← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

ذلك أن هذا الجانب من الكعبة هو آخر الشوط وكان النبي ﷺ يختم دعاءه غالباً بهذا الدعاء) . وأما الزيادة "وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار"، فهذه لم ترد عن النبي ﷺ ، ولا ينبغي للإنسان أن يتخذها تعبداً لله، لكن لو دعا بها لم ينكر عليه، لأن هذا محل دعاء. ولكن كونه يجعله مربوطاً بهذه الجملة (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) غير صحيح. وروي عن النبي ﷺ أنه كان يقول أيضاً "اللهم إني أسألك العفو والعافية"، ولكنه حديث ضعيف (١) . وقوله: "فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً". قال العلماء- ﵏: الرَّمَلُ هو سرعة المشي مع مقاربة الخطى. والظاهر أن مرادهم مع تقارب الخطى أن الإنسان لا يمد خطوه، لأن العادة في الإنسان إذا أسرع تكون خطوته أبعد. ولكن يسرع، ولا يمد خطوه، بل يكون طبيعياً. وليس الرمل هو هز الكتفين، كما يفعله الجهال. "ثلاثاً " أي: ثلاثة أشواط " ومشى أربعاً "، يعني أربعة أشواط مشى على عادته بدون إسراع. ويسن له الاضطباع في الطواف، وهو: أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، والحكمة من ذلك: الاقتداء برسول الله ﷺ (٢) ، وإظهار

стр. 9767

القوة والنشاط إذ هو أنشط للإنسان مما لو التحف والتف بردائه. مسألة: وهل الاضطباع مثل الرمل يكون في الأشواط الثلاثة، أو يكون في جميع الأشواط؟ الجواب: نقول يكون في جميع الأشواط. وقوله: "ثم نفذ إلى مقام إبراهيم " يدل على أن هناك زحاماً. وفي رواية، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم. والجمع بينهما أنه نفذ متقدماً إلى مقام إبراهيم ليصلي خلفه. ومقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم ﵊ يرقى عليه لما ارتفِع جدار الكعبة. وقوله: "فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) "، قرأ ذلك في حال نفوذه إشارة إلى أنه إنما فعل ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) (١) . وهذا أمر مطلوب منا عندما نفعل العبادات أن نستشعر بأننا نقوم بها امتثالاً لأمر الله تعالى؛ لأن شعور الإنسان عندما يفعل العبادة بأنه يفعلها امتثالاً لأمر الله تعالى فإن هذا مما يزيد في إيمانه، ويجد لها لذة، وهذه هي نية المعمول له. بخلاف الذي يفعل العبادة وهو غافل عن هذا المعنى، فإن العبادة تكون كالعادة. ولهذا قال المتكلمون على النيات إن النية نوعان نية العمل، ونية المعمول له، والأخيرة أعظم مقاماً من الأولى؛ لأن نية العمل تأتي ضرورة، فما من إنسان عاقل يقوم بعمل إلا وقد نواه وقصده حتى قال بعض العلماء- ﵏ لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف مالا يطاق. لكن

стр. 9768

المقام الأسنى والأعلى نية المعمول له التي تغيب عنا كثيراً. وقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) استدل بعض العلماء- ﵏ باستشهاد النبي ﷺ بهذه الآية على أن ركعتي الطواف واجبة، وهذا له حظ من النظر؟ لأن النبي ﷺ فسر به الآية الدالة على الوجوب للأمر بها. ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يدع الركعتين بعد الطواف. وقوله: "فجعل المقام بينه وبين البيت " المقام أي مقام إبراهيم، جعله بينه وبين الكعبة. وهذا يشعر بأن المقام في مكانه الحالي، لأنه لو كان لاصقاً بالبيت- كما في الرواية المشهورة- ما احتاج أن يقول جعله بينه وبين البيت، لأن المقام لاصق بالبيت. وهذه المسألة اختلف فيها المؤرخون، وأكثر المؤرخين على أنه كان في أول الأمر لاصقا بالبيت، ثم زحزح. ولكن الذي يظهر أنه من الأصل في مكانه هذا. ومقام إبراهيم جعل الله فيه آية، وهي أثر قدمي إبراهيم ﵊، وقد شهد أوائل هذه الأمة أثر القدم، ولكنه انمحي وزال لكثرة مسه من الناس. وقد أشار إلى هذا أبو طالب في قوله: وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل (١) وقوله: "فصلى" يعني ركعتين. واعلم أن المشروع في هاتين الركعتين التخفيف، وأن يقرأ فيهما (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)) ، و () قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)) وأنه ليس قبلهما

стр. 9769

دعاء، وليس بعدهما دعاء. والحكمة من تخفيفهما أن تفسح المجال لمن هو أحق منك. فالناس ينتهون من الطواف أرسالاً؛ فإذا انتهى الطائفون وأنت حاجز هذا المكان تطيل الصلاة، فمعناه أنك حجزت مكاناً لمن هو أحق منك، فلا تطل الصلاة. ثم إنه قد يكون المطاف مزدحماً، فيحتاج الطائفون إلى المكان الذي أنت فيه أيضاً، فمن ثم خفف النبي ﷺ الصلاة، واختار أن يقرأ بعد الفاتحة سورتي الكافرون والإخلاص (قُل يَآ أَيُّهَا الكَافِرُون (١)) ، و (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، لأن إمام الحنفاء هو صاحب هذا المقام وهو إبراهيم ﵊ الذي قال الله لنبيه محمد ﷺ : (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)) (١) . والحكمة في قراءة هاتين السورتين أن فيهما التوحيد كله، بنوعيه التوحيد الخبري، والتوحيد الطلبي العملي. فالتوحيد الخبري في (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)) ، والعملي الطلبي في (قُلْ يَآ أيُّهاَ الكَافِرُونَ (١)) . وهل للمقام دعاء؟ والجواب: ليس للمقام دعاء، ولا دعاء قبل الركعتين، ولا بعدهما؛ ولكن المشكلة أن مثل هذه البدع صارت كأنها قضايا مسلمة مشروعة، حتى إن الحاج ليرى أن حجه ناقص إذا لم يفعل هذا؛ وكل هذا بسبب تقصير العلماء أو قصورهم. وإلا فمن الممكن أن يعطى هؤلاء الحجاج مناسك من بلادهم توجههم

стр. 9770

للطريق الصحيح. وقوله: "ثم رجع إلى الركن فاستلمه "؛ يعني استلم الحجر الأسود، ولم يقبله. ولم يرد عن النبي ﷺ أنه أشار إليه. وعلى هذا فيكون هنا استلام بلا تقبيل ولا إشارة إليه عند التعذر. وقوله: "ثم خرج من الباب إلى الصفا"؛ يعني بعد أن صلى الركعتين خلف المقام رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب، أي من باب المسجد إلى الصفا؛ ومن المعلوم أنه سيختار الباب الذي يلي الصفا. والصفا هو الجبل الذي يكون أمام الحجر الأسود من الكعبة، أو يميل قليلاً إلى الركن اليماني. وهو جبل معروف يسمى جبل أبي قبيس (١) . وقوله: "فلما دناِ من الصفا"؛ يعني قرب منه. "قرأ (* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أبدأ بما بدأ الله به ". وفائدة هذه القراءة إشعار نفسه بأنه إنما اتجه إلى السعي امتثالاً لما أرشد الله إليه في قوله: (* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (٢) ؛ وليعلم الناس أنهم إنما يسعون بين الصفا والمروة من أجل أنهما من شعائر الله، وليعلم الناس أيضاً أنه ينبغي للإنسان إذا فعل عبادة أن يشعر نفسه أنه يفعلها طاعة لله ، كما لو توضأ الإنسان فينبغي أن يستشعر عند وضوئه أن يتوضأ امتثالاً لقوله

