← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

لك (١) . وقوله: "حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً"، يعني حرك ناقته ﵊ حين بلغ بطن مُحَسِّر (٢) . ومحسر واد عظيم يفصل بين مزدلفة ومنى، وبهذا نعرف أن ما بين المشاعر أودية. فبين المشعر الحرام والمشعر الحلال واد هو وادي عرنة. وبين المشعرين الحرامين منى ومزدلفة واد هو وادي محسر. واختلف العلماء- ﵏ في سبب الإسراع، فقال بعضهم: أسرع لأن بطن الوادي يكون لينا يحتاج لأن يحرك الإنسان بعيره لأن مشي البعير على الأرض الصلبة أسرع من مشيه على الأرض الرخوة، فحرك من أجل أن يتساوى سيرها في الأرض الصلبة، وسيرها في الأرض الرخوة. وعلى هذا، فالملاحظ هنا هو مصلحة السير فقط. وقيل: أسرع لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل، فينبغي أن يسرع، لأن المشروع للإنسان إذا مر بأراضي العذاب أن يسرع كما فعل النبي ﷺ (حين مر بديار ثمود في غزوة تبوك زجر الناقة ﵊ وقنع رأسه وأسرع) (٣) . وبعض الناس اليوم يتخذ

стр. 9802

هذه الأماكن، أعني ديار ثمود سياحة ونزهة- والعياذ بالله-، مع أن رسول الله أسرع فيها وقال: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم ". ففي عملهم خطر عظيم، لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء بهذه الصفة فقلبه يكون غير لين، فيكون قاسياً مع مشاهدته آثار العذاب، وحينئذ يصيبه ما أصابهم من التكذيب والتولي. هذا معنى الحديث؛ وليس المراد أن يصيبكم العذاب والزجر الحسي، فقد يراد به العذاب والزجر المعنوي وهو أن يقسو قلب الإنسان، فيكذب بالخبر ويتولى عن الأمر. والذين يذهبون إلى النزهة أو الفرجة، الظاهر أنهم للضحك أقرب منهم للبكاء. فنسأل الله لنا ولهم العبرة والهداية. وتعليل إسراع النبي ﷺ في وادي محسر بذلك فيه نظر؛ لأن أصحاب الفيل لم يهلكوا هنا، بل في مكان يقال له المغمس (١) حول الأبطح. وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي أمية بن أبي الصلت: حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يحبو كأنه معقور وقال بعض العلماء- ﵏: إن النبي أسرع، لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي، ويذكرون أمجاد آبائهم. فأراد النبي ﷺ أن يخالفهم كما خالفهم في الخروج من عرفة، وفي الخروج من مزدلفة، ولعل هذا أقرب التعاليل. ولهذا قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ

стр. 9803

الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)) ثم قال: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) (١) . وقوله: "ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى" في منى ثلاث طرق في عهد النبي ﷺ ، شرقي، وغربي ووسط، فسلك النبي ﷺ الطريق الوسطى بين الطريقين، وإنما سلكها، لأنها كانت أقرب إلى رمي جمرة العقبة، ولأنها هي التي تخرج على جمرة العقبة قصداً ليرميها حين وصوله إلى منى، ولهذا رماها النبي ﷺ قبل أن يذهب إلى رحله وينزل من بعيره، رماها وهو على بعيره وكان معه أسامة وبلال ﵄ أحدهما يقود راحلته والآخر يظلله بثوب يستره من الحر حتى رمى الجمرة صلوات الله وسلامه عليه. قال أهل العلم: وإنما بادر بذلك، لأن رمي جمرة العقبة تحية منى، فهي بمنزلة ركعتي المسجد. ولم يذكر جابر ﵁ من أين لقط حصى الجمرات، ولكن نعلم أنه لم يلقطها من مزدلفة، لأنه اضطجع حتى طلع الفجر، ثم ذهب إلى المشعر الحرام، ثم دفع منه. لكن هل لقطها من الطريق، أم لقطها حين وقف على الجمرة، حديث ابن عباس (٢)

стр. 9804

رضي الله عنهما في هذا محتمل أنه لقطها من الطريق، أو لقطها حين وقف على الجمرة. والله أعلم. وعلى كل حال، فالذي ينبغي أن يكون الإنسان مستعداً بالحصى حتى إذا وصل الجمرة رماها. وقوله: "التي تخرج على الجمرة الكبرى" وصفها بالكبرى بالنسبة لما قبلها من الجمرات، وهي الأولى، والوسطى، فإنها كبرى بالنسبة لهما وهي أوسعهن حوضاً، لكن نظراً لكونها في الجبل لم يكن حوضها دائراً عليها. وقوله: "حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة" وهي الكبرى، وهي شجرة معروفة في ذلك الزمان، لكنها الآن ليست موجودة. وقوله: "فرماها بسبع حصيات " رمى الجمرة بسبع حصيات. والجمرة سميت بذلك من قولهم تجمر القوم إذا اجتمعوا، لأن الناس يجتمعون عليها للرمي. وقيل: إنها من الجمار، وهي الحصى الصغار لأنها ترمى بها. ويمكن أن نقول: إنها سميت بذلك مراعاة للمعنيين جميعاً، لأن الناس يتجمرون عندها أي يتجمعون، ولأنها ترمي بالجمار أي بالحصى الصغار. وقوله: "فرماهما بسبع حصيات " قد يفهم منه: أنه لابد أن يرمي الشاخص (العمود القائم) ، ولكنه غير مراد، بل المقصود أن تقع الحصاة في الحوض، سواء ضربت العمود أم لم تضربه. والحكمة من رمي الجمرات: إقامة ذكر الله ، كما في

стр. 9805

حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (١) ، ولهذا يشرع أن يكبر عند رمي كل حصاة من أجل أدق يعظم الله تعالى بلسانه كما هو معظم له بقلبه، لأن رمي الجمرات على هذا المكان أظهر ما فيه من المعنى المعقول هو التعبد لله، وهذا كمال الانقياد، إذ إن الإنسان لا يعرف معنى معقولاً واضحاً في رمي هذه الحصى في هذا المكان سوى أنه يتعبد لله بأمر، وِإن كان لا يعقل معناه على وجه التمام تعبداً لله تعالى وتذللاً له، وهذا هو كمال الخضوع لله . ولهذا كان في رمي الجمار تعظيم لله باللسان وبالقلب. أما ما اشتهر عند الناس من أنهم يرمون الشياطين في هذه الجمرات، فهذا لا أصل له، وإن كان قد روي عن ابن عباس ﵄ بسند ضعيف أنه قال: (الشيطان ترمون) (٢) ، فإنما يقصد بذلك إن صح عنه هذا الخبر أو هذا الأثر فالمراد أنكم تغيظون الشيطان برميكم هذه الجمرات حيث تعبدتم لله بمجرد أن أمركم به من غير أمر معقول لكم على وجه التمام. وما قيل أيضاً- إن صح- من أن إبراهيم ﵊ كان الشيطان يعرض له في هذه المواقف ليحول بينه وبين تنفيذ أمر الله تعالى بذبح ولده، فكان إبراهيم ﵊ يرميه بهذه الجمرات (٣) ، فإنه لا

