← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

٨٧- بيان تيسير النبي ﷺ على أمته حيث لم يلزمهم، بل ولم يندبهم إلى أن يتحروا مكان وقوفه ونحوه، لا في عرفة ومزدلفة، ولا في منى. ٨٨- أنه لا يشرع صعود الجبل، ولا الصلاة فيه، ولا الصلاة عنده، لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك؛ والأصل في العبادات التوقيف، حتى يقوم دليل على مشروعيتها. وبه نعرف ضلال كثير من الناس الذي يقصدون الجبل، ويصعدون عليه، ويصلون، وربما يضعون الحجارة بعضها على بعض لتكون علماً وربما يعلقون الخرق، ويكتبون الأوراق لإثبات أنهم بلغوا هذا المكان، وكل هذا من البدع. والواجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على ذلك، وأن يبينوا أنهم إلى الوزر أقرب منهم إلى الأجر في مثل هذه الأعمال. ٨٩- أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل، لأن النبي ﷺ وقف راكباً، وقال: "خذوا عني مناسككم " (١) . وقال بعض العلماء- ﵏: بل الوقوف على غير الراحلة أفضل. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀ التفصيل في ذلك، وقال: إنه يختلف باختلاف الحاج، وما ذهب إليه هو الصحيح. فإذا كان الإنسان يحتاج إلى أن يكون راكباً ليراه الناس

стр. 9837

ويسألوه وينتفعوا بعلمه، وقف راكباً أفضل، وكذلك إن كان أخشع له وأحضر لقلبه، فيقف راكباً أفضل، وإذا كان الأمر بالعكس صار الحكم بالعكس أيضاً، فهو يختلف باختلاف أحوال الناس. ٩٠- مشروعية استقبال القبلة حال الدعاء يوم عرفة، ورفع اليدين والإكثار من الدعاء، ومن الذكر، لقول النبي ﷺ : "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (١) . وينبغي له أن يحرص على الأذكار والأدعية الواردة عن النبي ﷺ ، فإنها من أجمع الأدعية وأنفعها، فيقول: اللهم لك الحمدُ كالذي نقولُ وخيراً مما نقولُ، اللهم لك صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي وإليك رب مآبي ولك رب تراثي. اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح. اللهم إنك تسمعُ كلامي، وترى مكاني، وتعلمُ سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه.

стр. 9838

اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفاً رحيماً، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين. اللهم اجعلْ في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً. اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا. اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر. اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. فالدعاء يوم عرفة خير الدعاء. قال النبي ﷺ : "خير الدعاء يوم عرفة" (١) . كما في الحديث السابق. وإذا لم يحط بالأدعية الواردة عن رسول الله ﷺ ، دعا بما

стр. 9839

يعرف من الأدعية المباحة. فإن قال قائل: الوقت طويل، لا سيما في أيام الصيف، وربما يلحق الإنسان ملل، لأنه لو بقي يدعو من بعد صلاة الظهر والعصر المجموعة إليها إلى الغروب لحقه ملل؛ فهل اشتغاله بغير الدعاء والذكر مما هو مباح جائز؟ الجواب: نعم، وربما يكون مطلوباً إذا كان وسيلة للنشاط؛ والإنسان بشر يلحقه الملل، فلا حرج أن يستريح، إما بنوم، أو بقراءة قرآن، أو بمذاكرة مع إخوانه، أو بمدارسة القرآن، أو في أحاديث تتعلق بالرحمة والرجاء، والبعث والنشور، وأحوال الآخرة، حتى يلين ويرق قلبه؛ والإنسان طبيب نفسه في هذا المكان. لكن ينبغي أن يغتنم آخر النهار بالدعاء ويتفرغ له تفرغاً كاملاً. ٩١- وجوب الوقوف بعرفة حتى تغرب الشمس؛ لأن النبي ﷺ وقف حتى غربت الشمس وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (١) . ولأن الدفع قبل غروب الشمس مخالفة لهدي النبي ﷺ وموافقة لهدي المشركين، لأن المشركين كانوا ينتظرون، فإذا قربت الشمس إلى الغروب دفعوا من عرفة، فخالفهم النبي ﷺ . ولأن في ذلك نقصاً في الوقوف الذي هو الركن. ومعلوم أن الأركان أفضل من الواجبات، والواجبات أفضل من السنن؛ لأنه كلما تأكدت العبادة كانت أفضل. لقوله تعالى في الحديث القدسي: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته

стр. 9840

عليه " (١) . ويدل أيضاً على أن ذلك للوجوب تأخر النبي ﷺ حتى تغرب الشمس، لأنه لو دفع قبل أن تغرب لكان أيسر، فلما عدل عن ذلك إلى البقاء حتى غربت الشمس دل على أن الدفع قبل هذا محرم، ولو كان جائزاً لفعله النبي ﷺ ، لأنه أيسر. ٩٢- أنه ينبغي لإمام الناس أو من ينيبه أن يحث الناس على السكينة؛ فرجال المرور مثلاً ينوبون مناب الإمام في تدبير الناس، وتنظيم السير، والأمر بالسكينة، لأن النبي ﷺ نظم السير في قوله: "السكينة السكينة"، فإن هذا نوع من تنظيم السير. ٩٣- أنه ينبغي للإمام، بل يجب على الإمام أن يكون أول من يبادر إلى ما يأمر به. ودليله أن الرسول ﷺ دفع وقد شنق للقصواء الزمام، وما كان ليقول للناس السكينة السكينة وهو تاركها تمشي بسرعة، بل هو أول من يفعل ذلك ﵊؛ وهكذا الإمام الذي يقتدى به سواء كان إماماً في التنفيذ، أو إماماً في العلم، فإنه يجب عليه أن يتحرى اتباع الرسول ﷺ ، لأنه يقتدى به فأي فعل يفعله سوف يقتدي به الناس، والناس في هذا المقام بالنسبة إلى القدوة بين أمرين: بين محتج بفعله على ما يهواه، وبين محتج عليه بمخالفته، وبينهما فرق. فالإنسان الذي له هوى ولا يريد اتباع السنة يحتج بتقصير القدوة على تقصيره، فيقول مثلاً. هذا فلان لا يفعل هذا، وهذا فلان فعل هذا مثلاً، والإنسان الذي يريد من المقتدى به أن يتبع السنة يحتج بفعله وتهاونه بالسنة عليه، ولا

