ومن حاذاها من طريق الجو أو البحر وجب عليه أن يحرم عند محاذاتها، ولا يجوز له تأخير الإحرام حتى يهبط في المطار أو يرسي في الميناء؛ لأن هذا من تعدي حدود الله، (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (١) .
ومَن كان دون هذه المواقيت من مكة أحرم من موضعه حتى من في مكة يحرمون من مكة إلا للعمرة فيحرمون من خارج الحرم أي من وراء الأميال من الحل؛ لقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن أبى بكر: "اخرج بأختك (يعني عائشة) من الحرم فلتهل بعمرة" (٢) .
ومن مرَّ بهذه المواقيت لا يريد حجًّا ولا عمرة كمن يريد تجارة أو زيارة قريب أو طلب علم ونحوها لم يجب عليه الإحرام؛ لأن الحج والعمرة لا يجبان في العمر أكثر من مرة، ولا إحرام إلا في
حج أو عمرة.
الأنساك وأفضلها:
الأنساك ثلاثة: التمتع والقِران والإفراد.
فالتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج (أي بعد دخول شهر شوال) ويفرغ منها ثم يحرم بالحج من عامه.
والقِران: أن يقرن بين الحج والعمرة، فيحرم بهما جميعاً، أو يحرم بالعمرة وحدها ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها.
والإفراد: أن يحرم بالحج وحده.
стр. 9732
وجمهور العلماء على أن الإنسان مخيَّر بين هذه الأنساك، واختلفوا في الأفضل منها، والصحيح أن الأفضل التمتع؛ لأن النبي ﷺ أمر به أصحابه وحثَّهم عليه، ولأنه أكثر عملاً، لأنه يأتي بأفعال العمرة كاملة وأفعال الحج كاملة، ولأنه أيسر من غيره لمن قدم مكة في وقت مبكر، حيث يتمتع بالحل فيما بين العمرة والحج.
ويجب بالتمتع هدي شكران لا جبران مما يجزئ في الأضحية من شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، يذبحه يوم العيد أو في الأيام الثلاثة بعده، ويفرقه بمنى أو بمكة ويأكل منه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج لا يتجاوز بهن الأيام الثلاثة بعد العيد وسبعة أيام إذا رجع.
والقارن كالمتمتع في وجوب الهدي أو بدله.
صفة التمتع من ابتداء الإحرام إلى انتهاء الحج بصفة مختصرة .
(أ) العمرة:
١- إذا أراد أن يحرم بالعمرة اغتسل كما يغتسل للجنابة، وتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته، ولبس إزاراً ورداء أبيضين، والمرأة تلبس ما شاءت من الثياب غير ألا تتبرج بزينة.
٢- ثم يصلي الفريضة إن كان وقت فريضة؛ ليحرم بعدها، فإن لم يكن وقت فريضة صلى ركعتين بنية سنة الوضوء لا بنية سنة الإحرام؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أن للإحرام سنة.
٣- ثم إذا فرغ من الصلاة نوى الدخول في العمرة، فيقول:
стр. 9733
(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك اللهم عمرة) .
يرفع الرجل صوته بذلك وتخفيه المرأة.
ويسن الإكثار من التلبية حتى يبدأ بالطواف فيقطعها.
٤- فإذا وصل إلى مكة بدأ بالطواف من حين قدومه فيقصد الحجر الأسود فيستلمه (أي يمسحه) بيده اليمنى ويقبِّله إن تيسر بدون مزاحمة وإلا أشار إليه، ويكبر ثم ينحرف فيجعل البيت عن
يساره، فإذا مرَّ بالركن اليماني وهو آخر ركن يمر به بعد ركن الحجر استلمه بيده اليمنى إن تيسر بدون تقبيل، ويطوف سبعة أشواط، يرمل الرَّجُلُ في الأشواط الثلاثة الأولى، ويضطبع في جميع
الطواف.
والرمل: الإسراع في المشي مع مقاربة الخطأ.
والاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر.
ويذكر الله ويسبحه في طوافه، ويدعو بما أحب في خشوع وحضور قلب، كلما أتى الحجر الأسود كبَّر، ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)) (١) . وأما التقيد بدعاء معين لكل شوط فليس له أصل من السنة بل هو بدعة محدثة.
٥- فإذا فرغ من الطواف صلى ركعتين وراء مقام إبراهيم، ولو بَعُدَ عنه، يقرأ بعد الفاتحة في الأولى: (قُلْ يَا أَيُّهَا
стр. 9734
الْكَافِرُونَ (١)) ، وفي الثانية: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)) .
٦- ثم يطوف بالصفا والمروة- أي بينهما- سبعة أشواط، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، والسنة أن يصعد عليهما ويقف مستقبل القبلة رافعاً يديه ويذكر الله ويدعوه، والسنَّة للرَّجل أن يسعى بين
العَلَمين الأخضرين سعياً شديداً.
٧- فإذا أتم السعي قصَّر من شعر رأسه يعمّه بالتقصير، وتقصر المرأة منه قدر أنملة.
وبذلك تمت العمرة، وحلَّ من إحرامه فيتمتع بكل ما أحل الله له قبل الإحرام من اللباس والطيب والنكاح وغير ذلك.
(ب) الحج:
١- فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج من مكانه الذي هو نازل فيه، ويفعل عند إحرامه كما فعل عند إحرام العمرة من الغسل والطيب ولبس ثياب الإحرام.
٢- فإذا فرغ من ذلك نوى الدخول في الحج، فيقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك اللهم حجًّا) .
يرفع الرجل صوته بذلك وتخفيه المرأة.
ويسن الإكثار من التلبية حتى يرمي جمرة العقبة يوم العيد فيقطعها.
٣- ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب
стр. 9735
والعشاء والفجر، يقصر الرباعية إلى ركعتين ولا يجمع.
