← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم " (١) . وإن أحب أن يأتي أُحداً، ويتذكر ما جرى للنبي وأصحابه في تلك الغزوة من جهاد وابتلاء، وتمحيص وشهادة، ثم يسلم على الشهداء هناك مثل حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ فلا بأس بذلك، فإن هذا قد يكون من السير في الأرض المأمور به، والله أعلم. الفوائد هذه فوائد تتعلق بالمناسك تدعو الحاجة إلى بيانها ومعرفتها: الفائدة الأولي في آداب الحج والعمرة: قال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)) (البقرة: ١٩٧) . وقال النبي ﷺ : "إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (٢) . فينبغي للعبد أن يقوم بشعائر الحج على سبيل التعظيم والإجلال والمحبة، والخضوع لله رب العالمين، فيؤديها بسكينة ووقار واتباع لرسول الله ﷺ . وينبغي أن يشغل هذه المشاعر العظيمة بالذكر والتكبير، والتسبيح والتحميد، والاستغفار؛ لأنه في عبادة من حين أن يشرع

стр. 9697

في الإحرام حتى يحل منه، فليس الحج نزهة للهو واللعب، يتمتع به الإنسان كما شاء من غير حد كما يشاهد بعض الناس يستصحب من آلات اللهو والغناء ما يصده عن ذكر الله، ويوقعه في معصية الله. وترى بعض الناس يفرط في اللعب والضحك والاستهزاء بالخلق وغير ذلك من الأعمال المنكرة، كأنما شرع الحج للمرح واللعب. ويجب على الحاج وغيره أن يحافظ على ما أوجبه الله عليه من الصلاة جماعة في أوقاتها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وينبغي أن يحرص على نفع المسلمين، والإحسان إليهم بالإرشاد والمعونة عند الحاجة، وأن يرحم ضعيفهم، خصوصاً في مواضع الرحمة، كمواضع الزحام ونحوها، فإن رحمة الخلق جالبة لرحمة الخالق، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. ويتجنب الرفث والفسوق، والعصيان والجدال لغير نصرة الحق. أما الجدال من أجل نصرة الحق فهذا واجب في موضعه. ويتجنب الاعتداء على الخلق وإيذاءهم؛ فيتجنب الغيبة والنميمة، والسب والشتم، والضرب والنظر إلى النساء الأجانب، فإن هذا حرام في الإحرام وخارج الإحرام، فيتأكد تحريمه حال الإحرام. وليتجنب ما يحدثه كثير من الناس من الكلام الذي لا يليق بالمشاعر كقول بعضهم إذا رمى الجمرات رمينا الشيطان، وربما شتم المشعر، أو ضربه بنعلٍ ونحوه، مما ينافي الخضوع والعبادة، ويناقض المقصود برمي الجمار، وهو إقامة ذكر الله .

стр. 9698

الفائدة الثانية في محظورات الإحرام: محظورات الإحرام هي التي يُمنع منها المحرم بحج أو بعمرة بسبب الإحرام، وهي ثلاثة أقسام: قسم يحرم على الذكور والإناث، وقسم يحرم على الذكور دون الإناث، وقسم يحرم على الإناث دون الذكور. فأما الذي يحرم على الذكور والإناث، فمنه ما يأتي: ١- إزالة الشعر من الرأس بحلق أو غيره، وكذلك إزالته من بقية الجسد على المشهور، لكن لو نزل بعينيه شعر يتأذى منه، ولم يندفع أذاه إلا بقلعه، فله قلعه ولا شيء عليه، ويجوز للمحرم أن يحك رأسه بيده برفق، فإن سقط منه شعر بلا تعمد فلا شيء عليه. ٢- تقليم الأظافر من اليدين أو الرجلين، إلا إذا انكسر ظفره وتأذي به، فلا بأس أن يقص المؤذي منه فقط، ولا شيء عليه. ٣- استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن أو غيرهما. أما الطيب الذي تَطَيَّبَ به قبل الإحرام، فإنه لا يضر بقاؤه بعد الإحرام؛ لأن الممنوع في الإحرام ابتداء الطيب دون استدامته، ولا يجوز للمحرم أن يشرب قهوة فيها زعفران؛ لأن الزعفران من الطيب إلا إذا كان قد ذهب طعمه وريحه بالطبخ، ولم يبق إلا مجرد اللون فلا بأس. ٤- النظر والمباشرة لشهوة. ٥- لبس القفازين وهما (شراب) اليدين. ٦- قتل الصيد وهو الحيوان الحلال البري المتوحش، مثل الظباء والأرانب والحمام والجراد، فأما صيد البحر فحلال، فيجوز

стр. 9699

للمحرم صيد السمك من البحر، وكذلك يجوز له الحيوان الأهلي كالدجاج. وإذا انفرش الجراد في طريقه ولم يكن طريق غيرها فوطئ شيئاً منه من غير قصد فلا شيء عليه؛ لأنه لم يقصد قتله، ولا يمكنه التحرز منه. وأما قطع الشجر فليس حراماً على المحرم؛ لأنه لا تأثير للإحرام فيه، وإنما يحرم على من كان داخل أميال الحرم، سواء كان محرماً أو غير محرم، وعلى هذا فيجوز قطع الشجر في عرفة، ولا يجوز في منى ومزدلفة؛ لأن عرفة خارج الأميال، ومنى ومزدلفة داخل الأميال. ولو أصاب شجرة وهو يمشي من غير قصد فلا شيء عليه، ولا يحرم قطع الأشجار الميتة. وأما الذي يحرم على الذكور دون الإناث فهو شيئان: ١- لبس المخيط، وهو أن يلبس الثياب ونحوها على صفة لباسها في العادة كالقميص (والفنيلة) والسروال ونحوها، فلا يجوز للذكر لبس هذه الأشياء على الوجه المعتاد. أما إذا لبسها على غير الوجه المعتاد فلا بأس بذلك، مثل أن يجعل القميص رداء، أو يرتدي العباءة جاعلاً أعلاها أسفلها فلا بأس بذلك كله، ولا بأس أن يلبس رداءً مرقعاً أو إزاراً مرقعاً، أو موصولاً. ويجوز لبس السبتة، وساعة اليد، ونظارة العين، وعقد ردائه وزره بمشبك ونحوه؛ لأن هذه الأشياء لم يرد فيها منع عن النبي ﷺ وليست في معنى المنصوص على منعه، بل قد سئل النبي ﷺ عما

стр. 9700

يلبس المحرم فقال: "لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف " (١) ، فإجابته ﷺ بما لا يلبس عن السؤال عما يلبس دليل على أن كل ما عدا هذه المذكورات مما يلبسه المحرم. وأجاز ﷺ للمحرم أن يلبس الخفين إذا عدم النعلين، لاحتياجه إلى وقاية رجليه، فمثله نظارات العين لاحتياج لابسها إلى وقاية عينيه، وأجاز الفقهاء على المشهور من المذهب لباس الخاتم للرجل المحرم. ويجوز للمحرم أن يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار ولا ثمنه، وأن يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين ولا ثمنهما، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال وهو يخطب بعرفات: "من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل " (٢) . ٢- تغطية رأسه بملاصق كالعمامة والغترة والطاقية وشبهها. فأما غير المتصل كالخيمة، والشمسية، وسقف السيارة فلا بأس به؛ لأن المحرَّم ستر الرأس دون الاستظلال، وفي حديث أم الحصين الأحمسية قالت: "حججنا مع النبي ﷺ حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلال وأسامة أحدها يقود به راحلته، والآخر رافعاً ثوبه على رأس النبي ﷺ يظلله من الشمس ". وفي رواية: "يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبة"، رواه أحمد ومسلم (٣) ، وهذا كان في يوم العيد قبل

