ولكن نقول: هذا الفعل دلت القرينة على أنه للوجوب، ووجه ذلك أن كون الرسول ﷺ يؤخر الرمي حتى تزول الشمس يدل على الوجوب، إذ لو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لكان النبي ﷺ يفعله، لأنه أيسر على العباد وأسهل، والنبي ﷺ ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فكونه ﷺ لم يختر الأيسر هنا وهو الرمي قبل الزوال يدل على إنه إثم.
والوجه الثاني مما يدل على أن هذا الفعل للوجوب: كون الرسول ﷺ يرمي فور زوال الشمس قبل أن يصلي الظهر، فكأنه يترقب الزوال بفارغ الصبر ليبادر بالرمي، ولهذا أخر صلاة الظهر مع أن الأفضل تقديمها في أول الوقت، كل ذلك من أجل أن يرمي بعد الزوال مباشرة.
س ٣: رجلٌ سمع أنه يجوز السعي قبل الطواف فسعى ثم طاف في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر، فقيل له: إن ذلك خاص بيوم العيد، فما الحكم ؟
ج ٣: الصواب أنه لا فرق بين يوم العيد وغيره في أنه يجوزُ تقديم السعي على الطواف في الحج، حتى لو كان بعد يوم العيد لعموم الحديث، حيث قال رجلٌ للنبي ﷺ : سعيتُ قبل أن أطوف قال: "لا حرج " (١) . وإذا كان الحديث عاماً فإنه لا فرق بين أن يكون ذلك في يوم العيد أو فيما بعده.
س ٤: إذا طاف مَن عليه سعي، ثم خرج ولم يسع، وأخبر بعد خمسة أيام بان عليه سعياً، فهل يجوز أن يسعى فقط ولا يطوف قبله ؟
ج ٤: إذا طاف الإنسان معتقداً أنه لا سعي عليه ثم خرج، ثم بعد ذلك بأيام أُخبر بأن عليه سعياً، فإنه يأتي للسعي فقط ولا حاجة إلى إعادة الطواف، وذلك لأنه لا يُشترط الموالاة بين الطواف والسعي، حتى لو فرض أن الرجل ترك ذلك عمداً، أي أخر السعي عن الطواف عمداً، فلا
حرج عليه، ولكن الأفضل أن يكون السعي موالياً للطواف.
стр. 9662
س ٥: حاج قدم متمتعاً، فلما طاف وسعى لبس ملابسه العادية، ولم يقصر أو يحلق، وسأل بعد الحج وأخبر أنه أخطأ، فكيف يفعل وقد ذهب الحج بعد وقت العمرة ؟
ج ٥: هذا الرجل يُعتبر تاركاً لواجب من واجبات العمرة، وهو التقصير، وعليه عند أهل العلم أن يذبح فدية في مكة ويوزعها على فقراء مكة وهو باقٍ على تمتعه فيلزمه هدي التمتع أيضاً.
س ٦: ما حكم الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة ؟
ج ٦: الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة واجب، لأن النبي ﷺ لما قدم إلى مكة في حجة الوداع وطاف وسعى، أمر كل من لم يسق الهدي أن يقصر، ثم يحل، والأصل في الأمر الوجوب، ويدل لذلك أيضاً أن النبي ﷺ أمرهم حين أحصروا في غزوة الحديبية، أن يحلقوا حتى إنه ﷺ غضب حين توانوا في ذلك.
وأما: هل الأفضل في العمرة التقصير أو الحلق؟ فالأفضل الحلق، إلا للمتمتع الذي قدم متأخراً فإن الأفضل في حقه التقصير من أجل أن يتوفر الحلق للحج.
س ٧: حاج رمى جمرة العقبة من جهة الشرق، ولم يسقط الحجر في الحوض، فما العمل وهو في اليوم الثالث عشر، وهل يلزمه إعادة الرمي في أيام التشريق ؟
ج ٧: لا يلزمه إعادة الرمي كله، وإنما يلزمه إعادة الرمي الذي أخطأ فيه فقط، وعلى هذا يعيد رمي جمرة العقبة فقط، ويرميها على الصواب، ولا يجزئه الرمي الذي رماه من جهة الشرق لأنه في هذه الحال لا يسقط في الحوض الذي هو موضع الرمي، ولهذا لو رماها من الجسر من الناحية الشرقية أجزأ لأنه يسقط في الحوض.
стр. 9663
س ٨: متى ينتهي رمي جمرة العقبة أداءً؟ ومتى ينتهي قضاءً ؟
ج ٨: أما رمي جمرة العقبة يوم العيد فإنه ينتهي بطلوع الفجر من اليوم الحادي عشر، ويبتدىء من آخر الليل من ليلة النحر للضعفاء ونحوهم من الذين لا يستطيعون مزاحمة الناس.
وأما رميها في أيام التشريق فهي كرمي الجمرتين اللتين معها، يبتدىء الرمي من الزوال، وينتهي بطلوع الفجر من الليلة التي تلي اليوم، إلا إذا كان في آخر أيام التشريق، فإن الليل لا رمي فيه، وهو ليلة الرابع عشر، لأن أيام التشريق انتهت بغروب شمسها، والرمي في النهار أفضل، إلا أنه في هذه الأوقات مع كثرة الحجيج وغشمهم، وعدم مبالاة بعضهم ببعض إذا خاف على نفسه من الهلاك أو الضرر أو المشقة الشديدة فإنه يرمي ليلاً ولا حرج عليه، كما أنه لو رمى ليلاً بدون أن
يخاف هذا، فلا حرج عليه، ولكن الأفضل أن يُراعي الاحتياط، ولا يرمي ليلاً إلا عند الحاجة إليه.
وأما قوله: قضاءً، فإنها تكون قضاء إذا طلع الفجر من اليوم التالي في أيام التشريق ولم يرمها.
س ٩: إذا لم تصب جمرة من الجمار السبع المرمى، أو جمرتان، ومضى يوم أو يومان، فهل يلزمه إعادة هذه الجمرة أو الجمرتين؟ وإذا لزمه فهل يعيد ما بعدها من الرمي ؟
ج ٩: إذا بقي عليه رمي جمرة أو جمرتين من الجمرات، أو على الأوضح حصاة أو حصاتين من إحدى الجمرات، فإن الفقهاء يقولون إذا كان من آخر جمرة فإنه يكملها، أي يكمل هذا الذي نقص فقط، ولا يلزمه رمي ما قبلها، وإن كان من غير آخر جمرة فإنه يكمل الناقص، ويرمي ما بعدها.
стр. 9664
والصواب عندي أنه يكمل الناقص مطلقاً، ولا يلزمه إعادة رمي ما بعدها؛ وذلك لأن الترتيب يسقط بالجهل أو بالنسيان، وهذا الرجل قد رمى الثانية وهو لا يعتقد أن عليه شيئاً مما قبلها، فهو بين الجهل والنسيان، وحينئذ نقول له: ما نقص من الحصا فارمه ولا يجب عليك رمي ما بعدها. وقبل إنهاء الجواب أُحب أن أنبه إلى أن المرمى مجتمع الحصا، وليس العمود المنصوب للدلالة عليه، فلو رمى في الحوض، ولم يصب العمود بشيء من الحصيات فرميه صحيح، والله أعلم.
س ١٠: إذا خرج الحاج من منى قبل غروب الشمس يوم الثاني عشر بنية التعجل، ولديه عمل في منى سيعود له بعد الغروب، فهل يعتبر متعجلاَّ ؟
ج ١٠: نعم؟ يُعتبر متعجلاً لأنه أنهى الحج، ونية رجوعه إلى منى لعمل فيها لا يمنع التعجل، لأنه إنما نوى الرجوع للعمل المنوط به لا للنسك.
