنه أمر ابن عباس ﵄ بلقط الحصا له وهو واقف على راحلته، والظاهر أن هذا الوقوف كان عند الجمرة، إذ لم يُحفظ عنه أنه وقف بعد مسيره من مزدلفة قبل ذلك، ولأن هذا وقت الحاجة إليه فلم يكن ليأمر بلقطها قبله لعدم الفائدة فيه وتكلف حمله.
٢- اعتقادهم أنهم برميهم الجمار يرمون الشيطان، ولهذا يُطلقون اسم الشياطين على الجمار، فيقولون: رمينا الشيطان الكبير أو الصغير
стр. 9644
أو رمينا أبا الشياطين يعنون به الجمرة الكبرى جمرة العقبة، ونحو ذلك من العبارات التي لا تليق بهذه المشاعر.
وتراهم أيضاً يرمون الحصا بشدة وعنف وصراخ وسب وشتم لهذه الشياطين على زعمهم حتى شاهدنا من يصعد فوقها يبطش بها ضرباً بالنعل والحصا الكبار بغضب وانفعال! والحصا تصيبه من الناس، وهو لا يزداد إلا غضباً وعنفاً في الضرب، والناس حوله يضحكون ويقهقهون كأن المشهد مشهد مسرحية هزلية! شاهدنا هذا قبل أن تُبنى الجسور وترتفع أنصاب الجمرات، وكل هذا مبني على هذه العقيدة أن الحجاج يرمون شياطين، وليس لها أصل صحيح يعتمد عليه.
وقد علمت مما سبق الحكمة في مشروعية رمي الجمار، وأنه إنما شرع لإقامة ذكر الله ، ولهذا كان النبي ﷺ يكبر على إثر كل حصاة.
٣- رميهم الجمرات بحصا كبيرة، وبالحذاء (النعل) والخفاف (الجزمات) ، والأخشاب!! وهذا خطأ كبير مخالف لما شرعه النبي ﷺ لأمته بفعله وأمره، حيث رمى ﷺ بمثل حصا الخذف، وأمر أمته أن يرموا بمثله، وحذرهم من الغلو في الدين، وسبب هذا الخطأ الكبير ما سبق من اعتقادهم أنهم يرمون شياطين.
٤- تقدمهم إلى الجمرات بعنف وشدة، لا يخشعون لله تعالى، ولا يرحمون عباد الله، فيحصل بفعلهم هذا من الأذية للمسلمين والإضرار بهم، والمشاتمة والمضاربة ما يقلب هذه العبادة وهذا المشعر إلى
مشهد مشاتمة ومقاتلة، ويخرجها عما شُرعت من أجله، وعما كان عليه النبي ﷺ .
ففي "المسند" عن قدامة بن عبد الله بن عمار قال: "رأيت النبي ﷺ -
стр. 9645
يوم النحر يرمي جمرة العقبة على ناقة صهباء، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك " رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
٥- تركهم الوقوف للدعاء بعد رمي الجمرة الأولى والثانية في أيام التشريق، وقد علمت أن النبي ﷺ كان يقفُ بعد رميها مستقبل القبلة، رافعاً يديه يدعو دعاءً طويلاً.
وسبب ترك الناس لهذا الوقوف الجهل بالسنة، أو محبة كثير من الناس للعجلة والتخلص من العبادة.
ويا حبذا لو أن الحاج تعلم أحكام الحج قبل أن يحج، ليعبد الله تعالى على بصيرة، ويحقق متابعة النبي ﷺ .
ولو أن شخصاً أراد أن يسافر إلى بلد لرأيته يسأل عن طريقها حتى يصل إليها عن دلالة، فكيف بمن أراد أن يسلك الطريق الموصلة إلى الله تعالى، وإلى جنته، أفليس من الجدير به أن يسأل عنها قبل أن يسلكها ليصل إلى المقصود؟
٦- رميهم الحصا جميعاً بكفٍّ واحدة، وهذا خطأ فاحش، وقد قال أهل العلم إنه إذا رمى بكف واحدة أكثر من حصاة لم يحتسب له سوى حصاة واحدة.
فالواجب أن يرمي الحصا واحدة فواحدة، كما فعل النبي.