стр. 9701

التحلل؟ لأنه ﷺ كان يرمي الجمار في غير يوم العيد ماشياً لا راكباً. ويجوز للمحرم أن يحمل المتاع على رأسه، إذا لم يكن قصده ستر الرأس، ويجوز له أيضاً أن يغوص في الماء، ولو تغطى رأسه بالماء. وأما الذي يحرم على النساء دون الذكور فهو النقاب، وهو أن تستر وجهها بشيء، وتفتح لعينيها ما تنظر به. ومن العلماء من قال لا يجوز أن تغطي وجهها لا بنقاب ولا غيره إلا أن يمر الرجال قريباً منها؛ فإنه يلزمها أن تغطي وجهها ولا فدية عليها، سواء مسَّه الغطاء أم لا. وفاعل المحظورات السابقة له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة، فهذا آثم وعليه الفدية. الحالة الثانية: أن يفعل المحظور لحاجة إلى ذلك، مثل أن يحتاج إلى لبس القميص لدفع برد يخاف منه الضرر، فيجوز أن يفعل ذلك وعليه فديته، كما جرى لكعب بن عجرة ﵁ حين حُمل إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر من رأسه على وجهه؛ فرخص له النبي ﷺ أن يحلق رأسه ويفدي (١) . الحالة الثالثة: أن يفعل المحظور وهو معذور، إما جاهلاً، أو ناسياً، أو نائماً، أو مكرهاً، فلا إثم عليه، ولا فدية لقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ

стр. 9702

وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما) ً (٥) (الأحزاب: هـ) . وقال تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: ٢٨٦) . فقال الله تعالى: قد فعلت. وفي الحديث عن النبي ﷺ : "أن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (١) ، وهذه نصوص عامة في محظورات الإحرام وغيرها تفيد رفع المؤاخذة عن المعذور بالجهل والنسيان والإكراه. وقال تعالى في خصوص الصيد الذي هو أحد محظورات الإحرام: (مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ) (٢) (المائدة: ٩٥) . فقيَّد وجوب الجزاء بكون القاتل متعمداً، والتعمد وصف مناسب للعقوبة والضمان، فوجب اعتباره وتعليق الحكم به، وإن لم يكن متعمداً فلا جزاء عليه ولا إثم. لكن متى زال العذر، فعلم الجاهل، وتذكر الناسي، واستيقظ النائم، وزال الإكراه فإنه يجب التخلي عن المحظور فوراً، فإن استمر عليه مع زوال العذر فهو آثم، وعليه الفدية. مثال ذلك أن يغطي الذكر رأسه وهو نائم فإنه مادام نائماً فلا شيء عليه، فإذا استيقظ لزمه كشف رأسه فوراً، فإن استمر في تغطيته، مع علمه بوجوب كشفه فعليه الفدية.

стр. 9703

ومقدار الفدية في المحظورات التي ذكرناها كما يأتي: ١- في إزالة الشعر، والظفر، والطيب، والمباشرة لشهوة، ولبس القفازين، ولبس الذكر المخيط، وتغطيته رأسه، وانتقاب المرأة، الفدية في هذه الأشياء في كل واحد منها إما ذبح شاة، وإما إطعام ستة مساكين، وإما صيام ثلاثة أيام يختار ما يشاء من هذه الأمور الثلاثة. فإن اختار ذبح الشاة، فإنه يذبح ذكراً أو أنثى من الضأن أو الماعز، مما يجزئ في الأضحية، أو ما يقوم مقامه من سُبع بدنة أو سُبع بقرة، ويفرق جميع اللحم على الفقراء ولا يأكل منه شيئاً، وإن اختار إطعام المساكين، فإنه يدفع لكل مسكين نصف صاع، مما يطعم من تمر أو بر أو غيرهما، وإن اختار الصيام، فإنه يصوم الأيام الثلاثة إن شاء متوالية وإن شاء متفرقة. ٢- في جزاء الصيد فإن كان للصيد مثل، خُيِّرَ بين ثلاثة أشياء: إما ذبح المثل، وتفريق جميع لحمه على فقراء مكة؛ وإما أن ينظر كم يساوي هذا المثل، ويخرج ما يقابل قيمته طعاماً يفرق على المساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً. فإن لم يكن للصيد مثل خُيِّر بين شيئين: إما أن ينظر كم قيمة الصيد المقتول، ويخرج ما يقابلها طعاماً يفرقه على المساكين لكل مسكين نصف صاع؛ وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً. مثال الذي له مثل من النعم الحمام، ومثيلها الشاة، فنقول

стр. 9704

لمن قتل حمامة: أنت بالخيار إن شئت فاذبح شاة، وإن شئت فانظر كم قيمة الشاة وأخرج ما يقابلها من الطعام لفقراء الحرم لكل واحد نصف صاع، وإن شئت فصم عن إطعام كل مسكين يوماً. ومثال الصيد الذي لا مثل له الجراد فنقول لمن قتل جراداً متعمداً: إن شئت فانظر كم قيمة الجراد، وأخرج ما يقابلها من الطعام لمساكين الحرم لكل مسكين نصف صاع، وإن شئت فصم عن إطعام كل مسكين يوماً. الفائدة الثالثة في إحرام الصغير: الصغير الذي لم يبلغ لا يجب عليه الحج، لكن لو حج فله أجر الحج، ويعيده إذا بلغ، وينبغي لمن يتولى أمره من أب أو أم أو غيرهما أن يحرم به، وثواب النسك يكون للصبي، ولوليه أجر على ذلك لما في الصحيح من حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة رفعت صبيًّا إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر " (١) . وإذا كان الصبي مميزاً- وهو الذي يفهم ما يقال له- فإنه ينوي الإحرام بنفسه، فيقول له وليه: أنو الإحرام بكذا، ويأمره أن يفعل ما يقدر عليه من أعمال الحج، مثل الوقوف بعرفة، والمبيت بمنى ومزدلفة. وأما ما يعجز عن فعله كرمي الجمار، فإن وليه ينوب عنه فيه أو غيره بإذنه، إلا الطواف والسعي، فإنه إذا عجز عنهما يُحمل ويقال له: أنو الطواف، أنو السعي. وفي هذه الحال يجوز لحامله