стр. 9806

يستلزم أن يكون رمينا رميا لإبليس، لأن إبليس لم يتعرض لنا في هذه الأماكن. ونظير هذا أن السعي إنما شرع من أجل ما جرى لأم إسماعيل ﵂. ومعلوم أن تردد أم إسماعيل بين الصفا والمروة سببه طلب الغوث لعلها تجد من يكون حولها ويسقيها ويطعمها ونحن في سعينا لا نسعى لهذا الغرض. فكذلك رمي الجمرات، حتى لو صح أن إبراهيم ﵊ كان يرمي الشيطان بهذه الجمرات مع أنه بعيد، لأن الله جعل لنا دواء نرمي به الشيطان إذا عرض لنا وهو أن نستعيذ بالله منه (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) (١) . إذاً الحكمة من رمي الجمرات هو كمال التعبد لله تعالى، والتعظيم لأمره. ولهذا يحصل ذكر الله بالقلب واللسان. فإن قال قائل: لماذا لم تكن خمساً، أو ثلاثاً، أو تسعاً، أو إحدى عشرة حصاة؟ فالجواب: هذا ليس لنا الحق في أن نتكلم فيه، كما أنه ليس لنا الحق أن نقول لماذا كانت الصلوات الخمس سبع عشرة ركعة؟ ولماذا لم تكن الظهر ستا والعصر ستاً والعشاء ستاً مثلاً؟ نقول: هذا لا تدركه عقولنا، وليس لنا فيه إلا مجرد التعبد. وقوله: "يكبر مع كل حصاة" والمعية تقتضي المصاحبة، فيكبر عندما يرمي ويقذف.

стр. 9807

وقوله: "كل حصاة منها مثل حصى الخذف " حصى الخذف حصى صغير ليس بكبير، والخذف: هو أن تجعل الحصاة على ظفر الإبهام، وتجعل فوقها السبابة. وقدر العلماء- ﵏ بأنه بين الحمص والبندق. وقوله: "رمى من بطن الوادي "، أي رمى الجمرة من بطن الوادي، لا من الجبل. وكانت جمرة العقبة فيما سبق قبل هذه التوسعة والتعديلات كان في سفح جبل، وتحتها واد هو مجرى الشعيب، وفوقها جبل لكنه ليس بالرفيع، وهي لاصقة في نفس الجبل. فجاء النبي ﷺ من بطن الوادي ورماها، ولم يأتها من فوق؛ وعلى هذا تكون السنة أن يرميها من هذه الجهة، فيجعل مكة عن يساره، ويجعل منى عن يمينه كما فعل عبد الله بن مسعود ﵁ وقال هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة (١) . ولكن إذا كانت محاولة الوصول إلى الجمرة من هذه الناحية فيه مشقة على الإنسان ولو رماها من وجه آخر لم يكن فيه مشقة، وصار أخشع له وأبلغ في الطمأنينة كان رميه من الجهة الأخرى أفضل، بناء على القاعدة المعروفة إن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بمكانه. وقوله: "ثم انصرف إلى المنحر فنحر"، يعني بعد أن رمى جمرة العقبة انصرف إلى المنحر، أي مكان نحر الإبل، وكذلك ذبح الشاة والمعز. وكان ﵊ قد أهدى مائة بدنة، فنحر

стр. 9808

منها ثلاثاً وستين بيده، وأعطى علي بن أبي طالب ﵁ فنحر الباقي، وأمره أن يتصدق بلحومها وجلالها وجلودها، وأمر أن يؤخذ من كل بعير قطعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها، وشرب من مرقها تحقيقاً لقوله تعالى: (فَكُلُواْ مِنْهَا) (١) قال العلماء- ﵏: وفي نحره ثلاثاً وستين بعيراً مناسبة لسنوات عمره الشريف فإنه ﷺ مات وله من العمر ثلاث وستون سنة. وقوله: "ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت " لم يذكر جابر ﵁ حلق الرسول ﷺ ، ولكن ثبت (٢) أنه حلق بعد نحره، وحل من إحرامه، وتطيب ونزل إلى مكة، فطاف. ولا يلزم من عدم ذكر جابر ﵁ لذلك ألا يكون النبي ﷺ فعله إذ لا يلزم أن يعلم جابر ﵁ ولا غيره بكل ما يفعله الرسول ﷺ لكن تكمل أفعال الرسول ﷺ بعضها ببعض، مما رواه الصحابة ﵃ جميعاً. وقوله: "ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت "، أي نزل إليه فطاف به سبعة أشواط، ولم يسع بين الصفا والمروة، لأنه كان قارناً، وقد سعى بعد طواف القدوم ولم يسع أصحابه الذين كانوا معه الذين لم يحلوا، بل طافوا طوافاً واحداً. أما الذين حلوا فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن

стр. 9809

عباس (١) ﵄ أنه لما كان عشية يوم التروية أمرهم النبي ﷺ فأحرموا فلما أنهوا المناسك طافوا بالبيت، وبالصفا والمروة. هكذا جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄، وهو صريح في أنهم طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، وكذلك ثبت في الصحيح من حديث عائشة (٢) ﵂ أن الذين أحرموا بالعمرة سعوا بين الصفا والمروة مرتين. وما دام عندنا حديثان صحيحان في أن المتمتع يطوف ويسعى مرتين، فإن حديث جابر ﵁ يتعين أن يحمل على الذين لم يحلوا. وما ذهب إليه جماعة من أهل العلم ﵏ ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في أن المتمتع يكفيه سعي واحد قول ضعيف ويتبين لنا أن الإنسان مهما بلغ من العلم والفهم، فإنه لا يسلم من الخطأ، لأنه لا معصوم إلا من عصم الله والإنسان يخطئ ويصيب.

стр. 9810

وحديث ابن عباس وعائشة ﵄ كلاهما في البخاري، ومثل هذا لا يخفى على شيخ الإسلام ابن تيمية، لأنه ﵀ من حفاظ الحديث، حتى قال بعضهم كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بصحيح، ولكن الإنسان بشر. فالصواب بلا شك أن المتمتع يلزمه طوافان وسعيان والقياس يقتضي ذلك؛ لأن العمرة انفردت، وفصل بينها وبين الحج حل كامل، وأحرم الإنسان بالحج إحراماً جديداً. وقوله: "فصلى بمكة الظهر"، أي صلى الظهر يوم العيد بمكة، وهذا من البركة العظيمة في أعماله ﷺ حيث دفع من مزدلفة حين أسفر جداً على الإبل، ودفع بسكينة إلا في بطن محسر، ورمى جمرة العقبة، وذبح الإبل، وحلق ولبس ونزل مكة، وصلى بها الظهر في هذه المدة الوجيزة؛ مع أن الذي يظهر- والله أعلم- أن حجه كان في زمن الربيع تساوي الليل والنهار. وقوله: "فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلواً فشرب منه "، أي: بعدما طاف للإفاضة أتى ماء زمزم، فشرب منه. فالمشهور عند أهل العلم- ﵏ أنه شرب من ماء زمزم تعبداً؛ ولهذا قالوا: يسن بعد طواف الإفاضة أن يشرب من ماء زمزم. وقال بعض أهل العلم: إنه شرب منه لا للتعبد به وإنما هو لحاجة النبي ﷺ إليه.