стр. 9771

تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (١) الآية. ويشعر أيضاً أنه يتوضأ كأن النبي ﷺ أمامه يتبعه في وضوئه؛ وهكذا جميع العبادات. فإذا استشعر الإنسان عند فعل العبادة أنه يفعلها امتثالاً لأمر الله، فإنه يجد لها لذةً وأثراً طيباً. وقوله: قرأ (* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) يحتمل أنه قرأ الآية كلها؛ وكان السلف يعبرون ببعض الآية عن جميعها. ويحتمل أنه لم يقرأ إلا هذا فقط الذي هو محل الشاهد، وهو كون الصفا والمروة من شعائر الله، وكون الصفا هو الذي يبدأ به، وهذا هو المتعين، وذلك لأن الأصل أن الصحابة ﵃ ينقلون كل ما سمعوا وإذا لم يقل: حتى ختم الآية، أو حتى أتم الآية، فإنه يقتصر على ما نقل فقط. وقوله: (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الشعائر جمع شعيرة، وهي النسك أو العبادة المتميزة عن غيرها بتعظيم الله . وقوله: "أبدأ بما بدأ الله به " لأنه بدأ بالصفا فقال: (* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) ؛ وفيه إشارة إلى أن الله إذا بدأ بشيء كان دليلاً على أنه مقدم إلا بدليل. وقوله: "فرقي الصفا"، أي: عليه. وهذا الرقي ليس بواجب، وإنما هو سنة وإلا لو وقف على حد الصفا من أسفل حصل المقصود لقوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (٢) . وحد

стр. 9772

الواجب الآن هو حد هذه الأسياخ التي جعلوها للعربات؛ وعلى هذا فلا يجب أن يصعد ويتقدم ولا سيما في أيام الزحام. وقوله: "حتى رأى البيت " أي: الكعبة "فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". وقوله: "وحد الله " أي: نطق بتوحيده؛ ولعله قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الله أكبر. والنفي هنا نفي للإله الحق، أي: لا إله حق إلا الله؛ وأما الآلهة التي تعبد من دون الله فليست بحق كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (١) . وقوله: "وكبره وقال لا إله إلا الله "، يحتمل أنه زائد على قوله: فوحد الله أو أنه تفسير له. لكن وردت السنة بأنه يكبر ثلاث تكبيرات، ولكنه ليس كتكبير الجنازة، كما يتوهم بعض العامة، حيث يقول الله أكبر بيديه يشير بها كما يشير بها في الصلاة هذا خطأ. لكن يرفع يديه، ويكبر ثلاثاً، ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصره عبده وهزم الأحزاب وحده. وقوله: "وحده لا شريك له " وحده تأكيد للإثبات و" لا شريك له " تأكيد للنفي، واستفدنا توحده بالملك من تقديم الخبر "له الملك " لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. والملك يشمل ملك الذوات أي الأعيان؛ وملك التصرف، والله مالك

стр. 9773

لكل ما في السماوات والأرض، مالك للتصرف فيهما، لا شريك له في ملكه، ولا في تدبيره. وقوله: "وله الحمد"، يعني أنه يحمد على كمال صفاته وعلى كمال إنعامه وإحسانه، وكذلك على كمال تصرفه وأفعاله. وأعقب به قوله "له الملك "، ليفيد أن ملكه ملك يحمد عليه، فما كل من ملك شيئاً وتصرف فيه يحمد على تصرفه؛ لكن الله يحمد على ملكه وتصرفه. وقوله: "وهو على كل شيء قدير" كل شيء؛ فالله تعالى قادر عليه إن كان موجوداً، فهو قادر على إعدامه وتغييره، وإن كان معدوماً فهو قادر على إيجاده. والقدرة: صفة يتمكن بها من الفعل بدون عجز، وهي أخص من القوة من وجه وأعم من وجه لأن القوة يوصف بها من له إرادة ومن لا إرادة له. فيقال: حديد قوي، وإنسان قوي. أما القدرة فلا يوصف بها إلا من كان ذا إرادة. فيقال الإنسان قدير، ولا يقال الحديد قدير؛ لكن القوة أخص لأنها قدرة وزيادة. ولهذا نقول: كل قوي ممن له قدرة فهو قادر، ولا عكس. وقوله: " لا إله إلا الله وحده " كرر ذلك، لأن باب التوحيد أمر مهم ينبغي تكراره، ليثبت ذلك في قلبه، وهو مع ذلك يؤجر عليه. وقوله: "أنجز وعده " يعني بنصر المؤمنين، فأنجز للرسول ﷺ ما وعده قال الله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ) (١) . وقوله: "ونصر عبده " هذا اسم جنس يشمل كل عبد من عباد

стр. 9774

الله قائم بأمر الله، فإنه منصور. قال الله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)) (١) . وقو له: "وهزم الأحزاب وحده " الأحزاب جمع حزب، وهم الطوائف الذي تحزبوا على الباطل، وتجمعوا عليه (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) (٢) . فهزمهم الله وحده ومثال على ذلك قصة الأحزاب الذين تجمعوا لحرب النبي ﷺ وحاصروه في المدينة وهم نحو عشرة آلاف نفر، ومع ذلك هزمهم الله وحده أرسل عليهم ريحاً وجنوداً فقلقلتهم حتى انهزموا. وهل المراد بهزيمة الأحزاب في قوله: "وهزم الأحزاب وحده " ما جرى في عام الخندق أو ما هو أعم!؟ نقول: ما هو أعم. وقوله: "ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات " يعني قال هذا الذكر ثم يدعو، ثم يقوله مرة ثانية ثم يدعو، ثم يقوله مرة ثالثة ثم ينزل، لأنه قال: "ثم دعا بين ذلك "؟ والبينية تقتضي أن يكون محاطاً بالذكر من الجانبين، فيكون الدعاء مرتين، والذكر ثلاث مرات. وقوله: "ثم نزل إلى المروة" أي مشى إلى المروة متجهاً إليها. والمروة هي الجبل المعروف بقعيقعان (٣) ، وهما جبلان

стр. 9775

معروفان في مكة، أحدهما"أبو قبيس الآخر قعيقعان. وقوله: "حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى" بطن الوادي هو مجرى السيل، ومكانه ما بين العلمين الأخضرين الآن، وكان في عهد النبي ﷺ مسيل المياه النازلة من الجبال. وقوله: "سعى"، أي: ركض ركضاً شديداً، حتى إن إزاره لتدور به من شدة السعي. وقوله: "حتى إذا صعدتا" يعني ارتفع عن بطن الوادي "مشى حتى أتى المروة"، وإنما فعل ذلك اقتداءً بأم إسماعيل ﵂؛ فإن أم إسماعيل كما وضعها إبراهيم ﵊ هي وولدها في هذا المكان، وجعل عندهما ماء وتمراً، فجعلت الأم تأكل من التمر، وتشرب من الماء، وترضع الطفل، فنفد التمر والماء، وجاعت الأم وعطشت، ونقص لبنها فجاع الطفل، فجعل الطفل يصيح ويتلوى من الجوع، فأمه من أجل الأمومة رحمته، وخرجت إلى أدنى جبل إليها تستمع لعلها تسمع أحداً أو ترى أحداً، فصعدت الصفا، وجعلت تنظر، فلم تجد أحداً، فرأت أقرب جبل إليها بعد الصفا المروة، فاتجهت إليه تمشي وهي تنظر إلى الولد " فلما نزلت بطن الوادي احتجب الولد عنها، فجعلت تركض ركضاً شديداً من أجل أن تلاحظ الولد. فلما صعدت من المسيل مشت، حتى أتت المروة، ففعلت ذلك سبع مرات، وهي في أشد ما تكون من الشدة لا بالنسبة إليها جائعة عطشى فقط، ولا بالنسبة إلى الولد