٤- فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع سار إلى عرفة فينزل بنمرة إن تيسَّر له إلى الزوال وإلا نزل بعرفة، فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر قصراً وجمعاً، ثم تفرَّغ لذكر الله ودعائه،
يستقبل القبلة في ذلك ولو كان الجبل خلفه حتى تغرب الشمس.
٥- فإذا غربت الشمس سار إلى مزدلفة فصلى بها المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين ويبيت بها، فإذا صلى الفجر اشتغل بذكر الله ودعائه حتى يسفر جداً.
٦- فإذا أسفر جداً سار إلى منى، فإذا وصل إليها بدأ برمي جمرة العقبة وهي أقرب الجمرات إلى مكة، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، كل حصاة فوق الحمصة قليلاً، ويُكبِّر مع كل حصاة
بخشوع وتعظيم لله تعالى.
فإذا فرغ من رميها نحر هديه إن تيسر، ثم حلق رأسه كله أو قصره، والحلق أفضل إلا المرأة فتقصر من رأسها بقدر أنملة.
وبالرمي والحلق أو التقصير يحل من إحرامه التحلل الأول، فيلبس ثيابه ويتطيب ويفعل كل ما أحل الله له قبل الإحرام ما عدا النساء، فإنه لا يحل له ما يتعلق بهن حتى يحل التحلل الثاني.
ثم ينزل إلى مكة فيطوف طواف الحج، ويسعى بين الصفا والمروة على صفة ما سبق في طواف العمرة وسعيها؛ إلا أنه لا يرمل في الطواف ولا يضطبع؛ لأنهما (أعني الرمل والاضطباع) لا
يشرعان في غير الطواف أول ما يقدم.
وبالطواف والسعي المسبوقين برمي الجمرة والحلق أو
стр. 9736
التقصير يحل التحلل الثاني، فيحل له كل ما أحل الله له قبل الإحرام حتى النساء.
وخلاصة ما يفعل من الأنساك يوم العيد ما يلي:
* رمي جمرة العقبة.
* نحر الهدي.
* الحلق أو التقصير.
* الطواف والسعي.
والسنة أن يرتبها هكذا، وإن لم يتيسر له فقدم بعضها على بعض فلا حرج.
٧- ويبيت بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر.
٨- ويرمي الجمرات الثلاث في هذين اليومين بعد الزوال، يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، ويُكبِّر مع كل حصاة، فإذا فرغ منها تقدم قليلاً
عن الزحام، فوقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو الله تعالى بما أحب دعاء طويلاً، ثم يرمي الجمرة الثانية ويقف بعدها للدعاء كما فعل في الأولى سواء.
ثم يرمي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة التي رماها يوم العيد كما رمى الجمرتين قبلها، ولا يقف بعدها للدعاء.
٩- فإذا أتم رمي الجمرات الثلاث في اليوم الثاني عشر، فإن شاء تأخَّر في منى لليوم الثالث عشر ورمى الجمار فيه بعد الزوال وهو أفضل؛ لأنه فعل النبي ﷺ وفيه زيادة عمل صالح. وإن شاء تعجل في يومين فخرج من منى في اليوم الثاني عشر قبل الغروب.
стр. 9737
وينبغي أن يكثر من التكبير والذكر في تلك الأيام والليالي؛ لقوله تعالى: (* وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)) (١) ، وقول النبي ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله " (٢) .
وبهذا تمت أفعال الحج.
طواف الوداع:
إذا أنهى الحاج جميع أفعال الحج وأراد الرجوع إلى بلده؛ فإنه لا يخرج من مكة حتى يطوف بالبيت طواف الوداع، يجعله آخر أموره عند سيره.
وليس على الحائض والنفساء طواف وداع؛ لقول ابن عباس ﵄: "أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفِّف عن الحائض " (٣) .
محظورات الإحرام
محظورات الإحرام هي الأشياء المحرمة في الإحرام بسبب الإحرام:
وتتلخص فيما يلي:
١- إزالة الشعر من الرأس بحلق أو غيره، وألحق به جمهور العلماء
стр. 9738
شعر بقية الجسم.
٢- إزالة الظفر من اليدين أو الرجلين، ألحقه جمهور العلماء بالشعر بجامع الترفه.
٣- استعمال الطيب بعد الإحرام في البدن أو الثوب أو المأكول أو المشروب.
٤- لبس القفازين وهما شراب اليدين.
٥- المباشرة لشهوة.
وفدية هذه المحظورات الخمسة على التخيير كما ذكره الله تعالى في القرآن في حلق الرأس، وقيس عليه الباقي، فيخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو
ذبح شاة، ويفرق الطعام والشاة على المساكين إما في مكة أو في مكان فعل المحظور.
٦- الجماع في الفرج، وإذا وقع في الحج قبل التحلل الأول ترتب عليه أربعة أمور:
* فساد النسك الذي وقع فيه الجماع.
* وجوب المضي فيه.
* وجوب قضائه من العام القادم.
* فدية نحر بدنة يفرقها على المساكين في مكة أو في مكان الجماع.
٧- عقد النكاح، وليس فيه فدية، لكن النكاح يفسد سواء كان المحرم الزوج أو الزوجة أو الولي أو وكيله فيه.
٨- قتل الصيد البري المتوحش، وعليه جزاؤه وهو ذبح مثله يفرقه على فقراء الحرم، أو تقويمه بطعام يفرقه على فقراء الحرم، أو
стр. 9739
يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.
وهذه المحظورات الثمانية حرام على كل محرم ذكراً كان أم أنثى، ويختص الذكر بالمحظورين التاليين:
١- تغطية الرأس بملاصق، فأما غير الملاصق كالخيمة وسقف السيارة والشمسية فلا بأس به.
٢- لبس المخيط، وهو كل ما خيط على قدر البدن أو على جزء منه أو عضو من أعضائه كالقميص والسراويل والخفين، فأما الإزار والرداء المرقع فلا بأس به، وكذلك لا بأس بلبس الخاتم والساعة ونظارة العين وسماعة الأذن ووعاء النفقة ونحوها.