стр. 9811

من فوائد هذا الحديث ١- أن حجة النبي ﷺ كانت في السنة العاشرة من الهجرة، لقوله: "ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج "؛ فإن قال قائل لماذا لم يحج النبي ﷺ في السنة التاسعة، أو في السنة الثامنة، أو في السنة السابعة مثلاً؟ قلنا أما ما قبل الثامنة فلا يمكن أن يحج، لأنها قبل الفتح، وكانت مكة تحت سيطرة المشركين، وقد ردوه عن العمرة، فكيف عن الحج؟!. وأما في السنة الثامنة بعد الفتح، فكان مشتغلاً ﵊ بالجهاد، فإنه لم يفرغ من ثقيف إلا في آخر ذي القعدة. وأما في السنة التاسعة، فقيل إنه لم يحج لأن هذا العام عام الوفود. فإن العرب كانوا ينتظرون فتح مكة، ولما فتحت مكة انتظروا أيضاً القضاء على ثقيف، لأنهم أمة لهم قوة، فلما قضى عليهم ﵊ أذعنت العرب، وصاروا يأتون أفواجاً إلى رسول الله ﷺ في المدينة، فكان في المدينة ليلتقي هؤلاء الوفود يعلمهم دينهم ﵊. وسبب آخر هو أنه في السنة التاسعة حج المشركون مع المسلمين، فأراد النبي ﷺ أن يكون حجه خالصاً للمسلمين، ولهذا أذن في التاسعة ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. هذا إذا ما قلنا إن الحج فرض في التاسعة، وإن قلنا إنه فرض في العاشرة فلا إشكال. ٢- أن ميقات أهل المدينة ذو الحليفة. لقوله: (فخرجنا

стр. 9812

معه حتى أتينا ذا الحليفة) . ٣- أن الصحابة ﵃ من أحرص الناس على طلب العلم، ذكورهم وإناثهم، لقوله: (فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع) . ٤- أن طلب العلم لا يختص بالرجال؛ فكما أن الرجل يشرع له طلب العلم، بل يتعين عليه، إذا كانت عبادته لا تقوم إلا به فإنه يتعين عليه فكذلك المرأة ولا فرق. ٥- أنه يستحب الغسل للإحرام للرجال والنساء حتى من لا تصلي فإنها تغتسل، لقوله ﷺ لأسماء بنت عميس: "اغتسلي" فأمرها أن تغتسل. وإذا كانت النفساء- وهي لا تصلي- تؤمر بالغسل، فكذلك من سواها. فإذا لم يجد المحرم الماء، أو تعذر عليه استعماله لمرض أو غيره فهل يتيمم؟ المشهور عند أهل العلم- ﵏ أنه يتيمم، قالوا لأن هذه طهارة مشروعة، فإذا تعذرت عدلنا إلى التيمم، كالاغتسال للواجب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ لا يسن التيمم، لأن هذا اغتسال ليس عن جنابة حتى يحتاج الإنسان فيه إلى رفع الحدث، إنما هو اغتسال للتنظف والتنشط لهذا العمل، فإذا لم يجد الماء فإنه لا يتيمم. وعلى كل حال إن تيمم الإنسان فلا بأس، لأنه قال به من قال من أهل العلم. ٦- أن الحيض أو النفاس لا يمنع انعقاد الإحرام، كما لا يمنع دوامه، بدليل قوله: "وأحرمي". وبناء على ذلك، فإن المرأة

стр. 9813

إذا وصلت إلى الميقات وهي حائض، أو أصابها حيض فلا تقل: لن أحرم حتى أطهر، بل نقول: أحرمي. ٧- جواز الإحرام ممن عليه جنابة. وجه ذلك أنه أمر النفساء أن تحرم، والنفاس موجب للغسل. ٨- أنه ينبغي التلبية إذا استوى على البيداء لقوله: (حتى إذا استوت به على البيداء أهل بالتوحيد) . وهذه المسألة اختلف فيها العلماء- ﵏، فمنهم من أخذ بحديث جابر ﵁ وقال لا يلبي إلا إذا استوت به على البيداء. ومنهم من قال: يلبي إذا صلى قبل أن يركب (١) ، ومنهم من قال: بل يلبي إذا ركب كما دل عليه حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيح (٢) . وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال سلكوا فيها مسلكين: فمنهم من سلك مسلك الترجيح، ومنهم من سلك مسلك الجمع. فالذين سلكوا مسلك الترجيح بعضهم رجح الإحرام من حين أن يصلي، وبعضهم رجح الإحرام إذا استوى على ناقته إذا ركب، وبعضهم قال: إذا استوت به على البيداء.

стр. 9814

أما من سلك مسلك الجمع- وهو المروي عن عبد الله بن عباس- ﵄ كما رواه الحاكم وغيره فقال: إنه لا منافاة بين هذه الأمور الثلاثة، لأن من الناس من سمع النبي ﷺ يلبي حين صلى فقال: إنه لبى حين صلى، ومنهم من سمعه يلبي حين ركب، فقال: لبى حين ركب، ومنهم من سمعه يلبي حين استوت به على البيداء، فقال: لبى حين استوت به على البيداء) (١) . ولولا ما قيل في سند هذا الحديث لكان وجهه ظاهراً، لأنه يجمع بين الروايات. ولكن الأحسن والأرفق بالناس ألا يلبي حتى يستوي على ناقته، لأنه قد يحتاج إلى شيء فقد يكون نسي أن يتطيب مثلاً، وقد يتأخر في الميقات بعد أن يصلي الركعتين (ركعتي الوضوء) ، أو الصلاة المفروضة مثلاً، فالأرفق به أن تكون تلبيته إذا استوى على ناقته، وإن لبى قبل ذلك فلا حرج. ٩- أن الإنسان لا ينقل إلا ما بلغه علمه؛ فإن جابراً ﵁ لم ينقل ما نقله عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أهل حين استوى على ناقته، بل قال حتى إذا استوت به على البيداء وهذا بعد ما ذكره عبد الله بن عمر ﵄. ١٠- مشروعية رفع الصوت بالتلبية، لقول النبي ﷺ : "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال ". (٢) فينبغي للرجل أن يرفع صوته امتثالاً لأمر النبي ﷺ

стр. 9815

واتباعاً لسنته، وسنة أصحابه. فقد قال جابر ﵁ كنا نصرخ بذلك صراخا" (١) . ولا يسمع صوت الملبي من حجر، ولا مدر، ولا شجر إلا شهد له يوم القيامة، فيقول: أشهد أن هذا حج ملبياً. ومع الأسف أن كثيراً من الحجاج لا يرفعون أصواتهم بالتلبية إلا نادراً، فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قال لأصحابه وقد كبروا في سفر معه "أيها الناس اربعوا على أنفسكم- أي: هونوا عليها- فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " (٢) . قلنا: لكن التلبية لها شأن خاص لأنها من شعائر الحج، فيصوت بها. أو يقال إن أمر النبي ﷺ أن يهونوا على أنفسهم لأنهم كانوا يرفعون رفعاً شديداً يشق عليهم. أما المرأة فتسر بها، لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما أنها مأمورة إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن تصفق، لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة- وإن لم يكن عورة- لكن يخشى منه الفتنة. ولهذا نقول: المرأة تلبي سراً بقدر ما تسمع رفيقتها ولا تعلن.

стр. 9816

وهذا من الأحكام التي تخالف فيها المرأة الرجال. وهي كثيرة، لأنها كما خالفته خلقة وفطرة خالفته حكماً، والله- حكيم، أحكامه الشرعية مناسبة لأحكامه القدرية. اختلف العلماء- ﵏ هل يلبي وهو ماكث، أو لا يلبي إلا وهو سائر؟ الجواب: من العلماء من قال إنه يلبي وهو سائر فقط. وأما إذا كان ماكثاً، أي: نازلاً في عرفات، أو مزدلفة، أو منى، فإنه لا يلبي؛ لأن التلبية معناها الإجابة، وهي لا تتناسب مع المكث، إذ إن المجيب ينبغي أن يتقدم إلى من يجيبه، لا أن يجيب وهو باق، وهذا الثاني هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ وأنه لا يلبي إلا في حال السير بين المشاعر، والقول الأول: يقول يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، سواءً كان ماكثاً أم سائراً. ١١- مشروعية رفع الصوت بالتلبية من حين الإحرام. اختلف أهل العلم- ﵏ في التلبية ورفع الصوت بها. فذهب جمهور العلماء إلى أنهما سنة. وقال بعض العلماء إنها أي التلبية واجبة، وهل يجب بتركها دم على قولين. وقال آخرون إنها ركن لا ينعقد الإحرام إلا بها، كتكبيرة الإحرام في الصلاة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ ينعقد بالنية مع التلبية، أو سوق الهدي، وهو قول الإمام أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد. وقال ابن حزم: إن التلبية ورفع الصوت بها فرض، فمن لم يلب في شيء من حجه أو عمرته، أو لبى ولم يرفع صوته فلا حج له ولا عمرة.