س ١١: من أحرم بالحج من الميقات، ثم ساو إلى أن قرب من مكة فمنعه مركز التفتيش لأنه لم يحمل بطاقة الحج، فما الحكم ؟
ج ١١: الحُكم في هذه الحال أنه يكون مُحصِراً حين تعذر عليه الدخول، فيذبح هدياً في مكان الإحصار، ويحل، ثم إن كانت هذه الحجة هي الفريضة، أداها فيما بعد بالخطاب الأول لا قضاء، وإن كانت غير الفريضة فإنه لا شيء عليه على القول الراجح، لأن النبي ﷺ لم يأمر الذين أحصروا في غزوة الحديبية أن يقضوا تلك العمرة التي أُحصروا عنها، وليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله وجوب القضاء على من أُحصر؛ قال تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (١) ولم يذكر شيئاً سوى ذلك.
стр. 9665
وعمرة القضاء سميت بذلك لأن النبي ﷺ قاضى قُريشاً، أي عاهدهم عليها، وليس من القضاء الذي هو استدراك ما فات، والله أعلم.
س ١٢: إذا دخل الآفاقي بملابسه العادية إلى مكة حتى يتحايل على الدولة بعدم الحج، ثم أحرم من مكة، فهل يجوز حجه؟ وما الذي يلزمه ؟
ج ١٢: أما حجه فيصح، وأما فعله فحرام، حرام من وجهين: أحدهما: تعدي حدود الله بترك الإحرام من الميقات.
والثاني: مخالفته أمر ولاة الأمور الذين أُمرنا بطاعتهم في غير معصية الله.
وعلى هذا يلزمه أن يتوب إلى الله ويستغفره مما وقع، وعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء لتركه الإحرام من الميقات، على ما قاله أهل العلم من وجوب الفدية على من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة.
س ١٣: سمعتُ أن المتمتع إذا رجع إلى بلده انقطع تمتعه، فهل يجوز له أن يحج مفرداً ولا دم عليه ؟
ج ١٣: نعم إذا رجع المتمتع إلى بلده، ثم أنشأ سفراً للحج من بلده فهو مفردٌ، وذلك لانقطاع ما بين العمرة والحج برجوعه إلى أهله فإنشاؤه السفر معناه أنه أنشأ سفراً جديداً للحج، وحينئذ يكون حجه إفراداً، فلا يجب عليه هدي التمتع، لكن لو فعل ذلك تحيلاً على إسقاطه فإنه لا يسقط عنه، لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يقتضي إسقاطه، كما أن التحيل على المحرَّم لا يقتضي حله.
س ١٤: إذا قَدِمَ المسلم إلى مكة قبل أشهر الحج بنية الحج، ثم اعتمر وبقي إلى الحج فحجَّ، فهل حجه يعتبر تمتعاً أم إفراداً ؟
стр. 9666
ج ١٤: حجه يعتبر إفراداً، لأن التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من عامه.
وأما من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج، فإنه يكون مفرداً، إلا إذا قرن، بأن يحرم بالحج والعمرة جميعاً، فيكون قارناً، وإنما اختص التمتع بمن أحرم بالعمرة في أشهر الحج لأنه لما
دخلت أشهر الحج كان الإحرام بالحج فيها أخص من الإحرام بالعمرة، فخفف الله تعالى عن العباد، وأذن لهم بل أحب أن يجعلوا عمرة ليتمتعوا بها إلى الحج.
س ١٥: حملة خرجت من عرفة بعد الغروب، فضلوا الطريق فتوجهوا إلى مكة، ثم ردتهم الشرطة إلى مزدلفة، فلما أقبلوا عليها توقفوا، وصلوا المغرب والعشاء في الساعة الواحدة ليلاً، ثم دخلوا
المزدلفة أذان الفجر فصلوا فيها الفجر ثم خرجوا، فهل عليهم شيء في ذلك أم لا ؟
ج ١٥: هؤلاء لا شيء عليهم لأنهم أدركوا صلاة الفجر في مزدلفة حين دخلوها وقت أذان الفجر، وصلوا الفجر فيها بغلس وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه " (١) ، ولكن هؤلاء أخطأوا حين أخروا الصلاة إلى ما بعد منتصف الليل، لأن وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ فلا يحل تأخيرها عن منتصف الليل.
س ١٦: معلوم أن حلق الرأس من محظورات الأحرام، فكيف يجوز
стр. 9667
البدء به في التحلل يوم العيد، لأن العلماء يقولون: إن التحلل بفعل اثنين من ثلاث، ويذكرون منها الحلق، وعلى هذا فإن الحاج يجوز أن يبدأ به؟
ج ١٦: نعم يجوز البدء به لأن حلقه عند الإحلال للنسك، فيكون غير مُحرم، بل يكون نُسكاً مأموراً به، وإذا كان مأموراً به فإن فعله لا يعد إثماً ولا وقوعاً في محظور.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه سُئل عن الحلق قبل النحر وقبل الرمي، فقال: "لا حرج " (١) .
وكون الشيء مأموراً به أو محظوراً إنما يتلقى من الشرع: ألا ترى إلى السجود لغير الله تعالى كان شركاً، ولما أمر الله به الملائكة أن يسجدوا لآدم كان سجودهم له طاعة.
ثم ألم تر إلى قتل النفس، لاسيما الأولاد كان من الكبائر العظيمة، فلما أمر الله تعالى نبيه إبراهيم أن يقتل ابنه إسماعيل كان طاعة نال بها إبراهيم ﵊ مرتبة عظيمة، ولكن الله تعالى برحمته خفف عنه
وعن ابنه وقال: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) (٢)
س ١٧: متى ينتهي زمن ذبح هدي التمتع؟ وهل هناك خلاف وآراء في تحديد الزمن ؟
ج ١٧: ينتهي زمن الذبح لهدي التمتع بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، ويبتدىء إذا مضى قدر صلاة العيد من يوم العيد بعد ارتفاع الشمس قدر رمح.
стр. 9668
وأما: هل هناك خلاف؟ فنعم فيه خلافٌ في ابتدائه وانتهائه، ولكن الراجح ما ذكرناه، والله أعلم.
س ١٨: ما حكم من بات في منى إلى الساعة الثانية عشرة ليلاً، ثم دخل مكة ولم يعد حتى طلوع الفجر ؟
ج ١٨: إذا كانت الساعة الثانية عشرة ليلاً هي منتصف الليل في منى، فإنه لا بأس أن يخرج منها بعدها.
وإن كان الأفضل أن يبقى في منى ليلاً ونهاراً، وإن كانت الساعة الثانية عشرة قبل منتصف الليل فإنه لا يخرج، لأن المبيت في منى يشترط أن يكون معظم الليل على ما ذكره فقهاؤنا رحمهم الله تعالى.
س ١٩: يقال: إنه لا يجوزُ الرمي بجمرة قد رُمي بها، فهل هذا صحيح؟ وما الدليلُ عليه ؟
ج ١٩: هذا ليس بصحيح، لأن الذين استدلوا بأنه لا يُرمى بجمرة قد رُمي بها، عللوا ذلك بعلل ثلاث: قالوا إنها- أي الجمرة التي رُمي بها- كالماء المستعمل في طهارة واجبة، والماء المستعمل في الطهارة الواجبة يكون طاهراً غير مُطهِّر، وإنها كالعبد إذا أُعتق فإنه لا يُعتَق بعد ذلك في كفارة أو غيرها، وإنه يلزم من القول بالجواز أن يرمي جميع الحجيج بحجر واحد، فترمي أنت هذا الحجر، ثم تأخذه وترمي، ثم تأخذه وترمي حتى تكمل السبعَ، ثم يجيء الثاني فيأخذه فيرمي حتى يُكمل السبع، فهذه ثلاثُ علل وكلها عند التأمل عليلة جداً.