стр. 9705

أن ينوي الطواف والسعي عن نفسه أيضاً، والصبي عن نفسه، فيحصل الطواف والسعي للجميع؛ لأن كلا منهما حصل منه نية، وقد قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى" (١) . وإذا كان الصبي غير مميز، فإن وليه ينوي له الإحرام، ويرمي عنه، ويحضره مشاعر الحج: عرفة، ومزدلفة، ومنى، ويطوف ويسعى به، ولا يصح في هذه الحال أن ينوي الطواف والسعي لنفسه وهو يطوف ويسعى بالصبي؛ لأن الصبي هنا لم يحصل منه نية ولا عمل، وإنما النية من حامله، فلا يصح عمل واحد بنيتين لشخصين، بخلاف ما إذا كان الصبي مميزاً لأنه حصل منه نية، والأعمال بالنيات. هذا ما ظهر لي. وعليه فيطوف الولي ويسعى أولاً عن نفسه، ثم يطوف ويسعى بالصبي، أو يُسلمه إلى ثقة يطوف ويسعى به. وأحكام إحرام الصغير كأحكام إحرام الكبير؛ لأن النبي ﷺ أثبت أن له حجًّا، فإذا ثبت الحج ثبتت أحكامه ولوازمه، وعلى هذا فإذا كان الصغير ذكراً جنِّب ما يجتنبه الرجل الكبير، وإن كانت أنثى جنبت ما تجتنبه المرأة الكبيرة، لكن عمد الصغير بمنزلة خطأ الكبير، فإذا فعل بنفسه شيئاً من محظورات الإحرام فلا فدية عليه ولا على وليه.

стр. 9706

الفائدة الرابعة في الاستنابة في الحج: إذا وجب الحج على شخص، فإن كان قادراً على الحج بنفسه، وجب عليه أن يحج، وإن كان عاجزاً عن الحج بنفسه فإن كان يرجو زوال عجزه كمريض يرجو الشفاء، فإنه يؤخر الحج حتى يستطيع، فإن مات قبل ذلك حُجَّ عنه من تركته، ولا إثم عليه. وإن كان الذي وجب عليه الحج عاجزاً عجزاً لا يرجو زواله، كالكبير، والمريض الميؤوس منه، ومن لا يستطيع الركوب، فإنه يوكل من يحج عنه. لما في الصحيحين (١) من حديث ابن عباس ﵄ "أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم "، وذلك في حجة الوداع. ويجوز أن يكون الرجل وكيلاً عن المرأة، والمرأة عن الرجل. وإذا كان الوكيل قد وجب عليه الحج ولم يحج عن نفسه، فإنه لا يحج عن غيره، بل يبدأ بنفسه أولاً، لحديث ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبي: "من شبرمة"؟ قال: أخ لي أو قريب لي. فقال النبي ﷺ : "أحججت عن نفسك "؟ قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حُجَّ عن شبرمة" رواه أبو داود وابن ماجة (٢) .

стр. 9707

والأولى أن يصرح الوكيل بذكر موكله، فيقول: لبيك عن فلان، وإن كانت أنثى قال: لبيك عن أم فلان، أو عن بنت فلان، وإن نوى بقلبه ولم يذكر الاسم فلا بأس، وإن نسي اسم الموكل نوى بقلبه عمن وكله، وإن لم يستحضر اسمه فالله تعالى يعلمه ولا يخفى عليه. ويجب على الوكيل أن يتقي الله تعالى، ويحرص على تكميل النسك؛ لأنه مؤتمن على ذلك، فيحرص على فعل ما يجب، وترك ما يحرم، ويكمل ما استطاع من المكملات للنسك ومسنوناته. الفائدة الخامسة في تبديل ثياب الإحرام: يجوز للمحرم بحج أو عمرة، رجلاً كان أو أنثى تبديل ثياب الإحرام التي أحرم بها ولبس ثياب غيرها إذا كانت الثياب الثانية مما يجوز للمحرم لباسه. كما يجوز للمحرم أيضاً أن يلبس النعلين بعد الإحرام، وإن كان حين عقده حافياً. الفائدة السادسة في محل ركعتي الطواف: السنة لمن فرغ من الطواف أن يصلي ركعتي الطواف خلف المقام. فإن كان المحل القريب من المقام واسعاً فذاك، وإلا صلاهما ولو بعيداً، ويجعل المقام بينه وبين الكعبة، فيصدق عليه أنه صلى خلف المقام، واتبع في ذلك هدي النبي ﷺ كما في حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي أنه ﷺ جعل المقام بينه وبين البيت. الفائدة السابعة في الموالاة في بين السعي والطواف: الأفضل أن يكون السعي موالياً للطواف، فإن أخره عنه كثيراً

стр. 9708

فلا بأس، مثل أن يطوف أول النهار، ويسعى آخره، أو يطوف في الليل، ويسعى بعد ذلك في النهار، ويجوز لمن تحب في السعي أن يجلس ويستريح، ثم يكمل سعيه ماشياً، أو على عربة ونحوها. وإذا أقيمت الصلاة، وهو يسعى، دخل في الصلاة، فإذا سلَّم أتمَّ سعيه من المكان الذي انتهى إليه قبل إقامة الصلاة. وكذلك لو أقيمت وهو يطوف، أو حضرت جنازة، فإنه يصلي، فإذا فرغ أتم طوافه من مكانه الذي انتهى إليه قبل الصلاة، ولا حاجة إلى إعادة الشوط الذي قطعه على القول الراجح عندي؛ لأنه إذا كان القطع للصلاة معفوًّا عنه، فلا دليل على بطلان أول الشوط. الفائدة الثامنة في الشك في عدد الطواف أو السعي: إذا شك الطائف في عدد الطواف، فإن كان كثير الشكوك مثل من به وسواس، فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك، وإن لم يكن كثير الشكوك، فإن كان شكه بعد أن أتم الطواف، فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك أيضاً إلا أن يتيقن أنه ناقص، فيكمل ما نقص. وإن كان الشك في أثناء الطواف، مثل أن يشك هل الشوط الذي هو فيه الثالث أو الرابع مثلاً، فإن ترجح عنده أحد الأمرين عمل بالراجح عنده، وإن لم يترجح عنده شيء عمل باليقين وهو الأقل. ففي المثال المذكور إن ترجح عنده الثلاثة جعلها ثلاثة، وأتى بأربعة، وإن ترجحت عنده الأربعة جعلها أربعة وأتى بثلاثة، وإن لم يترجح عنده شيء جعلها ثلاثة، لأنها اليقين وأتى بأربعة. وحكم الشك في عدد السعي، كحكم الشك في عدد الطواف

стр. 9709

في كل ما تقدم. الفائدة التاسعة في الوقوف بعرفة: سبق أن الأفضل للحاج أن يحرم بالحج يوم الثامن من ذي الحجة، ثم يخرج إلى منى فيمكث فيها بقية يومه، ويبيت ليلة التاسع، ثم يذهب إلى عرفة ضحى، وهذا على سبيل الفضيلة. فلو خرج إلى عرفة من غير أن يذهب قبلها إلى منى، فقد ترك الأفضل، ولكن لا إثم عليه. ويجب على الواقف بعرفة أن يتأكد من حدودها، فإن بعض الحجاج يقفون خارج حدودها، إما جهلاً، وإما تقليداً لغيرهم. وهؤلاء الذين وقفوا خارج حدود عرفة لا حج لهم لأنهم لم يقفوا بعرفة. وقد قال النبي ﷺ : "الحج عرفة" (١) . وفي أي مكان وقف من عرفة فإنه يجزئه لقول النبي ﷺ : "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (٢) . ولا يجوز لمن وقف بعرفة أن يدفع من حدودها حتى تغرب الشمس يوم عرفة، لأن النبي ﷺ وقف إلى الغروب، وقال: "خذوا عني مناسككم " (٣) . ويمتد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر يوم العيد. فمن