٧- زيادتهم دعوات عند الرمي لم ترد عن النبي ﷺ ، مثل قولهم: اللهم اجعلها رضا للرحمن، وغضباً للشيطان، وربما قال ذلك وترك التكبير الوارد عن النبي ﷺ .
والأولى الاقتصار على الوارد عن النبي ﷺ من غير زيادة ولا نقص.
٨- تهاونهم برمي الجمار بأنفسهم فتراهم يوكلون من يرمي عنهم مع قدرتهم على الرمي ليُسقطوا عن أنفسهم معاناة الزحام ومشقة العمل،
стр. 9646
وهذا مخالف لما أمر الله. تعالى به من إتمام الحج، حيث يقول سبحانه: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (١) ، فالواجب على القادر على الرمي أن يُباشره بنفسه، ويصبر على المشقة والتعب فإن الحج نوعٌ من الجهاد، لابد فيه من الكُلفة والمشقة.
فليتق الحاج ربه، وليتم نُسكه، كما أمره الله تعالى به ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
стр. 9647
طواف الوداع والأخطاء فيه
ثبت في "الصحيحين " عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض " (١) .
وفي لفظ لمسلم عنه قال: "كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي ﷺ : "لا ينفرنَّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت " (٢) .
ورواه أبو داود بلفظ: "حتى يكونَ آخرَ عهده الطوافُ بالبيت " (٣) .
وفي "الصحيحين " عن أُم سلمة ﵂ قالت: "شكوت إلى النبي ﷺ أني أشتكي، فقال: "طُوفي من وراء الناس وأنت راكبة" (٤) ، فطُفت ورسول الله ﷺ يُصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور".
وللنسائي عنها أنها قالت: "يا رسول الله، والله ما طُفتُ طوافَ الخروجِ فقال: "إذا قيمت الصلاة فطوفي على بعيرك من وراء الناس ".
وفي "صحيح البخاري " (٥) عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدةً بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به.
وفي "الصحيحين " عن عائشة ﵂ أن صفية ﵂ حاضت بعد طواف الإفاضة فقال النبي ﷺ : "أحابِستنا هي؟ " قالوا: إنها قد أفاضت وطافت بالبيت، قال: "فلتنفر إذن " (٦) .
стр. 9648
وفي "الموطأ" عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن عمر ﵁ قال: "لا يَصدُرن أحدٌ من الحج حتى يطوف بالبيت، فإن آخر النسك الطوافُ بالبيت ".
وفيه عن يحيى بن سعيد أن عمر ﵁ ردّ رجلاً من مرِّ الظهران لم يكن ودّع البيت حتى ودَّع.
والخطأ الذي يرتكبه بعض الناس هنا:
١- نزولهم من منى يوم النفر قبل رمي الجمرات، فيطوفوا للوداع ثم يرجعوا إلى منى فيرموا الجمرات، ثم يُسافروا إلى بلادهم من هناك.
وهذا لا يجوز، لأنه مخالف لأمر النبي ﷺ أن يكون آخر عهد الحاج بالبيت، فإن من رمى بعد طواف الوداع فقد جعل آخرَ عهده بالجمار لا بالبيت، ولأن النبي ﷺ لم يطف للوداع إلا عند خروجه حين استكمل جميع مناسك الحج، وقد قال: "خذوا عني مناسككم " (١) .
وأثر عمر بن الخطاب ﵁ صريح في أن الطواف بالبيت آخرُ النسك، فمن طافَ للوداع ثم رمى بعده فطوافه غير مجزىء لوقوعه في غير محله، فيجبُ عليه إعادته بعد الرمي، فإن لم يُعد كان حكمه حكم من تركه.
٢- مُكثهم بمكة بعد طواف الوداع، فلا يكون آخر عهدهم بالبيت وهذا خلاف مما أمر به النبي ﷺ ، وبينه لأمته بفعله، فإن النبي ﷺ أمر أن يكون آخر عهد الحاج بالبيت، ولم يطف للوداع إلا عند خروجه، وهكذا فعل أصحابه، ولكن رخص أهلُ العلم في الإقامة بعد طوافِ الوداع للحاجة إذا كانت عارضةً، كما لو أقيمت الصلاة بعد طوافه للوداع فصلاها، أو حضرت جنازةٌ فصلى عليها أو كان له حاجةٌ تتعلق
стр. 9649
بسفره كشراء متاع وانتظار رفقةٍ ونحو ذلك. فمن أقام بعد طواف الوداع إقامة غير مرخصٍ فيها وجبت عليه إعادتهُ.