أما التعليل الأول: فإنما نقول بمنع الحكم في الأصل، وهو أن الماء المستعمل في طهارة واجبة يكون طاهراً غير مطهِّر لأنه لا دليل على ذلك، ولا يمكن نقل الماء عن وصفه الأصلي، وهو الطهورية إلا بدليل.
стр. 9669
وعلى هذا فالماء المستعمل في طهارة واجبة طهورٌ مطهِّرٌ، فإذا انتفى حكم الأصل المقيس عليه، انتفى حكم الفرع.
وأما التعليل الثاني: وهو قياس الحصاة المرمي بها على العبد المعتق، فهو قياس مع الفارق، فإن العبد إذا أُعتق كان حُرًّا لا عبداً، فلم يكن محلاً للعتق، بخلاف الحجر إذا رُمي به فإنه يبقى حجراً بعد الرمي به، فلم ينتف المعنى الذي كان من أجله صالحاً للرمي به، ولهذا لو أن هذا العبد الذي أُعتق استرقَّ مرة أخرى بسبب شرعي جاز أن يعتق مرة ثانية.
وأما التعليل الثالث: وهو أنه يلزم من ذلك أن يقتصر الحجاج على حصاة واحدة، فنقول: إن أمكن ذلك فليكن ولكن هذا غير ممكن، ولن يعدل إليه أحد مع توفر الحصا.
وبناء على ذلك، فإنه إذا سقطت من يدك حصاة أو أكثر حول الجمرات فخذ بدلها مما عندك، وارم به سواء غلب على ظنك أنه قد رُمي بها أم لا.
س ٢٠: إذا قصر الحاج والمعتمر من جانبي رأسه ثم حل إحرامه وهو لم يعمم الرأس فما الحكم ؟
ج ٢٠: الحكم إن كان في الحج وقد طاف ورمى فإنه يبقى في ثيابه، ويكمل حلق رأسه أو تقصيره، وإن كان في عمرة فعليه أن يخلع ثيابه ويعود إلى ثياب الإحرام ثم يحلق أو يقصر تقصيراً تاماً يعم جميع الرأس وهو محرم، أي وهو لابس ثياب الإحرام.
س ٢١: هل يجوز للحاج أن يقدم سعي الحج على طواف الإفاضة ؟
ج ٢١: إن كان الحاج مُفرداً أو قارناً، فإنه يجوز أن يقدم السعي على طواف الإفاضة، فيأتي به بعد طواف القدوم كما فعل النبي ﷺ ،
стр. 9670
وأصحابه الذين ساقوا الهدي.
أما إن كان متمتعاً، فإن عليه سعيين: الأول عند قدومه إلى مكة، وهو للعمرة، والثاني للحج.
والأفضل أن يكون بعد طواف الإفاضة، لأن السعي تابع للطواف، فإن قدمه على الطواف فلا حرج على القول الراجح، لأن النبي ﷺ سُئل قيل له: سعيت قبل أن أطوف؟! قال: "لا حرج " (١) . فالحاج يفعل يوم العيد خمسة أنساك مرتبة: رمي جمرة العقبة، ثم لنحر، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف بالبيت، ثم السعي بين الصفا والمروة، إلا أن يكون قارناً أو مفرداً سعى بعد طواف القدوم فإنه لا يعيد السعي، والأفضل أن يرتبها على ما ذكرنا، وإن قدم بعضها على بعض، لاسيما مع الحاجة فلا حرج، وهذا من رحمة الله تعالى وتيسيره، فلله الحمد
رب العالمين.
стр. 9671
المنهج لمريد الحج والعمرة
стр. 9672
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً، أما بعد:
فإن الحج من أفضل العبادات، وأجل الطاعات؛ لأنه أحد أركان الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، والتي لا يستقيم دين العبد إلا بها.
ولما كانت العبادة لا يستقيم التقرب بها إلى الله، ولا تكون مقبولة إلا بأمرين:
أحدهما: الإخلاص لله ، بأن يقصد بها وجه الله، والدار الآخرة، لا يقصد بها رياء ولا سمعة.
الثاني: اتباع النبي ﷺ ، فيها قولاً وفعلاً. والاتباع للنبي ﷺ لا يمكن تحقيقه إلا بمعرفة سنة النبي ﷺ . لذلك كان لابد لمن أراد تحقيق الاتباع أن يتعلم سنته ﷺ بأن يتلقاها من أهل العلم بها، إما بطريق المكاتبة أو بطريق المشافهة. وكان من واجب أهل العلم، الذين ورثوا النبي ﷺ وخلفوه في أمته أن يطبقوا عباداتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم على ما علموه من سنة نبيهم ﷺ ، وأن يبلغوا ذلك إلى
стр. 9673
الأمة ويدعوهم إليه؛ ليتحقق لهم ميراث النبي ﷺ علماً وعملاً، وتبليغاً ودعوة، وليكونوا من الرابحين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر.
وهذه خلاصة فيما يتعلق بمناسك الحج والعمرة، مشيت فيها على ما أعرفه من نصوص الكتاب والسنة، راجياً من الله تعالى أن تكون خالصة له نافعة لعباده.
آداب السفر
ينبغي لمن خرج إلى الحج أو غيره من العبادات أن يستحضر نية التقرب إلى الله تعالى في جميع أحواله؛ لتكون أقواله وأفعاله ونفقاته مقربة له إلى الله تعالى، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى. وينبغي أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة، مثل الكرم، والسماحة، والشهامة، والانبساط إلى رفقته، وإعانتهم بالمال والبدن، وإدخال السرور عليهم. هذا بالإضافة إلى قيامه بما أوجبه
الله عليه من العبادات، واجتناب المحرمات.
وينبغي أن يكثر من النفقة ومتاع السفر، ويستصحب فوق حاجته من ذلك احتياطاً لما يعرض من الحاجات.
وينبغي أن يقول عند سفره، وفي سفره ما ورد عن النبي ﷺ ، ومن ذلك:
١- إذا وضع رجله على مركوبه قال: بسم الله. فإذا استقرَّ عليه فليذكر نعمة الله على عباده بتيسير المركوبات المتنوعة ثم ليقل: "الله أكبر الله اكبر الله أكبر، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا
له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر
стр. 9674
والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عنا بُعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب
في المال والأهل والولد.
٢- التكبير إذا صعد مكاناً علواً، والتسبيح إذا هبط مكاناً منخفضاً.
٣- إذا نزل منزلاً فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإن من قالها لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله الذي قالها فيه.
سفر المرأة
لا يجوز للمرأة أن تسافر للحج أو غيره إلا ومعها محرم، سواء كان السفر طويلاً أم قصيراً، وسواء كان معها نساء أم لا، وسواء كانت شابة أم عجوزاً، لعموم قول النبي ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " (١) .
والحكمة في منع المرأة من السفر بلا محرم: قصور المرأة في عقلها، والدفاع عن نفسها، وهي مطمع الرجال، فربما تخدع أو تقهر، أو تكون ضعيفة الدين، فتندفع وراء شهواتها، ويكون فيها مطمع للطامعين. والمحرم يحميها، ويصون عرضها ويدافع عنها. ولذلك يشترط أن يكون بالغاً عاقلاً، فلا يكفي الصغير الذي لم يبلغ، ولا مَنْ لا عقل له.