стр. 9710

طلع عليه الفجر يوم العيد ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج. فإن كان قد اشترط في ابتداء الإحرام إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني تحلل من إحرامه، ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط وفاته الوقوف، فإنه يتحلل بعمرة، فيذهب إلى البيت، ويطوف ويسعى ويحلق، وإذا كان معه هدي ذبحه، فإذا كانت السنة الثانية قضى الحج الذي فاته، وأهدى هدياً فإن لم يجد هدياً صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. الفائدة العاشرة في الدفع من مزدلفة: لا يجوز للقوي أن يدفع من مزدلفة حتى يصلي الفجر يوم العيد؛ لأن النبي ﷺ بات بها ليلة العيد، ولم يدفع منها حتى صلى الفجر، وقال: "خذوا عني مناسككم " (١) ، وفي صحيح مسلم (٢) عن عائشة ﵂ قالت: "استأذنت سودة رسول الله ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثبطة- أي ثقيلة- فأذن لها، فخرجت قبل دفعه، وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه ". وفي رواية: "وددت أني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة، فأصلي الصبح بمنى، فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس ". وأما الضعيف الذي يشق عليه مزاحمة الناس عند الجمرة، فإن له أن يدفع قبل الفجر إذا غاب القمر، ويرمي الجمرة قبل الناس. وفي صحيح مسلم عن أسماء "أنها كانت ترتقب غيوب القمر، وتسأل مولاها هل غاب القمر، فإذا قال: نعم. قالت: ارحل

стр. 9711

بي. قال: فارتحلنا حتى رمت الجمرة، ثم صلت (يعني الفجر) في منزلها، فقلت لها: أي هنتاه- أي يا هذه- لقد غلسنا. قالت: كلا أي بني إن النبي ﷺ أذن للظعن " (١) . ومن كان من أهل هؤلاء الضعفاء الذين يجوز لهم الدفع من مزدلفة قبل الفجر، فإنه يجوز أن يدفع معهم قبل الفجر؛ لأن النبي ﷺ بعث ابن عباس ﵄ في ضعفة أهله ﷺ من مزدلفة بليل. فإن كان ضعيفاً رمى الجمرة معهم إذا وصل إلى منى؛ لأنه لا يستطيع المزاحمة، أما إن كان يستطيع زحام الناس، فإنه يؤخر الرمي حتى تطلع الشمس؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: "بعثنا رسول الله ﷺ أغيلمة بني عبد المطلب على حُمُراتٍ لنا من جَمْع فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أبينيَّ لا ترموا حتى تطلع الشمًس " (٢) (رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن ماجه) . فنخلص إلى أن الدفع من مزدلفة، ورمي جمرة العقبة يوم العيد يكونان على النحو التالي: الأول: من كان قويًّا لا ضعيف معه، فإنه لا يدفع من مزدلفة حتى يصلي الفجر، ولا يرمي الجمرة حتى تطلع الشمس؛ لأن هذا هو فعل النبي ﷺ الذي فعله، وكان يقول: "خذوا عني مناسككم " (٣) ، ولم يرخص لأحد من ذوي القوة في الدفع من مزدلفة قبل الفجر، أو رمي الجمرة قبل طلوع الشمس. الثاني: من كان قويًّا وفي صحبته أهل ضعفاء، فإنه يدفع

стр. 9712

معهم آخر الليل إن شاء، ويرمي الضعيف الجمرة إذا وصل منى. أما القوي فلا يرميها حتى تطلع الشمس، لأنه لا عذر له. الثالث: الضعيف فيجوز له الدفع من مزدلفة آخر الليل إذا غاب القمر، ويرمي الجمرة إذا وصل إلى منى. ومن لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر ليلة العيد، وأدرك الصلاة فيها، وكان قد وقف بعرفة قبل الفجر فحجه صحيح؛ لحديث عروة بن مضرس، وفيه أن النبي ﷺ قال: "من شهد صلاتنا هذه- يعني الفجر- ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك نهاراً أو ليلاً فقد تم حجُّه، وقضى تفثه " (١) . (رواه الخمسة، وصححه الترمذي والحاكم) . وظاهر هذا الحديث أنه لا دم عليه، وذلك لأنه أدرك جزءاً من وقت الوقوف بمزدلفة، وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام بما أداه من صلاة الفجر، فكان حجه تامًّا، ولو كان عليه دم لبينه النبي ﷺ . والله أعلم. الفائدة الحادية عشرة فيما يتعلق بالرمي: ١- في الحصى الذي يرمي به يكون بين الحمص والبندق، لا كبيراً جداً، ولا صغيراً جداً، ويلقط الحصى من منى، أو مزدلفة، أو غيرهما كل يوم بيومه، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه لقط الحصى من مزدلفة، ولا أنه لقط حصى الأيام كلها وجمعها، ولا أمر أحداً بذلك من أصحابه فيما أعلم. ٢- لا يجب في الرمي أن تضرب الحصاة نفس العمود

стр. 9713

الشاخص، بل الواجب أن تستقر في نفس الحوض الذي هو مجمع الحصى، فلو ضربت العمود ولم تسقط في الحوض، وجب عليه أن يرمي بدلها، ولو سقطت في الحوض واستقرت به أجزأت، وإن لم تضرب العمود. ٣- لو نسي حصاة من إحدى الجمار، فلم يرم إلا بست حصيات، ولم يذكر حتى وصل إلى محله، فإنه يرجع ويرمي الحصاة التي نسيها، ولا حرج عليه، وإن غربت الشمس قبل أن يتذكر، فإنه يؤخرها إلى اليوم الثاني، فإذا زالت الشمس رمى الحصاة التي نسيها قبل كل شيء، ثم رمى الجمار لليوم الحاضر. الفائدة الثانية عشرة في التحلل الأول والثاني: إذا رمى الحاج جمرة العقبة يوم العيد، وحلق رأسه أو قصره حل التحلل الأول، وجاز له جميع محظورات الإحرام من الطيب واللباس، وأخذ الشعور، والأظافر، وغير ذلك إلا النساء، فإنه لا يجوز له أن يباشر زوجته، أو ينظر إليها لشهوة، حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا طاف، وسعى حل التحلل الثاني، وجاز له جميع محظورات الإحرام حتى النساء، لكن مادام داخل الأميال، فإنه لا يحل له الصيد، ولا قطع الشجر والحشيش الأخضر لأجل الحرم، لا لأجل الإحرام، لأن الإحرام قد تحلل منه. الفائدة الثالثة عشرة في التوكيل في رمي الجمار: لا يجوز لمن قدر على رمي الجمار بنفسه أن يوكل من يرمي عنه، سواء كان حجه فرضاً أم نفلاً؛ لأن نفل الحج يلزم من شرع فيه