стр. 9841

يحتج بفعله على ما يفعله هذا المتكاسل، فهذا أمر ينبغي لطلبة العلم أن يتفطنوا إليه، لأن طالب العلم يقتدى به، ويؤخذ عليه ما لا يؤخذ على غيره، ليس كعامة الناس، ولهذا كثيراً ما تأمر الناس بشيء ثم يقولون لك فلان يفعله من طلبة العلم يحتج بفعله حتى وإن كان هذا الرجل قد تبين له أن الحق بخلافه، لكن يريد أن يدافع عن نفسه ولو بالباطل، كما هو ظاهر. ٩٤- حسن رعاية النبي ﷺ لما استرعاه الله حتى في البهائم. وجه ذلك أنه كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لناقته قليلاً، فإن هذا من حسن رعايته لها ورأفته بها ﷺ ، فرسول الله ﷺ أحسن الرعاية في البشر حيث يقول السكينة السكينة، وأحسن الرعاية في البهيمة حيث يرخي لها قليلاً حتى تصعد إذا أتى حبلاً من الحبال. ٩٥- أن المشروع للحاج ألا يصلي المغرب والعشاء إلا في مزدلفة؛ لأن النبي ﷺ أخر ذلك إلى مزدلفة، ووجه هذا: أن المشروع في حق المسافر إذا جد به السير ألا يقف فيقطع سيره. ولهذا كان من هدي الرسول ﷺ أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى العصر، وإن ارتحل بعد أن تزيغ الشمس قدم العصر إلى الظهر، حتى يكون سيره مستمرًّا متواصلاً. نقول: هذا هو السنة، حتى لو تأخر الإنسان. إلا إذا تأخر حتى انتصف الليل، فإنه يجب عليه أن يصلي صلاة العشاء قبل منتصف الليل، وصلاة المغرب أيضاً، وذلك لأن منتهى صلاة العشاء نصف الليل، فلا يجوز أن يؤخرها إلى ما بعد نصف الليل. فإن قال قائل: افرض أنني حبست في سير السيارات، ولم

стр. 9842

أستطع الرجوع، ولا التقدم، ولا الخروج يميناً أو شمالاً؟ نقول: من أمكنه أن ينزل من الركاب فلينزل، ويصلي يميناً أو شمالاً قبل أن يخرج الوقت، ومن لم يمكنه فليصل ولو على ظهر السيارة، ويأتي بما يستطيع من الواجبات على حسب حاله. ولا يجوز أن يؤخر الصلاة إلى ما بعد نصف الليل؛ لأن القول الراجح أنه لا وقت للعشاء بعد منتصف الليل. ٩٦- أن الجمع يكون جمع تأخير، لأن النبي ﷺ جمع جمع تأخير، ولكن هل هذا مراد؟ أو لأن سير النبي ﷺ كان متواصلاً إلى أن دخل وقت العشاء؟ الذي يظهر الثاني؟ لأن هذا هو هدي النبي ﷺ ، وبناء على ذلك لو أن الإنسان وقف في أثناء الطريق وصلى، فإن القول الذي عليه جمهور أهل العلم أن صلاته صحيحة خلافاً لبعض الظاهرية كابن حزم (١) ﵀ حيث قال: لا تصح صلاة المغرب والعشاء في ليلة مزدلفة إلا بمزدلفة، واستدل بقول النبي ﷺ لأسامة ﵁، لما توضأ النبي ﷺ قال: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: " الصلاة أمامك " (٢) . ولكن رأي الجمهور هو الصحيح. فإن وصل في وقت صلاة المغرب فما المشروع في حقه؟ قيل: المشروع أن يؤخر أيضاً؛ لأن النبي ﷺ أخر الصلاة. وقيل: المشروع أن يقدم الجمع بين الصلاتين؛ لأن النبي ﷺ

стр. 9843

صلى من حين وصل إلى مزدلفة، وكون الجمع يكون تأخيراً لأن هذا وقع اتفاقاً؛ لأن سير الرسول ﷺ كان بعيداً وبطيئاً، لأنه على الإبل. فأما إذا كان في السيارات وقد وصل في وقت المغرب فليصل متى وصل، ولو كان تقديماً، والحقيقة أن الدليلين متجاذبان. فقد نقول: إن المشروع أن يبادر بالصلاة متى وصل؛ لأن هذا كالتحية لمزدلفة، كما قلنا في منى أن التحية لها الرمي. وقد يقال: إن الإنسان يؤخر اقتداء برسول الله ﷺ . ولكن قد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قدم مزدلفة عشاء أو قريباً من العشاء، فأذن وصلى المغرب، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أذن فصلى العشاء (١) ؛ وهذا يدل على أنه ﵁ لما وصل في هذا الوقت رأى ألا يجمع، وأن يصلي المغرب ويتعشى، ثم يصلي العشاء وحدها، والدليل على أنه صلى العشاء وحدها أنه أذن لها، ولو كانت مجموعة إلى الأولى لم يؤذن. وبناء على هذا الذي ورد عن ابن مسعود ﵁ نقول: من وصل مبكراً فليصل المغرب، ثم لينتظر حتى يأتي العشاء، فيؤذن ويصلي العشاء؟ فإن قال الحاج: الأيسر لي والأسهل عليّ أن أصلي المغرب من حينما أصل وأصلي معها العشاء وأستريح، فهل تبيحون لي ذلك؟ فالجواب: نعم نبيح له ذلك لأنه مسافر. والصحيح أن