٣- خروجهم من المسجد بعد طواف الوداع على أقفيتهم يزعمون بذلك تعظيم الكعبة، وهذا خلافُ السنة، بل هو من البدع التي حذرنا منها رسول الله ﷺ وقال فيها: "كل بدعة ضلالة" (١) .
والبدعة: كل ما أُحدث من عقيدة أو عبادة على خلاف ما كان عليه رسول الله ﷺ وخُلفاؤه الراشدون، فهل يظن هذا الراجع على قفاه تعظيماً للكعبة على زعمه أنه أشد تعظيماً لها من رسول الله ﷺ ، أو يظن أن النبي ﷺ لم يكن يعلم أنّ في ذلك تعظيماً لها، لا هو ولا خُلفاؤه الراشدون؟!!
٤- التفاتهم إلى الكعبة عند باب المسجد بعد انتهائهم من طواف الوداع ودعاؤهم هناك كالمودعين للكعبة، وهذا من البدع، لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن خُلفائه الراشدين، وكل ما قُصد به التعبد لله تعالى وهو مما لم يرد به الشرع فهو باطل مردودٌ على صاحبه، لقول النبي ﷺ : "من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٢) ، أي: مردود على
صاحبه.
فالواجب على المؤمن بالله ورسوله أن يكون في عباداته مُتبعاً لما جاء عن رسول الله ﷺ فيها لينال بذلك محبة الله ومغفرته، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)) (٣) .
стр. 9650
واتباع النبي ﷺ كما يكون في مفعولاته يكون كذلك في متروكاته.
فمتى وُجد مقتضى الفعل في عهده ولم يفعله كان ذلك دليلاً على أن السنة والشريعة تركه، فلا يجوز إحداثه في دين الله تعالى، ولو أحبه الإنسان وهواه.
قال الله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) (١) .
وقال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به " (٢) . نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن لا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
стр. 9651
الفصل العاشر
في زيارة المسجد النبوي
زيارة المسجد النبوي من الأمور المشروعة المستحبة، فهو ثاني المساجد الثلاثة التي تُشد الرحال إليها للصلاة فيها والعبادة.
ففي "الصحيحين " عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صلاةٌ في مسجدي خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " (٢) رواه الجماعة.
زاد الإمام أحمد من حديث عبد الله بن الزبير: "وصلاة في المسجد الحرام أفضلُ من ألف صلاة في هذا".
وعن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: "إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
"صلاةٌ فيه- يعني مسجد رسول الله ﷺ - أفضل من ألفِ صلاة فيما سواهُ من المساجد إلا مسجد الكعبة" (٣) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي " (٤) رواه البخاري.
فيُسن للحاج وغيره زيارة مسجد النبي ﷺ والصلاة فيه قبل الحج أو
стр. 9652
بعده، وليست هذه الزيارة من شروط الحج ولا أركانه ولا واجباته، ولا تعلُّق لها به.
فإذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى، وقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم.
ثم يصلي ركعتين تحية المسجد لقول النبي ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين " (١) متفق عليه.
وفي "الصحيحين " من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: وأصبح رسول الله ﷺ قادماً، وكان إذا قَدِمَ من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين (٢) .
وعن جابر ﵁ قال: كنتُ مع رسول الله في سفر فلما قدمنا المدينة قال: "اُدخُل فصلِّ ركعتين " (٣) .
وينبغي أن يتحرى الصلاة في الروضة إن تيسر له من أجل فضيلتها، وإن لم يتيسر له صلى في أي جهة من المسجد تتيسر له، وهذا في غير صلاة الجماعة، أما في صلاة الجماعة فليحافظ على الصف الأول الذي يلي الإمام لأنه أفضل؛ لقول النبي ﷺ : "خير صفوف الرجال
أولها" (٤) ، وقوله ﷺ : "لو يعلمُ الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" (٥) .
стр. 9653
زيارة قبر النبي ﷺ
وقبري صاحبيه ﵄
بعد أن يُصلي في المسجد النبوي أول قدومه ما شاء الله أن يُصلي، يذهب للسلام على النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄.