стр. 9776

فقط عند الشدة يأتي الفرج، فبعث الله جبريل، فضرب بعقبه أو جناحه الأرض في مكان زمزم، فنبع الماء بشدة، فجعلت أم إسماعيل تحجر الماء، تخشى أن يضيع من شدة شفقتها. قال النبي ﷺ : "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً. ولكن لاشك أن هذا من حكمة الله . ووجه ذلك أنه لو كانت عيناً معيناً" في هذا المكان وقرب الكعبة لصار فيها مشقة على الناس، ولكن من نعمة الله أن صار الأمر كما أراد الله ﵎. لكنها حجرتها ثم شربت من هذا الماء فكان هذا الماء، طعاماً وشراباً، وجعلت تسقي الولد. والحديث ذكره البخاري مطولاً (١) . فهذا أصل السعي كما قال النبي ﷺ . فلذلك سعى الناس. والمهم أن النبي ﷺ لما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى من أجل أن الناس إنما سعوا من أجل سعي أم إسماعيل. وقوله: "ففعل على المروة كما فعل على الصفا" لم يذكر جابر ﵁ ماذا يقوله الرسول ﷺ في بقية سعيه، ولكن قد بين النبي ﷺ أن السعي لذكر الله، فقال: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (٢) . فأي ذكر تذكر الله به فهو خير، سواء بالقرآن، أو بالتسبيح، أو بالتهليل، أو بالتكبير، أو بالتحميد، أو بالدعاء. فأي شيء تذكر الله به، فإنك قد حصلت على المطلوب.

стр. 9777

وهل ينافي ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الجواب: لا، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الذكر، لأنه تذكير للخلق بما شرع الله لهم. وقوله: "ففعل على المروة كما فعل على الصفا" يعني من الصعود، والدعاء، والمقام. فعل النبي ﷺ ذلك سبع مرات. فلما كان آخر طواف على المروة نادى وهو على المروة وأمر الناس من لم يسق الهدي منهم أن يجعلوا نسكهم عمرة فجعلوا يراجعون النبي ﷺ حتى قالوا: الحل كله يا رسول الله قال: الحل كله قالوا: نخرج إلى منى وذكر أحدنا يقطر منياً، يعني من جماع أهله قال: افعلوا ما آمركم به، فلولا أن معي الهدي لأحللت معكم، فأحلوا ﵃. أما النبي ﷺ ومن ساق الهدي فلم يحلوا ثم نزلوا بالأبطح (١) في ظاهر مكة. فلما كان يوم التروية خرجوا إلى منى فمن كان منهم باقياً على إحرامه فهو مستمر في إحرامه ومن كان قد أحل أحرم بالحج من جديد. وقوله: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة". هل يقال إن النبي ﷺ تمنى خلاف الواقع أو يقال إن هذا خبر مجرد. الجواب: الثاني. فالنبي ﷺ لم يتمن، لأنه يعلم أن هذا هو الأفضل، أعني قرانه؛ لكنه قال للصحابة ﵃

стр. 9778

هكذا لتطييب نفوسهم ويحلوا برضى. وقوله: "فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ " قوله: "فقام سراقة" كان هذا عند المروة، والسياق الذي في البخاري- ﵀ كان عند العقبة، فما الجمع بينهما؟ نقول الجمع بينهما: ربما أن سراقة ﵁ أعاد السؤال مرة أخرى إما لأنه نسي ما قاله عند المروة، وإما لزيادة التأكد، وهذا قد يقع. وقوله: "وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثياباً صبيغاً، واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهب إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: "صدقتْ صدقتْ. ماذا قلت حين فرضتَ الحج " قال: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ". قوله: "قدم علي من اليمن "، أي: وصل إلى مكة والنبي ﷺ في الأبطح. والسبب في ذهابه إلى اليمن لأن النبي ﷺ أرسله إلى اليمن للدعوة إلى الله وأخذ الزكوات منهم، وغير ذلك. وقوله: "ببدن النبي ﷺ " أي ببعضها، لأن بعضها جاء بها علي ﵁، وبعضها جاء بها الرسول ﷺ ، كما يأتي في آخر الكلام. وقوله: "فوجد فاطمة ﵂ ممن حل، ولبست ثياباً صبيغاً" أي: ثوباً جميلاً، وكأنها متهيئة لزوجها ﵄.

стр. 9779

وقوله: "فأنكرت ذلك عليها"، لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج. وقوله: "فقالت: إن أبي أمرني بهذا" أي أخبرته أن أباها ﷺ أمرها بهذا. وقوله: "فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشاً على فاطمة للذي صنعت، مستفتياً لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه ". التحريش في الأصل التهييج والإغراء، كما يحرش بين البهائم، وكما يحرش بين الناس. ولهذا يقال حرش فلان على فلان، أي هيج غيره عليه وأغراه به. فذهابه للنبي ﷺ لغرضين الغرض الأول التحريش على فاطمة ﵂ لماذا تحل، والثاني: الاستفتاء، هل عملها صحيح أو غير صحيح؟ وقوله: "فأخبرته أنى أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت صدقت " يعني أمرتها بهذا، وكرر ذلك توكيداً؛ لأن المقام يقتضي ذلك. فقوله: "صدقت " أي فيما قالت أني أمرتها به. وإنما أمرها النبي ﷺ كما أمر غيرها، لأنها لم تسق الهدي فحلت. وقوله: "ماذا قلت حين فرضت الحج "، أي سأل النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ ماذا قال حين فرض الحج قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسولك قال: إن معي الهدي فلا تحل. ففي هذا دليل على مسألة خاصة بعلي ﵁، وعلى مسألة عامة للمسلمين. أما المسألة الخاصة بعلي فهو ذكاؤه ﵁ وفطنته،

стр. 9780

وحرصه على التأسي برسول الله ﷺ حيث أحرم بما أحرم به الرسول ﷺ . أما المسألة العامة، فهي جواز مثل هذا، أي أنه يجوز للإنسان أن يقول لبيك، أو أحرمت بما أحرم به فلان ممن يثق بعلمه ودينه، مع أنه سيكون مجهولاً له حتى يصل إلى فلان. فإذا قال أحرمت بما أحرم به فلان وكان فلان قارناً، فهل لهذا إذا لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة؟ الجواب: نعم. لأنه لو أحرم به من أول، فإننا نأمره أن يحل بعمرة، فكيف إذا كان مقتدياً بغيره. ولكن علي بن أبي طالب ﵁ أشركه النبي ﷺ في هديه وجعل منه نصيباً. ولهذا قال معي الهدي فلا تحل. وظاهر هذه العبارة أن من أحرم بمثل ما أحرم به فلان، وكان فلان قد ساق الهدي ولم يحل، فإن الثاني لا يحل. لكن هذا مقيد بما إذا كان الثاني قد ساق الهدي أو مشاركاً له فيه، كما سيأتي في سياق الحديث أن النبي ﷺ أشرك علياً ﵁ في هديه. وقوله: "قال جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة". قوله: "جماعة"، أي مجموع الهدي، و (مائة) بالألف، ولكن هذه الألف لا ينطق بها، والناطق بها يعتبر لاحناً، بل يقال مئة كما يقال فئة بدون نطق الألف. وقوله: "فلما كان يوم التروية" "يوم " بالرفع مع أنه ظرف زمان، لأنه هنا سلبت منه الظرفية. فـ"يوم " هنا فاعل "كان"، وكان