стр. 9817

١٢- مشروعية تعيين النسك في التلبية. فإذا كان في العمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، وفي الحج يقول: لبيك اللهم حجاً، وفي القِرَان يقول: لبيك اللهم عمرة وحجاً. ١٣- أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر أنه في مجيئه إلى مكة وإحرامه أنه إنما يفعل ذلك تلبية لدعاء الله. قال الله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)) . فالأذان بأمر الله يعتبر أذاناً من الله. فإذا كان الله هو الذي أذن فأنا أجيبه وأقول: لبيك اللهم لبيك ... إلخ. ١٤- أن التلبية توحيد خالص، لأن الإنسان يقول لبيك اللهم لبيك، ولبيك هذه جواب، جواب دعوة. ولهذا إذا دعي أحدنا فقيل يا فلان قال للداعي لبيك، وهي بصيغة التثنية، ولكن المراد التكرار، ومن ثم يقول النحويون إنها ملحقة بالمثنى لأن لفظها لفظ تثنية، ومعناها التكثير. والتلبية هي الإجابة؛ فكأنك تقول يا رب إجابة لك بعد إجابة. وتكرر توكيداً. ١٥- الثناء على الله بالحمد والنعمة، فإنه هو المتفضل بذلك (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (٢) . ١٦- انفراد الله بالملك لقوله (لك والملك لا شريك لك) . ١٧- جواز الزيادة على تلبية النبي ﷺ لأنه ﷺ كان يسمعهم يزيدون ولا ينكر عليهم. وممن زاد في التلبية عمر وابنه ﵄ لبيك وسعديك، والرغباء إليك والعمل، وكما قال أنس

стр. 9818

رضي الله عنه منا المهل، ومنا المكبر، وكان النبي ﷺ يسمعهم ولا يرد عليهم شيئاً. لكن لزوم تلبية النبي ﷺ أفضل وأتم في التأسي. ١٨- أن الناس كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج، بل إن العرب في الجاهلية يرونها من أفجر الفجور، ويقولون لا يمكن أن تأتي إلى مكة بعمرة وحج، بل لابد أن تأتي بعمرة في سفر، وحج في سفر وهم ينظرون إلى ذلك من ناحية اقتصادية، حتى يكثر الزوار والحجاج، وتكون الأسواق أكثر اشتغالاً. ١٩- أنه ينبغي للإنسان الحاج أو المعتمر أن يبادر حين الوصول إلى مكة إلى الذهاب إلى المسجد ليطوف، لأن هذا هو المقصود ولا ينبغي أن يجعل غير المقصود، مقدماً بل المقصود ينبغي أن يكون مقدماً، على كل شيء. ٢٠- حرص الصحابة ﵃ على العلم بأفعال النبي ﷺ ليتبعوه فيها. ٢١- مشروعية البداءة في الطواف بالحجر الأسود فإن بدأ دونه مما يلي الباب لم يعتد بالشوط. ٢٢- مشروعية استلام الحجر الأسود عند ابتداء الطواف، لقوله (حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن) . ٢٣- مشروعة تقبيل الحجر الأسود في الطواف. وأما تقبيل غيره من الجمادات والأحجار فبدعة. ٢٤- مشروعية استلام الحجر الأسود والركن اليماني في الطواف بالبيت. ولا يشرع استلام غيرهما من أركان الكعبة أو جدرانها سوى هذين الركنين.

стр. 9819

٢٥- أن السنة كما تكون بالفعل تكون كذلك بالترك، فإذا وجد سبب الفعل في عهد النبي ﷺ ولم يفعله دل هذا على أن السنة تركه. ٢٦- مشروعية الاضطباع في جميع الطواف وهل يبقى مضطبعاً بعد الطواف أم لا؟ الصحيح أنه لا يبقى مضطبعاً. وأن الإنسان يستر منكبه من حين أن يفرغ من طوافه. وقال بعض العلماء- ﵏: بل إنه يبقى مضطبعاً في السعي. ولكن الصحيح الأول. ٢٧- مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم دون الأربعة الباقية. فإن قلت: ما الحكمة من الرمل في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى دون الأربعة الباقية. فالجواب: أن الحكمة في ذلك تذكير المؤمنين بأصل هذا الرمل، لأن أصله أن النبي ﷺ قاضى أهل مكة في غزوة الحديبية على أن يرجع من العام القادم معتمراً. وأهل مكة أعداء للرسول ﷺ وأصحابه، والعدو يحب الشماتة بعدوه، فلما قدم النبي ﷺ للعمرة قال بعضهم لبعض دعونا نجلس هنا ننظر إلى هؤلاء القوم الذين وهنتهم حمى يثرب كيف يطوفون؛ لأن عندهم أن هؤلاء قوم أصابهم المرض، وأنهك قوامهم، يريدون بذلك الشماتة، وجلسوا في شمالي الكعبة من جهة الشمال، وهم ينظرون، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا، ليظهروا الجلد والقوة والنشاط ليغيظوا الكفار؛ وإغاظة الكفار أمر مقصود لله ، كما قال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ

стр. 9820

اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) (١) . وقال تعالى: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) (٢) . أراد النبي ﷺ من قومه أن يغيظوا الكفار، لكنه أمرهم أن يرملوا من الحجر إلى الركن اليماني دون ما بين الركنين؛ لأنهم بين الركنين يختفون عن المشركين، وأراد الرسول ﷺ أن يرفق بأصحابه؛ ولهذا جعل الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى؛ لأن الثلاثة أقل من الأربعة، فاعتبر الأقل في جانب الصعوبة، ثم إن اختيار الثلاثة دون الأربعة فيه القطع على وتر والله إذا تأملنا مشروعاته وجدنا غالبها مقطوعاً على وتر. ففي كون الرمل خاصاً بالأشواط الثلاثة الأولى فائدتان: الأولى: اعتبار الأخف في باب المشقة. الثانية: القطع على وتر. أما في حجة الوداع فقد رمل النبي ﷺ في الأشواط الثلاثة كلها من الحجر إلى الحجر، لأن العلة التي من أجلها شرع الحكم وهو إغاظة الكفار الذين كانوا يشاهدون قد انقطع، فصار الرمل من الحجر إلى الحجر عبادة محضة، ولم يكن القصد منه الإغاظة، لأن الإغاظة انتهت.