١- فيقف أمام قبر النبي ﷺ مُستقبلاً للقبر مُستدبراً للقبلة، فيقولُ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وإن زاد شيئاً مناسباً فلا بأس مثل أن يقول: السلام عليك يا خليل الله وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.
وإن اقتصر على الأول فحسنٌ.
وكان ابن عمر ﵄ إذا سلم يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتِ، ثم ينصرف.
٢- ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام أبي بكر ﵁ فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا خليفة رسول الله ﷺ في أمته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
٣- ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام عمر ﵁ فيقول: السلام عليك يا عمر، السلام عليك يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
وليكن سلامه على النبي ﷺ وصاحبيه بأدب، وخفض صوت، فإن رفع الصوت في المساجد منهيٌّ عنه، لاسيما في مسجد رسول الله ﷺ ، وعند قبره.
وفي "صحيح البخاري " عن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً أو نائماً
стр. 9654
في المسجد فحصبني رجلٌ فنظرتُ فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئتهُ بهما فقال: من أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما جلداً، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ .
ولا ينبغي إطالة الوقوف والدعاء عند قبر الرسول ﷺ وقبري صاحبيه، فقد كرهه مالك وقال: هو بدعة لم يفعلها السلف، ولن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: وكره مالكٌ لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي إلى قبر النبي ﷺ ، لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، بل كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون فيه خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وهم يقولون في الصلاة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل.
قال: وكان أصحابه خير القرون، وهم أعلمُ الأمة بسنته، وأطوعُ الأمة لأمره.
قلت: وأقواهم في تعظيمه ومحبته، وكانوا إذا دخلوا إلى مسجده لا يذهب أحدٌ منهم إلى قبره، لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، وكانت الحجرة في زمانهم يُدخل إليها من الباب إلى أن بُني الحائط الآخر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه، لا لسلام، ولا لصلاة عليه، ولا لدعاء لأنفسهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم!
стр. 9655
ولم يكن أحدٌ من الصحابة رضوان الله عليهم يأتيه ويسأله عن بعض ما تنازعوا فيه، كما أنهم أيضاً لم يطمع الشيطان فيهم فيقولُ: اطلبوا منه أن يأتي لكم بالمطر، ولا أن يستنصر لكم، ولا أن يستغفر كما كانوا في حياته يطلبون منه أن يستسقي لهم، وأن يستنصر لهم.
قال: وكان الصحابة إذا أراد أحدٌ أن يدعو لنفسه، استقبل القبلة ودعا في مسجده كما كانوا يفعلون في حياته، لا يقصدون الدعاء عند الحجرة، ولا يدخل أحدهم إلى القبر.
قال: وكانوا يقدمون من الأسفار للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك، فيصلون في مسجده، يُسلمون عليه في الصلاة، وعند دخولهم المسجد والخروج منه، ولا يأتون القبر؛ إذ كان هذا عندهم مما لم يأمرهم به. ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر، وقد يكون فَعَلَه غير ابن عمر أيضاً ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل ابن عمر ﵄.
ولا يتمسح بجدار الحجرة، ولا يقبله، فإن فَعَلهُ عبادة لله وتعظيماً لرسول الله ﷺ فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وقد أنكر ابن عباس ﵄ على معاوية ﵁ مسح الركنين الشامي والغربي من الكعبة، مع أن جنس ذلك مشروع في الركنين اليمانيين. وليس تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته بمسح جدران حُجرة لم تبن إلا بعد عهده بقرون، وإنما محبته وتعظيمه باتباعه ظاهراً وباطناً، وعدم الابتداع في دينه ما لم يشرعه. قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (١) .
وأما إن كان مسح جدار الحجرة وتقبيله مجرد عاطفة أو عبث فهو
стр. 9656
سفه وضلال لا فائدة فيه، بل فيه ضرر وتغرير للجهال.
ولا يدعو رسول الله ﷺ بجلب منفعة له، أو دفع مضرة، فان ذلك من الشرك، قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي َيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)) (١) . وقال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)) (٢) ، وأمر الله نبيه ﷺ أن يعلن لأمته بأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا، فقال تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) (٣) ، وإذا كان لا يملك ذلك لنفسه، فلا يمكن أن يملكه لغيره.