стр. 9714

إتمامه. أما من يشق عليه الرمي بنفسه، كالمريض، والكبير، والمرأة الحامل ونحوهم، فإنه يجوز أن يوكل من يرمي عنه سواء كان حجه فرضاً أم نفلاً، وسواء لقط الحصى وأعطاها الوكيل، أو لقطها الوكيل بنفسه، فكل ذلك جائز. ويبدأ الوكيل بالرمي عن نفسه ثم عن موكله لعموم قوله ﷺ : "ابدأبنفسك " (١) ، وقوله: "حُجَّ عن نفسك ثم حُجَّ عن شبرمة" (٢) . ويجوز أن يرمي عن نفسه، ثم عن موكله في موقف واحد. فيرمي الجمرة الأولى بسبع عن نفسه، ثم بسبع عن موكله، وهكذا الثانية والثالثة، كما يفيده ظاهر الحديث المروي عن جابر قال: "حججنا مع النبي ﷺ فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم "، رواه أحمد، وابن ماجه (٣) ، وظاهره أنهم يفعلون ذلك في موقف واحد، إذ لو كانوا يكملون الثلاث عن أنفسهم، ثم يرجعون من أولها عن الصبيان، لنقل ذلك، والله أعلم. الفائدة الرابعة عشرة في ائساك يوم العيد: يفعل الحاج يوم العيد أربعة أنساك مرتبة كما يلي: الأول: رمي جمرة العقبة. الثاني: ذبح الهدي إن كان له هدي. الثالث: الحلق أو التقصير. الرابع: الطواف بالبيت. وأما السعي فإن كان متمتعاً سعى للحج، وإن كان قارناً أو

стр. 9715

مفرداً، فإن كان سعى بعد طواف القدوم كفاه سعيه الأول، وإلا سعى بعد هذا الطواف، أعني طواف الحج. والمشروع أن يرتبها على هذا الترتيب، فإن قدم بعضها على بعض بأن ذبح قبل الرمي، أو حلق قبل الذبح، أو طاف قبل الحلق، فإن كان جاهلاً أو ناسياً فلا حرج عليه، وإن كان متعمداً عالماً، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لا حرج عليه أيضاً، لما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ سئل عمن حلق قبل أن يذبح ونحوه فقال: لا حرج " وعنه قال: كان النبي ﷺ يُسئل يوم النحر بمنى فيقول: "لا حرج ". فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج ". وقال: رميت بعدما أمسيت، قال: "لا حرج ". وعنه أيضاً أن النبي ﷺ قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: "لا حرج ". وسئل عمن زار (أي طاف طواف الزيارة) قبل أن يرمي، أو ذبح قبل أن يرمي فقال: "لا حرج ". رواه البخاري (١) . وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: فما سئل النبي ﷺ يومئذ عن شيء قُدِّم ولا أُخر إلا قال: "افعل ولا حرج " (٢) . وإن أخر الذبح إلى نزوله إلى مكة فلا بأس، لكن لا يؤخره عن أيام التشريق، وإن أخر الطواف أو السعي عن يوم العيد فلا بأس، لكن لا يؤخرهما عن شهر ذي الحجة إلا من عذر، مثل أن يحدث للمرأة نفاس قبل أن تطوف، فتؤخر الطواف حتى تطهر، ولو

стр. 9716

بعد شهر ذي الحجة، فلا حرج عليها ولا فدية. الفائدة الخامسة عشرة في وقت الرمي والترتيب بين الجمار: سبق أن وقت الرمي يوم العيد للقادر بعد طلوع الشمس، ولمن يشق عليه مزاحمة الناس من آخر الليل ليلة العيد. أما وقت الرمي في أيام التشريق، فإنه من زوال الشمس، فلا رمي قبل الزوال لأن النبي ﷺ ما رمى في أيام التشريق إلا بعد الزوال وقال: "خذوا عني مناسككم " (١) . ويستمر وقت الرمي في يوم العيد وما بعده إلى غروب الشمس، فلا يرمى في الليل (٢) . ويرى بعض العلماء أنه إذا فات الرمي في النهار، فله أن يرمي في الليل إلا ليلة أربعة عشر لانتهاء أيام منى بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر، والقول الأول أحوط. وعليه فلو فاته رمي يوم، فإنه يرمي في اليوم الذي بعده إذا زالت الشمس، يبدأ برمي اليوم الذي فاته، فإذا أكمله رمى لليوم الحاضر. والترتيب بين الجمار الثلاث واجب، فيرمي أولاً الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة. فلو بدأ برمي جمرة العقبة، ثم الوسطى، أو بالوسطى، فإن كان متعمداً عالماً وجب عليه إعادة الوسطى، ثم جمرة العقبة، وإن كان جاهلاً أو ناسياً أجزأه، ولا شيء عليه.

стр. 9717

الفائدة السادسة عشرة في المبيت بمنى: المبيت بمنى ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر واجب. والواجب المبيت معظم الليل، سواء من أول الليل، أو من آخره. فلو نزل إلى مكة أول الليل، ثم رجع قبل نصف الليل، أو نزل إلى مكة بعد نصف الليل من منى فلا حرج عليه، لأنه قد أتى بالواجب. ويجب أن يتأكد من حدود منى، حتى لا يبيت خارجاً عنها، وحدُّها من الشرق وادي محسر، ومن الغرب جمرة العقبة، وليس الوادي والجمرة من منى. أما الجبال المحيطة بمنى، فإن وجوهها مما يلي منى منها، فيجوز المبيت بها، وليحذر الحاج من المبيت في وادي محسر أو من وراء جمرة العقبة، لأن ذلك خارج عن حدود منى، فمن بات به لم يجزئه البيت. الفائدة السابعة عشرة في طواف الوداع: سبق أن طواف الوداع واجب عند الخروج من مكة على كل حاج، ومعتمر إلا الحائض أو النفساء، لكن إن طهرتا قبل مفارقة بنيان مكة فإنه يلزمهما، وإذا ودع ثم خرج من مكة، وأقام يوماً أو أكثر لم يلزمه إعادة الطواف، ولو كانت إقامته في موضع قريب من مكة. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين. تم بقلم مؤلفه في ٧ شعبان سنة ١٣٨٧ هـ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وانتهى تصحيحه ضحى يوم الخميس لثلاثة عشر خلت من رمضان لعام ١٣٨٧ هـ، وصلى الله على محمد، وآله، وصحبه أجمعين.