وتختص الأنثى بالمحظور التالي:
تغطية الوجه على أي صفة كانت، وقال بعض العلماء: المحظور عليها النقاب فقط، وهو أن تغطي وجهها بغطاء منقوب لعينيها فيه، والأوْلى أن لا تغطيه مطلقاً، إلا أن يراها رجال غير محارم لها فيجب عليها ستره في حال الإحرام وغيره.
وفدية هذه المحظورات الخاصة على التخيير كفدية الخمسة السابقة.
حكم فاعل هذه المحظورات:
لفاعل المحظورات السابقة ثلاث حالات:
الأولى: أن يفعل المحظور بلا حاجة ولا عذر، فهذا آثم، وعليه فديته.
الثانية: أن يفعله لحاجة، فليس بآثم، وعليه فدية. قال الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا
стр. 9740
رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)) (١) ، فلو احتاج إلى تغطية رأسه من أجل بردٍ أو حر يخاف منه جاز له تغطيته، وعليه الفدية على التخيير بين ما سبق.
الثالثة: أن يفعله وهو معذور بجهل أو نسيان أو إكراه أو نوم، فلا إثم عليه ولا فدية؟ لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (٢) ، وفي الحديث عن النبي أنه قال: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (٣) ، لكن متى زال العذر فعلم بالمحظور، أو ذكره، أو زال إكراهه، أو استيقظ من نومه وجب عليه التخلي عنه- أي عن المحظور- فوراً.
زيارة المسجد النبوي:
المسجد النبوي أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، وهي: المسجد الحرام في مكة، والمسجد النبوي في
стр. 9741
المدينة، والمسجد الأقصى في القدس. والصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، ومن أجل هذا تُشرع زيارة المسجد للصلاة فيه كل وقت وليس خاصًّا في وقت
الحج، ولا علاقة له بالحج، فالحج يكمل بدونه، ولا ينقص بتركه، لكن الناس جعلوه مع الحج ليكون السفر لهما واحداً لاسيما لمن يشق عليه إفراد كل واحد منهما بسفر كأهل الأقطار البعيدة.
فإذا دخل المسجد صلى فيه ما شاء الله ثم ذهب إلى قبر النبي ﷺ فوقف أمامه وقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
ثم يخطو عن يمينه قليلاً ليسلم على أبي بكر الصديق ﵁، فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا خليفة رسول الله ﷺ في أمته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراُ.
ثم يخطو عن يمينه قليلاً ليسلم على عمر ﵁ فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين عمر، رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيراً.
ْويخرج إلى مسجد قباء متطهراً ويصلي فيه.
ويزور البقيع وهو مقبرة المدينة فيسلم على عثمان ﵁، يقف على قبره ويقول: السلام عليكم يا أمير المؤمنين
стр. 9742
عثمان، رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيراً، ويسلِّم على أهل البقيع ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة.
ويخرج إلى أُحد فيزور قبر حمزة عم النبي ﷺ ومَن هناك من الشهداء ويترضى عنهم، ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة.
والمرأة لا تزور القبور لا قبر النبي ﷺ ولا قبور غيره. وليس في المدينة شيء يُشرع قصده من المساجد وغيرها سوى ما ذكرنا.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى الله
محمد الصالح العثيمين
стр. 9743
شرح حديث جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حج النبي ﷺ -
стр. 9744
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فإن هذا الكتاب يحتوي على شرع لفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين- رحمه الله تعالى- لحديث جابر بن عبد الله- ﵄ في صفة حجة النبي ﷺ .
وقد جاء هذا الشرح ضمن الدروس العلمية التي كان يعقدها فضيلته- رحمه الله تعالى- في "بلوغ المرام "، و"صحيح مسلم " بالجامع الكبير في مدينة عنيزة.
ورغبة في تقديمه إلى القارئ المتطلع إلى معرفة المسائل والأحكام الفقهية في مناسك الحج والعمرة كما وردت عن رسول الله ﷺ ، وتسهيلاً لتناوله، تمَّ إخراج هذا الشرح مفرداً.
وقد عهدت مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية إلى الشيخ مساعد بن عبد الله السلمان- أثابه الله- بالعمل لإعداد هذا الكتاب للنشر، وتخريج أحاديثه وآثاره، فجزاه الله خيراً.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، موافقاً لمرضاته، نافعاً لعباده، وأن يجزي فضيلة شيخنا عن
стр. 9745
الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويضاعف له المثوبة والأجر، ويعلي درجته في المهديين، إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه،
والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللجنة العلمية
في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
٢٥/١٠/١٤٢٤ هـ
стр. 9746
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى، ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله تعالى حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن من شروط العبادة الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ، وهما الركنان الأساسيان في كل عبادة. فلا تقبل عبادة بشرك، ولا تقبل ببدعة. فالشرك ينافي الإخلاص، والبدعة تنافي الاتباع. ولا تتحقق المتابعة إلا بمعرفة الصفة والكيفية التي أدى النبي ﷺ العبادة عليها. ومن ثم احتاج العلماء- ﵏ إلى بيان صفات العبادات، فبينوا صفة الوضوء، وصفة الصلاة، وصفة الزكاة، وصفة الصيام، وصفة الحج وغير ذلك، حتى يعبد الناس
الله على شريعة محمد ﷺ .