وأمره سبحانه أن يُعلن لأمته أنه لا يملك مثل ذلك لهم، فقال تعالى: (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)) (٤) .
وعن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)) (٥) (قام رسول الله ﷺ فقال: "يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملكُ لكم من الله شيئاً، سَلُوني من مالي ما شئتم " (٦) .
ولا يطلب من النبي ﷺ أن يدعو له، أو يستغفرَ له، فإن ذلك قد انقطع بموته ﷺ ، لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله " (٧) .
فأما قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا
стр. 9657
اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)) (١) فهذا في حياته، فليس فيها دليل على طلب الاستغفار منه بعد موته؛ فإن الله قال: (إذ ظلَمُوَا) ولم يقل: إذا ظلموا أنفسهم، وإذ ظرف للماضي لا للمستقبل، فهي في قوم كانوا في عهد النبي ﷺ ، فلا تكون لمن بعده.
فهذا ما ينبغي في زيارة قبر النبي ﷺ ، وقبري صاحبيه والسلام عليهم.
وينبغي أن يزورَ مقبرة البقيع، فيسلم على من فيها من الصحابة والتابعين، مثل عثمان بن عفان ﵁، فيقفُ أمامه ويُسلم عليه فيقول: السلام عليك يا عثمان بن عفان، السلام عليك يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
وإذا دخل المقبرة فليقل ما علمه رسول الله على أمته كما في "صحيح مسلم " عن بُريدة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يُعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا
ولكم العافية" (٢) .
وفيه أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: "السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" (٣) .
وإن أحب أن يخرج إلى أُحد ويزور الشهداء هناك فيسلم عليهم ويدعو لهم ويتذكر ما حصل في تلك الغزوة من الحكم والأسرار فحسن.
стр. 9658
وينبغي أن يخرج إلى مسجد قباء، فيصلي فيه لقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (١) .
وفي "صحيح البخاري " (٢) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يأتي مسجد قُباء كل سبت ماشياً وراكباً، وكان ابن عمر يفعله "، وفي رواية: "فيصلّي فيه ركعتين ".
وروى النسائي عن سهل بن حنيف ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ
خرج حتى يأتي هذا المسجد- مسجد قباء- فصلى فيه كان له عدلَ عمرة" (٣) .
وإذا انصرف إلى بلاده وأقبل عليها قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، حتى يقدم، كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك.
وليحمد الحاج الله الذي يسر له الحج وزيارة المدينة، ليحمد الله على ذلك، وليقم بشكره، ويستقم على أمره، فاعلاً ما أمر الله به ورسوله، تاركاً ما نهى الله عنه ورسوله، ليكون من عباد الله الصالحين، وأوليائه المتقين.
(أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)) (٤) .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 9659
أسئلة وأجوبة في بعض مسائل الحج
س ١: امرأة حاضت ولم تطف طواف الإفاضة وتسكن خارج المملكة، وحان وقتُ مغادرتها المملكة، ولا تستطيع التأخر، ويستحيل عودتها المملكة مرة أخرى، فما الحكم ؟
ج ١: إذا كان الأمر كما ذُكر، امرأة لم تطف طواف الإفاضة، وحاضت ويتعذر أن تبقى في مكة أو أن ترجع إليها لو سافرت قبل أن تطوف، ففي هذه الحال يجوز لها أن تستعمل واحداً من أمرين: فإما أن تستعمل إبراً توقف هذا الدم وتطوف، وإما أن تتلجم بلجام يمنع من سيلان الدم إلى المسجد، وتطوف للضرورة، وهذا القول الذي ذكرناه هو القول الراجح، والذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وخلافُ ذلك واحدٌ من أمرين، إما أن تبقى على ما بقي من إحرامها بحيث لا تحل لزوجها، وإما أن تُعتبر مُحصرة تذبح هدياً وتحلُّ من إحرامها.
وفي هذه الحال لا تعتبر هذه الحجة حجًّا لأنها لم تكملها، وكلا الأمرين صعب، الأمر الأول وهو بقاؤها على ما بقي من إحرامها، والأمر الثاني الذي يُفوِّت عليها حجها، فكان القول الراجح هو ما ذهب إلي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مثل هذه الحال للضرورة، وقد قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (١) ، وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) (٢) .