стр. 9821

ولكن هل الطائف يذكر في هذه الحال حال النبي ﷺ وأصحابه حين قدموا في عمرة القضاء أو يذكر المعنى الأصلي المقصود، وهو إغاظة الكفار، أم الأمرين؟ إذا تذكر الأمرين فهو خير، يعني يتذكر أن الرسول ﷺ وأصحابه فعلوا ذلك فيقتدي بهم، لاسيما فعله في حجة الوداع، وأيضاً يذكر أن من شأن المسلم أن يفعل ما يغيظ الكفار. ٢٨- مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من الحجر إلى الحجر، لأن النبي ﷺ فعل ذلك وأن السنة المشي في الأربعة الباقية. فإن قال قائل: إذا دار الأمر بين أن أرمل مع البعد عن الكعبة، وبين أن أمشي مع القرب فأيهما أقدم؟ الجواب: قدم الأول، فارمل ولو بعدت عن الكعبة (لآن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة بزمانها أو مكانها) ، وهذه القاعدة لها أمثلة: مثال ذلك: لو أن رجلاً حين دخل عليه وقت الصلاة وهو حاقن أو بحضرة طعام، فهل الأولى أن يقضي حاجته ويأكل طعامه، ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها؟ أو العكس؟ الجواب: الأول، فهنا راعينا نفس العبادة دون أول الوقت، لأنه إذا صلى فارغ القلب مقبلاً على صلاته كانت الصلاة أكمل. مثال آخر: لو أن شخصاً أراد أن يصلي في الصف الأول، وحوله ضوضاء وتشويش أو حوله رجل منه رائحة كريهة تشغله، فهل الأولى أن يتجنب الضوضاء والرائحة الكريهة ولو أدى ذلك إلى ترك الصف الأول؟ أو أن يصف في الصف الأول مع وجود

стр. 9822

التشويش أو الرائحة الكريهة؟ فالجواب: لاشك أن الأولى تجنب التشويش، وترك الصف الأول، لأن هذا يتعلق بذات العبادة. ٢٩- أن الطواف بالبيت سبعة أشواط كاملة. فلو نقص خطوة واحدة من أوله أو آخره لم يصح. كما لو نقص شيئاً من الصلاة فإنها لا تصح. ٣٠- أنه تسن الصلاة خلف المقام بعد الطواف، ومعلوم أن الركعتين خلف المقام قريباً منه أفضل من كونها بعيداً عنه أو ليست خلفه. لكن إذا لم يتيسر للإنسان أن يصلي خلف المقام قريباً منه فليصل خلف المقام بعيداً منه، فإن لم يتيسر فليصل في أي مكان من المسجد، لأن المطلوب منه شيئان: الأول: الصلاة، والثاني: كونها خلف المقام. فإن تعذر المكان بقيت مشروعية الصلاة، وليس من شرط الصلاة أن تكون خلف المقام، حتى نقول إذا تعذر خلف المقام سقطت الصلاة. ٣١- أنه ينبغي للإنسان بعد أن يصلي الركعتين أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه لفعل النبي ﷺ . ولكن هل هذا مشروط بما إذا أراد السعي بعد الطواف؟ الجواب: نعم هذا في الطواف الذي يكون بعده سعي، ينبغي أن يتقدم إلى الركن بعد الركعتين فيستلمه. أما الطواف الذي ليس بعده سعي، كطواف الوداع مثلاً، وطواف الإفاضة لمن سعي بعد طواف القدوم، فإنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه رجع إلى الركن

стр. 9823

فاستلمه. ٣٢- أنه ينبغي المبادرة بالسعى بعد الطواف بدون تأخير، وهذا على سبيل الأفضلية وليس على سبل الوجوب. ولهذا قال العلماء- ﵏: إن الموالاة بين الطواف والسعي سنة وليست بشرط. فلو طاف في أول النهار وسعى في آخره فلا بأس، لكن الأفضل الموالاة. ٣٣- أنه ينبغي أن يخرج من باب الصفا لأنه أيسر، وكان المسجد الحرام فيما سبق له أبواب دون المسعى يخرج منه الناس. أما الآن فيتجه إلى جهة الصفا. ٣٤- أنه يِنبغي إذا دنا من الصفا أن يتلو الآية (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (١) اقتداء برسول الله ﷺ وليشعر نفسه أنه إنما سعى لأنه من شعائر الله وتعظيماً لشعائر الله وحرماته. ٣٥- أنه ينبغي أن يقول: أبدأ بما بدأ الله به ليتحقق بذلك الامتثال. ولا يقال هذا الذكر إلا إذا أقبل على الصفا من بعد الطواف، فلا يقال بعد ذلك لا عند المروة ولا عند الصفا في المرة الثانية، لأنه ليس ذكراً يختص بالصعود، وإنما هو ذكر يبين أن ابتداء الإنسان من الصفا إنما هو لتقديم الله له. ٣٦- أن ما بدأ الله به هو أولى بالتقديم، ولهذا بدأ النبي ﷺ بالصفا، لأن الله بدأ به. ٣٧- أنه ينبغي صعود الصفا حتى يرى البيت فيستقبله، وهو واضح من قوله: "فرقي الصفا حتى رأى البيت ".

стр. 9824

٣٨- أنه ينبغي في هذا الحال أن يوحد الله ويكبره، ويقول الذكر، ويدعو بين الأذكار التي يقولها ثلاث مرات. وقد ورد عن النبي ﷺ حينئذ رفع يديه دعاء، وليس رفع إشارة كما يفعل في الصلاة. ٣٩- أن السنة أن يمشي ما بين الصفا إلى طرف الوادي الشرقي، ثم يسعى من طرف الوادي الشرقي إلى طرفه الشمالي، ثم يمشي إلى المروة. ٤٠- أن الإسراع في كل المسعى ليس بمشروع. ٤١- أنه ينبغي الإسراع في بطن الوادي لفعل الرسول ﷺ وبطن الوادي الآن جعل له علم منصوب (عمود أخضر) ، فإذا وصلته فابدأ بالإسراع. ٤٢- أنه ينبغي لك وأنت تسعى أن تستشعر بأنك في ضرورة إلى رحمة الله ، كما كانت أم إسماعيل ﵂ في ضرورة إلى رحمة الله ، فكأنك تستغيث به ﵎ من آثار الذنوب وأوصابها. ٤٣- أن الإسراع في السعي مشروع في كل الأشواط السبعة، لأن جابراً ﵁ لم يستثن شيئاً منه، بخلاف الرمل في الطواف، فمشروع في الثلاثة الأولى. وفرق آخر هو أن الإسراع في السعي في جزء منه والرمل في الطواف في جميع الأشواط الثلاثة فهذان فرقان. الفرق الثالث: أن الإسراع في السعي أشد من الرمل في الطواف، لأن الرسول ﷺ كان يسرع جداً بخلاف الطواف، فإنه

стр. 9825

يرمل، والرمل إسراع المشي دون الخبب يعني: دون الركض الشديد. ٤٤- أن اختتام الأشواط السبعة يكون بالمروة. وعند الاختتام هل يقف ويدعو؟ الجواب: لا؛ لأن الدعاء والذكر إنما هو في ابتداء الشوط وليس في انتهائه. فإذا انتهى من المروة فلينصرف، ولا يقف للدعاء، كما قلنا في الطواف، فإن التكبير يكون عند ابتداء الشوط لا عند انتهائه. ٤٥- أن الأيدي لا ترفع حال الذكر والدعاء، لا في السعي ولا في الطواف، لأن الذين وصفوا طواف النبي ﷺ ودعاءه فيه "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" لم يذكروا رفع اليدين، وكونهم يذكرون رفع اليدين على الصفا وعلى المروة يدل على أن ما عدا ذلك ليس فيه رفع. ٤٦- جواز قول (لو) إذا كان لقصد الإخبار. لقوله: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ". ٤٧- حسن تعليم النبي ﷺ ودعوته إلى الحق. ٤٨- مشروعية فسخ نية الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً، إلا أن يسوق الهدي. ٤٩- أن من فسخ نية الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً، فإنه يتحلل بالعمرة تحللاً كاملاً. فإن قلت: هل يجوز أن يفسخ الإنسان الحج إلى عمرة ليتحلل منها وينصرف إلى أهله.