стр. 9781

هنا تامة وليست ناقصة، فلا تحتاج إلى اسم وخبر. والمعنى: لما جاء يوم التروية توجهوا إلى منى. ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة؛ وسمي بذلك؛ لأن الناس يتروون فيه الماء لما بعده. يعني يستسقون فيه الماء ليوم عرفة وأيام منى. ومن هذا اليوم إلى آخر أيام التشريق لكل يوم من هذه الأيام الخمسة اسم خاص. فالثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني. وقوله: "توجهوا إلى منى"؛ الضمير يعود على النبي ﷺ وأصحابه توجهوا من الأبطح؛ لأن النبي ﷺ نزل هناك في الأبطح، ولم يذكر جابر ﵁ أن أحداً من الصحابة ﵃ جاء إلى البيت وأحرم منه، ولو أن أحداً فعل ذلك لبينه. وقوله: "إلى منى"؛ منى: اسم مكان معروف، وسميت بهذا الاسم لكثرة ما يمنى فيها من الدماء. أي: يراق من الدماء، وهي من حيث الإعراب مصروفة، فنقول: منىً بالتنوين. وحدُّها شرقاً وغرباً من وادي محسر إلى جمرة العقبة، ومن الشمال والجنوب قال العلماء- ﵏: كل سفوح الجبال الكبيرة، ووجوهها التي تتجه إلى منى من منى. وبناء على هذا تكون منى واسعة جداً، وتسع الحجاج لو أنها نظمت تنظيماً تاماً مبيناً على العدل. لكن بعض الناس يتخذ مكاناً واسعاً يسع أكثر من حاجته. مسألة: توجد مشكلة في الوقت الحاضر. يقول بعض الناس أنا لا أجد أرضاً بمنى إلا بأجرة فهل يجوز لي أن أستأجر أرضاً في منى؟

стр. 9782

فالجواب: نعم يجوز؛ والإثم على المؤجر الذي أخذ المال بغير حق. أما المستأجر فلا إثم عليه. ولهذا قال فقهاء الحنابلة ﵏: لا يجوز تأجير بيوت مكة، ولكن إذا لم يجد بيتا إلا بأجرة دفع الأجرة، والإثم على المؤجر. وبيوت منى وأرضها من باب أولى لأن منى مشعر محدود محصور، فأين يذهب الناس إذا استولى عليها من يقول: أنا لا أُنزل فيها الناس إلا بأجرة؟!. أما مكة فيمكن أن ينزل الإنسان بعيداً، ولكن منى وعرفة ومزدلفة مشاعر كالمساجد، لا يجوز لأحد إطلاقاً أن يبني فيها بناءً يؤجره، ولا أن يختط أرضاً ويؤجرها، فإن فعل فالناس معذورون يبذلون الأجرة، والإثم على الذي أخذها. وقوله: "وركب النبي ﷺ فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر" صلى بمنى خمس صلوات، كل صلاة في وقتها بدون جمع، لأنه لو كان يجمع لبينه جابر ﵁ فإن الجمع خلاف الأصل. ولما لم ينبه عليه علم أن صلاة النبي ﷺ هذه الصلوات الخمس صلاة مفرودة كل صلاة في وقتها، الظهر، والعصر، والعشاء قصراً، لحديث أنس الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ خرج عام حجة الوداع، ولم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة (١) ، وأنس ﵁ له خبرة بأحوال النبي ﷺ لأنه خادمه. وقوله: "أمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله

стр. 9783

- ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية". قريش لحميتها الجاهلية وتعصبها لا تقف يوم عرفة إلا في مزدلفة، تقول نحن أهل الحرم، فلا نخرج إلى الحل؛ وأما بقية الناس، فيقفون في عرفة لكن النبي ﷺ جدد الحج على مشاعر إبراهيم ﵊. وقوله: "فأجاز حتى أتى عرفة"؛ أجاز بمعنى تعدى، يعني جاوز مزدلفة إلى عرفة. وقوله: "فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها". أجاز النبي ﷺ حتى أتى عرفة، وكان قد أمر أن تضرب له قبة بنمرة (١) ، وهي قرية قرب عرفة، فضربت له القبة بنمرة، فنزل بها حتى زالت الشمس؛ وهذا النزول فيه استراحة بعد التعب من المشي من منى إلى عرفة لأن هذه هي أطول مسافة في الحج- من منى إلى عرفة- فبقي النبي ﷺ هناك واستراح. وظاهر السياق أن نمرة من عرفة؛ لأنه قال: "حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة". وهذا يدل على أن نمرة من عرفة وأنها جزء منها فتكون نمرة اسماً لمكان معين من عرفة. وهذا أحد القولين لأهل اللغة وأهل الفقه فإن أهل اللغة، وأهل الفقه؛ اختلفوا هل نمرة من عرفة أم لا؟ فجزم النووي ﵀ (٢) وجماعة من أهل العلم بأنها

стр. 9784

ليست من عرفة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ وهذا هو الصواب؛ لأن النبي ﷺ أذن ببناء الخيمة فيها، ولو كانت مشعراً لم يأذن ببناء الخيمة فيها، ولهذا ما بني له خيمة في عرفة، ولا بني له خيمة في منى، حتى إنه يروى أنه قيل له ألا نبني لك خيمة في منى فقال: (لا، منى مناخ من سبق) (١) . هكذا روي عنه. وكونه يأذن أن يبنى له خيمة في نمرة يدل على أنها ليست من المشاعر، وإلا لما أذن فيها. وأما قوله: "حتى أتى عرفة"، فمعناه بيان لمنتهى تجاوزه، وأنه لم يقف بمزدلفة كما كانت قريش تفعل، بل تجاوزها حتى بلغ عرفة التي هي موقف الناس؟ كما قال الله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) (٢) ؛ والناس يفيضون من عرفة. ولهذا لم يقل: "فوجد القبة قد ضربت بها في نمرة". وذهب آخرون إلى أنها من عرفة، وهو قول جماعة من أهل الفقه، ومن أهل اللغة أيضاً، كما في القاموس (٣) . وسيأتي- إن شاء الله- ما يترتب على هذا الخلاف من الحكم في الفوائد. فإن قال قائل: أين تقع نمرة؟ قلنا: تقع نمرة على حدود الحرم، عند الجبل الذي يكون على يمينك وأنت سائر إلى عرفة من الطريق الذي يخرج على المسجد. ويقولون إن نمرة عند أعلام الحرم، وهذا ما جزم به الأزرقي- ﵀ صاحب تاريخ مكة (٤) .

стр. 9785

وقوله: "فوجد القبة"، القبة خيمة من صوف أو غيره ضربت للرسول ﷺ ، فنزل بها واستراح. وقوله: "حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له " زاغت: بمعنى مالت إلى الغرب، والقصواء اسم ناقته التي حج عليها صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: "فرحلت له "، أي: جعل رحلها عليها؛ وفيه دليل على أنه قد نزل الرحل عنها، لأنه استراح من أول النهار إلى زوال الشمس، وهذه مدة طويلة. وقوله: "فأتى بطن الوادي "، يعني وادي عرنة نزل فيه ﵊، لأنه أسهل من الأرض الجرداء، إذ إن مجرى الوادي سهل لين. ففي هذا دليل على طلب السهل في النزول، ولكن لا يبيت الإنسان في مجاري السيول، لأن السيول قد تأتي بدون شعور، فيكون في ذلك ضرر؛ ولهذا نهي عن الإقامة فيها. أما إقامة النبي ﷺ هنا، فإنها إقامة قصيرة يسيرة. وقوله: "فخطب الناس " خطبهم خطبة عظيمة بليغة، قرر فيها قواعد الإسلام (١) . فقال ﵊: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا". أكد التحريم ﵊، تحريم الدماء، والأموال بهذا التأكيد كحرمة يومكم هذا، وهو يوم عرفة، فإنه يوم حرام، لأنه من جملة أيام الحج، والناس فيه محرمون.