أما إذا كانت المرأة يمكنها أن تسافر ثم ترجع إذا طهرت فلا حرج عليها أن تسافر، فإذا طهرت رجعت فطافت طواف الحج.
стр. 9660
وفي هذه المدة لا تحل لزوجها لأنها لم تحل التحلل الثاني.
س ٢: حاجٌّ من خارج المملكة لا يعلم عن ظروف السفر وترتيبات التذاكر والطائرات، وسأل في بلده هل يمكنه الحجز الساعة الرابعة عصراً من يوم (١٣/١٢/١٤٠٥ هـ) ؟ قيل: يمكن ذلك، فحجز على هذا الموعد، ثم أدركه المبيت بمنى ليلة الثالث عشر، فهل يجوز له أن يرمي صباحاً ثم ينفر، علماً أنه لو تأخر بعد الزوال لفات السفر، وترتب عليه مشقة كبيرة، ومخالفة لأولي الأمر؟ وإذا كان لا يجوز أليس هناك من يجيز الرمي قبل الزوال ؟
ج ٢: لا يجوز له أن يرمي قبل الزوال، ولكن يمكن أن نُسقط عنه الرمي في هذه الحال للضرورة، ونقول "له: يلزمك فدية تذبحها في منى أو في مكة أو تُوكل من يذبحها عنك، وتوزع على الفقراء، وتطوفُ طواف الوداع وتمشي.
ونقول: أما قولك إذا كان الجواب بعدم الجواز أليس هناك رأي يجيز الرمي قبل الزوال؟ فالجواب: هناك رأي يجيز الرمي قبل الزوال، ولكنه ليس بصحيح، والصواب أن الرمي قبل الزوال لا يجوز، وذلك لأن النبي ﷺ قال: "خذوا عني مناسككم " (١) ، ولم يرم ﷺ إلا بعد الزوال.
فإن قال قائل: رمي النبي ﷺ بعد الزوال مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب، قلنا: هذا صحيح أنه مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب، أما كونه مجرد فعل فلأن النبي ﷺ لم يأمر بأن يكون الرمي بعد الزوال، ولا نهى عن الرمي قبل الزوال.
وأما كون الفعل لا يدل على الوجوب، فنعم لا يدل على الوجوب لأن الوجوب لا يكون إلا بأمر بالفعل أو نهي عن الترك.
стр. 9661
ولكن نقول: هذا الفعل دلت القرينة على أنه للوجوب، ووجه ذلك أن كون الرسول ﷺ يؤخر الرمي حتى تزول الشمس يدل على الوجوب، إذ لو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لكان النبي ﷺ يفعله، لأنه أيسر على العباد وأسهل، والنبي ﷺ ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فكونه ﷺ لم يختر الأيسر هنا وهو الرمي قبل الزوال يدل على إنه إثم.
والوجه الثاني مما يدل على أن هذا الفعل للوجوب: كون الرسول ﷺ يرمي فور زوال الشمس قبل أن يصلي الظهر، فكأنه يترقب الزوال بفارغ الصبر ليبادر بالرمي، ولهذا أخر صلاة الظهر مع أن الأفضل تقديمها في أول الوقت، كل ذلك من أجل أن يرمي بعد الزوال مباشرة.
س ٣: رجلٌ سمع أنه يجوز السعي قبل الطواف فسعى ثم طاف في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر، فقيل له: إن ذلك خاص بيوم العيد، فما الحكم ؟
ج ٣: الصواب أنه لا فرق بين يوم العيد وغيره في أنه يجوزُ تقديم السعي على الطواف في الحج، حتى لو كان بعد يوم العيد لعموم الحديث، حيث قال رجلٌ للنبي ﷺ : سعيتُ قبل أن أطوف قال: "لا حرج " (١) . وإذا كان الحديث عاماً فإنه لا فرق بين أن يكون ذلك في يوم العيد أو فيما بعده.
س ٤: إذا طاف مَن عليه سعي، ثم خرج ولم يسع، وأخبر بعد خمسة أيام بان عليه سعياً، فهل يجوز أن يسعى فقط ولا يطوف قبله ؟
ج ٤: إذا طاف الإنسان معتقداً أنه لا سعي عليه ثم خرج، ثم بعد ذلك بأيام أُخبر بأن عليه سعياً، فإنه يأتي للسعي فقط ولا حاجة إلى إعادة الطواف، وذلك لأنه لا يُشترط الموالاة بين الطواف والسعي، حتى لو فرض أن الرجل ترك ذلك عمداً، أي أخر السعي عن الطواف عمداً، فلا
حرج عليه، ولكن الأفضل أن يكون السعي موالياً للطواف.