فحديث جابر- ﵁ الطويل المشهور في صفة حج النبي ﷺ جعله بعض العلماء عمدة لصفة الحج (١) ، ومنسكاً
стр. 9747
كاملاً؛ لأن جابراً ﵁ ضبط حج الرسول ﷺ من أوله إلى آخره، فذكر ﵁:
"أن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عُمَيْس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي ". فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرتُ إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به فأهلَّ بالتوحيد "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ". وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يَرُدَّ رسول الله ﷺ عليهم شيئاً منه. ولزم رسول الله تلبيته، قال جابر ﵁: لسنا ننوي إلا الحج- لسنا نعرف
العمرة- حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵊ فقرأ (وَاتَّخِذُوا
стр. 9748
مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) (١) ؛ فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ : كان يقرأ في الركعتين (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)) ، (قُلْ يَآ أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١)) ؛ ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا؛ فلما دنا من الصفا
قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (٢) " أبدأ بما بدأ الله به "، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك. قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة". فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلت العمرة في الحج " مرتين "لا بل لأبد أبد". وقدم عليٌّ من اليمن ببدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثياباً صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكان عليٌّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على
стр. 9749
فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه. فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها. فقال: "صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال قلت: اللهم إني أهلُّ بما أهلَّ به رسولك.
قال: "فإن معي الهدي فلا تحل " قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ مائة. قال فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج. وركب رسول الله فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر. ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية.
فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل
شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، ديان أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول
ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن
стр. 9750
بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء
وينكتها إلى الناس "اللهم اشهد! اللهم اشهد" ثلاث مرات. ثم أذن ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل
القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى "أيها الناس السكينة السكينة" كلما أتى حبلا من الحبال
أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله مرت به ظعن
يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلاً، ثم سلك
стр. 9751
الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف. رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بيده، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنه ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتي بني عبد المطلب يسقون على زمزم
فقال: "انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم "، فناولوه دلوا فشرب منه " (١) .
стр. 9752
شرح الحديث
قال جابر ﵁: "إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه ".
قوله: "فخرجنا معه " كان ذلك في الخامس والعشرين من ذي القعدة في يوم السبت، بعد أن أعلم الناس في خطبة الجمعة كيف يحرمون، وسئل ماذا يلبس المحرم، وأوضح للناس مبادئ النسك. وبقي في ذي الحليفة، وبات بها، وفي اليوم التالي اغتسل ولبس ثياب إحرامه، ثم أحرم.
وقوله: "حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء" أتى بحرف (الفاء) لأنها معطوفة على جملة هي جواب الشرط يعني: حتى إذا أتينا ذا الحليفة نزل وصار كذا كذا فولدت.
وذو الحليفة ميقات أهل المدينة، وتعرف الآن بأبيار علي، وهي مكان بينه وبين المدينة نحو تسعة أميال وبينه وبين مكة عشر مراحل، وسمي بذي الحليفة لكثرة هذا الشجر فيه وهي شجر الحَلْفَاء وهي معروفة.
وقوله: "فولدت أسماء بنت عميس "، وهي زوجة أبي بكر ﵁ ولدت محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى النبي ﷺ كيف تصنع، فقال لها: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي "، فأمرها
стр. 9753
بالاغتسال للإحرام وليس لرفع الحدث، لأن الحدث لا زال باقياً، وأمرها أن تستثفر بثوب، يعني تتعصب به، وتشد عليها ثوباً حتى لا يخرج شيء من هذا الدم.
وقوله: "وأحرمي "، وأطلق لها الإحرام. وقد أحرم الناس من ذي الحليفة على وجوه ثلاثة منهم من أحرم بالحج، ومنهم من أحرم بالعمرة، ومنهم من أحرم بالحج والعمرة. ولم يقل لها النبي ﷺ : "افعلي ما يفعل الحاج "، كما قال لعائشة ﵂ لأنها إنما أرسلت تسأل عن قضية معينة وهي الإحرام كيف تحرم، وقد أصابها ما أصابها ولم تسأله عن بقية النسك، ولهذا أخطأ ابن حزم (١) ﵀ حيث قال: إن النفساء يجوز لها أن تطوف البيت بخلاف الحائض، واستدل لقوله بأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " (٢) .
ولو كان الطواف بالبيت ممنوعاً بالنسبة للنفساء لبينه النبي ﷺ فأجاب الجمهور بأن المرأة لم تسأل عما تفعل في النسك، وإنما تسأل ماذا تصنع عند الإحرام، فبين لها النبي يكيف تصنع.
وقوله: "وصلى رسول الله ﷺ في المسجد" يعني مسجد ذي الحليفة.
وقوله: "ثم ركب القصواء" هو لقب ناقته وله ناقة تسمى العضباء. وقد ذكر ابن القيم- ﵀ في أول زاد المعاد (٣) ما
стр. 9754
يلقب من دوابه صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: "حتى إذا استوت به على البيداء" يعنى علت به على البيداء. والبيداء جبل صغير طرف ذي الحليفة.
وقوله: "نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك " أي أنهم كثير وقد قدروا بنحو مائة ألف الذين حجوا مع رسول الله
ﷺ يعني لم يبق من الصحابة ﵃ إلا أربعة وعشرون ألفاً وإلا فكلهم جوا معه، لأنه أعلن ﵊ للناس أنه سيحج فقدم الناس كلهم من أجل أن ينظروا إلى حج النبي ﷺ ويقتدوا به.
وقوله: " وهو يعرف تأويله " المراد بالتأويل هنا التفسير، فإن أعلم الخلق بمعاني كلام الله تعالى هو رسول الله ﷺ ولهذا قال العلماء- ﵏ يرجع في التفسير إلى القرآن الكريم، ثم إلى السنة، ثم إلى أقوال الصحابة، ثم إلى كلام التابعين الذين أخذوا عن الصحابة ﵃.
وقوله: "ثم أهلَّ بالتوحيد"، أي رفع صوته بالتوحيد قائلاً: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " رفع صوته بهذه الكلمات العظيمة التي سماها جابر ﵁ توحيداً لأنها تضمنت التوحيد والإخلاص.
ولبيك كلمة إجابة. والدليل على هذا ما ورد في الصحيح "أن
стр. 9755
الله تعالى يقول يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك " (١) ، وتحمل معنى الإقامة من قولهم ألبَّ بالمكان: أي أقام فيه، فهي متضمنة للإجابة والإقامة. الإجابة لله، والإقامة على طاعته. ولهذا فسرها بعضهم
بقوله: لبيك أي أنا مجيب لك مقيم على طاعتك. وهذا تفسير جيد.