стр. 9786

وقوله: "في شهركم هذا"، يعني شهر ذي الحجة، لأنه من الأشهر الحرم، بل هو أوسط الأشهر الحرم الثلاثة المقترنة. وقوله: "في بلدكم هذا"، يعني مكة، فإنه لاشك أن أعظم البلاد حرمة هي مكة. وقوله: "الأكل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع "، يعني موضوع تحت القدم، وهذا كناية عن إبطاله وإهانته، لأنه جرت عادة الناس أن الشيء المكرم يقال على الرأس، والمهان يقال تحت القدم. والمعنى أنها باطلة مهينة لا عبرة بها. وهذا عام في جميع أمور الجاهلية، كلطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، وغير ذلك. وعلى هذا فيكون كل أمور الجاهلية قد محيت بهذا الحديث ولا اعتماد عليها، ولا رجوع إليها. وقوله: "ودماء الجاهلية موضوعة"، أي الدماء التي حصلت بين أهل الجاهلية كلها موضوعة، لا حكم لها، ولا قصاص، ولا دية، ولا شيء. وقوله: "وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث "، يعني ابن عمه ﵊ وضعه الرسول ﷺ لأنه أولى الناس به، أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فوضعه. وقوله: "فقال كان مسترضعاً في بني سعد فقتله هذيل "، فهذا قريب النبي ﷺ ابن عمه أهدر النبي ﷺ دمه، وجعله موضوعاً يعني فلا يطالب به. كل هذا لئلا يعود الناس إلى أمور الجاهلية، فيطالبون بما كان بينهم من أمور الجاهلية من دماء أو أموال.

стр. 9787

وقوله: "وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله ". كل ربا الجاهلية موضوع، أبطله النبي ﷺ وأول ما أبطل من الربا ربا أقاربه، ربا عباس بن عبد المطلب ﵁، وكان غنياً يرابي، فوضع النبي ﷺ رباه كله؛ وهذا تحقيق لقوله تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)) (١) . ثم انتقل ﷺ إلى قضية المرأة التي كانت في الجاهلية مظلومة، وكان الرجال يستعبدون النساء، حتى تصل بهم الحال إلى أن يمنعوهن من الميراث، ويقولون لا إرث للمرأة، الإرث للرجال، لأنهم هم الذين يذودون عن البلاد، ويحمون الأعراض. أما المرأة فليس لها ميراث، ولكن الإسلام حكم بالعدل في النساء، وأعطاهن حقهن. من ذلك إعلان النبي ﷺ هذه الخطبة في قوله "فاتقوا الله في النساء"، أي لا تظلموهن، ولا تقصروا في حقوقهن، ولا تعتدوا عليهن. وقوله: "فإنكم أخذتموهن بأمان الله "، أي أمانة عندكم، لا يجوز الغدر فيها ولا الخيانة. وقوله: "واستحللتم فروجهن بكلمة الله "، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)) (٢) ؛ فهذه من كلمات الله التي استحل بها الرجل فرج امرأته. وقوله: "ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ".

стр. 9788

هذا من حق الزوج على زوجته ألا توطئ فراشه أحداً يكرهه. والمراد بالفراش ما هو أعم من فراش النوم، فيدخل في ذلك فراش البيت، ويدخل في ذلك أيضاً ما كان وسيلة إليه، كإدخال أحد بيت زوجها وهو يكرهه، سواء كان من أقاربها أو من الأباعد، فلا يحل للمرأة أن تدخل أحداً بيت زوجها وهو لا يرضى بذلك. وقوله: "فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح "، يعني إذا أدخلن في بيوتكم من تكرهونه فاضربوهن. وهنا قال ﷺ اضربوهن؛ وفي القرآن الكريم يقول الله ﵎: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) (١) ؟ والفرق بينهما أن الآية قال الله فيها (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) ؛ وأما هذا الحديث فقد وقعت المفسدة محققة منها، فتضرب على ما مضى لا إصلاحاً للمستقبل، الإصلاح هو قوله: (فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) ، لكن هذا تأديب وتعزير على ما وقع من المرأة حيث أوطأت فراش زوجها من يكرهه؛ لكنه ضرب غير مبرح، أي غير شديد ولا جارح لجسدها، بل هو ضرب خفيف يحصل به التأديب، وبيان سلطة الرجل عليها. وقوله: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " الرزق العطاء، وهو ما يقوم به البدن من طعام وشراب. وقوله: "وكسوتهن " أي ما يستر به ظاهر الجسد، فهو على الزوج لكن بالمعروف. وقوله: "بالمعروف "، أي بما يتعارفه الناس مما يكون على

стр. 9789

الزوج الغني حسب غناه، والفقير حسب فقره. واختلف العلماء- ﵏ هل المعتبر حال الزوج أو حال الزوجة أو حالهما. فالمشهور من المذهب إن المعتبر حالهما. والقول الثاني إن المعتبر حال الزوج. والقول الثالث أن المعتبر حال الزوجة. والصواب أن المعتبر حال الزوج، لقول الله تعالي: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) (١) . فالغنية مع الغني نفقتها نفقة غني، والفقيرة مع الفقير نفقتها نفقة فقير والمتوسطة مع المتوسط نفقتها نفقة المتوسط، وهذا واضح تتفق فيه الأقوال. والغنية مع الفقير نفقة فقير، على القول بأن المعتبر حال الزوج، ونفقة غني على القول بأن المعتبر حال الزوجة، ونفقة متوسط على القول بأن المعتبر حالهما؛ لكن الصحيح أن المعتبر حال الزوج. ويفهم من هذا الحديث أنه لا نفقة للزوج على الزوجة ولو كانت غنية وهو فقير؛ لأن النبي ﷺ أعلن في هذا المجتمع أن الإنفاق على الزوج، خلافاً لابن حزم- ﵀ حيث قال إذا كان الزوج فقيراً والزوجة غنية فإنه يلزمها أن تنفق عليه لعموم قوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) (٢) ، والزوجة وارث لزوج، فيلزمها أن تنفق عليه. فيقال نعم إذا كان الإنفاق من أجل المواساة.

стр. 9790

أما إذا كان معاوضة، فلا يمكن أن نلزم الزوجة بالإنفاق على زوجها؛ لأن المستمتع الزوج. ولهذا سمي المهر أجراً، كأنه دفعه المستأجر إلى الأجير. فالإنفاق عليها معاوضة، وليس من باب المواساة. أما لو كان من باب المواساة، كالإنفاق بين الأقارب، فنعم يجب على الغني أن ينفق على الفقير. وقوله: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله ". هذا فيه بيان بعد الإجمال، والبيان بعد الإجمال من أساس البلاغة؛ لأن الشيء إذا جاء مجملاً تشوفت النفوس إلى بيانه. فقد قال: ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعده، فتتشوف النفوس ما هذا؟ فقال ﷺ : "كتاب الله "، يعني هو كتاب الله وهو القرآن الكريم وأضيف إلى الله لأن الله هو الذي أنزله، وهو الذي تكلم به، وسمي كتاباً لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ. وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي الصحف التي بأيدينا. وقوله: " وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون " يسألون عن النبي ﷺ يوم القيامة هل بلغكم رسولي؟. وإنما يسئلُ الناس عن ذلك إقامة للحجة عليهم، وإلا فالرب يعلم أن رسوله بلغ البلاغ المبين صلوات الله وسلامه عليه، فهو شبيه بقوله تعالى: () وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)) (١) ، هي لا تسأل لأجل أن تعذب، ولكنه توبيخ لمن وأدها. وقوله: "ثم أذن ثم أقام، فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر" أذن يعني أمر بالأذان، وكذلك في الإقامة، لأن مؤذنه إذ ذاك بلال