стр. 9844

المسافر له الجمع، وإن كان نازلاً، فنقول: لك أن تجمع الآن إذا كان أيسر لك كما هو الغالب؛ لأن بعض الناس يكون محتاجاً إلى البول، فيحب أن يصلي المغرب والعشاء ويستريح، فإذا كان هذا أريح له، أو أريح لأصحابه أيضاً، حتى لو فرضنا أنه هو بنفسه يحب أن يصلي المغرب وحدها، والعشاء وحدها في الوقت، ولكن رأى أن أصحابه أيسر لهم، فلا حرج أن يتبع أصحابه في الأيسر، اقتداء برسول الله ﷺ حيث اتبع الأيسر لأصحابه في الصيام مع محبته للصيام. ٩٧- أنه لا يشرع للمسافر أن يصلي راتبة المغرب؛ لأن النبي ﷺ لم يصل راتبة المغرب في السفر، كما لم يصل للظهر، وكذلك للعشاء. أما راتبة الفجر فلم يكن يدعها، لا حضراً ولا سفراً. ٩٨- أنه لا يشرع ليلة مزدلفة تهجد، ولا قراءة، ولا شيء من العبادات التي تمنع من النوم، إذ لو كان هذا مشروعاً لفعله النبي ﷺ تبليغاً للشرع، أو لأرشد الأمة إليه بقوله، فلما لم يحصل هذا ولا ذاك، علم بأنه ليس بمشروع. فإن قال قائل: إذا لم يستطع الإنسان أن ينام في مزدلفة ليلة العيد بسبب إزعاج السيارات- مثلاً- هل له أن يشتغل بالذكر والدعاء والصلاة؟ نقول له: نعم اذكر الله، وأما الصلاة فإن كان لا يراه أحد فلا بأس، وإن كان يرى فلا، لأنه لو رآه أحد- وهي ليلة مباركة- اقتدى به، ولا يعلم أنه معذور، لاسيما إذا كان طالب علم ومحل اقتداء.

стр. 9845

٩٩- أنه لا تجوز صلاة الفجر ولا غيرها حتى يتبين دخول الوقت. لقوله: "صلى الفجر حين تبين له الصبح ". ١٠٠- أنه ينبغي المبادرة في صلاة الفجر ليلة المزدلفة، دليله "حتى تبين "، يعني من حين ما تبين صَلِّ، وهو دليل على أن المشروع في الفجر ليلة المزدلفة أن يبادر بها مبادرة غير المبادرة المعتادة المعروفة. أما ما يفعله بعض الناس اليوم من كونهم يؤذنون إذا مضى ثلثا الليل، فهذا خطأ عظيم، والحكومة- وفقها الله- لم تقصر، كانت تطلق المدفع في تلك الليلة، فلا عذر لأحد. لكن هؤلاء المساكين تجد الواحد منهم ينام قليلاً، ثم يمل من النوم ووقت الفجر عنده إذا قام من النوم، متى ما قام فهذا وقت الفجر، أو أنهم يحبون أن يتعجلوا ويمشوا إلى منى، وأياً كان فإن الواحد منا إذا سمع أحداً يؤذن للفجر قبل الوقت يجب أن ينبهه حتى لا يصلي الفجر قبل وقتها فتفوت عليه فريضة من فرائض الصلوات، لكن الغالب على هؤلاء الجهل. ١٠١- مشروعية الأذان والإقامة في الحضر وفي السفر، وهل هذه المشروعية على سبيل الوجوب؟ الجواب: نعم على سبيل الوجوب. فيجب الأذان في السفر والحضر، والإقامة في الحضر والسفر. وقد قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث ﵁ ومن معه: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (١) ، وهم وافدون إلى رسول الله ﷺ

стр. 9846

مسافرون، فأمرهم بالأذان، مع أنهم مسافرون. فالمسافرون عليهم الأذان، كما على المقيمين. وهل عليهم صلاة الجماعة؟ الجواب: نعم، ومن هنا نأخذ فائدة أيضاً: ١٠٢- مشروعية صلاة الجماعة في الحضر والسفر، وهي على الوجوب، فيجب على المسافر صلاة الجماعة، كما يجب على المقيم ولا فرق، بل قد أوجب الله صلاة الجماعة في حال القتال، وقتال الرسول ﷺ كان كله في السفر. ١٠٣- قصد المشعر الحرام (١) ، والوقوف عنده في صبيحة يوم العيد؛ لأن النبي ﷺ ركب وقصد المشعر الحرام، ولكن هل هذا على سبيل الوجوب؟ الجواب: لا؛ لأن النبي ﷺ قال: "وقفت هاهنا وجمع كلها موقف " (٢) فكل مزدلفة موقف، ولا يلزمك أن تشد الرحال إلى المشعر الحرام لتقف عنده. ١٠٤- أنه ينبغي التفرغ بعد صلاة الفجر يوم العيد للدعاء والتكبير، والتهليل، والذكر إلى أن يقرب طلوع الشمس. والدليل: "فدعاه وكبره وهلله ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً". إذاً فيسن التفرغ للدعاء والذكر في هذه المدة إلى أن يسفر جداً. ١٠٥- تواضع النبي ﷺ حيث أردف الفضل بن عباس رضي