стр. 9826

فالجواب: لا؛ لأنه إنما أمر بفسخ الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً. والتمتع أفضل، ولم يرخص له أن يفسخ الحج إلى عمرة، ليتحلل عن قرب، ويرجع إلى أهله. ٥٠- أن الحج يمتاز عن غيره من العبادات بجواز تغيير النية فيه. فنجد الرجل يحرم بالحج، ثم يقلبه إلى عمرة ليصير متمتعاً ويصح، ويحرم بالعمرة أولاً ثم يضيق عليه الوقت فيدخل الحج عليها ليصير قارناً ويصح. كما أن الحج يخالف غيره في النية في أنه لو نوى الخروج منه لم يخرج منه، بينما العبادات الأخرى يخرج منها. وإذا فعل محرماً في العبادات الأخرى تبطل العبادة، كما لو أكل أو شرب في الصلاة، أو تكلم فيها. لكن في الحج المحظورات فيه لا تبطله إلا الجماع قبل التحلل الأول يفسده، ويجب المضي فيه وقضاؤه من السنة الأخرى، بخلاف غيره من العبادات. ٥١- أن التمتع أفضل الأنساك، لأن النبي ﷺ أمر به من لم يسق الهدي، ولأنه أكثر عملاً، لأنه يأتي بأفعال العمرة كاملة، وأفعال الحج كاملة، ولأنه أيسر لمن قدم مكة في وقت مبكر حيث يتمتع بالحل فيما بين العمرة والحج. إلا لمن ساق الهدي، فالقران أفضل لتعذر التمتع في حقه. فالتمتع في حق من ساق الهدي لا يمكن، لأنه لا يمكن أن يحل. ولكن هل الأفضل أن يسوق الهدي ويقرن أو الأفضل ألا يسوق الهدي ويتمتع؟ في هذا خلاف بين العلماء- ﵏ فمنهم من قال

стр. 9827

الأفضل أن لا يسوق الهدي ويتمتع لأن النبي ﷺ قال لأصحابه: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم ". ومنهم من قال إن سوق الهدي والقران أفضل، لأن هذا فعل النبي ﷺ ، ولأنه أظهر في إظهار الشعائر. لأن الإنسان يأتي بالهدي معه يسوقه، وهذا لاشك أن فيه من إظهار الشعائر ما ليس فيمن لم يسق الهدي. وأجابوا عن قوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت) أنه قال ذلك من أجل أن يطيب قلوب أصحابه، وكأنه يقول لو علمت بأن الأمر سيبلغ منكم ما بلغ حتى يشق عليكم هذه المشقة ما سقت الهدي، ولأحللت معكم. وكان رسول الله يترك الاختيار، مراعاة لأصحابه كما ترك الجهاد ﵊ في كل سرية، مراعاة لأصحابه، الذين لا يستطيعون أن يصاحبوه في كل سرية وليس عنده ما يحملهم عليه. وكما ترك الصيام مراعاة لأصحابه، فقالوا إن قوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لهذا المعنى. وعندي أن الأقرب في هذا التفصيل، فإن كانت السنة في سوق الهدي مندثرة، فالقران أفضل، وإلا فالتمتع أفضل. ٥٢- أن من ساق الهدي ليس له إلا القران. ٥٣- أنه لا يشترط لسوق الهدي أن يكون من بلده. ٥٤- أن التعليم يكون بالقول وبالفعل، لقوله: فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: "دخلت العمرة في الحج "، وأخذ منه بعض المعاصرين التعليم على السبورة، لأن السبورة ترسم للإنسان العلم. والعلم إذا رسم للإنسان يكون أدعى

стр. 9828

لثباته في النفس إذ الإنسان لا يزال يستحضر هذه الصورة فتبقى في ذهنه. ٥٥- أنه ينبغي للمحلين بمكة أن يدفعوا إلى منى في اليوم الثامن محرمين بالحج، لأن النبي ﷺ وأصحابه دفعوا إليها، ولا ينبغي أن يدفع إليها قبل اليوم الثامن على طريق التنسك والعبادة، لأن الرسول ﷺ وأصحابه لم يدفعوا قبل اليوم الثامن. ٥٦- أن أعمال الحج تبتدىء من ضحى اليوم الثامن، ويتفرع على ذلك ثلاث فوائد: ٥٧- أنه- فيما نرى- لا يشرع التمتع لمن قدم مكة بعد أوان أعمال الحج. فمثلاً لو جئت بعد الظهر في اليوم الثامن، فليس هناك تمتع، لأن الله يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) (١) . فمنتهى التمتع الحج، وأفعال الحج تبتدىء باليوم الثامن؛ إذاً فلا حاجة للتمتع. ونقول: إن شروعك في الحج ودخولك فيه في هذه الحال أفضل من العمرة، فإما أن تفرد وإما أن تقرن. أما التمتع فقد زال وقته الآن. ٥٨- أنه لا يشرع لمن أراد الإحرام يوم التروية أن يذهب إلى البيت، أي المسجد الحرام ويحرم من المسجد، بدليل أن الصحابة ﵃ لم يفعلوا ذلك، والترك مع وجود السبب سنة، يعني إذا وجد سبب الشيء في عهد الرسول ﷺ ولم يفعل كانت السنة تركه وهذا سببه موجود، ولم يذهب واحد من الصحابة ليحرم من المسجد، فدل ذلك على أن السنة أن يحرموا من أماكنهم

стр. 9829

التي هم نازلون فيها. ٥٩- أنه ينبغي أن تكون صلاة الظهر يوم التروية في منى، هذا هو الأفضل، ويتفرع على ذلك ثلاث فوائد. ٦٠- أنه يتبين حرمان قوم من الناس يريدون الحج ويبقون في أماكنهم، فإذا كان بعد العصر أحرموا بالحج، وخرجوا إلى منى نقول هذا وإن كان جائزاً لكن الإنسان حرم نفسه، لأن بقاءه في منى في ذلك اليوم أفضل من بقائه في المسجد الحرام وغيره. ولهذا لما كان يوم التروية هذا العام يوم الجمعة صار كثير من الحجاج يتساءلون هل الأفضل أن نصلي الجمعة في المسجد الحرام، ثم نخرج إلى منى أو الأفضل أن نخرج إلى منى في الصباح في الضحى، ونصلي الظهر في منى؟ والجواب: الثاني أفضل، لأن بقاءك في منى عبادة، وأنت ما جئت من بلادك إلا لأجل هذه العبادة. ٦١- أن الصلاة في منى لا تجمع، لأن جابراً ﵁ لم يذكر أن النبي ﷺ جمع، فدل هذا على أنه صلاها على الأصل، أي بدون جمع. وهل يستفاد من حديث جابر ﵁ أن الصلاة في منى تقصر؟ الجواب: لا يستفاد، لكن نستفيده من حديث أنس بن مالك ﵁ (١) . ٦٢- أنه ينبغي المكث في منى حتى تطلع الشمس، ولا