والمحرم زوج المرأة، وكل من تحرم عليه تحريماً دائماً،
стр. 9675
بقرابة، أو رضاعة، أو مصاهرة، فالمحارم من القرابة سبعة:
١- الآباء والأجداد وإن علوا، سواء من قِبل الأم، أو من قِبل الأب.
٢- الأبناء، وأبناء الأبناء، وأبناء البنات وإن نزلوا.
٣- الإخوة سواء كانوا إخوة أشقاء أو لأب أو لأم.
٤- أبناء الإخوة، سواء كانوا أبناء إخوة أشقاء، أو أبناء إخوة من الأب، أو أبناء إخوة من الأم.
٥- أبناء الأخوات، سواء كانوا أبناء أخوات شقيقات، أو من الأب، أو من الأم.
٦- الأعمام، سواء كانوا أعماماً أشقاء، أو أعماماً من الأب، أو أعماماً من الأم.
٧- الأخوال، سواء كانوا أخوالاً أشقاء، أو من الأب، أو من الأم.
والمحارم من الرضاع نظير المحارم من القرابة؛ لقول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". (متفق عليه) (١) .
والمحارم بالمصاهرة:
١- أبناء زوج المرأة، وأبناء أبنائه، وأبناء بناته وإن نزلوا، سواء كانوا من زوجة قبلها، أو معها، أو بعدها.
٢- آباء زوج المرأة وأجداده وإن علوا، سواء أجداده من قبل أبيه، أو من قبل أمه.
стр. 9676
٣- أزواج البنات، وأزواج بنات الأبناء، وأزواج بنات البنات، وإن نزلن.
وهؤلاء الثلاث تثبت المحرمة فيهم بمجرد العقد، حتى ولو فارقها بموت، أو طلاق، أو فسخ، فإن المحرمية تبقى لهؤلاء.
٤- أزواج الأمهات، وأزواج الجدات وإن علون، لكن الأزواج لا يصيرون محارم لبنات زوجاتهم، أو بنات أبناء زوجاتهم، أو بنات بنات زوجاتهم، حتى يطؤوا الزوجات، فإن حصل الوطء صار الزوج محرماً لبنات زوجته من زوج قبله، أو زوج بعده، وبنات أبنائها، وبنات بناتها ولو طلقها بعد.
أما إذا عقد على المرأة ثم طلقها قبل الوطء، فإنه لا يكون محرماً لبناتها، ولا لبنات أبنائها، ولا لبنات بناتها.
صلاة المسافر
دين الإسلام دين اليسر والسهولة، لا حرج فيه ولا مشقة، وكلما وجدت المشقة فتح الله لليسر أبواباً. قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ (١) . وقال النبي ﷺ : "الدين يسرٌ" (٢) ، وقال أهل العلم- ﵏: "المشقة تجلب التيسير".
стр. 9677
ولما كان السفر مظنة المشقة غالباً خففت أحكامه، فمن ذلك:
١- جواز التيمم للمسافر إذا لم يجد الماء، أو كان معه من الماء ما يحتاجه لأكله وشربه. لكن متى غلب على ظنه أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت المختار، فالأفضل تأخير الصلاة حتى يصل
إلى الماء ليتطهر به.
٢- إن المشروع في حق المسافر أن يقصر الصلاة الرباعية، فيجعلها ركعتين من حين يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه، ولو طالت المدة؛ لما ثبت في صحيح البخاري (١) عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين، وأقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة".
لكن إذا صلى المسافر خلف إمام يصلي أربعاً فإنه يصلي أربعاً تبعاً لإمامه سواء أدرك الإمام من أول الصلاة أو في أثنائها. فإذا سلم الإمام أتى بتمام الأربع؛ لقول النبي ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " (٢) . وعموم قوله: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٣) . وسئل ابن عباس- ﵄: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعاً إذا ائتم بمقيم، فقال: "تلك السنة" (٤) .
وكان ابن عمر ﵄ إذا صلى مع الإمام صلى
стр. 9678
أربعاً، وإذا صلى وحده صلى ركعتين. "يعني في السفر ".
٣- إن المشروع في حق المسافر أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء إذا احتاج إلى الجمع، مثل أن يكون مستمرًّا في سيره، والأفضل حينئذ أن يفعل ما هو الأرفق به من جمع التقديم أو التأخير.
أما إذا كان غير محتاج إلى الجمع فإنه لا يجمع. مثاله أن يكون نازلاً في محل لا يريد أن يرتحل منه إلا بعد دخول وقت الصلاة الثانية، فهذا لا يجمع، بل يصلي كل فرض في وقته؛ لأنه لا
حاجة به إلى الجمع.
المواقيت
المواقيت هي الأمكنة التي عيَّنها النبي ﷺ ليحرم منها من أراد الحج أو العمرة، والمواقيت خمسة:
الأول: ذو الحليفة ويسمى (أبيار علي) ، ويسميه بعض الناس (الحساء) ، وبينه وبين مكة نحو عشر مراحل، وهو ميقات أهل المدينة، ومن مرَّ به من غيرهم.
الثاني: الجحفة وهي قرية قديمة بينها وبين مكة نحو خمس مراحل، وقد خربت، فصار الناس يحرمون بدلها من رابغ، وهي ميقات أهل الشام ومن مرَّ بها من غيرهم.
الثالث: يلملم وهو جبل أو مكان بتهامة بينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو ميقات أهل اليمن، ومن مرَّ به من غيرهم.
الرابع: قرن المنازل ويسمى (السيل) بينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو ميقات أهل نجد، ومن مرَّ به من غيرهم.
стр. 9679
الخامس: ذات عرق ويسمى (الضريبة) بينها وبين مكة مرحلتان، وهي ميقات أهل العراق، ومن مرَّ بها من غيرهم.
ومن كان أقرب إلى مكة من هذه المواقيت فإن ميقاته مكانه، فيحرم منه حتى أهل مكة من مكة، ومن كان طريقه يميناً أو شمالاً من هذه المواقيت، فإنه يحرم حين يحاذي أقرب المواقيت إليه، ومن كان في طائرة فإنه يحرم إذا حاذى الميقات من فوق، فيتأهب ويلبس ثياب الإحرام قبل محاذاة الميقات، فإذا حاذاه نوى الإحرام في الحال، ولا يجوز تأخيره. هذا وبعض الناس يكون في الطائرة،
وهو يريد الحج أو العمرة، فيحاذي الميقات ولا يحرم منه، بل يؤخر إحرامه حتى ينزل في المطار، وهذا لا يجوز؛ لأنه من تعدي حدود الله تعالى. نعم لو مرَّ بالميقات وهو لا يريد الحج ولا العمرة، ولكنه بعد ذلك نوى الحج أو العمرة فإنه يحرم من مكان نيته ولا شيء عليه.
ومن مرَّ بهذه المواقيت وهو لا يريد الحج ولا العمرة وإنما يريد مكة لزيارة قريب، أو تجارة، أو طلب علم، أو علاج أو غيرها من الأغراض، فإنه لا يجب عليه الإحرام؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وقَّت المواقيت ثم قال: "هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهن لمن كان يريد الحج أو العمرة" (١) . فعلَّق الحكم بمن يريد الحج أو العمرة. فمفهومه أن من لا يريد الحج والعمرة لا يجب عليه الإحرام منها، وإرادة الحج أو العمرة غير واجبة على من أدى الفرض، والحج لا يجب في العمر إلا مرة؛
стр. 9680
لقول النبي ﷺ : "الحج مرة فما زاد فهو تطوع " (١) ، لكن الأولى ألا يحرم نفسه من التطوع بالنسك، ليحصل له الأجر لسهولة الإحرام في هذا الوقت، ولله الحمد والمنة.
أنواع الأنساك
الأنساك ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران.