فإذا قال قائل: أين النداء من الله حتى يلبيه المحرم؟
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً) (٢) ، أي أعلم الناس بالحج، أو ناد فيهم بالحج و (يَأْتُوكَ رِجَالاً) أي: على أرجلهم، وليس المعنى ضد الإناث. والدليل على أنهم على أرجلهم ما بعدها
(وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)) .
وهذه قاعدة مفيدة في التفسير (فإنه قد يعرف معنى الكلمة بما يقابلها) .
ومثلها قوله تعالى: وهو أخفى من الآية التي معنا: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) (٣) ؛ فمعنى ثبات: متفرقون، مع أن ثبات يبعد جداً أن يفهمها الإنسان بهذا المعنى، لكن لما ذكر بعدها (أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) علم أن المراد بالثبات المتفرقون.
والتثنية في التلبية هل المقصود بها حقيقة التثنية أي أجبتك مرتين أم المقصود بها مطلق التكثير؟
стр. 9756
الجواب: المقصود بها الثاني. لأن المعنى إجابة بعد إجابة، وإقامة بعد إقامة، فالمراد بها مطلق التكثير، أي: مطلق العدد، وليس المراد مرتين فقط.
ولهذا قال النحويون: إنها ملحقة بالمثنى وليست مثنى حقيقة، لأنه يراد بها الجمع والعدد الكثير.
ولماذا جاءت بالياء الدالة على أنها منصوبة؟
قالوا: لأنها مصدر لفعل محذوف وجوبا لا يجمع بينه وبينها، والتقدير ألبيت إلبابين لك.
ألببت يعني: أقمت بالمكان إلبابين.
لكن حصل فيها حذف حرف الهمزة، وصارت لبابين بعد حذف الهمزة.
ثم قيل: تحذف أيضاً الباء الثانية، فنقول لبيك، والياء علامة للإعراب.
وقوله: "اللهم " معناها: يا الله، لكن حذفت ياء النداء، وعوض عنها الميم، وجعلت الميم أخيراً ولم تكن في مكان الياء تبركا بذكر اسم الله ابتداءً، وعوض عنها الميم، لأن الميم أدل على الجمع. ولهذا كانت الميم من علامات الجمع.
فكان الداعي جمع قلبه على ربه لأنه يقول يا الله.
وقوله: "لبيك " الثانية من باب التوكيد اللفظي ولم يتغير عن لفظ الأول؛ لكن له معنى جديداً، فيكرر ويؤكد أنه مجيب لربه، مقيم على طاعته: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، لأنك تجيب الله ، وكلما أجبته ازددت إيماناً به وشوقاً إليه،
стр. 9757
فكان التكرير مقتضى الحكمة. ولهذا ينبغي لك أن تستشعر- وأنت تقول: لبيك- نداء الله لك، وإجابتك إياه لا مجرد كلمات تقال.
وقوله: "لا شريك لك " أي: لا شريك لك في كل شيء، وليس في التلبية فقط لأنه أعم، أي: لا شريك لك في ملكك. ولا شريك لك في ألوهيتك ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك، ولا
شريك لك في كل ما يختص بك.
ومنها إجابتي هذه الإجابة، فأنا مخلص لك فيها، ما حججت رياء ولا سمعة، ولا للمال ولا لغير ذلك، إنما حججت لك، ولبَّيت لك فقط.
وقوله: "لا شريك لك " إعرابها: لا نافية للجنس، وشريك: اسمها، ولك خبرها، والنافية للجنس أعم من النافية لمطلق النفي؛ لأن النافية للجنس تنفي أي شيء من هذا، بخلاف ما إذا قلت لا
رجل في البيت بالرفع، فهذه ليست نافية للجنس، بل هذه لمطلق النفي.
ولهذا يجوز أن تقول لا رجل في البيت بل رجلان، لكن لو قلت: لا رجلَ في البيت بل رجلان صاح عليك العالمون بالنحو، وقالوا: هذا غلط لا يصح أن تقول لا رجلَ في البيت بل رجلان، فتنفي الجنس أولا، ثم تعود وتثبت، ولكن إن شئت فقل لا رجلَ في البيت بل أنثى.
وقوله: "إن الحمد والنعمة لك " يقال: بكسر همزة إن، ورويت بالفتح. فعلى رواية فتح الهمزة "أن الحمد لك " تكون
стр. 9758
الجملة تعليلية أي: لبيك لأن الحمد لك، فصارت التلبية مقيدة بهذه العلة، أي: بسببها؛ والتقدير لبيك لأن الحمد لك.
أما على رواية الكسر: "إن الحمد لك "، فالجملة استئنافية، وتكون التلبية غير مقيدة بالعلة، بل تكون تلبية مطلقة بكل حال.
ولهذا قالوا: إن رواية الكسر أعم وأشمل، فتكون أولى، أي: أن تقول: إن الحمد والنعمة لك، ولا تقل: أن الحمد والنعمة لك، ولو قلت ذلك لكان جائزاً.
والحمد والمدح يتفقان في الاشتقاق، أي في الحروف دون الترتيب ح- م- د موجودة في الكلمتين، فهل الحمد هو المدح أم بينهما فرق؟
الجواب: الصحيح أن بينهما فرقاً عظيماً. لأن الحمد مبني على المحبة والتعظيم.
والمدح لا يستلزم ذلك. فقد يبنى على ذلك، وقد لا يبنى، وقد أمدح رجلاً لا محبة له في قلبي ولا تعظيم، ولكن رغبة في نواله فيما يعطيني، مع أن قلبي لا يحبه ولا يعظمه.
أما الحمد فإنه لابد أن يكون مبنياً على المحبة والتعظيم.