стр. 9830

يسن الدفع قبل طلوع الشمس، لقوله: "ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس "، وهو كذلك، فإن دفع بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس فلا إثم عليه، لكن الأفضل أن يتأخر. ٦٣- قوة النبي ﷺ في دين الله حيث لم يتبع قومه في الوقوف في مزدلفة، بل أجاز حتى أتى عرفة. ٦٤- أن الدين شرع وتوقيف، وليس عادة. دليله أن النبي ﷺ لم يتبع العادة في ذلك، بل اتبع ما اقتضته شريعة الله . ٦٥- أن نمرة من عرفة، بناء على أحد القولين ويتفرع على ذلك فائدتان: ٦٦- أنه لو وقف أحد بنمرة بعد زوال الشمس، ولم يدفع إلا بعد الغروب أجزأه الحج، ولم أر من صرح به، مع أن هذا هو مقتضى هذا القول ولازمه. أما إذا قلنا إن نمرة ليست من عرفة، وهو الصحيح كما قلنا (١) ، فالأمر فيها واضح أنه من وقف فيها لا يجزئه ولا حج له. ٦٧- أنه ينبغي أن ينزل الحاج بنمرة قبل الوقوف بعرفة؛ والدليل فعل النبي ﷺ فلو قال قائل: أفلا يمكن أن يكون النبي ﷺ نزل بها من باب السهولة، لأنه أسمح لوقوفه حتى يستريح ويستعد للوقوف، كما قالت عائشة ﵂ في نزوله في المحصب (٢)

стр. 9831

بعد الحج؟ قلنا الأصل التعبد في جميع أفعال الحج، إلا ما قام الدليل على أنه ليس من باب التعبد، وأيضاً فيمكن أن الرسول ﷺ يستريح إذا نزل في عرفة. ٦٨- جواز استخدام الإنسان غيره لاسيما إذا كان كبيراً أو ذا سلطة، والدليل: "أمر بالقصواء فرحلت له " فإن قوله أمر ... فرحلت يدل على أنه ﷺ ما باشر ترحيلها، وإنما أمر فرحلت له، وهذا لا ينافي نهي النبي ﷺ أن يسأل الناس شيئاً، لأن هناك فرقاً بين أن تسأل شخصاً شيئاً ويرى أن له منَّة عليك، وبين أن تسأل شخصاً شيئاً ويرى أن المنة منك عليه، وما يجري من النبي ﷺ من هذا الباب، كل يفرح أن النبي ﷺ يأمره، ثم هو زعيم أمته ﵊، فيأمر على وجه السلطة، وعلى وجه الإمرة. ٦٩- إعلان الأحكام الشرعية عن طريق الخطابة. والخطابة أحد المجالات التي بها تنشر الدعوة، فإن الدعوة تنشر بطرق متعددة، منها الخطابة، والكتابة، والمشافهة، وغير ذلك. ٧٠- حرص النبي ﷺ على تبليغ أمته، فإنه كان لا يخفي تبليغ الأحكام، بل يعلنها إعلاناً بواسطة الخطابة. ٧١- استحباب الخطبة يوم عرفة، لأن النبي ﷺ خطب الناس، فيستحب أن يخطب الإمام أو نائبه الناس يوم عرفة، ويستحب أن يحرص على الأقوال التي قالها النبي ﷺ في تلك الخطبة ليقتدي بالرسول ﷺ في أصل الخطبة، وفي موضوعها وكلماتها.

стр. 9832

٧٢- أن الخطبة يوم عرفة قبل الأذان لقوله: "ثم أذن ثم أقام ". ٧٣- أن الربا موضوع كله، ولا يؤخذ مهما كان. فالربا الثابت في ذمم الناس يجب وضعه، ولا يجوز أخذه، حتى وإن عقد قبل إسلام العاقد، أو قبل جهله. أما ما قبض من قبل من ربا وأكل، وأتى الإنسان موعظة من الله، فلا يلزمه تقويمه والتخلص منه، لكن ما بقي في ذمم الناس فإنه لا تتم التوبة منه إلا إذا تركه ولم يقبضه. ٧٤- بيان عدل النبي ﷺ وهو ظاهر من قوله: "وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع "، فأول ما قضى عليه من أمر الجاهلية ما كان يتصل بأقاربه؛ وهذا كما قال في الحديث الصحيح: "وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (١) . وهكذا يجب على الإنسان أن يكون قائماً لله بالعدل، لا يفرق بين قريب وبعيد، أو غني وفقير، أو قوي وضعيف. الناس في حكم الله واحد، لا يتميز أحد منهم بشيء إلا بما ميزه الله به. ٧٥- وفيه الإشارة إلى أن الذي يتولى طلب الرزق وحصول الكسوة هو الرجل، لقوله: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) . أما المرأة فشأنها أن تبقى في بيتها لإصلاح حالها وحال زوجها، وحال أولادها، وهذا ما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم.

стр. 9833

٧٦- أن القرآن عصمة؛ إذا اعتصم به الإنسان عصم من الضلال في الدنيا، والشقاء في الآخرة، كما قال تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (١٢٣)) (١) ، أي لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. ٧٧- وفيه الحث على الاعتصام بكتاب الله، والرجوع إليه، وأن به العصمة من كل سوء. فإن قال قائل: ما تقولون في السنة التي لم تكن موجودة في القرآن بعينها؟ قلنا: كل سنة سنها الرسول ﷺ فهي موجودة في القرآن. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (٢) وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) (٣) . وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (٤) . وقال تعالى: (النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ) (٥) . فكل سنة سنها الرسول ﷺ فهي من القرآن، لكن ليس من اللازم أن ينص عليها بعينها. ٧٨- اعتراف الصحابة ﵃ بالجميل للنبي ﷺ لقوله: "نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت " وهذه الشهادة التي شهدها الصحابة ﵃ يجب على كل مؤمن أن يشهدها فنحن نشهد أنه قد بلغ، وأدى، ونصح ﵊.

стр. 9834

٧٩- إشهاد الله تعالى على العباد بأن الرسول ﷺ بلغ. ٨٥- إثبات علو الله . وجه الدلالة الإشارة إلى السماء، وعلو الله الذاتي قد دل عليه الكتاب والسنة، والإجماع والعقل والفطرة. ٨١- جواز الإشارة إلى مكان الله ، وهو في السماء، ولكن هل هذا المكان محيط به؟ الجواب: لا. بل وسع كرسيه السماوات والأرض، فهو فوق سماواته، على عرشه، عليٌّ على خلقه بذاته وصفاته، لقوله تعالى: (وَهُوَ اَلعَلِىُّ اَلعَظِيمُ (٢٥٥)) (١) . ٨٢- إثبات علم الله وسمعه وبصره حيث كان يرفع إصبع إلى السماء، ثم ينكتها إلى الناس. ٨٣- تكرار الأمر الهام ثلاث مرات، حتى وإن كان المخاطب قد سمع، فإنه يكرر لا من أجل إفهام المخاطب، ولكن من أجل الاهتمام بهذا الشيء. ٨٤- أنه لا يشرع للمسافر أن يصلي راتبة الظهر، لقوله: "لم يصل بينهما شيئاً". ٨٥- أن الصلاتين المجموعتين المشروع فيهما أن تكونا متواليتين لقوله: "ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً". والموالاة بين المجموعتين إذا كان الجمع جمع تقديم شرط عند أكثر الفقهاء- ﵏ إلا أنه لا بأس أن