فالتمتع أن يحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحج، فإذا وصل مكة طاف وسعى للعمرة، وحلق أو قصر، فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج وحده، وأتى بجميع أفعاله.
والإفراد أن يحرم بالحج وحده، فإذا وصل مكة طاف للقدوم، ثم سعى للحج، ولا يحلق ولا يقصر، لا يحل من إحرامه، بل يبقى محرماً حتى يحل بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد، وإن أخر سعي الحج إلى ما بعد طواف الحج فلا بأس.
والقران أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً، أو يحرم العمرة أولاً، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، وعمل القارن كعمل المفرد سواء، إلا أن القارن عليه هدي، والمفرد لا هدي عليه، وأفضل هذه الأنواع الثلاثة التمتع وهو الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه وحثَّهم عليه حتى لو أحرم الإنسان قارناً أو مفرداً فإنه يتأكد
عليه أن يقلب إحرامه إلى عمرة ليصير متمتعاً ولو بعد أن طاف وسعى؛ لأن النبي ﷺ لما طاف وسعى عام حجة الوداع ومعه أصحابه أمر كل من ليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويقصر ويحل، وقال: "لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم
стр. 9681
به " (١) .
هذا وقد يحرم الإنسان بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، ثم لا يتمكن من إتمام العمرة قبل الوقوف بعرفة؛ ففي هذه الحال يدخل الحج على العمرة ويصير قارناً، ولنمثل لذلك بمثالين:
المثال الأول: امرأة أحرما بالعمرة متمتعة بها إلى الحج، فحاضت أو نفست قبل أن تطوف، ولم تطهر حتى جاء وقت الوقوف بعرفة؛ فإنها في هذه الحال تنوي إدخال الحج على العمرة، وتكون قارنة، فتستمر في إحرامها، وتفعل ما يفعله الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة،
حتى تطهر وتغتسل.
المثال الثاني: إنسان أحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، فحصل له عائق يمنعه من الدخول إلى مكة قبل يوم عرفة، فإنه ينوي إدخال الحج على العمرة، ويكون قارناً، فيستمر في إحرامه، ويفعل ما يفعله الحاج.
المحرم الذي يلزمه الهدي
المحرم الذي يلزمه الهدي هو المتمتع، والقارن دون المفرد.
فالمتمتع هو الذي يحرم بالعمرة في أشهر الحج، أي بعد دخول شهر شوال، ويحل منها، ثم يحرم بالحج في عامه. فإن أحرم بالعمرة قبل دخول شهر شوال فليس بمتمتع، فلا هدي عليه، سواء كان قد صام رمضان بمكة أم لا، فصيام رمضان بمكة لا أثر له
стр. 9682
وإنما العبرة بعقد إحرام العمرة، فمتى كان قبل دخول شهر شوال فلا هدي عليه، وإن كان بعد دخول شهر شوال فهو متمتع يلزمه الهدي إذا تمت شروط الوجوب. وأما ما يعتقده بعض العوام من أن العبرة بصيام رمضان، وأن من صام بمكة فلا هدي عليه، ومن لم يصم بها فعليه هدي، فهذا اعتقاد غير صحيح. وأما القارن فهو الذي يحرم بالعمرة والحج جميعاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، ولا يجب الهدي على المتمتع والقارن إلا بشرط أن لا يكونا من حاضري المسجد الحرام، فإن كانا من حاضري المسجد الحرام فلا هدي عليهما.
وحاضرو المسجد الحرام هم أهل الحرم، ومن كانوا قريبين منه، بحيث لا يكون بينهم وبين الحرم مسافة تعد سفراً، كأهل الشرائع ونحوهم، فإنه لا هدي عليهم. أما من كانوا بعيدين من الحرم، بحيث يكون بينهم وبينه مسافة تعد سفراً كأهل جدة، فإنه يلزمهم الهدي.
ومن كان من أهل مكة ثم سافر إلى غيرها لطلب علم أو غيره ورجع إليها متمتعاً، فإنه لا هدي عليه؛ لأن العبرة بمحل إقامته وسكناه وهي مكة، إلا إذا انتقل إلى غير مكة للسكنى، فإنه إذا رجع
إليها متمتعاً يلزمه الهدي؛ لأنه حينئذ ليس من حاضري المسجد الحرام.
والهدي الواجب على المتمتع والقارن شاة تجزئ في الأضحية، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
стр. 9683
في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. ويجوز أن يصوم الأيام الثلاثة في أيام التشريق، وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، ويجوز أن يصومها قبل ذلك بعد إحرام العمرة،
لكن لا يصومها يوم العيد ولا بعرفة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن صوم يومي العيدين، ونهى عن صوم يوم عرفة بعرفة، ويجوز أن يصوم هذه الأيام الثلاثة متوالية ومتفرقة، لكن لا يؤخرها عن أيام التشريق. أما السبعة الباقية فيصومها إذا رجع إلى أهله، إن شاء صامها متوالية، وإن شاء متفرقة.
وأيام ذبح الهدي أربعة: يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، فمن ذبح قبل هذه الأيام فشاته شاة لحم لا تجزئه عن الهدي؛ لأن النبي ﷺ لم يذبح هديه قبل يوم العيد، والهدي من النسك وقد قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم " (١) . وفي الحديث عنه أنه قال: "كل أيام التشريق ذبح " (٢) ، وأيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي بعد العيد.
ويجوز الذبح في هذه الأيام ليلاً ونهاراً، لكن النهار أفضل.
ويجوز أيضاً في منى، وفي مكة، لكن في منى أفضل، إلا أن يكون الذبح بمكة أنفع للفقراء بحيث يكون الانتفاع به في منى يسيراً فإنه يتبع ما هو أصلح وأنفع، وعلى هذا فلو أخر هديه إلى اليوم الثالث عشر، وذبحه بمكة فلا بأس.
واعلم أن إيجاب الهدي على القادر، أو الصيام على من لم يجد الهدي ليس غرماً على العبد، أو إتعاباً لبدنه بلا فائدة، وإنما هو
стр. 9684
من إتمام النسك وإكماله، ومن رحمة الله وإحسانه حيث شرع لعباده ما فيه كمال عبادتهم وتقربهم إلى ربهم، وزيادة أجرهم، ورفعة درجاتهم، والنفقة فيه مخلوفة، والسعي فيه مشكور. وكثير من
الناس لا يلاحظون هذه الفائدة، ولا يحسبون لهذا الأجر حسابه، فتجدهم يتهربون من وجوب الهدي، ويسعون لإسقاطه بكل وسيلة، حتى إن بعضهم يفرد الحج وحده من أجل ألا يجب عليه
الهدي، فيحرمون أنفسهم أجر التمتع، وأجر الهدي، وهذه غفلة ينبغي التنبه لها.
صفة العمرة
إذا أراد أن يحرم بالعمرة فالمشروع أن يتجرد من ثيابه، ويغتسل كما يغتسل للجنابة، ويتطيب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره في رأسه ولحيته، ولا يضره بقاء ذلك بعد الإحرام؛ لما في
الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص المسك في رأسه ولحيته بعد ذلك " (١) .
والاغتسال عند الإحرام سنة في حق الرجال والنساء حتى النفساء والحائض؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس حين نفست أن تغتسل عند إحرامها، وتستثفر بثوب وتحرم (٢) . ثم بعد الاغتسال والتطيب يلبس ثياب الإحرام، ثم يصلي- غير الحائض والنفساء- الفريضة إن كان في وقت فريضة، وإلا صلى ركعتين
стр. 9685
ينوي بهما سنة الوضوء، فإذا فرغ من الصلاة أحرم وقال: "لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ". يرفع الرجل صوته بذلك، والمرأة تقوله بقدر ما يسمع من بجنبها.
وإذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يعوقه عن إتمام نسكه، فإنه ينبغي أن يشترط عند الإحرام، فيقول عند عقده: "إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني "، أي منعني مانع عن إتمام
نسكي من مرض، أو تأخر أو غيرهما، فإني أحل من إحرامي؛ لأن النبي ﷺ أمر ضباعة بنت الزبير حين أرادت الإحرام وهي مريضة أن تشترط، وقال: "إن لك على ربك ما استثنيت " (١) ، فمتى اشترط، وحصل له ما يمنعه من إتمام نسكه، فإنه يحل ولا شيء عليه.
وأما من لا يخاف من عائق يعوقه عن إتمام نسكه، فإنه لا ينبغي له أن يشترط؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط، ولم يأمر بالاشتراط كل أحد، وإنما أمر به ضباعة بنت الزبير لوجود المرض بها.
وينبغي للمحرم أن يكثر من التلبية، خصوصاً عند تغير الأحوال والأزمان، مثل أن يعلو مرتفعاً، أو ينزل منخفضاً، أو يقبل الليل أو النهار، وأن يسأل الله بعدها رضوانه والجنة، ويستعيذ برحمته من النار.
والتلبية مشروعة في العمرة من الإحرام إلى أن يبتدىء بالطواف، وفي الحج من الإحرام إلى أن يبتدىء برمي جمرة العقبة يوم العيد.
стр. 9686
وينبغي إذا قرب من مكة أن يغتسل لدخولها؛ لأن النبي ﷺ اغتسل عند دخوله، فإذا دخل المسجد الحرام قدم رجله اليمنى وقال: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم "، ثم يتقدم إلى الحجر الأسود ليبتدىء الطواف، فيستلم الحجر بيده اليمنى ويقبله، فإن لم يتيسر تقبيله قبَّل يده إن استلمه بها، فإن لم يتيسر استلامه بيده فإنه يستقبل الحجر، ويشير إليه بيده إشارة ولا يقبِّلها، والأفضل ألا يزاحم فيؤذي الناس ويتأذى بهم، لما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال لعمر: "يا عمر، إنك رجل قوي لا تزاحم على
الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبَّر " (١) .
ويقول عند استلام الحجر: بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ .
ثم يأخذ ذات اليمين، ويجعل البيت عن يساره، فإذا بلغ الركن اليماني استلمه من غير تقبيل، فإن لم يتيسر فلا يزاحم عليه، ويقول بينه وبين الحجر الأسود: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (٢) . اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وكلما مر بالحجر الأسود كبر، ويقول
стр. 9687
في بقية طوافه ما أحب من ذكر، ودعاء، وقراءة القرآن، فإنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله.
وفي هذا الطواف- أعني الطواف أول ما يقدم- ينبغي للرجل أن يفعل شيئين:
أحدهما: الاضطباع من ابتداء الطواف إلى انتهائه، وصفة الاضطباع أن يجعل وسط ردائه داخل إبطه الأيمن، وطرفيه على كتفه الأيسر، فإذا فرغ من الطواف أعاد رداءه إلى حالته قبل الطواف؛ لأن الاضطباع محله الطواف فقط.
الثاني: الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، والرمل إسراع المشي مع مقاربة الخطوات. أما الأشواط الأربعة الباقية فليس فيها رمل، وإنما يمشي كعادته.
فإذا أتم الطواف سبعة أشواط تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (١) ، ثم صلى ركعتين خلفه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثانية: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) بعد الفاتحة.
فإذا فرغ من صلاة الركعتين رجع إلى الحجر الأسود فاستلمه، إن تيسر له.
ثم يخرج إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (٢) ، ثم يرقى على الصفا حتى يرى الكعبة، فيستقبلها، ويرفع يديه فيحمد الله، ويدعو ما شاء أن يدعو. وكان
стр. 9688
من دعاء النبي ﷺ هنا: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده "، يكرر ذلك ثلاث مرات، ويدعو بين ذلك.
ثم ينزل من الصفا إلى المروة ماشياً، فإذا بلغ العلم الأخضر ركض ركضاً شديداً بقدر ما يستطيع، ولا يؤذي. فقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يسعى حتى تُرى ركبتاه من شدة السعي، يدور به إزاره.
وفي لفظ: وإن مئزره ليدور من شدة السعي. فإذا بلغ العلم الأخضر الثاني مشى كعادته، حتى يصل إلى المروة، فيرقى عليها، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه، ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل من المروة
إلى الصفا، فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، فإذا وصل الصفا فعل كما فعل أول مرة، وهكذا المروة حتى يكمل سبعة أشواط، ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، ويقول في سعيه ما أحب من ذكر، ودعاء، وقراءة.
فإذا أتم سعيه سبعة أشواط حلق رأسه، إن كان رجلاً، وإن كانت امرأة، فإنها تقصر من كل قرن أنملة.
ويجب أن يكون الحلق شاملاً لجميع الرأس، وكذلك التقصير يعم به جميع جهات الرأس، والحلق أفضل من التقصير؛ لأن النبي دعا للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين مرة، إلا أن يكون وقت الحج قريباً بحيث لا يتسع لنبات شعر الرأس، فإن الأفضل التقصير ليبقى الرأس للحلق في الحج، بدليل أن النبي ﷺ أمر
стр. 9689
أصحابه في حجة الوداع أن يقصروا للعمرة؛ لأن قدومهم كان صبيحة الرابع من ذي الحجة.
وبهذه الأعمال تمت العمرة فتكون العمرة: الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، ثم بعد ذلك يحل منها إحلالاً كاملاً، ويفعل ما يفعله المحلون من اللباس، والطيب، وإتيان النساء، وغير ذلك.
صفة الحج
إذا كان يوم التروية، وهو يوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج ضحى من مكانه الذي أراد الحج منه، ويفعل عند إحرامه بالحج كما فعل عند إحرامه بالعمرة من الغسل، والطيب، والصلاة، فينوي الإحرام بالحج ويلبي. وصفة التلبية في الحج كصفة التلبية في العمرة، إلا أنه يقول هنا: لبيك حجًّا، بدل قوله لبيك عمرة. وإن كان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام حجه اشترط فقال: "وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني "، وإن لم يكن خائفاً لم يشترط.
ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر قصراً من غير جمع؛ لأن النبي ﷺ كان يقصر بمنى، ولا يجمع. والقصر كما هو معلوم جعل الصلاة الرباعية ركعتين، ويقصر أهل مكة وغيرهم بمنى، وعرفة، ومزدلفة؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي بالناس في حجة الوداع ومعه أهل مكة، ولم يأمرهم بالإتمام، ولو كان واجباً عليهم لأمرهم به كما أمرهم به،
стр. 9690
عام الفتح.
فإذا طلعت الشمس يوم عرفة سار من منى إلى عرفة، فنزل بنمرة إلى الزوال إن تيسير له، وإلا فلا حرج؛ لأن النزول بنمرة سنة. فإذا زالت الشمس صلى الظهر، والعصر على ركعتين يجمع بينهما جمع تقديم، كما فعل النبي ﷺ ليطول وقت الوقوف والدعاء.
ثم يتفرغ بعد الصلاة للذكر، والدعاء، والتضرع إلى الله ، ويدعو بما أحب، رافعاً يديه، مستقبلاً القبلة، ولو كان الجبل خلفه؛ لأن السنة استقبال القبلة لا الجبل، وقد وقف النبي ﷺ عند الجبل، وقال: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة" (١) .
وكان أكثر دعاء النبي ﷺ في ذلك الموقف العظيم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (٢) .