стр. 9847

الله عنهما دون أشراف القوم، وأردف في دفعه من عرفة إلى مزدلفة أسامة بن زيد ﵁ وهو مولى. ١٠٦- جواز الإرداف على الدابة؛ لأن الإرداف لو كان حراماً ما أردف النبي ﷺ الفضل بن عباس، ولكن يشترط لذلك أن تكون الدابة قوية وقادرة على تحمل الرديف، فإن كانت هزيلة ضعيفة والإرداف يشق عليها، فإن ذلك لا يجوز؛ لقول النبي ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" (١) . ١٠٧- عدم جواز نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية، كما استدل به النووي وغيره من أهل العلم- ﵏؛ لأن النبي ﷺ صرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. ولكن إذا كان لشهوة فهو حرام بلا شك، وإذا كان لغير شهوة فإن الذي تدل عليه النصوص الأخرى أنه لا يجوز له النظر إليها، وأنه يجب عليها أن تحتجب لئلا ينظر إليها. ١٠٨- مشروعية تغيير المنكر باليد لقوله: "فجعل النبي يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر". ١٠٩- جواز التغيير قبل الأمر؛ لأن الرسول ﷺ جعل يصرف وجهه دون أن يقول له التفت، أو اصرف وجهك، وعلى هذا فينظر الإنسان هل الأصلح أن يأمر أولا ثم يغير، أم أن يغير أولاً قبل أن يأمر، فيرجع ذلك إلى ما فيه المصلحة. ١١٠- أنه ينبغي الإسراع في بطن محسر، وهو الوادي الذي

стр. 9848

بين مزدلفة ومنى؛ لأن النبي ﷺ أسرع فيه. والأصل فيما فعله في هذه العبادة أنه من التعبد وليس من العادة، حتى يتبين أنه عادة. والظاهر أنه لا يمكن الإسراع الآن؛ لأن الإنسان محبوس بالسيارات، فلا يمكن أن يتقدم أو يتأخر، وربما ينحبس في نفس المكان، فيعجز أن يمشي، ولكن نقول: هذا شيء بغير اختيار الإنسان، فينوي بقلبه أنه لو تيسر أن يسرع لأسرع، وإذا علم الله من نيته هذا فإنه قد يثيبه على ما فاته من الأجر والثواب. ١١١- أنه ينبغي للإنسان القادم إلى منى من مزدلفة أن يسلك أقرب الطرق إلى جمرة العقبة؟ لفعل النبي ﷺ ، وهكذا ينبغي للإنسان في أسفاره أن يسلك أقرب الطرق إلى حصول مقصوده. ١١٢- أنه ينبغي المبادرة برمي الجمرة بحيث لا يقدم عليها نسكاً، ولا تنزيل رحل، ولا نزولاً في مكان، بل يبادر بها أول ما يقدم، وهذا هو الأفضل. ١١٣- أن من رخص له أن يدفع من مزدلفة في آخر الليل له أن يبدأ بالجمرة- جمرة العقبة- فيرميها حين وصوله؛ وأما ما ورد عن النبي ﷺ من النهي عن هذا في قوله: "أبني لا ترموا حتى تطلع الشمس " (١) فقد ضعفه كثير من أهل العلم- ﵏، وإن صح فإنه يحمل على الاستحباب لا على الوجوب. وإلا فكل من جاز له الدفع من مزدلفة جاز له الرمي، وإلا لما استفاد شيئاً، فكيف

стр. 9849

يرخص له أن يدع نسكاً من المناسك التي نص القرآن عليها، ويبقى في منى ساكناً حتى طلوع الشمس. ١١٤- أن غسل حصى رمي الجمار بدعة؛ لأن النبي ﷺ لم يغسله، ولم يأمر به أصحابه. ١١٥- أنه لا رمي في يوم العيد إلا لجمرة العقبة؛ لأن النبي ﷺ لم يرم سواها، فلو رمى الإنسان الثلاث لكان مبتدعاً، وإن رماها جهلاً فليس عليه شيء. ١١٦- مشروعية الرمي راكباً ما لم يكن في ذلك أذية. ١١٧- أنه يجب أن يرمي الجمار رمياً، فلا يجزئ الوضع، بل لابد من الرمي. وهل يشترط أن يرفع يده حتى يرى بياض إبطه؟ الجواب: لا، ولكن يرمي قذفاً، فلو أخذ الحصاة ووضعها في الحوض وضعاً، فإن ذلك لا يجزئ. ١١٨- أنه لابد من سبع حصيات لقوله: "فرماها بسبع حصيات "، فلو رمى بخمس، أو بثلاث، أو بأربع لم يجزئ. ولكن رخص بعض أهل العلم- ﵏ (١) بجواز الرمي بخمس أو لست، قال: لأن الصحابة ﵃ كانوا ينصرفون من الرمي، فيقول بعضهم رميت بخمس، وبعضهم بست، وبعضهم بسبع، ولا ينكر أحد على أحد، ولكن لا شك أن الأحوط ألا يقتصر على ما دون السبع، لأن هذا هو هدي النبي ﷺ . ١١٩- أنه لا يجوز الزيادة على السبع لقوله: "فرماها بسبع،