стр. 9835

يفصل بوضوء خفيف، أو استراحة قصيرة، ثم يستأنف الصلاة ثانية. أما إذا كان الجمع جمع تأخير، فالموالاة ليست بشرط. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ إلى أن الموالاة بين المجموعتين ليست بشرط، لا في جمع التقديم، ولا في جمع التأخير، وقال: يجوز في جمع التقديم أن يصلي الظهر مثلاً، ثم يتوضأ، أو يستريح، أو يتغدى ونحوه، ثم يصلي العصر، وقال: إن الجمع هو من باب ضم الصلاة إلى الأخرى في الوقت لا في الفعل؛ فإذا جاز الجمع صار الوقتان إلى الأخرى واحداً، وليس معنى الجمع ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى بالفعل، بل ضمها إلى الأخرى بالوقت، وعلى هذا فلا تشترط الموالاة في جمع التقديم، كما لا تشترط في جمع التأخير، ولكن لاشك أن الموالاة بينهما مشروعة كما دل عليه هذا الحديث. ٨٦- استحباب الوقوف للإمام في موقف النبي ﷺ لأن النبي ﷺ وقف عند الصخرات خلف جبل عرفة لقوله: "ثم ركب حتى أتى الموقف ". وأما غير الإمام، فإنهم يقفون في أماكنهم، لقول النبي ﷺ :" وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (٢) . ولأن الأصل الاقتداء بالنبي ﷺ في كيفية العبادة وزمانها ومكانها. وجه ذلك أنه نبه على أن وقوفه في هذه الأماكن لا يسن فيه الأسوة أو لا تجب فيه الأسوة لقوله (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) ، وكذلك يقال في مزدلفة.

стр. 9836

٨٧- بيان تيسير النبي ﷺ على أمته حيث لم يلزمهم، بل ولم يندبهم إلى أن يتحروا مكان وقوفه ونحوه، لا في عرفة ومزدلفة، ولا في منى. ٨٨- أنه لا يشرع صعود الجبل، ولا الصلاة فيه، ولا الصلاة عنده، لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك؛ والأصل في العبادات التوقيف، حتى يقوم دليل على مشروعيتها. وبه نعرف ضلال كثير من الناس الذي يقصدون الجبل، ويصعدون عليه، ويصلون، وربما يضعون الحجارة بعضها على بعض لتكون علماً وربما يعلقون الخرق، ويكتبون الأوراق لإثبات أنهم بلغوا هذا المكان، وكل هذا من البدع. والواجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على ذلك، وأن يبينوا أنهم إلى الوزر أقرب منهم إلى الأجر في مثل هذه الأعمال. ٨٩- أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل، لأن النبي ﷺ وقف راكباً، وقال: "خذوا عني مناسككم " (١) . وقال بعض العلماء- ﵏: بل الوقوف على غير الراحلة أفضل. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀ التفصيل في ذلك، وقال: إنه يختلف باختلاف الحاج، وما ذهب إليه هو الصحيح. فإذا كان الإنسان يحتاج إلى أن يكون راكباً ليراه الناس

стр. 9837

ويسألوه وينتفعوا بعلمه، وقف راكباً أفضل، وكذلك إن كان أخشع له وأحضر لقلبه، فيقف راكباً أفضل، وإذا كان الأمر بالعكس صار الحكم بالعكس أيضاً، فهو يختلف باختلاف أحوال الناس. ٩٠- مشروعية استقبال القبلة حال الدعاء يوم عرفة، ورفع اليدين والإكثار من الدعاء، ومن الذكر، لقول النبي ﷺ : "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (١) . وينبغي له أن يحرص على الأذكار والأدعية الواردة عن النبي ﷺ ، فإنها من أجمع الأدعية وأنفعها، فيقول: اللهم لك الحمدُ كالذي نقولُ وخيراً مما نقولُ، اللهم لك صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي وإليك رب مآبي ولك رب تراثي. اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح. اللهم إنك تسمعُ كلامي، وترى مكاني، وتعلمُ سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه.

стр. 9838

اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفاً رحيماً، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين. اللهم اجعلْ في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً. اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا. اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر. اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. فالدعاء يوم عرفة خير الدعاء. قال النبي ﷺ : "خير الدعاء يوم عرفة" (١) . كما في الحديث السابق. وإذا لم يحط بالأدعية الواردة عن رسول الله ﷺ ، دعا بما

стр. 9839

يعرف من الأدعية المباحة. فإن قال قائل: الوقت طويل، لا سيما في أيام الصيف، وربما يلحق الإنسان ملل، لأنه لو بقي يدعو من بعد صلاة الظهر والعصر المجموعة إليها إلى الغروب لحقه ملل؛ فهل اشتغاله بغير الدعاء والذكر مما هو مباح جائز؟ الجواب: نعم، وربما يكون مطلوباً إذا كان وسيلة للنشاط؛ والإنسان بشر يلحقه الملل، فلا حرج أن يستريح، إما بنوم، أو بقراءة قرآن، أو بمذاكرة مع إخوانه، أو بمدارسة القرآن، أو في أحاديث تتعلق بالرحمة والرجاء، والبعث والنشور، وأحوال الآخرة، حتى يلين ويرق قلبه؛ والإنسان طبيب نفسه في هذا المكان. لكن ينبغي أن يغتنم آخر النهار بالدعاء ويتفرغ له تفرغاً كاملاً. ٩١- وجوب الوقوف بعرفة حتى تغرب الشمس؛ لأن النبي ﷺ وقف حتى غربت الشمس وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (١) . ولأن الدفع قبل غروب الشمس مخالفة لهدي النبي ﷺ وموافقة لهدي المشركين، لأن المشركين كانوا ينتظرون، فإذا قربت الشمس إلى الغروب دفعوا من عرفة، فخالفهم النبي ﷺ . ولأن في ذلك نقصاً في الوقوف الذي هو الركن. ومعلوم أن الأركان أفضل من الواجبات، والواجبات أفضل من السنن؛ لأنه كلما تأكدت العبادة كانت أفضل. لقوله تعالى في الحديث القدسي: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته

стр. 9840

عليه " (١) . ويدل أيضاً على أن ذلك للوجوب تأخر النبي ﷺ حتى تغرب الشمس، لأنه لو دفع قبل أن تغرب لكان أيسر، فلما عدل عن ذلك إلى البقاء حتى غربت الشمس دل على أن الدفع قبل هذا محرم، ولو كان جائزاً لفعله النبي ﷺ ، لأنه أيسر. ٩٢- أنه ينبغي لإمام الناس أو من ينيبه أن يحث الناس على السكينة؛ فرجال المرور مثلاً ينوبون مناب الإمام في تدبير الناس، وتنظيم السير، والأمر بالسكينة، لأن النبي ﷺ نظم السير في قوله: "السكينة السكينة"، فإن هذا نوع من تنظيم السير. ٩٣- أنه ينبغي للإمام، بل يجب على الإمام أن يكون أول من يبادر إلى ما يأمر به. ودليله أن الرسول ﷺ دفع وقد شنق للقصواء الزمام، وما كان ليقول للناس السكينة السكينة وهو تاركها تمشي بسرعة، بل هو أول من يفعل ذلك ﵊؛ وهكذا الإمام الذي يقتدى به سواء كان إماماً في التنفيذ، أو إماماً في العلم، فإنه يجب عليه أن يتحرى اتباع الرسول ﷺ ، لأنه يقتدى به فأي فعل يفعله سوف يقتدي به الناس، والناس في هذا المقام بالنسبة إلى القدوة بين أمرين: بين محتج بفعله على ما يهواه، وبين محتج عليه بمخالفته، وبينهما فرق. فالإنسان الذي له هوى ولا يريد اتباع السنة يحتج بتقصير القدوة على تقصيره، فيقول مثلاً. هذا فلان لا يفعل هذا، وهذا فلان فعل هذا مثلاً، والإنسان الذي يريد من المقتدى به أن يتبع السنة يحتج بفعله وتهاونه بالسنة عليه، ولا
следующие страницы →