стр. 9718

صفة الحج

стр. 9719

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإني أتقدم إلى إخواني بما تيسَّر من الكلام على شيء من الحج بمناسبة حلول وقته، راجياً من الله تعالى أن يجعل عمل الجميع خالصا لوجهه، ونافعاً ومقرِّباً إليه، إنه جواد كريم. والكلام في الحج يتلخص فيما يأتي: ١- الأحكام المتعلقة بالسفر . ٢- متى فرض الحج، وعلى مَن يكون فريضة؟ ٣- من أين يُحرم من أراد الحج أو العمرة؟ ٤- الأنساك وأفضلها. ٥- صفة التمتع من ابتداء الإحرام بالعمرة إلى انتهاء الحج بصفة مختصرة. ٦- طواف الوداع. ٧- محظورات الإحرام. ٨- حكم فاعل هذه المحظورات. ٩- زيارة المسجد النبوي. الأحكام المتعلقة بالسفر لما كان الحج لابد له من السفر، بل هو نفسه سفر، كان من المهم أن نتكلم عن بعض أحكام السفر هنا. فللسفر أحكام تتعلق به

стр. 9720

وأهمها ما يتصل بالصلاة، ويتلخص فيما يلي: (أ) في الطهارة: فالمسافر يجب عليه أن يتطهر بالماء إن وجده في وضوئه وغسله، فإن لم يجده تيمم صعيداً طيباً، فمسح بوجهه ويديه منه، فيضرب الأرض ضربة واحدة، ثم يمسح وجهه كله، وكفيه من أطراف أصابعه إلى كوعه- وهو مفصل كفِّه من ذراعه- وبذلك يكون متطهراً طهارة كاملة لا تنتقض إلا بما تنتقض به طهارة الماء، أو بوجود الماء، فإذا تيمم لصلاة الظهر وبقي على طهارته إلى العصر صلى العصر بلا تيمم، وكذلك لو بقي إلى المغرب والعشاء على طهارته صلاهما بلا تيمم. وإذا حصل على المسافر جنابة ولم يجد الماء تيمم فارتفعت جنابته، فإذا وجد الماء عادت الجنابة ووجب عليه الاغتسال، وإذا أحدث ببول أو غائط ولم يجد الماء تيمم فارتفع حدثه، فإذا وجد الماء عاد حدثه ووجب عليه الوضوء؛ لحديث: "الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسح بشرته ". وفي حديث آخر: "طَهُور المسلم " رواه أحمد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (١) . والمسافر يمسح على خفيه ثلاثة أيام بلياليها بخلاف المقيم فيوماً وليلة. (ب) في صلاة الفريضة: فالمسافر يصلي الصلاة الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتين فقط من حين أن يخرج

стр. 9721

من بلده حتى يرجع إليها، سواء طالت مدة سفره أم قصرت، ففي "صحيح البخاري " عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة (يعني في حجة الوداع) فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة، فقيل لأنس: أقمتم بها شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً (١) . وفيه عن عائشة ﵂ قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرَّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر (٢) . وفي رواية أخرى له: فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعاً، وتركت صلاة السفر على الأولى (٣) . ولمسلم: فأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى (٤) . ولم يُحفظ عن النبي ﷺ أنه أتم في سفره مرة واحدة، ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن قصر المسافر الصلاة الرباعية إلى ركعتين واجب. وفي "صحيح البخاري " عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلى بنا عثمان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود ﵁ فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر ﵁ بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بمنى ركعتين،

стр. 9722

فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقلبتان (١) . فجعل عبد الله بن مسعود ﵁ إتمام عثمان ﵁ من المصائب حيث استرجع له، وبيَّن أن سنة النبي ﷺ وصاحبيه على خلافه، وقد كان عثمان ﵁ يقصر في منى ست سنين أو ثماني سنين من خلافته، ثم أتم كما في "صحيح مسلم " من حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: صلى النبي وبمنى صلاة المسافر وأبو بكر وعمر وعثمان ثماني أو قال: ست سنين (٢) . وكان إتمامه لتأويل رآه ﵁، واختلفت الآثار وأقاويل العلماء في ذلك التأويل. أما إذا صلى المسافر خلف إمام يتم فإنه يجب عليه الإتمام، ففي "صحيح مسلم " عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام؟ فقال: ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ (٣) ، وفيه أيضاً عن نافع قال: كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (٤) . وسواء دخل مع الإمام من أول الصلاة أم من أثنائها؛ لعموم قول النبي ﷺ : "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " (٥) .

стр. 9723

وأما الجمع للمسافر بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فسنة، حيث كان على ظهر سير، أي حيث كان سائراً؛ لما في "صحيح البخاري " عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء (١) ، أما إذا كان نازلاً فالسنة أن لا يجمع؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يجمع بمنى؛ لأنه كان نازلاً، وإن جمع فلا بأس لاسيما إذا احتاج إلى ذلك لشغل يقضيه أو نوم يستريح فيه، وفي "الصحيحين " من حديث أبي جحيفة ﵁ أن النبي خرج من قبة كانت له بالأبطح بمكة، قال أبو جحيفة: خرج بالهاجرة (يعني شدة الحر) إلى البطحاء فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين ... الحديث (٢) ، وفي "صحيح مسلم " عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: جمع النبي ﷺ في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته (٣) . وله عن معاذ بن جبل ﵁ نحوه تماماً (٤) . ومعنى "يحرج أمته " يوقعها في حرج وضيق.

стр. 9724

(جـ) في صلاة النافلة: فالمسافر يشرع له أن يتطوع بالنوافل كما يتطوع المقيم، فيصلي صلاة الليل والوتر وصلاة الضحى وتحية المسجد وصلاة الكسوف، وفي "صحيح البخاري " عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ إذا أعجله السير يؤخِّر المغرب فيصليها ثلاثاً ثم يسلم، ثم قلما يلبث حتى يقيم العشاء فيصليها ركعتين ثم يسلم، ولا يسبح بعد العشاء (يعني لا يتنفل) حتى يقوم من جوف الليل (١) . وفي "الصحيحين " عن سعيد بن يسار قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت ثم لحقته، فقال: أين كنت؟ فأخبرته، فقال: أليس لك في رسول الله أسوة حسنة؟ قلت: بلى والله، قال: إن رسول الله كان يوتر على البعير (٢) . وفيهما أيضاً عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحدٌ أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى إلا أم هانىء، فإنها حدثت أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثماني ركعات (٣) . وفيهما أيضاً عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " (٤) . وفيهما أيضاً من حديث عائشة ﵂ في قصة صلاة

стр. 9725

الكسوف، أن النبي ﷺ قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما (يعني منخسفين) فافزعوا إلى الصلاة" (١) ، وهذان الحديثان عامَّان لم يخص النبي ﷺ فيهما وقتاً دون وقت، ولا إقامة دون سفر. وفي "صحيح البخاري " عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة (٢) . و (أل) في التطوع تحتمل الجنس وتحتمل الاستغراق، ويؤيد الثاني أن الأصل بقاء التطوع بالنوافل على مشروعيته حتى يرد دليل على تركه، ولم يرد الدليل على الترك فيما نعلم إلا في راتبة الظهر والمغرب والعشاء. ففي "صحيح مسلم " عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁ قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة قال: فصلى لنا الظهر ركعتين ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناساً قياماً فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون (يعني يصلون نافلة) قال: لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي يا ابن أخي، إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وذكر مثله عن أبي بكر وعمر وعثمان، ثم قال: وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (٣) [الأحزاب ٢١] .