стр. 9662
س ٥: حاج قدم متمتعاً، فلما طاف وسعى لبس ملابسه العادية، ولم يقصر أو يحلق، وسأل بعد الحج وأخبر أنه أخطأ، فكيف يفعل وقد ذهب الحج بعد وقت العمرة ؟
ج ٥: هذا الرجل يُعتبر تاركاً لواجب من واجبات العمرة، وهو التقصير، وعليه عند أهل العلم أن يذبح فدية في مكة ويوزعها على فقراء مكة وهو باقٍ على تمتعه فيلزمه هدي التمتع أيضاً.
س ٦: ما حكم الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة ؟
ج ٦: الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة واجب، لأن النبي ﷺ لما قدم إلى مكة في حجة الوداع وطاف وسعى، أمر كل من لم يسق الهدي أن يقصر، ثم يحل، والأصل في الأمر الوجوب، ويدل لذلك أيضاً أن النبي ﷺ أمرهم حين أحصروا في غزوة الحديبية، أن يحلقوا حتى إنه ﷺ غضب حين توانوا في ذلك.
وأما: هل الأفضل في العمرة التقصير أو الحلق؟ فالأفضل الحلق، إلا للمتمتع الذي قدم متأخراً فإن الأفضل في حقه التقصير من أجل أن يتوفر الحلق للحج.
س ٧: حاج رمى جمرة العقبة من جهة الشرق، ولم يسقط الحجر في الحوض، فما العمل وهو في اليوم الثالث عشر، وهل يلزمه إعادة الرمي في أيام التشريق ؟
ج ٧: لا يلزمه إعادة الرمي كله، وإنما يلزمه إعادة الرمي الذي أخطأ فيه فقط، وعلى هذا يعيد رمي جمرة العقبة فقط، ويرميها على الصواب، ولا يجزئه الرمي الذي رماه من جهة الشرق لأنه في هذه الحال لا يسقط في الحوض الذي هو موضع الرمي، ولهذا لو رماها من الجسر من الناحية الشرقية أجزأ لأنه يسقط في الحوض.
стр. 9663
س ٨: متى ينتهي رمي جمرة العقبة أداءً؟ ومتى ينتهي قضاءً ؟
ج ٨: أما رمي جمرة العقبة يوم العيد فإنه ينتهي بطلوع الفجر من اليوم الحادي عشر، ويبتدىء من آخر الليل من ليلة النحر للضعفاء ونحوهم من الذين لا يستطيعون مزاحمة الناس.
وأما رميها في أيام التشريق فهي كرمي الجمرتين اللتين معها، يبتدىء الرمي من الزوال، وينتهي بطلوع الفجر من الليلة التي تلي اليوم، إلا إذا كان في آخر أيام التشريق، فإن الليل لا رمي فيه، وهو ليلة الرابع عشر، لأن أيام التشريق انتهت بغروب شمسها، والرمي في النهار أفضل، إلا أنه في هذه الأوقات مع كثرة الحجيج وغشمهم، وعدم مبالاة بعضهم ببعض إذا خاف على نفسه من الهلاك أو الضرر أو المشقة الشديدة فإنه يرمي ليلاً ولا حرج عليه، كما أنه لو رمى ليلاً بدون أن
يخاف هذا، فلا حرج عليه، ولكن الأفضل أن يُراعي الاحتياط، ولا يرمي ليلاً إلا عند الحاجة إليه.
وأما قوله: قضاءً، فإنها تكون قضاء إذا طلع الفجر من اليوم التالي في أيام التشريق ولم يرمها.
س ٩: إذا لم تصب جمرة من الجمار السبع المرمى، أو جمرتان، ومضى يوم أو يومان، فهل يلزمه إعادة هذه الجمرة أو الجمرتين؟ وإذا لزمه فهل يعيد ما بعدها من الرمي ؟
ج ٩: إذا بقي عليه رمي جمرة أو جمرتين من الجمرات، أو على الأوضح حصاة أو حصاتين من إحدى الجمرات، فإن الفقهاء يقولون إذا كان من آخر جمرة فإنه يكملها، أي يكمل هذا الذي نقص فقط، ولا يلزمه رمي ما قبلها، وإن كان من غير آخر جمرة فإنه يكمل الناقص، ويرمي ما بعدها.