فإن حصل له ملل، وأراد أن يستجم بالتحدث مع أصحابه بالأحاديث النافعة، أو قراءة ما تيسر من الكتب المفيدة، خصوصاً فيما يتعلق بكرم الله وجزيل هباته ليقوى جانب الرجاء في ذلك اليوم
كان ذلك حسناً، ثم يعود إلى التضرع إلى الله ودعائه، ويحرص على اغتنام آخر النهار بالدعاء، فإن خير الدعاء دعاء يوم عرفة.
فإذا غربت الشمس سار إلى مزدلفة، فإذا وصلها صلى
стр. 9691
المغرب والعشاء جمعاً، إلا أن يصل مزدلفة قبل العشاء الآخرة، فإنه يصلي المغرب في وقتها، ثم ينتظر حتى يدخل وقت العشاء الآخرة، فيصليها في وقتها. هذا ما أراه في هذه المسألة. وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ "أنه أتى المزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريباً من ذلك، فأصر رجلاً فأذن وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر
رجلاً فأذن وأقام، ثم صلى العشاء ركعتين " وفي رواية: "فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما " (١) .
لكن إن كان محتاجاً إلى الجمع، إما لتعب أو قلة ماء أو غيرهما، فلا بأس بالجمع، وإن لم يدخل وقت العشاء، وإن كان يخشى ألا يصل إلى مزدلفة إلا بعد نصف الليل، فإنه يصلي ولو قبل الوصول إلى مزدلفة، ولا يجوز أن يؤخر الصلاة إلى ما بعد نصف الليل.
ويبيت بمزدلفة، فإذا تبين الفجر صلى الفجر مبكراً بأذان وإقامة، ثم قصد المشعر الحرام، فوحد الله وكبره، ودعا بما أحب حتى يسفر جداً، وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه؛ لقول النبي ﷺ : "وقفت هاهنا وجمع كلها موقف " (٢) .
ويكون حال الذكر والدعاء مستقبلاً القبلة رافعاً يديه.
فإذا أسفر جداً دفع قبل أن تطلع الشمس إلى منى، ويسرع في وادي محسر. فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة، وهي الأخيرة
стр. 9692
مما يلي مكة بسبع حصيات متعاقبات، واحدة بعد الأخرى، كل واحدة بقدر نواة التمر تقريباً، يكبر مع كل حصاة. فإذا فرغ ذبح هديه، ثم حلق رأسه إن كان ذكراً، وأما المرأة فحقها التقصير دون
الحلق، ثم ينزل لمكة، فيطوف ويسعى للحج.
والسنة أن يتطيب إذا أراد النزول إلى مكة للطواف بعد الرمي والحلق؛ لقول عائشة ﵂: "كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت " (١) .
ثم بعد الطواف والسعي يرجع إلى منى فيبيت بها ليلتي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، ويرمي الجمرات الثلاث إذا زالت الشمس في اليومين، والأفضل أن يذهب للرمي ماشياً، وإن ركب
فلا بأس، فيرمي الجمرة الأولى، وهي أبعد الجمرات عن مكة، وهي التي تلي مسجد الخيف بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد الأخرى، ويكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم قليلاً، ويدعو دعاء طويلاً
بما أحب، فإن شق عليه طول الوقوف والدعاء دعا بما يسهل عليه ولو قليلاً، ليحصل السنة.
ثم يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ثم يأخذ ذات الشمال، فيقف مستقبلاً القبلة رافعاً يديه، ويدعو دعاء طويلاً إن تيسر عليه، وإلا وقف بقدر ما يتيسر، ولا
ينبغي أن يترك الوقوف للدعاء لأنه سنة، وكثير من الناس يهمله إما جهلاً أو تهاوناً، وكلما أضيعت السنة كان فعلها ونشرها بين الناس أوكد، لئلا تترك وتموت.
стр. 9693
ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ثم ينصرف ولا يدعو بعدها.
فإذا أتم رمي الجمار في اليوم الثاني عشر، فإن شاء تعجل ونزل من منى، وإن شاء تأخر فبات بها ليلة الثالث عشر، ورمى الجمار الثلاث بعد الزوال كما سبق، والتأخر أفضل، ولا يجب إلا أن تغرب الشمس من اليوم الثاني عشر وهو بمني، فإنه يلزمه التأخر حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال، لكن لو غربت عليه الشمس بمنى في اليوم الثاني عشر بغير اختياره، مثل أن يكون قد ارتحل وركب، لكن تأخر بسبب زحام السيارات ونحوه، فإنه لا يلزمه التأخر، لأن تأخره إلى الغروب بغير اختياره.
فإذا أراد الخروج من مكة إلى بلده لم يخرج حتى يطوف للوداع، لقول النبي ﷺ : "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " (١) ، وفي رواية: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن الحائض " (٢) . فالحائض والنفساء ليس عليهما وداع، ولا ينبغي أن يقفا عند باب المسجد الحرام للوداع، لعدم وروده عن النبي ﷺ .
ويجعل طواف الوداع آخر عهده بالبيت إذا أراد أن يرتحل للسفر، فإن بقي بعد الوداع لانتظار رفقة، أو تحميل رحله، أو اشترى حاجة في طريقه فلا حرج عليه، ولا يعيد الطواف إلا أن
ينوي تأخير سفره، مثل أن يريد السفر في أول النهار فيطوف
стр. 9694
للوداع، ثم يؤجل السفر إلى آخر النهار مثلاً، فإنه يلزمه إعادة الطواف، ليكون آخر عهده بالبيت.
زيارة المسجد النبوي
إذا أحب الحاج أن يزور المسجد النبوي قبل الحج أو بعده فلينو زيارة المسجد النبوي لا زيارة القبر، فإن شد الرحال على وجه التعبد لا يكون لزيارة القبور، وإنما يكون للمساجد الثلاثة:
المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى كما في الحديث الثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " (١) .
فإذا وصل المسجد النبوي قدم رجله اليمنى لدخوله وقال: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم "، ثم يصلي ما شاء. والأولى أن تكون صلاته في الروضة، وهي ما بين منبر النبي ﷺ وحجرته التي فيها قبره؛ لأن ما بينهما روضة من رياض الجنة، فإذا صلى وأراد زيارة قبر النبي ﷺ فليقف أمامه بأدب ووقار، وليقل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على
إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أشهد أنك رسول الله حقاً، وأنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة،
стр. 9695
وجاهدت في الله حق جهاده، فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته.
ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً، فيسلم على أبي بكر الصديق، ويترضى عنه.
ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً أيضاً، فيسلم على عمر بن الخطاب، ويترضى عنه، وإن دعا له ولأبي بكر ﵄ بدعاء مناسب فحسن.
ولا يجوز لأحد أن يتقرب إلى الله بمسح الحجرة النبوية، أو الطواف بها، ولا يستقبلها حال الدعاء، بل يستقبل القبلة؛ لأن التقرب إلى الله لا يكون إلا بما شرعه الله ورسوله، والعبادات مبناها
على الاتباع لا على الابتداع.
والمرأة لا تزور قبر النبي ﷺ ولا قبر غيره؛ لأن النبي ﷺ لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج، لكن تصلي، وتسلم على النبي ﷺ وهي في مكانها، فيبلغ ذلك النبي ﷺ في أي مكان كانت. ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " (١) . وقال: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام " (٢) .
وينبغي للرجل خاصة أن يزور البقيع، وهي مقبرة المدينة، فيقول: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله
стр. 9696
لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم " (١) .