стр. 9850

حصيات ". ١٢٠- أنه لابد أن تكون السبع متعاقبات، لقوله: "رماها بسبع " فإن ظاهره أن كل واحدة تكون مرمية، فلابد أن تكون متعاقبات ولهذا قال: "يكبر مع كل حصاة"، وهذا كالنص الصريح على أنه لابد من التعاقب. فلو رماها دفعة واحدة، لم يجزئه إلا واحدة ولا يجزئه السبع؛ هذا ما لم يكن قصد التعبد، وهو يعلم أن الرسول ﷺ رمى سبعاً متعاقبة، فإن نوى التعبد، مع علمه بأن الرسول ﷺ رمى بسبع متعاقبة، فإن ذلك لا يجزئ، لأنه صريح بمخالفة السنة، فيكون عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون مردوداً، ولو رماها سبعاً من شدة الزحام دفعة واحدة تكون واحدة. فإن قال قائل: ألستم في الحدود تقولون إن المريض إذا كان لا يحتمل أن يضرب ضرباً متعاقباً بالسوط فإنه يجمع ضغثاً من النخل، ويضرب به مرة واحدة؟ فالجواب: أن هذا قام عليه الدليل، وهو أيضاً من باب العقوبة، والعقوبة ينبغي فيها التخفيف إذا لم يستطع بخلاف هذا، فهو عبادة، ولهذا لا يجوز للمريض الذي يشق عليه أن يصلي أربعاً أن يصلي ركعتين. ١٢١- أنه يستحب التكبير عند الرمي، وأن يكون مع كل حصاة. ١٢٢- أنه لا يستحب البسملة هنا، وإن كان بعض الناس يسمي، فيقول: بسم الله، والله أكبر. ١٢٣- أنه لا يسن أن يقول ما يقوله العامة اللهم رضا للرحمن

стр. 9851

وغضباً للشيطان؛ فإن هذا لم يرد عن النبي ﷺ ، ومن باب أولى أنه لا يسن في هذا الحال سب الشيطان ولعنه وما أشبه ذلك من الكلمات التي يقولها جهال الناس. ١٢٤- ضلال من يرمي بالأحجار الكبيرة، أو بالنعال، أو بالمظلات، أو ما أشبه ذلك، مما يفعله الجهال، وكل هذا من اعتقادهم أنهم يرمون الشيطان. ١٢٥- أنه لا يجزئ الرمي بغير الحصى، فلو رمى بذهب لم يجزئه؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع، ولو رمى بمدر (وهو الطين المجفف) لم يجزئه، ولو رمى بقطعة من الإسمنت فإنه لا يجزئ، ولو رمى بجص أو بخشب، أو بأي مادة من المواد، أو معدن من المعادن سوى الحصى فإنه لا يجزئ؛ لأن النبي ﷺ رمى بحصى. ١٢٦- أنه لا يجزئ الرمي بالحصاة الكبيرة، ولا الصغيرة جداً، أما الصغيرة التي دون حصى الخذف لكن ليست صغيرة جداً فإنها تجزئ، والكبيرة لا تجزئ لقوله: "كل حصاة منها مثل حصى الخذف ". فالنبي ﷺ رمى بهذا وقال: "خذوا عني مناسككم " (١) بل رفع إليه ابن عباس ﵄ حصيات فأخذها بكفه وجعل يحركها ويقول: "بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين " (٢) . ١٢٧- أنه يسن رمي جمرة العقبة من بطن الوادي لقوله:

стр. 9852

"رمى من بطن الوادي ". ١٢٨- أنه يسن أستقبال جمرة العقبة لا القبلة عند الرمي، خلافاً لمن قال: إنه يستقبل القبلة، ويجعل الجمرة عن يمينه، ويرمي من اليمين، فإن هذا ليس بصحيح؛ لأنه خلاف موقف رسول الله ﷺ من وجه، ومن وجه آخر أنه في زمننا هذا متعذر. فإن قال قائل: أليس الأصل في العبادات استقبال القبلة؟ فالجواب: إن سلمنا أن هذا هو الأصل فقد دل الدليل على عدمه في هذه المسألة. ١٢٩- أنه لا يشرع الوقوف للدعاء بعد رمي جمرة العقبة. ١٣٠- أن النحر بعد الرمي لقوله: "ثم انصرف إلى المنحر فنحر". ١٣١- أنه ينبغي لذوي الأمر أن يرتبوا المكان للحجاج، بحيث يجعلوا للنحر مكان خاص لقوله: "ثم انصرف إلى المنحر" لأنه إذا جعل للنحر مكاناً خاصًّا سلم الناس من الروائح الكريهة والتلويث والأذى وغير ذلك، فإذا جعل للنحر منحر خاص، فذلك أسلم وأقرب إلى الإحاطة بهذا الأذى والقذر. ١٣٢- أنه ينبغي للإنسان أن ينحر هديه بيده لقوله: "فنحر" فإذا قال قائل: ألا يمكن أن يكون قوله: "فنحر"؛ أي أمر من ينحر؟ قلنا: هذا ممكن، ولكن الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أن يكون الفاعل مباشراً للفعل، ولهذا جاء التفصيل في حديث جابر ﵁ المذكور أنه ﷺ نحر ثلاثاً وستين بيده، وأعطى علياً ﵁ فنحر الباقي، وهكذا ينبغي للإنسان أن ينحر هديه