стр. 9791

رضي الله عنه أمره أن يؤذن بعد الخطبة، ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، وكان ذلك يوم جمعة، ولكن لم يصل الجمعة، لأنه ليس من هدي الرسول أن يقيم الجمعة في السفر، ومن أقام الجمعة في السفر فهو مبتدع، وصلاته باطلة، وهذا يدل على قصور نظر بعض الناس الذين قالوا إن الجمعة واجبة في الحضر والسفر. فإن قال قائل: ما الدليل على أنها لا تجب في السفر، مع أن ما وجب في السفر وجب في الحضر، وما وجب في الحضر وجب في السفر؟ فالجواب: هذا النبي ﷺ يصلي في السفر، وكم مر عليه من جمعة؟ كثير، ومع ذلك لم ينقل عنه حديث صحيح ولا ضعيف أنه كان يقيم الجمعة في السفر، فمن أقام الجمعة في السفر فهو مبتدع بلا شك، مخالف لهدي النبي ﷺ وصلاته باطلة. فهذا النبي في أعظم جمع اجتمع به في أمته في حجة الوداع أتت عليه الجمعة، وهو في أفضل يوم وهو يوم عرفة، ومع ذلك ما أقام الجمعة ولو كانت مشروعة فهل يدعها الرسول ﷺ ؟!. أبداً لا يمكن. فلما لم يفعلها مع وجود السبب المقتضى لها علم أنها ليست مشروعة، وأنها ليست من دين الله؛ ولهذا بدأ بالخطبة قبل الأذان، وصلاة الجمعة يبدأ بالأذان قبل الخطبة، وأيضاً يقول: "فصلى الظهر " وهذا صريح ثم "أقام وصلى العصر"، وكان ذلك يوم الجمعة وهذا بخلاف المسافر المقيم في بلد تقام فيه الجمعة فإن ظاهر النصوص وجوبها عليه لعموم الأدلة ولأنه قد

стр. 9792

يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، لكن إن تضرر بالتأخر للجمعة، أو خاف فوت رفقته فهو معذور في تركها. وقوله: "ولم يصل بينهما شيئاً"، لأنه ليس من المشروع أن يتطوع الإنسان براتبة الظهر في السفر. ولهذا ما صلى النبي ﷺ راتبة الظهر التي بعدها كما لم يصل التي قبلها. وقوله: "ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس ". قوله: "ركب " أي من مكانه الذي صلى فيه ركب ناقته "حتى أتى الموقف "، (أل) هنا للعهد الذهني، أي الموقف الذي اختار أن يقف فيه وإلا فإن عرفة كلها موقف، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (١) . لكن أتى الموقف الذي اختار أن يقف فيه، وهو شرقي عرفة عند الصخرات. والحكمة من ذهاب النبي ﷺ إلى ذلك الموقف، لأنه - والله أعلم- كان ﵊ من عادته أن يكون في أخريات القوم، يتفقد من احتاج إلى معونة أو مساعدة، أو ما شابه ذلك، وليس هذا من أجل اختصاص هذا المكان المعين بخصيصة، بل كل عرفة موقف، ولهذا قال: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ". وقوله: "فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات " يعني يلي الصخرات. وهي معروفة إلى الآن لا تزال موجودة. وقوله: "وجعل حبل المشاة بين يديه ". حبل المشاة قال

стр. 9793

العلماء- ﵏: إنه طريقهم الذي يمشون معه، وسمي حبلاً لأنه كان رملاً، والأقدام تؤثر فيه، فالطريق الذي أثرت فيه الأقدام كأنه حبل. وقوله: "واستقبل القبلة" يدعو الله ، رافعاً يديه مبتهلاً إلى الله بالذكر والدعاء، والإنابة والخشوع، حتى إن زمام راحلته سقط، فأمسكه بإحدى يديه وهو رافع الأخرى. وهذا يدل على تأكد رفع اليدين هنا. وقوله: "فلم يزل واقفا"، المراد بالوقوف هنا المكث، لا الوقوف على القدمين؛ فالقاعد يعتبر واقفاً، والوقوف قد يراد به السكون لا القيام. ومعلوم أن الراكب على الناقة جالس عليها ليس واقفاً عليها. وهل الأفضل أن يقف راكباً، أم أن يقف غير راكب؟ سيأتي ذلك في الفوائد- إن شاء الله-. وقوله: "فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس "، لم يزل واقفاً منذ أن وصل إلى موقفه بعد الصلاة وبعد المسير من عرنة إلى الموقف حتى غربت الشمس، ولم يمل، ولم يتعب من طول القيام، ولكن الله أعانه على طاعته عوناً لم يحصل لأحد مثله ﵊. ثم إنه في هذا الموقف سئل عن رجل وقصته ناقته وهو واقف بعرفة ومات فقال ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" (١) .

стр. 9794

فقوله: "وكفنوه في ثوبيه "، يعني ثياب الإحرام؟ فلا يكفن بغيرها ولو تيسر أن يكفن بغيرها، بل الأفضل والسنة أن يكفن بها، لأنه سيخرج من قبره يوم القيامة يقول: لبيك اللهم لبيك. وقوله: "وذهبت الصفرة قليلاً"، يعني لم تذهب نهائياً، بل ذهبت قليلاً لأنه إذا غابت الشمس، واستحكم غروبها قلت الصفرة. وقوله: "حتى غاب القرص"، هذا تأكيد لقوله: "حتى غربت الشمس "، لأنه قد يتوهم واهم أن المراد بغروب الشمس غروب بعضها، فأكد ذلك بقوله: "حتى غاب القرص" ويفهم منه كون الجو صحواً ليس فيه سحاب يحول بين الناس ورؤية الشمس عند غروبها. وقوله: "وأردف أسامة خلفه " أردف أسامة بن زيد ﵁ ولم يردف كبار الصحابة ﵃، ولا أقاربه أو كبار أقاربه. مسألة: هل يلزم من إرداف النبي ﷺ لأسامة ﵁ أن يكون أفضل من غيره؟ الجواب: لا يلزم من فضيلة أسامة ﵁ بهذه الخصيصة أن يكون أفضل من غيره مطلقاً، لأن الفضل منه ما هو مقيد ومنه ما هو مطلق فأفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر رضي الله عنه. ولكن لا يلزم أن يفضله غيره في بعض الخصائص، كما قال النبي ﵊ لعلي بن أبي طالب ﵁: "أنت

стр. 9795

مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" هذه خصيصة لم تكن لغيره ﵁. وقوله: "ودفع وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى يا أيها الناس السكينة، السكينة وكلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد"؛ القصواء ناقته شنق لها الزمام يعني خنقه وضيقه وجذبه لكيلا تسرع، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ومورك الرحل هو الذي يضع الراكب رجله عليه إذا تعب أو مل من الركوب، وهو يقول للناس بيده اليمنى يا أيها الناس السكينة السكينة، لأنه جرت عادة الناس منذ زمن طويل أنهم عند الدفع يندفعون ويسرعون يتبادرون النهار من جهة، ولأن الإنسان خلق من عجل وصفته العجلة. قال الله تعالى: (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) (١) وقال تعالى: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً (١١)) (٢) ، فأصل إمداده وإعداده كله عجلة. وقوله: "السكينة السكينة" بالنصب، أي الزموا السكينة، يعني لا تسرعوا، لا تعجلوا. وقد جاء في حديث آخر: "فإن البر ليس بالإيضاع " (٣) ، يعني ليس بالسرعة. وقوله: "وكلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد"، يعني إذا أتى دعثاً أو رملاً أرخى لها قليلاً حتى تصعد رأفة بالناقة لأنه لو شنق لها الزمام وأمامها شيء مرتفع، وفيه شيء من