стр. 9726

وسبق من حديثه في الجمع بين المغرب والعشاء ما يدل على أن النبي ﷺ كان لا يصلي راتبة لهما، ومراد ابن عمر ﵄ بقوله: "لو كنت مسبحاً لأتممت " أي لو كنت متطوعاً بما تكمل به فريضتي من راتبة لأتممتها؛ بدليل أنه صحَّ عنه ﵁ أنه كان يتطوع على راحلته ويوتر عليها، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعله. ومن تراجم البخاري ﵀ في "صحيحه ": باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها، وباب من تطوع في السفر في غير دبر الصلاة وقبلها. أما راتبة الفجر فيصليها حضراً وسفراً؛ لأن النبي ﷺ لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر، ولم يكن يدعهما أبداً كما في "صحيح البخاري" عن عائشة ﵂ (٣/٤٢) من "الفتح "، وفي "صحيح مسلم " عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه كان مع النبي ﷺ فذكر قصة نومهم عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وأن النبي ﷺ أمرهم فساروا عن مكانهم، ثم نزل فتوضأ، ثم أذَّن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة، فصنع كما يصنع كل يوم، وله نحوه من حديث أبي هر ير ة (١) . وإنما أطلنا الكلام في تطوع المسافر بالنافلة؛ لأن بعض الناس يري أن لا تطوع للمسافر مطلقاً، وقد تبيَّن مما ذكرنا أن الذي

стр. 9727

دلَّ عليه الدليل أنه لا يتطوع براتبة الظهر والمغرب والعشاء، وما عدا ذلك من النوافل فباق على مشروعيته. والله الموفق. وللمسافر أن يتطوع في السفر وهو على ظهر مركوبه حيث كان وجهه، وإن لم يكن إلى جهة القبلة، ففي "صحيح البخاري " عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة- يعني الفريضة- نزل فاستقبل القبلة (١) . ومن أحكام السفر: أنه ينبغي أن يكون مع المسافر رفقة للإيناس ودفع الحاجة، فلا ينبغي أن يسافر الرجل وحده إلا لحاجة أو مصلحة دينية، للجهاد في سبيل الله ونحوه، ففي "صحيح البخاري " عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لوْ يعلمُ الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده " (٢) . وينبغي أن يكون معه ما يثبت اسمه وعنوانه حتى لا يخفى لو حصل عليه تلف بحادث أو غيره. ومن أحكام السفر: أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم سواء كان السفر بعيداً أم قريباً، وسواء كان للحج أم لغيره، وسواء كانت شابة جميلة أم عجوزاً شوهاء، وسواء كان معها نساء من أقاربها وصاحباتها أم لا، وسواء غلب على الظن سلامتها أم لا، وسواء كان ذلك في طيارة أو غيرها، ففي "الصحيحين " من حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: "لا

стр. 9728

يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجَّة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : "انطلق فحجَّ مع امرأتك " (١) . فأطلق النبي ﷺ النهي عن سفر المرأة بدون محرم، ولم يقيده بسفر دون سفر، ولا بامرأة دون أخرى، ولا بحال دون حال، ولم يستفصل الرجل عن امرأته. والمَحْرمُ زوج المرأة وكل من يحرم عليه نكاحها تحريماً مؤبداً بقرابة أو رضاع أو مصاهرة، فالمحارم من القرابة أو الرضاع سبعة: الأب وإن علا، والابن وإن نزل، والأخ، وابنه وإن نزل، وابن الأخت وإن نزل، والعم وإن علا، والخال وإن علا. والمحارم من المصاهرة أربعة: أبو زوج المرأة وإن علا، وابن زوج المرأة وإن نزل، وزوج بنت المرأة وإن نزلت، والرابع زوج أم المرأة وإن علت، بشرط أن يكون قد دخل بها. ويشترط أن يكون المحرم بالغاً عاقلاً، فالصغير والمجنون لا يكفيان لجواز السفر معهما. وعلى هذا فإذا لم تجد المرأة محرماً لم يجب عليها الحج؛ لأنها لا تستطيع إليه سبيلاً. متي فرض الحج ؟ فرض الحج في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة على أرجح أقوال أهل العلم؛ لأن فرضه كان بقوله تعالى:

стр. 9729

(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)) (١) ، وتلك الآية في صدر سورة آل عمران النازل عام الوفود سنة تسع من الهجرة، وحكمة تأخر فرضه- والله أعلم- أن مكة- زادها الله شرفاً- كانت قبل تلك السنة تحت سيطرة المشركين من قريش، فليس يتسنى للنبي ﷺ وأصحابه أن يحجوا على الوجه الأكمل، وما أمر عمرة الحديبية ببعيد، فقد صدَّ المشركون رسول الله ﷺ وأصحابه سنة ست من الهجرة عن إتمام عمرتهم. والحج فريضة على كل مسلم بالغ عاقل مستطيع للحج بماله وبدنه. فأما غير البالغ، فلا يجب الحج عليه، لكن يصح منه، وله فيه أجر حج التطوع، وإذا بلغ أدَّى الفريضة؛ لأن حجه قبل بلوغه حج قبل وقت خطابه به، فهو كما لو أدى صلاة الفريضة قبل وقتها. والعاجز عن الحج بماله كالفقير والرقيق لا يجب عليه الحج؛ لقوله تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) وهذا غير مستطيع فلا يجب عليه. وأما العاجر ببدنه فقط: فإن كان عجزه لا يرجى زواله كالكبر والمرض المستمر فإنه يوكِّل من يحج عنه، وإن كان عجزه يرجى زواله كالمرض الطارئ فإنه ينتظر حتى يشفى منه ثم يحج، فإن مات قبل ذلك حُجَّ عنه من تركته. ومتى وجب الحج على المسلم وجب عليه المبادرة إلى

стр. 9730

أدائه؛ لأن أوامر الله ورسوله إذا لم تكن مقيدة بوقت، ولم تقم قرينة على أنها للتراخي فهي على الفور. ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "تعجلوا إلى الحج- يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له " رواه أحمد، وفي سنده ضعف (١) . لكن القول بالفورية له أدلَّة عامَّة تؤيد هذا الحديث. من أين يحرم من أراد الحج أو العمرة ؟ يحرم من أراد الحج أو العمرة من المواقيت التي وقَّتها رسول الله ﷺ وهي خمسة: أحدها: ذو الحليفة، ويسمى (أبيار على) لأهل المدينة، ومَن مرَّ بها من غيرهم. الثاني: الجحفة، وهي قرية قديمة خربت، فجعل الناس بدلها (رابغاَّ) لأهل الشام، ومن مرَّ بها من غيرهم إن لم يمروا بذي الحليفة قبلها. الثالث: يلملم، وهو جبل أو مكان بتهامة، ويسمى (السعدية) لأهل اليمن ومن مَرَّ به من غيرهم. الرابع: قرن المنازل،، ويسمى (السيل) لأهل نجد، ومن مَرَّ به من غيرهم. الخامس: ذات عرق، ويسمى (الضريبة) لأهل العراق، ومن مَرَّ بها من غيرهم. فمَن مرَّ بهذه المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة وجب عليه أن يحرم.