ولهذا نقول في تعريف الحمد: هو وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيماً، ولا يمكن لأحد أن يستحق هذا الحمد على وجه الكمال إلا الله .
وقول بعضهم: الحمد هو الثناء بالجميل الاختياري، أي: أن يثني على المحمود بالجميل الاختياري. ويفعله اختياراً من نفسه، تعريف غير صحيح، يبطله الحديث الصحيح: "أن الله قال:
стр. 9759
قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم قال: أثنى عليَّ عبدي " (١) . فجعل الله تعالى الثناء غير الحمد، لأن الثناء
تكرار الصفات الحميدة، وأل في الحمد للاستغراق، أي: جميع أنواع المحامد لله وحده، المحامد على جلب النفع، وعلى دفع الضرر، وعلى حصول الخير الخاص والعام، كلها لله على الكمال
كله.
وقد ذكر ابن القيم- ﵀ في كتابه "بدائع الفوائد" (٢) بحثاً مستفيضاً حول الفروق بين (المدح- والحمد) ، وكلمات أخرى في اللغة العربية تخفى على كثير من الناس، وقال كان شيخنا
- ابن تيمية- إذا تكلم في هذا أتى بالعجب العجاب، ولكنه كما قيل: تألق البرق نجدياً فقلت له إليك عني فإني عنك مشغول أي: أن شيخ الإسلام- ﵀ مشغول بما هو أهم من
البحث في كلمة في اللغة العربية، وأسرار اللغة العربية.
وقوله: "النعمة" أي الإنعام، فالنعمة لله.
وقوله: "النعمة لك " كيف تتعدى باللام؟ مع أن الظاهر أن يقال: النعمة منك؟
الجواب: النعمة لك يعني التفضل لك، فأنت صاحب الفضل.
стр. 9760
وقوله: "والملك لا شريك لك " الملك شامل لملك الأعيان وتدبيرها، وهذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له. فإذا تأملت هذه الكلمات وما تشتمل عليه من المعاني الجليلة وجدتها تشتمل على جميع أنواع التوحيد، وأن الأمر كما قال جابر ﵁: "أهل بالتوحيد". والصحابة ﵃ أعلم الناس بالتوحيد.
فقوله: "الملك " من توحيد الربوبية، والألوهية من توحيد الربوبية أيضاً، لأن إثبات الألوهية متضمن لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مستلزم لإثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحداً يوحد الله في ألوهيته إلا وقد وحده في ربوبيته. لكن من الناس من يوحد الله في ربوبيته، ولا يوحده في ألوهيته، وحينئذ نلزمه ونقول: إذا وحدت الله في الربوبية لزمك أن توحده في الألوهية. ولهذا فإن عبارة
العلماء- ﵏ محكمة: حيث قالوا: (توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية) .
ونأخذ توحيد الأسماء والصفات من قوله: "إن الحمد والنعمة".
فالحمد: وصف المحمود بالكمال، مع المحبة والتعظيم.
والنعمة من صفات الأفعال؛ فقد تضمنت توحيد الأسماء والصفات.
ومن أين نعرف أنه بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل؟
стр. 9761
الجواب: من قوله "لا شريك لك ". لأن التمثيل شرك، والتعطيل شرك أيضاً، والمعطل لم يعطل إلا حين اعتقد أن الإثبات تمثيل، فمثَل أولا، وعطَّل ثانياً، والتحريف والتكييف متضمنان التمثيل والتعطيل.
وبهذا تبين أن هذه الكلمات العظيمة مشتملة على التوحيد له. ومع الأسف أنك تسمع بعض الناس في الحج أو العمرة يقولها وكأنها أنشودة، لا يأتون بالمعنى المناب. تقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) .
لكنهم يقفون على (إن الحمد، والنعمة لك) ، ثم يقولون: (والملك لا شريك لك) .
مسألة: فهل لنا أن نزيد على ما ورد عن النبي من التلبية التي رواها جابر ﵁؟
نقول: نعم فقد روى الإمام أحمد في "المسند": أن النبي كان يقول: "لبيك. إله الحق " (١) و"إله الحق " من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: لبيك أنت الإله الحق.
وكان ابن عمر ﵄ يزيد: "لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل " (٢) .
فلو زاد الإنسان مثل هذه الكلمات فلا بأس، اقتداء بعبد
стр. 9762
الله بن عمر ﵄. لكن الأولى ملازمة ما ثبت عن النبي ﷺ .
وهل لهم أن يكبروا بدل التلبية إذا كان في وقت التكبير كعشر ذي الحجة؟
الجواب: نعم. لقول أنس ﵁: "حججنا مع النبي ﷺ منا المكبر، ومنا المهل " (١) ، وهذا يدل على أنهم ليسوا يلبون التلبية الجماعة، ولو كانوا يلبون التلبية الجماعة لكانوا كلهم مهلين، أو مكبرين، لكن بعضهم يكبر، وبعضهم يهل، وكل يذكر ربه على حسب حاله.
مسألة: قال العلماء- ﵏: وينبغي أن يذكر نسكه في التلبية. فإذا كان في العمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، وفي الحج: لبيك اللهم حجاً، وفي القرن: لبيك اللهم عمرة وحجاً.
ثم قال جابر ﵁: "حتى إذا أتينا البيت "، يعني الكعبة.
وقوله: " استلم الركن " أي الحجر الأسود. وأطلق عليه اسم الركن، لأنه في الركن، والاستلام قال العلماء- ﵏ أن يمسحه بيده، وليس أن يضع يده عليه، لأن الوضع ليس فيه استلام،
بل لابد من المسح، والمسح يكون باليد اليمنى، لأن اليد اليمنى تقدم للإكرام والتعظيم.
وهل يقبله؟ نقول: نعم. لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان
стр. 9763
يقبله (١) لكن يقبله محبةً لله وتعظيماً له، لا محبةً للحجر لكونه حجراً، ولا يتبرك به أيضاً كما يصنعه بعض الجهال، فيمسح يده بالحجر الأسود ثم يمسح بها بدنه، أو يمسح صبيانه الصغار
تبركاً به، فإن هذا من البدع.