стр. 9796

الدعث والرمل صعب عليها، فيرخي لها النبي ﷺ قليلاً حتى تصعد. وقوله: "حتى أتى مزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ". المزدلفة من الإزدلاف، وهو القرب، وتسمى جمعاً، لأن الناس يجتمعون فيها بعد الوقوف بعرفة، وكانوا أيضاً يجتمعون بها من قبل لما كانت قريش لا تخرج إلى عرفة بل تقف في مزدلفة وتقول: إننا أهل الحرم، فلا نخرج عنه. فصلى النبي ﷺ بها المغرب والعشاء جمع تأخير؛ لأنه ﷺ كان واقفاً في أقصى عرفة من الناحية الشرقية، ثم دفع حتى أتى المزدلفة. وبين عرفة ومزدلفة مسافة طويلة، والرسول ﷺ قد شنق للقصواء الزمام، وهو يقول للناس: السكينة السكينة، وهذه المسافة لاشك أنها ستستوعب مدة صلاة المغرب، فلم يصل إلا بعد دخول وقت صلاة العشاء، لاسيما أنه وقف في أثناء الطريق، وبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، كما في حديث أسامة ﵁ (١) . إذاً جَمْعُ الرسول ﷺ كان جمع تأخير. ولهذا قال العلماء ﵏ يسن أن يجمع في مزدلفة جمع تأخير، وقيد بعضهم ذلك، فقال: إن لم يوافها وقت المغرب يعني فإن وافاها وقت المغرب فإنه يصلي المغرب، في وقتها. وقوله: "بأذان واحد وإقامتين "، وهذا هو الصحيح في الجمع أنه أذان واحد للصلاتين جميعاً وإقامتان، لكل صلاة إقامة،

стр. 9797

والمؤذن بلال ﵁، فالأذان للإعلام بحضور وقت الصلاة، وهو للمجموعتين وقت واحد. والإقامة للإعلام بالقيام للصلاة، ولكل صلاة قيام خاص. وقوله: "ولم يسبح بينهما شيئاً" يسبح أي: يصلي، والصلاة تسمى تسبيحاً من باب إطلاق البعض على الكل، وأطلق التسبيح عليها لأن التسبيح ركن فيها، أو واجب فيها، وهنا قاعدة مهمة مفيدة، وهي أنه إذا عبر عن العبادة ببعضها كان ذلك دليلاً على أن هذا البعض واجب فيها، إذاً لم يسبح أي: لم يتنفل بينهما بشيء. وقوله: "ثم اضطجع حتى طلع الفجر وصلى الفجر، حين تبين له الصبح بأذان وإقامة". وقوله: "ثم اضطجع " أي نام ﵊ حتى طلع الفجر، وهذا من حسن رعايته لنفسه، تحقيقاً لقوله ﷺ : "إن لنفسك عليك حقاً". (١) ومعلوم أن من عمل كعمل الرسول فلابد أن يتعب ويحتاج إلى الراحة وإلى النوم. والنوم إذا كان لرعاية النفس كان الإنسان مأجوراً عليه. فالرسول ﷺ أقام بنمرة، ودفع منها حين زالت الشمس، وخطب الناس، وصلى، وذهب إلى الموقف، ووقف ولم ينم ﷺ ، ثم مشى من عرفة إلى مزدلفة كل هذا يحتاج إلى طاقة وراحة فاضطجع ﷺ ، ولم يتهجد تلك الليلة. وقوله: "ثم اضطجع حتى طلع الفجر". لم يذكر جابر رضي

стр. 9798

الله عنه الوتر، فهل النبي ﷺ لم يوتر؟ قد يقول قائل: إنه لم يوتر، لأن جابراً كان متتبعاً لأفعال النبي ﷺ ، وقد يقال: إن جابراً ﵁ سكت عنه، لأنه لا يدري، ولهذا لما لم يتنفل بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء نفى وقال: لم يسبح بينهما شيئاً، فلما لم ينف الوتر دل على أن جابراً ﵁ لم يحط به علماً، وعلى هذا فنرجع إلى الأحاديث الدالة على أن الرسول ﷺ لم يكن يدع الوتر حضراً، ولا سفراً، وعليه فنقول يوتر إن شاء قبل أن ينام، وإن شاء في آخر الليل حسب قوته ونشاطه. وقوله: "وصلى الفجر"، لم يذكر جابر ﵁ أيضاً سنة الفجر، فهل الرسول ﷺ لم يصلها؟ نقول لو كان عند جابر ﵁ علم بأنه لم يصلها لنفاها، كما نفى الصلاة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فإذا كان حديث جابر ﵁ لا يدل على نفيها، فإن حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيح أنه لم يكن يدعهما أي الركعتين قبل الفجر حضراً ولا سفراً (١) ، يفيد أن الإنسان يصلي الركعتين في فجر يوم العيد. وقوله: "حين تبين له الصبح "، يعني ظهر واتضح، لأنه لا تجوز الصلاة مع الشك في الصبح، بل لابد أن يتبين، فإن كان ثمَّ غيم فإذا غلب على ظنه أنه خرج الفجر صلى، كما سنذكره في الفوائد- إن شاء الله تعالى-. وقوله: "ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام " هذا يدل على أن

стр. 9799

النبي ﷺ لم يكن مبيتُه في مزدلفة في نفس المشعر الحرام، بل في مكان آخر. ولهذا لما صلى الفجر أمر بالقصواء فرحلت له، ثم أتى المشعر الحرام. والمشعر الحرام هو المكان الذي فيه المصلى الآن في مزدلفة، وسمي مشعراً حراماً، لأنه داخل الحرم، فهل هناك مشعر حلال فيكون الوصف للقيد، أم ليس هناك مشعر حلال فيكون الوصف لبيان الواقع؟ الجواب: قال العلماء- ﵏ بل هناك مشعر حلال، وهو عرفة، وهو أعظم مشاعر الحج. فإذاً لدينا مشعر حرام وهو مزدلفة، ومشعر حلال وهو عرفة. وقوله: "فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله "، استقبل القبلة يعني جعل وجهه إلى القبلة " ودعاه " الضمير يعود على الله. فإذا قال قائل لم يسبق له ذكره؟ نقول: هذا معلوم بالذهن والمعلوم بالذهن، كالمعلوم بالذكر. أما الدعاء فمعروف، وهو طلب الحاجة؛ وأما التكبير فقول الله أكبر، والتهليل قول لا إله إلا الله. وقوله: "فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس " لم يزل واقفاً يعني على ناقته لقوله فيما سبق "ركب حتى أتى". وقوله: "حتى أسفر جداً"، يعني إسفاراً بالغاً، ليس مجرد إسفار، بل انتشر السفر، وبان وظهر. وقوله: "فدفع قبل أن تطلع الشمس "، أي لم ينتظر طلوع الشمس فسار من مزدلفة ليخالف المشركين، لأن المشركين كانوا

стр. 9800

ينتظرون في مزدلفة إلى أن تطلع الشمس وكانوا يقولون: "أشرِقْ ثَبيرْ كيما نُغير"، أي: كي نغير وندفع، فخالفهم النبي ﷺ في الدفعين، الدفع من عرفة، والدفع من مزدلفة، فمن عرفة دفع بعد الغروب، ومن مزدلفة دفع قبل الشروق. وقوله: "وأردف الفضل بن عباس "، وذلك حين دفع من مزدلفة إلى منى يوم العيد، والنبي ﷺ أردف في دفعه من عرفة إلى مزدلفة أسامة بن زيد ﵄ وأردف في دفعه من مزدلفة إلى منى الفضل بن عباس ﵄، وهؤلاء ليسوا من كبار القوم. فأسامة ابن مولى رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، فلم يختر النبي ﷺ أشراف القوم ووجهاءهم ليردفهم على ناقته، بل اختار من صغار القوم في السن، واختار المولى يردفه من عرفة إلى مزدلفة؛ لأن الرسول ﷺ لا يعتني بمظاهر التعظيم ولا تهمه، بل كان من عادته ﵊ أن يكون في أخريات القوم، يتفقدهم وينظر من يحتاج إلى أمر. وقصة جابر ﵁ في جمله واضحة، فإن جابر بن عبد الله ﵄ كان معه جمل ضعيف لا يمشي يقول: فلحقني رسول الله ﷺ فضربه ودعا له، فسار الجمل سيراً لم يسر مثله قط، حتى صار الجمل يكون في مقدمة القوم، وجابر ﵁ يرده، لأن الرسول ﷺ دعا له، فقال له النبي ﷺ أتبيعني إياه؟ قال: نعم، قال: بعنيه بأوقية.- والأوقية أربعون درهماً- قال: لا، فقال: بعنيه فباعه فاشترط أن يحمله إلى أهله في المدينة فأعطاه النبي ﷺ شرطه، فلما وصلا إلى المدينة دفع إليه النبي ﷺ الثمن وقال له: خذ جملك ودراهمك هو