стр. 9853

(أضحيته) بيده، لأن ذلك أتبع للسنة، وأشد طمأنينة للقلب أن تكون ذبحتها على الوجه المشروع، وأن هذا عبادة، فينبغي للإنسان أن يفعلها بنفسه ويتفرع منها: ١٣٣- خطأ الفكرة السائدة بين الناس اليوم وهي أن المقصود من الأضحية هو اللحم، ولهذا تجدهم يرسلون الدراهم إلى البلاد النائية البعيدة بدلاً عن الأضحية، ويقولون هم أحوج منا. نقول: ليس المقصود من الأضحية هو اللحم، المقصود هو التقرب إلى الله بالذبح، هذا أهم شيء في الأضحية أن تذبحها أنت بنفسك، تذللاً لله ، وتعظيماً له، وتقرباً إليه، فإن لم تستطع فوكل من يذبح، كما وكل النبي ﷺ ابن عمه علي بن أبي طالب ﵁ أن يذبح ما بقي من هديه، ثم إذا ذبحت وتقربت إلى الله فإن شئت فكل، وإن شئت فتصدق بها كلها. ولهذا لما نزلت بالمسلمين فاقة في إحدى السنوات لم يقل تصدقوا بالطعام، أو تصدقوا بالدراهم، بل قال: اذبحوا، لكن لا تدخروا فوق ثلاث. وفي العام الثاني لما زالت الفاقة قال: كلوا وادخروا ما شئتم. فالمهم أنه يجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على أن الذبح نفسه عبادة عظيمة؛ ولهذا قرنه الله بالصلاة في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)) (١) ، فلا ينبغي أن ترسل الشعائر تقام هناك، وتترك الشعيرة هنا. ولهذا كان من حكمة الله أن البلاد غير مكة تقام فيها هذه الشعيرة، وهي التقرب إلى الله بالذبح، لكن في مكة هدي،

стр. 9854

وفي غيرها أضاحٍ. وإذا كان يحب أن ينفع إخوانه في الجهة الأخرى فليرسل إليهم دراهم صدقة، تطوعاً لله . فهذه مسألة ينبغي أن يتنبه لها. ١٣٤- وفيه دليل على تأكد الأكل من الهدي؛ لأنه ﵊ أمر من كل بدنة بقطعة، وكان يكفيه أن يأخذ من بدنة واحدة يأكل ما شاء، لكن تحقيقاً لقوله تعالى: (فكلوا منها) (١) . ١٣٥- أنه يجوز التوكيل في ذبح الهدي؛ لأن الرسول ﷺ وكل علي بن أبي طالب ﵁ أن ينحر الباقي، ولكن لا ينبغي التوكيل إلا إذا دعت الحاجة إليه، إما لكثرة الهدي، أو لكون الذبح يشغله عما هو أهم؛ لأن الرسول ﵊ لا شك أن حاجات الناس تتعلق به في الاستفتاء وغيره، فلهذا لما نحر ثلاثاً وستين أعطى علياً ﵁، فنحر الباقي، وهو سبع وثلاثون بعيراً. ١٣٦- مشروعية إهداء الإبل؛ لأن النبي ﷺ أهدى إبلاً مائة بعير، وأشرك علياً ﵁ في هديه. ١٣٧- وفيه دليل على كرم النبي ﷺ حيث أهدى مائة بدنة عن سبعمائة شاة. وكثير من الناس اليوم يشق عليه إهداء شاة واحدة، حتى إنه يختار النسك المفضول على الفاضل تفادياً للهدي. ١٣٨- أنه ينبغي أن يفيض إلى مكة ليطوف ضحى يوم النحر؛

стр. 9855

لأن الرسول ﷺ أفاض ضحى يوم النحر قبل أن يصلي الظهر، بعد أن أكل من لحم هديه، لأنه أمر من كل بدنة بقطعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها، وشرب من مرقها. ١٣٩- أنه ينبغي أن يصلي الظهر يوم العيد بمكة؛ لأن الرسول ﷺ صلى الظهر بمكة، لكن قد ثبت في الصحيحين أنه صلاها بمنى (١) ، فاختلف العلماء- ﵏ في هذا: فمنهم من سلك طريق الترجيح، ومنهم من سلك طريق الجمع، والصحيح سلوك طريق الجمع، لأن الحديثين كلاهما صحيح بلا شك، وإذا صح الحديثان، وأمكن الجمع لم يعدل إلى الترجيح. والجمع بينهما ممكن بأن يقال: إن الرسول ﷺ صلى الظهر بمكة، ثم خرج إلى منى فوجد بعض أصحابه لم يصل فصلى بهم إماماً، ون صلاته في منى معادة، كما كان يفعل معاذ رضي الله عنه مع قومه، يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة (٢) . ١٤٠- أن الله تعالى قد ينزل البركة للإنسان في وقته، فيفعل في الوقت القصير ما لا يفعل في الوقت الكثير، وهذا شيء مشاهد، ومن أعظم ما يعينك على هذا أن تستعين بالله في جميع أفعالك، بأن تجعل أفعالك مقرونة بالاستعانة بالله، حتى لا توكل

стр. 9856

إلى نفسك، لأنك إن وكلت إلى نفسك وكلت إلى ضعف وعجز، وإن أعانك الله فلا تسأل عما يحصل لك من العمل والبركة فيه. ١٤١- أنه ينبغي الشرب من ماء زمزم؛ لأن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم. فإن قال قائل: هل يفعل شيئاً آخر غير الشرب كالرش على البدن، أو على الثوب أو أن يغسل به أثواباً يجعلها لكفنه، كما كان الناس يفعلون ذلك من قبل؟ فالجواب: لا. فنحن لا نتجاوز في التبرك ما ورد عن النبي ﷺ ، وهذا لم ير عن النبي ﷺ فلا نتجاوز إليه، بل ما ثبت عن النبي ﷺ أخذنا به وإلا فلا. ١٤٢- أنه ينبغي على من شرب من ماء زمزم أن يتضلع منه، لأن هذا الماء خير، وقد ورد حديث في ذلك لكن فيه نظر وهو (أن آية ما بين أهل الإيمان والنفاق التضلع من ماء زمزم) (١) ، وذلك لأن ماء زمزم ليس عذباً حلواً، بل يميل إلى الملوحة، والإنسان المؤمن لا يشرب من هذا الماء الذي يميل إلى الملوحة إلا إيماناً بما فيه من البركة، فيكون التضلع منه دليلاً على الإيمان. ١٤٣- وفيه أن أفعال النبي ﷺ أسوة؛ لقوله لبني عبد المطلب: "انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم "، لأنه لو نزع لكان سنة يأخذ بها الناس، وحينئذ يغلبونهم على السقاية. ١٤٤- وفيه تواضع النبي ﷺ حين شرب من الدلو الذي