стр. 9664
والصواب عندي أنه يكمل الناقص مطلقاً، ولا يلزمه إعادة رمي ما بعدها؛ وذلك لأن الترتيب يسقط بالجهل أو بالنسيان، وهذا الرجل قد رمى الثانية وهو لا يعتقد أن عليه شيئاً مما قبلها، فهو بين الجهل والنسيان، وحينئذ نقول له: ما نقص من الحصا فارمه ولا يجب عليك رمي ما بعدها. وقبل إنهاء الجواب أُحب أن أنبه إلى أن المرمى مجتمع الحصا، وليس العمود المنصوب للدلالة عليه، فلو رمى في الحوض، ولم يصب العمود بشيء من الحصيات فرميه صحيح، والله أعلم.
س ١٠: إذا خرج الحاج من منى قبل غروب الشمس يوم الثاني عشر بنية التعجل، ولديه عمل في منى سيعود له بعد الغروب، فهل يعتبر متعجلاَّ ؟
ج ١٠: نعم؟ يُعتبر متعجلاً لأنه أنهى الحج، ونية رجوعه إلى منى لعمل فيها لا يمنع التعجل، لأنه إنما نوى الرجوع للعمل المنوط به لا للنسك.
س ١١: من أحرم بالحج من الميقات، ثم ساو إلى أن قرب من مكة فمنعه مركز التفتيش لأنه لم يحمل بطاقة الحج، فما الحكم ؟
ج ١١: الحُكم في هذه الحال أنه يكون مُحصِراً حين تعذر عليه الدخول، فيذبح هدياً في مكان الإحصار، ويحل، ثم إن كانت هذه الحجة هي الفريضة، أداها فيما بعد بالخطاب الأول لا قضاء، وإن كانت غير الفريضة فإنه لا شيء عليه على القول الراجح، لأن النبي ﷺ لم يأمر الذين أحصروا في غزوة الحديبية أن يقضوا تلك العمرة التي أُحصروا عنها، وليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله وجوب القضاء على من أُحصر؛ قال تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (١) ولم يذكر شيئاً سوى ذلك.
стр. 9665
وعمرة القضاء سميت بذلك لأن النبي ﷺ قاضى قُريشاً، أي عاهدهم عليها، وليس من القضاء الذي هو استدراك ما فات، والله أعلم.
س ١٢: إذا دخل الآفاقي بملابسه العادية إلى مكة حتى يتحايل على الدولة بعدم الحج، ثم أحرم من مكة، فهل يجوز حجه؟ وما الذي يلزمه ؟
ج ١٢: أما حجه فيصح، وأما فعله فحرام، حرام من وجهين: أحدهما: تعدي حدود الله بترك الإحرام من الميقات.
والثاني: مخالفته أمر ولاة الأمور الذين أُمرنا بطاعتهم في غير معصية الله.
وعلى هذا يلزمه أن يتوب إلى الله ويستغفره مما وقع، وعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء لتركه الإحرام من الميقات، على ما قاله أهل العلم من وجوب الفدية على من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة.
س ١٣: سمعتُ أن المتمتع إذا رجع إلى بلده انقطع تمتعه، فهل يجوز له أن يحج مفرداً ولا دم عليه ؟
ج ١٣: نعم إذا رجع المتمتع إلى بلده، ثم أنشأ سفراً للحج من بلده فهو مفردٌ، وذلك لانقطاع ما بين العمرة والحج برجوعه إلى أهله فإنشاؤه السفر معناه أنه أنشأ سفراً جديداً للحج، وحينئذ يكون حجه إفراداً، فلا يجب عليه هدي التمتع، لكن لو فعل ذلك تحيلاً على إسقاطه فإنه لا يسقط عنه، لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يقتضي إسقاطه، كما أن التحيل على المحرَّم لا يقتضي حله.
س ١٤: إذا قَدِمَ المسلم إلى مكة قبل أشهر الحج بنية الحج، ثم اعتمر وبقي إلى الحج فحجَّ، فهل حجه يعتبر تمتعاً أم إفراداً ؟