стр. 9801

لك (١) . وقوله: "حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً"، يعني حرك ناقته ﵊ حين بلغ بطن مُحَسِّر (٢) . ومحسر واد عظيم يفصل بين مزدلفة ومنى، وبهذا نعرف أن ما بين المشاعر أودية. فبين المشعر الحرام والمشعر الحلال واد هو وادي عرنة. وبين المشعرين الحرامين منى ومزدلفة واد هو وادي محسر. واختلف العلماء- ﵏ في سبب الإسراع، فقال بعضهم: أسرع لأن بطن الوادي يكون لينا يحتاج لأن يحرك الإنسان بعيره لأن مشي البعير على الأرض الصلبة أسرع من مشيه على الأرض الرخوة، فحرك من أجل أن يتساوى سيرها في الأرض الصلبة، وسيرها في الأرض الرخوة. وعلى هذا، فالملاحظ هنا هو مصلحة السير فقط. وقيل: أسرع لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل، فينبغي أن يسرع، لأن المشروع للإنسان إذا مر بأراضي العذاب أن يسرع كما فعل النبي ﷺ (حين مر بديار ثمود في غزوة تبوك زجر الناقة ﵊ وقنع رأسه وأسرع) (٣) . وبعض الناس اليوم يتخذ

стр. 9802

هذه الأماكن، أعني ديار ثمود سياحة ونزهة- والعياذ بالله-، مع أن رسول الله أسرع فيها وقال: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم ". ففي عملهم خطر عظيم، لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء بهذه الصفة فقلبه يكون غير لين، فيكون قاسياً مع مشاهدته آثار العذاب، وحينئذ يصيبه ما أصابهم من التكذيب والتولي. هذا معنى الحديث؛ وليس المراد أن يصيبكم العذاب والزجر الحسي، فقد يراد به العذاب والزجر المعنوي وهو أن يقسو قلب الإنسان، فيكذب بالخبر ويتولى عن الأمر. والذين يذهبون إلى النزهة أو الفرجة، الظاهر أنهم للضحك أقرب منهم للبكاء. فنسأل الله لنا ولهم العبرة والهداية. وتعليل إسراع النبي ﷺ في وادي محسر بذلك فيه نظر؛ لأن أصحاب الفيل لم يهلكوا هنا، بل في مكان يقال له المغمس (١) حول الأبطح. وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي أمية بن أبي الصلت: حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يحبو كأنه معقور وقال بعض العلماء- ﵏: إن النبي أسرع، لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي، ويذكرون أمجاد آبائهم. فأراد النبي ﷺ أن يخالفهم كما خالفهم في الخروج من عرفة، وفي الخروج من مزدلفة، ولعل هذا أقرب التعاليل. ولهذا قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ

стр. 9803

الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)) ثم قال: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) (١) . وقوله: "ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى" في منى ثلاث طرق في عهد النبي ﷺ ، شرقي، وغربي ووسط، فسلك النبي ﷺ الطريق الوسطى بين الطريقين، وإنما سلكها، لأنها كانت أقرب إلى رمي جمرة العقبة، ولأنها هي التي تخرج على جمرة العقبة قصداً ليرميها حين وصوله إلى منى، ولهذا رماها النبي ﷺ قبل أن يذهب إلى رحله وينزل من بعيره، رماها وهو على بعيره وكان معه أسامة وبلال ﵄ أحدهما يقود راحلته والآخر يظلله بثوب يستره من الحر حتى رمى الجمرة صلوات الله وسلامه عليه. قال أهل العلم: وإنما بادر بذلك، لأن رمي جمرة العقبة تحية منى، فهي بمنزلة ركعتي المسجد. ولم يذكر جابر ﵁ من أين لقط حصى الجمرات، ولكن نعلم أنه لم يلقطها من مزدلفة، لأنه اضطجع حتى طلع الفجر، ثم ذهب إلى المشعر الحرام، ثم دفع منه. لكن هل لقطها من الطريق، أم لقطها حين وقف على الجمرة، حديث ابن عباس (٢)

стр. 9804

رضي الله عنهما في هذا محتمل أنه لقطها من الطريق، أو لقطها حين وقف على الجمرة. والله أعلم. وعلى كل حال، فالذي ينبغي أن يكون الإنسان مستعداً بالحصى حتى إذا وصل الجمرة رماها. وقوله: "التي تخرج على الجمرة الكبرى" وصفها بالكبرى بالنسبة لما قبلها من الجمرات، وهي الأولى، والوسطى، فإنها كبرى بالنسبة لهما وهي أوسعهن حوضاً، لكن نظراً لكونها في الجبل لم يكن حوضها دائراً عليها. وقوله: "حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة" وهي الكبرى، وهي شجرة معروفة في ذلك الزمان، لكنها الآن ليست موجودة. وقوله: "فرماها بسبع حصيات " رمى الجمرة بسبع حصيات. والجمرة سميت بذلك من قولهم تجمر القوم إذا اجتمعوا، لأن الناس يجتمعون عليها للرمي. وقيل: إنها من الجمار، وهي الحصى الصغار لأنها ترمى بها. ويمكن أن نقول: إنها سميت بذلك مراعاة للمعنيين جميعاً، لأن الناس يتجمرون عندها أي يتجمعون، ولأنها ترمي بالجمار أي بالحصى الصغار. وقوله: "فرماهما بسبع حصيات " قد يفهم منه: أنه لابد أن يرمي الشاخص (العمود القائم) ، ولكنه غير مراد، بل المقصود أن تقع الحصاة في الحوض، سواء ضربت العمود أم لم تضربه. والحكمة من رمي الجمرات: إقامة ذكر الله ، كما في

стр. 9805

حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (١) ، ولهذا يشرع أن يكبر عند رمي كل حصاة من أجل أدق يعظم الله تعالى بلسانه كما هو معظم له بقلبه، لأن رمي الجمرات على هذا المكان أظهر ما فيه من المعنى المعقول هو التعبد لله، وهذا كمال الانقياد، إذ إن الإنسان لا يعرف معنى معقولاً واضحاً في رمي هذه الحصى في هذا المكان سوى أنه يتعبد لله بأمر، وِإن كان لا يعقل معناه على وجه التمام تعبداً لله تعالى وتذللاً له، وهذا هو كمال الخضوع لله . ولهذا كان في رمي الجمار تعظيم لله باللسان وبالقلب. أما ما اشتهر عند الناس من أنهم يرمون الشياطين في هذه الجمرات، فهذا لا أصل له، وإن كان قد روي عن ابن عباس ﵄ بسند ضعيف أنه قال: (الشيطان ترمون) (٢) ، فإنما يقصد بذلك إن صح عنه هذا الخبر أو هذا الأثر فالمراد أنكم تغيظون الشيطان برميكم هذه الجمرات حيث تعبدتم لله بمجرد أن أمركم به من غير أمر معقول لكم على وجه التمام. وما قيل أيضاً- إن صح- من أن إبراهيم ﵊ كان الشيطان يعرض له في هذه المواقف ليحول بينه وبين تنفيذ أمر الله تعالى بذبح ولده، فكان إبراهيم ﵊ يرميه بهذه الجمرات (٣) ، فإنه لا
следующие страницы →