ولهذا لما قبلَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الحجر الأسود قال: "إن لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك " (٢) . فأفاد ﵁ بهذا أنه مجرد تعبد واتباع للرسول ﷺ . إذاً فتقبيلنا للحجر الأسود هو محبة لله وتعظيم له، ومحبة للقرب منه .
فإن شق الاستلام والتقبيل، فإنه يستلمه بيده ويقبل يده (٣) .
وهذا بعد استلامه ومسحه، لا أنه يقبل يده بدون مسح، وبدون استلام. فإن شق اللمس أشار إليه (٤) . وإذا أشار إليه فإنه لا يقبل يده.
كل هذه الصفات وردت عن النبي ﷺ وهي مرتبة حسب الأسهل.
стр. 9764
فأعلاها استلام باليد وتقبيل الحجر، ثم استلام باليد مع تقبيلها، ثم استلام بعصاً ونحوه مع تقبيله إن لم يكن فيه أذية، والسنة إنما وردت في هذا للراكب فيما نعلم، ثم إشارة.
فالمراتب صارت أربعاً تفعل أولاً فأولاً بلا أذية ولا مشقة.
مسألة: كيفية الإشارة؟ هل الإشارة كما يفعل العامة أن تشير إليه كأنما تشير في الصلاة، أي: ترفع اليدين قائلاً الله أكبر؟
الجواب: لا بل الإشارة باليد اليمنى. كما أن المسح يكون باليد اليمنى. ولكن هل تشير وأنت ماشٍ والحجر على يسارك، أم تستقبله؟ الجواب: روي عن عمر ﵁ أن النبي قال له: "إنك رجل قوي فلا تزاحم فتؤذي الضعيف إن وجدت فرجة فاستلم وإلا فاستقبله وهَلِّلْ وكَبِّرْ " (١) قال: "وإلا فاستقبله ". فالظاهر: أنه عند الإشارة يستقبله. ولأن هذه الإشارة تقوم مقام الاستلام
والتقبيل؟ والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبلاً له بالضرورة؛ لكن إن شق أيضاً مع كثرة الزحام فلا حرج أن يشير وهو ماشٍ.
ويقول عند محاذاته ما ورد عن النبي ﷺ ومنه عند ابتداء الطواف "بسم الله والله أكبر" (٢) "اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ " (٣) كما كان
стр. 9765
ابن عمر ﵄ يقول ذلك.
أما في الأشواط الأخرى فإنه يكبر كلما حاذى الحجر، اقتداءً برسول الله ﷺ (١) . إذاً الحجر الأسود له سنتان: سنة فعلية، وسنة قولية.
وأما الركن اليماني فيستلمه بلا تقبيل، ولا تكبير، ولا إشارة إليه عند التعذر. لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ . والقاعدة الفقهية الأصولية الشرعية: (أن كل ما وجد سببه. في عهد الرسول ﷺ ولم يفعله فالسنة تركه) وهذا قد وجد سببه فالركن اليماني كان الرسول ﷺ يستلمه، ولم يكن يكبر. وعلى هذا فلا يسن التكبير عند
استلامه.
مسألة: وهل يستلمهما في آخر شوط؟
الجواب: يستلم الركن اليماني، ولا يستلم الحجر الأسود، لأنه إذا مر بالركن اليماني مر وهو في طوافه. وإذا انتهى إلى الحجر الأسود، انتهى طوافه. ولهذا لا يستلم الحجر الأسود ولا يكبر أيضاً
في آخر شوط. لأن التكبير تابع للاستلام، ولا استلام الآن؛ والتكبير في أول الشوط، وليس في آخر الشوط.
مسألة: ماذا يقول بين الركن اليماني، والحجر الأسود؟ الجواب: يقول: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)) (٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: (والمناسبة في
стр. 9766
ذلك أن هذا الجانب من الكعبة هو آخر الشوط وكان النبي ﷺ يختم
دعاءه غالباً بهذا الدعاء) .
وأما الزيادة "وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار"، فهذه لم ترد عن النبي ﷺ ، ولا ينبغي للإنسان أن يتخذها تعبداً لله، لكن لو دعا بها لم ينكر عليه، لأن هذا محل دعاء.
ولكن كونه يجعله مربوطاً بهذه الجملة (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) غير صحيح. وروي عن النبي ﷺ أنه كان يقول أيضاً "اللهم إني أسألك العفو والعافية"، ولكنه حديث ضعيف (١) .
وقوله: "فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً". قال العلماء- ﵏: الرَّمَلُ هو سرعة المشي مع مقاربة الخطى.
والظاهر أن مرادهم مع تقارب الخطى أن الإنسان لا يمد خطوه، لأن العادة في الإنسان إذا أسرع تكون خطوته أبعد. ولكن يسرع، ولا يمد خطوه، بل يكون طبيعياً. وليس الرمل هو هز الكتفين، كما يفعله الجهال.
"ثلاثاً " أي: ثلاثة أشواط " ومشى أربعاً "، يعني أربعة أشواط مشى على عادته بدون إسراع. ويسن له الاضطباع في الطواف، وهو: أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه
الأيسر، والحكمة من ذلك: الاقتداء برسول الله ﷺ (٢) ، وإظهار
стр. 9767
القوة والنشاط إذ هو أنشط للإنسان مما لو التحف والتف بردائه.
مسألة: وهل الاضطباع مثل الرمل يكون في الأشواط الثلاثة، أو يكون في جميع الأشواط؟
الجواب: نقول يكون في جميع الأشواط.
وقوله: "ثم نفذ إلى مقام إبراهيم " يدل على أن هناك زحاماً.
وفي رواية، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم. والجمع بينهما أنه نفذ متقدماً إلى مقام إبراهيم ليصلي خلفه.
ومقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم ﵊ يرقى عليه لما ارتفِع جدار الكعبة.
وقوله: "فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) "، قرأ ذلك في حال نفوذه إشارة إلى أنه إنما فعل ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) (١) . وهذا أمر مطلوب منا
عندما نفعل العبادات أن نستشعر بأننا نقوم بها امتثالاً لأمر الله تعالى؛ لأن شعور الإنسان عندما يفعل العبادة بأنه يفعلها امتثالاً لأمر الله تعالى فإن هذا مما يزيد في إيمانه، ويجد لها لذة، وهذه هي
نية المعمول له. بخلاف الذي يفعل العبادة وهو غافل عن هذا المعنى، فإن العبادة تكون كالعادة. ولهذا قال المتكلمون على النيات إن النية نوعان نية العمل، ونية المعمول له، والأخيرة أعظم مقاماً من الأولى؛ لأن نية العمل تأتي ضرورة، فما من إنسان عاقل يقوم بعمل إلا وقد نواه وقصده حتى قال بعض العلماء- ﵏ لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف مالا يطاق. لكن
стр. 9768
المقام الأسنى والأعلى نية المعمول له التي تغيب عنا كثيراً.
وقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) استدل بعض العلماء- ﵏ باستشهاد النبي ﷺ بهذه الآية على أن ركعتي الطواف واجبة، وهذا له حظ من النظر؟ لأن النبي ﷺ فسر به الآية الدالة على الوجوب للأمر بها. ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يدع الركعتين بعد الطواف.
وقوله: "فجعل المقام بينه وبين البيت " المقام أي مقام إبراهيم، جعله بينه وبين الكعبة.
وهذا يشعر بأن المقام في مكانه الحالي، لأنه لو كان لاصقاً بالبيت- كما في الرواية المشهورة- ما احتاج أن يقول جعله بينه وبين البيت، لأن المقام لاصق بالبيت.
وهذه المسألة اختلف فيها المؤرخون، وأكثر المؤرخين على أنه كان في أول الأمر لاصقا بالبيت، ثم زحزح. ولكن الذي يظهر أنه من الأصل في مكانه هذا.
ومقام إبراهيم جعل الله فيه آية، وهي أثر قدمي إبراهيم ﵊، وقد شهد أوائل هذه الأمة أثر القدم، ولكنه انمحي وزال لكثرة مسه من الناس. وقد أشار إلى هذا أبو طالب في قوله:
وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل (١) وقوله: "فصلى" يعني ركعتين. واعلم أن المشروع في هاتين الركعتين التخفيف، وأن يقرأ فيهما (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)) ، و () قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)) وأنه ليس قبلهما
стр. 9769
دعاء، وليس بعدهما دعاء.
والحكمة من تخفيفهما أن تفسح المجال لمن هو أحق منك.
فالناس ينتهون من الطواف أرسالاً؛ فإذا انتهى الطائفون وأنت حاجز هذا المكان تطيل الصلاة، فمعناه أنك حجزت مكاناً لمن هو أحق منك، فلا تطل الصلاة. ثم إنه قد يكون المطاف مزدحماً،
فيحتاج الطائفون إلى المكان الذي أنت فيه أيضاً، فمن ثم خفف النبي ﷺ الصلاة، واختار أن يقرأ بعد الفاتحة سورتي الكافرون والإخلاص (قُل يَآ أَيُّهَا الكَافِرُون (١)) ، و (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، لأن إمام الحنفاء هو صاحب هذا المقام وهو إبراهيم ﵊ الذي قال الله لنبيه محمد ﷺ : (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)) (١) .
والحكمة في قراءة هاتين السورتين أن فيهما التوحيد كله، بنوعيه التوحيد الخبري، والتوحيد الطلبي العملي. فالتوحيد الخبري في (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)) ، والعملي الطلبي في (قُلْ يَآ أيُّهاَ الكَافِرُونَ (١)) .
وهل للمقام دعاء؟
والجواب: ليس للمقام دعاء، ولا دعاء قبل الركعتين، ولا بعدهما؛ ولكن المشكلة أن مثل هذه البدع صارت كأنها قضايا مسلمة مشروعة، حتى إن الحاج ليرى أن حجه ناقص إذا لم يفعل
هذا؛ وكل هذا بسبب تقصير العلماء أو قصورهم. وإلا فمن الممكن أن يعطى هؤلاء الحجاج مناسك من بلادهم توجههم
стр. 9770
للطريق الصحيح.
وقوله: "ثم رجع إلى الركن فاستلمه "؛ يعني استلم الحجر الأسود، ولم يقبله. ولم يرد عن النبي ﷺ أنه أشار إليه. وعلى هذا فيكون هنا استلام بلا تقبيل ولا إشارة إليه عند التعذر.
وقوله: "ثم خرج من الباب إلى الصفا"؛ يعني بعد أن صلى الركعتين خلف المقام رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب، أي من باب المسجد إلى الصفا؛ ومن المعلوم أنه سيختار الباب الذي يلي الصفا. والصفا هو الجبل الذي يكون أمام الحجر الأسود من الكعبة، أو يميل قليلاً إلى الركن اليماني.
وهو جبل معروف يسمى جبل أبي قبيس (١) .
وقوله: "فلما دناِ من الصفا"؛ يعني قرب منه. "قرأ (* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أبدأ بما بدأ الله به ".
وفائدة هذه القراءة إشعار نفسه بأنه إنما اتجه إلى السعي امتثالاً لما أرشد الله إليه في قوله: (* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (٢) ؛ وليعلم الناس أنهم إنما يسعون بين الصفا والمروة من أجل أنهما من شعائر الله، وليعلم الناس أيضاً أنه ينبغي للإنسان إذا فعل عبادة أن يشعر نفسه أنه يفعلها طاعة لله ، كما لو توضأ الإنسان فينبغي أن يستشعر عند وضوئه أن يتوضأ امتثالاً لقوله