стр. 9857

يشرب منه الناس، ناولوه دلواً فشرب منه ﵊. وظاهر الحال أنه شرب قائماً، فقيل شرب قائماً لضيق المكان، وقيل: إنه شرب قائماً، من أجل أن يتضلع منه، أي من ماء زمزم؛ لأن الإنسان. إذا شرب قائماً تضلع من الماء أكثر، والله أعلم. المهم أن هذا الحديث من أطول الأحاديث في صفة حج النبي ﷺ ، ولهذا جعله الشيخ الألباني (١) ﵀ أصلاً لصفة حج النبي ﷺ ، وبنى منسكه المعروف المشهور على هذا، وزاد فيه ما زاد. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. تم بحمد الله المجلد الرابع والعشرون ويليه بمشيئة الله المجلد الخامس والعشرون

стр. 9858

الهدي والأضحية

стр. 9859

س١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن الفرق بين الهدي والأضحية والفدية ؟ فأجاب- ﵀ بقوله: أما الأضحية فهي: ما يذبح في أيام عيد الأضحى تقربًا إلى الله في عامة البلدان، في مكة وغيرها. وأما الهدي فهو: ما يهدى إلى الحرم، من الإبل والبقر والغنم، بمعنى أن يبعث الإنسان بشيء من الإبل، أو البقر، أو الغنم تذبح في مكة، وتوزع على فقراء الحرم، أو يبعث بدراهم ويوكل من يشتري بها هديًا من إبل أو بقر أو غنم ويذبح في مكة ويوزع على الفقراء. ومن الهدي- أيضًا- ما يقوم به المحرم المتمتع الذي أتى بالعمرة ثم بالحج فلزمه هدي، يكون تقربًا إلى الله ، وشكرًا لنعمه حيث يسر له العمرة والحج. أما الفدية فهي: ما كانت عن ترك واجب أو فعل محظور. مثال عن ترك الواجب: أن يترك الإنسان رمي الجمرات فيجب عليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء. ومثال فعل المحظور: أن يحلق رأسه وهو محرم، فعليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك، هذا هو الفرق.

стр. 9860

س ٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حكم الأضحية؟ وما حكم إفراد الميت بالأضحية ؟ فأجاب- ﵀ بقوله: الأضحية سنة مؤكدة للقادر عليها، فيضحي الإنسان عن نفسه وأهل بيته. وأما إفراد الميت بالأضحية فليس بسنة، فإنه لم يرد عن النبي ﷺ - فيما أعلم- أنه ضحى عن أحد ميت أضحية منفردة، ولا عن أصحابه في حياته ﷺ ، ولكن يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته، وإذا نوى أن يكون الميت معهم فلا بأس. س ٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن حكم الأضحية؟ وما شروطها؟ وهل تشرع عن الأموات؟ فأجاب- ﵀ بقوله: الأضحية سنة مؤكدة، وقال بعض العلماء: إنها واجبة، ولكل قوم دليلٌ استدلوا به، والاحتياط ألا يدعها الغني الذي أغناه الله ﵎، وأن يجعلها من نعمة الله عليه، حيث يشارك الحجاج في شيء من النسك، فإن الحجاج في أيام العيد يذبحون هداياهم، وأهل الأمصار يذبحون ضحاياهم، فمن رحمة الله ﵎ أن شرع لأهل الأمصار أن يضحوا في أيام الأضحية ليشاركوا الحجاج في شيء من النسك.

стр. 9861

ولهذا نقول: القادر عليها لا ينبغي أن يدعها. ثم الأضحية ليست للأموات، الأضحية للأحياء، وليست بسنة للأموات، ودليل ذلك: أن الشرع إنما يأتي من عند الله ورسوله ﷺ ، والذي جاءت به السنة هي الأضحية عن الأحياء، فالنبي ﷺ مات له أقارب ولم يضحِّ عنهم، كل أولاده توفُّوا قبله ﵊، منهم الذي بلغ الحُلُم، ومنهم من لم يبلغ الحلم، فأبناؤه ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم، وبناته مِتْنَ بعد أن بلَغْنَ الحُلُم، إلا فاطمة- ﵂، فقد بقيت بعده، ومات له زوجتان: خديجة، وزينب بنت خزيمة- ﵄، ولم يضحِّ عنهما، واستشهد عمُّه حمزة بن عبد المطلب- ﵁ ولم يضحِّ عنه، فهو ﵊ لم يشرع الأضحية عن الميت، ولم يدعُ أمَّته إلى ذلك. وعلى هذا فنقول: ليس من السنة أن يُضحَّى عن الميت؟ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا علمته واردًا عن الصحابة أيضًا، نعم إذا أوصى الميت أن يضحَّى عنه فهنا تُتبع وصيته ويَضحى عنه، اتباعًا لوصيته، وكذلك إذا دخل الميت مع الأحياء ضمنًا كأن يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته، وينوي بذلك الأحياء والأموات، وأما أن يُفردَ الميت بأضحية من عنده، فهذا ليس من السنة.