стр. 9731

ومن حاذاها من طريق الجو أو البحر وجب عليه أن يحرم عند محاذاتها، ولا يجوز له تأخير الإحرام حتى يهبط في المطار أو يرسي في الميناء؛ لأن هذا من تعدي حدود الله، (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (١) . ومَن كان دون هذه المواقيت من مكة أحرم من موضعه حتى من في مكة يحرمون من مكة إلا للعمرة فيحرمون من خارج الحرم أي من وراء الأميال من الحل؛ لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن أبى بكر: "اخرج بأختك (يعني عائشة) من الحرم فلتهل بعمرة" (٢) . ومن مرَّ بهذه المواقيت لا يريد حجًّا ولا عمرة كمن يريد تجارة أو زيارة قريب أو طلب علم ونحوها لم يجب عليه الإحرام؛ لأن الحج والعمرة لا يجبان في العمر أكثر من مرة، ولا إحرام إلا في حج أو عمرة. الأنساك وأفضلها: الأنساك ثلاثة: التمتع والقِران والإفراد. فالتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج (أي بعد دخول شهر شوال) ويفرغ منها ثم يحرم بالحج من عامه. والقِران: أن يقرن بين الحج والعمرة، فيحرم بهما جميعاً، أو يحرم بالعمرة وحدها ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها. والإفراد: أن يحرم بالحج وحده.

стр. 9732

وجمهور العلماء على أن الإنسان مخيَّر بين هذه الأنساك، واختلفوا في الأفضل منها، والصحيح أن الأفضل التمتع؛ لأن النبي ﷺ أمر به أصحابه وحثَّهم عليه، ولأنه أكثر عملاً، لأنه يأتي بأفعال العمرة كاملة وأفعال الحج كاملة، ولأنه أيسر من غيره لمن قدم مكة في وقت مبكر، حيث يتمتع بالحل فيما بين العمرة والحج. ويجب بالتمتع هدي شكران لا جبران مما يجزئ في الأضحية من شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، يذبحه يوم العيد أو في الأيام الثلاثة بعده، ويفرقه بمنى أو بمكة ويأكل منه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج لا يتجاوز بهن الأيام الثلاثة بعد العيد وسبعة أيام إذا رجع. والقارن كالمتمتع في وجوب الهدي أو بدله. صفة التمتع من ابتداء الإحرام إلى انتهاء الحج بصفة مختصرة . (أ) العمرة: ١- إذا أراد أن يحرم بالعمرة اغتسل كما يغتسل للجنابة، وتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته، ولبس إزاراً ورداء أبيضين، والمرأة تلبس ما شاءت من الثياب غير ألا تتبرج بزينة. ٢- ثم يصلي الفريضة إن كان وقت فريضة؛ ليحرم بعدها، فإن لم يكن وقت فريضة صلى ركعتين بنية سنة الوضوء لا بنية سنة الإحرام؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أن للإحرام سنة. ٣- ثم إذا فرغ من الصلاة نوى الدخول في العمرة، فيقول:

стр. 9733

(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك اللهم عمرة) . يرفع الرجل صوته بذلك وتخفيه المرأة. ويسن الإكثار من التلبية حتى يبدأ بالطواف فيقطعها. ٤- فإذا وصل إلى مكة بدأ بالطواف من حين قدومه فيقصد الحجر الأسود فيستلمه (أي يمسحه) بيده اليمنى ويقبِّله إن تيسر بدون مزاحمة وإلا أشار إليه، ويكبر ثم ينحرف فيجعل البيت عن يساره، فإذا مرَّ بالركن اليماني وهو آخر ركن يمر به بعد ركن الحجر استلمه بيده اليمنى إن تيسر بدون تقبيل، ويطوف سبعة أشواط، يرمل الرَّجُلُ في الأشواط الثلاثة الأولى، ويضطبع في جميع الطواف. والرمل: الإسراع في المشي مع مقاربة الخطأ. والاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر. ويذكر الله ويسبحه في طوافه، ويدعو بما أحب في خشوع وحضور قلب، كلما أتى الحجر الأسود كبَّر، ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)) (١) . وأما التقيد بدعاء معين لكل شوط فليس له أصل من السنة بل هو بدعة محدثة. ٥- فإذا فرغ من الطواف صلى ركعتين وراء مقام إبراهيم، ولو بَعُدَ عنه، يقرأ بعد الفاتحة في الأولى: (قُلْ يَا أَيُّهَا

стр. 9734

الْكَافِرُونَ (١)) ، وفي الثانية: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)) . ٦- ثم يطوف بالصفا والمروة- أي بينهما- سبعة أشواط، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، والسنة أن يصعد عليهما ويقف مستقبل القبلة رافعاً يديه ويذكر الله ويدعوه، والسنَّة للرَّجل أن يسعى بين العَلَمين الأخضرين سعياً شديداً. ٧- فإذا أتم السعي قصَّر من شعر رأسه يعمّه بالتقصير، وتقصر المرأة منه قدر أنملة. وبذلك تمت العمرة، وحلَّ من إحرامه فيتمتع بكل ما أحل الله له قبل الإحرام من اللباس والطيب والنكاح وغير ذلك. (ب) الحج: ١- فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج من مكانه الذي هو نازل فيه، ويفعل عند إحرامه كما فعل عند إحرام العمرة من الغسل والطيب ولبس ثياب الإحرام. ٢- فإذا فرغ من ذلك نوى الدخول في الحج، فيقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك اللهم حجًّا) . يرفع الرجل صوته بذلك وتخفيه المرأة. ويسن الإكثار من التلبية حتى يرمي جمرة العقبة يوم العيد فيقطعها. ٣- ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب

стр. 9735

والعشاء والفجر، يقصر الرباعية إلى ركعتين ولا يجمع. ٤- فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع سار إلى عرفة فينزل بنمرة إن تيسَّر له إلى الزوال وإلا نزل بعرفة، فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر قصراً وجمعاً، ثم تفرَّغ لذكر الله ودعائه، يستقبل القبلة في ذلك ولو كان الجبل خلفه حتى تغرب الشمس. ٥- فإذا غربت الشمس سار إلى مزدلفة فصلى بها المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين ويبيت بها، فإذا صلى الفجر اشتغل بذكر الله ودعائه حتى يسفر جداً. ٦- فإذا أسفر جداً سار إلى منى، فإذا وصل إليها بدأ برمي جمرة العقبة وهي أقرب الجمرات إلى مكة، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، كل حصاة فوق الحمصة قليلاً، ويُكبِّر مع كل حصاة بخشوع وتعظيم لله تعالى. فإذا فرغ من رميها نحر هديه إن تيسر، ثم حلق رأسه كله أو قصره، والحلق أفضل إلا المرأة فتقصر من رأسها بقدر أنملة. وبالرمي والحلق أو التقصير يحل من إحرامه التحلل الأول، فيلبس ثيابه ويتطيب ويفعل كل ما أحل الله له قبل الإحرام ما عدا النساء، فإنه لا يحل له ما يتعلق بهن حتى يحل التحلل الثاني. ثم ينزل إلى مكة فيطوف طواف الحج، ويسعى بين الصفا والمروة على صفة ما سبق في طواف العمرة وسعيها؛ إلا أنه لا يرمل في الطواف ولا يضطبع؛ لأنهما (أعني الرمل والاضطباع) لا يشرعان في غير الطواف أول ما يقدم. وبالطواف والسعي المسبوقين برمي الجمرة والحلق أو
следующие страницы →