وإن أحب أن يأتي أُحداً، ويتذكر ما جرى للنبي وأصحابه في تلك الغزوة من جهاد وابتلاء، وتمحيص وشهادة، ثم يسلم على الشهداء هناك مثل حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ فلا بأس بذلك، فإن هذا قد يكون من السير في الأرض المأمور به، والله أعلم.
الفوائد
هذه فوائد تتعلق بالمناسك تدعو الحاجة إلى بيانها ومعرفتها:
الفائدة الأولي في آداب الحج والعمرة:
قال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)) (البقرة: ١٩٧) . وقال النبي ﷺ : "إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (٢) .
فينبغي للعبد أن يقوم بشعائر الحج على سبيل التعظيم والإجلال والمحبة، والخضوع لله رب العالمين، فيؤديها بسكينة ووقار واتباع لرسول الله ﷺ .
وينبغي أن يشغل هذه المشاعر العظيمة بالذكر والتكبير، والتسبيح والتحميد، والاستغفار؛ لأنه في عبادة من حين أن يشرع
стр. 9697
في الإحرام حتى يحل منه، فليس الحج نزهة للهو واللعب، يتمتع به الإنسان كما شاء من غير حد كما يشاهد بعض الناس يستصحب من آلات اللهو والغناء ما يصده عن ذكر الله، ويوقعه في معصية الله.
وترى بعض الناس يفرط في اللعب والضحك والاستهزاء بالخلق وغير ذلك من الأعمال المنكرة، كأنما شرع الحج للمرح واللعب.
ويجب على الحاج وغيره أن يحافظ على ما أوجبه الله عليه من الصلاة جماعة في أوقاتها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وينبغي أن يحرص على نفع المسلمين، والإحسان إليهم بالإرشاد والمعونة عند الحاجة، وأن يرحم ضعيفهم، خصوصاً في مواضع الرحمة، كمواضع الزحام ونحوها، فإن رحمة الخلق جالبة لرحمة الخالق، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
ويتجنب الرفث والفسوق، والعصيان والجدال لغير نصرة الحق. أما الجدال من أجل نصرة الحق فهذا واجب في موضعه.
ويتجنب الاعتداء على الخلق وإيذاءهم؛ فيتجنب الغيبة والنميمة، والسب والشتم، والضرب والنظر إلى النساء الأجانب، فإن هذا حرام في الإحرام وخارج الإحرام، فيتأكد تحريمه حال الإحرام.
وليتجنب ما يحدثه كثير من الناس من الكلام الذي لا يليق بالمشاعر كقول بعضهم إذا رمى الجمرات رمينا الشيطان، وربما شتم المشعر، أو ضربه بنعلٍ ونحوه، مما ينافي الخضوع والعبادة،
ويناقض المقصود برمي الجمار، وهو إقامة ذكر الله .
стр. 9698
الفائدة الثانية في محظورات الإحرام:
محظورات الإحرام هي التي يُمنع منها المحرم بحج أو بعمرة بسبب الإحرام، وهي ثلاثة أقسام:
قسم يحرم على الذكور والإناث، وقسم يحرم على الذكور دون الإناث، وقسم يحرم على الإناث دون الذكور.
فأما الذي يحرم على الذكور والإناث، فمنه ما يأتي:
١- إزالة الشعر من الرأس بحلق أو غيره، وكذلك إزالته من بقية الجسد على المشهور، لكن لو نزل بعينيه شعر يتأذى منه، ولم يندفع أذاه إلا بقلعه، فله قلعه ولا شيء عليه، ويجوز للمحرم أن يحك رأسه بيده برفق، فإن سقط منه شعر بلا تعمد فلا شيء عليه.
٢- تقليم الأظافر من اليدين أو الرجلين، إلا إذا انكسر ظفره وتأذي به، فلا بأس أن يقص المؤذي منه فقط، ولا شيء عليه.
٣- استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن أو غيرهما. أما الطيب الذي تَطَيَّبَ به قبل الإحرام، فإنه لا يضر بقاؤه بعد الإحرام؛ لأن الممنوع في الإحرام ابتداء الطيب دون استدامته،
ولا يجوز للمحرم أن يشرب قهوة فيها زعفران؛ لأن الزعفران من الطيب إلا إذا كان قد ذهب طعمه وريحه بالطبخ، ولم يبق إلا مجرد اللون فلا بأس.
٤- النظر والمباشرة لشهوة.
٥- لبس القفازين وهما (شراب) اليدين.
٦- قتل الصيد وهو الحيوان الحلال البري المتوحش، مثل الظباء والأرانب والحمام والجراد، فأما صيد البحر فحلال، فيجوز
стр. 9699
للمحرم صيد السمك من البحر، وكذلك يجوز له الحيوان الأهلي كالدجاج.
وإذا انفرش الجراد في طريقه ولم يكن طريق غيرها فوطئ شيئاً منه من غير قصد فلا شيء عليه؛ لأنه لم يقصد قتله، ولا يمكنه التحرز منه.
وأما قطع الشجر فليس حراماً على المحرم؛ لأنه لا تأثير للإحرام فيه، وإنما يحرم على من كان داخل أميال الحرم، سواء كان محرماً أو غير محرم، وعلى هذا فيجوز قطع الشجر في عرفة، ولا يجوز في منى ومزدلفة؛ لأن عرفة خارج الأميال، ومنى ومزدلفة داخل الأميال.
ولو أصاب شجرة وهو يمشي من غير قصد فلا شيء عليه، ولا يحرم قطع الأشجار الميتة.
وأما الذي يحرم على الذكور دون الإناث فهو شيئان:
١- لبس المخيط، وهو أن يلبس الثياب ونحوها على صفة لباسها في العادة كالقميص (والفنيلة) والسروال ونحوها، فلا يجوز للذكر لبس هذه الأشياء على الوجه المعتاد. أما إذا لبسها على
غير الوجه المعتاد فلا بأس بذلك، مثل أن يجعل القميص رداء، أو يرتدي العباءة جاعلاً أعلاها أسفلها فلا بأس بذلك كله، ولا بأس أن يلبس رداءً مرقعاً أو إزاراً مرقعاً، أو موصولاً.
ويجوز لبس السبتة، وساعة اليد، ونظارة العين، وعقد ردائه وزره بمشبك ونحوه؛ لأن هذه الأشياء لم يرد فيها منع عن النبي ﷺ وليست في معنى المنصوص على منعه، بل قد سئل النبي ﷺ عما
стр. 9700
يلبس المحرم فقال: "لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف " (١) ، فإجابته ﷺ بما لا يلبس عن السؤال عما يلبس دليل على أن كل ما عدا هذه المذكورات مما يلبسه المحرم. وأجاز ﷺ للمحرم أن يلبس الخفين إذا عدم النعلين، لاحتياجه إلى وقاية رجليه، فمثله نظارات العين لاحتياج لابسها إلى وقاية عينيه، وأجاز الفقهاء على المشهور من المذهب لباس الخاتم للرجل المحرم.
ويجوز للمحرم أن يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار ولا ثمنه، وأن يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين ولا ثمنهما، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال وهو يخطب بعرفات: "من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل " (٢) .
٢- تغطية رأسه بملاصق كالعمامة والغترة والطاقية وشبهها.
فأما غير المتصل كالخيمة، والشمسية، وسقف السيارة فلا بأس به؛ لأن المحرَّم ستر الرأس دون الاستظلال، وفي حديث أم الحصين الأحمسية قالت: "حججنا مع النبي ﷺ حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلال وأسامة أحدها يقود به راحلته، والآخر رافعاً ثوبه على رأس النبي ﷺ يظلله من الشمس ". وفي رواية: "يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبة"، رواه أحمد ومسلم (٣) ، وهذا كان في يوم العيد قبل