стр. 9862

أما الأضحية نفسها فلها شروط: منها ما يتعلق بالوقت. ومنها ما يتعلق بنفس الأضحية. أما الوقت: فإن الأضحية لها وقت محدد لا تشرع قبله ولا بعده. ووقتها: من فراغ صلاة العيد إلى مغيب الشمس ليلة الثالث عشرة، فتكون الأيام أربعة: هي يوم العيد. وثلاثة أيام بعده. فمن ضحَّى في هذه المدة ليلاً أو نهارًا فأضحيته صحيحة، من حيث الوقت، ومن ضحى قبل الصلاة فشاته شاة لحم لا تجزئ عن الأضحية، وعليه أن يذبح بدلها، ومن ضحى بعد غروب الشمس في اليوم الثالث عشر لم تجزِ عن الأضحية اللهم إلا أن يكون معذورًا. وأما شروطها بنفسها، فيشترط فيها: الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم، ضأنها ومعزها، فمن ضحَّى بشيء غير بهيمة الأنعام لم تُقبل منه، مثل أن يُضحِّي الإنسان بفرس، أو بغزال، أو بنعامة، فإن ذلك لا يُقبل منه؟ لأن الأضحية إنما وردت في بهيمة الأنعام، والأضحية عبادة وشرع، لا يُشرع منها ولا يُتعبد لله بشيء منها إلا بما جاء به الشرع، لقول النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) أي مردود.

стр. 9863

الشرط الثاني: أن تبلغ السن المعتبر شرعًا: وهي في الضأن: ستة أشهر. وفي المعز: سنة. وفي البقر: سنتان. وفي الإبل: خمس سنوات. فمن ضحى بما دون ذلك فلا أُضحية له، فلو ضحى بشيء من الضأن له خمسة أشهر لم تصح الأضحية به، أو بشيء من المعز له عشرة أشهر لم تصح الأضحية به، أو بشيء من البقر له سنة وعشرة أشهر لم تصح الأضحية به، أو بشيء من الإبل له أربع سنين وستة أشهر لم تصح به، فلابد أن يبلغ السن المعتبر، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (لا تذبحوا إلا مُسِنَّة- يعني ثنيّة- إلا أن تعْسُرَ عليكم فتذبحوا جَذَعة من الضأن " (١) . الشرط الثالث: أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء: وهي أربعة: أجاب بها النبي ﷺ حيث سُئل: ماذا يُتقى من الضحايا؟ فقال: "أربع: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيِّن عرجها، والعجفاء التي لا تُنقي " (٢) أي ليس

стр. 9864

فيها مُخ، لهزالها وضعفها، وما كان مثل هذه العيوب أو أشد فهو بمعناها، له حكمها، فهذه ثلاثة شروط عائدة إلى ذات الأضحية، والشرط الرابع عائد إلى وقتها وسبق بيانه. أما كيف توزع: فقد قال الله تعالى: "ليَشهَدُوا مَنافِعَ لَهُم وًيذكرُوا آسمَ اللهِ فِى أيامٍ معلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم من بَهِيمَةِ اَلأنعامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأطْعِمُوا آلْبَآئِسَ اَلفَقِيرَ " (١) وقال سبحانه: وَالبُدنَ جَعَلْنَاهَا لَكْم مٍنّ شَعَائِرِ اللهِ لَكْمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاَذْكُرُوا اَسمَ اَللهِ عَلَيها صَوَآفَّ فَإذَا وَجَبَت جُنُوبُهَا فَكُلْواْ مِنْهَا وَأطعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعتَرَّ كَذَالِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكْمْ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ" (٢) ، فيأكل الإنسان منها، ويتصدق منها على الفقراء، ويُهدي منها للأغنياء، تألُّفًا وتحبُّبًا، حتى يجتمع في الأضحية ثلاثة أمور مقصودة شرعية: الأمر الأول: التمتع بنعمة الله، وذلك في الأكل منها. الأمر الثاني: رجاء ثواب الله، وذلك بالصدقة منها. الأمر الثالث: التودّد إلى عباد الله، وذلك بالهدية منها. وهذه معانٍ جليلة مقصودة للشرع، ولهذا استحب بعض العلماء أن تكون أثلاثًا، فثُلثٌ يأكله، وثُلثٌ يتصدق به، وثُلث يهديه.

стр. 9865

س٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما القول الصحيح في حكم الأضحية ؟ فأجاب بقوله: الذي يظهر لي أن الأضحية ليست بواجبة ولكنها سنة مؤكدة، يُكره للقادر تركها. س٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يستحب الهدي في العمرة ؟ فأجاب بقوله: نعم، والدليل أن الرسول ﷺ في عمرة الحديبية معه الهدي (١) ، بل إن الهدي مشروع ولو بغير نسك، كما كان الرسول ﷺ يبعث بالهدي من المدينة وهو في المدينة (٢) . س٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما سبب سياق النبي ﷺ الهدي في عمرة الحديبية مع أنه كان ذاهبًا للعمرة وليس للحج ؟ فأجاب بقوله: الهدي نوعان: النوع الأول: هدي واجب: وهذا لا يكون إلا في حق المتمتع أو

стр. 9866

القارن، لقوله تعالى:" فَمَن تَمَتَّعَ بِالّعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَمَا اَسْتَيسَرَ مِنَ اَلهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَهِ أَيَّامٍ فِى اَلحَجّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعُتم تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَهٌ ذَالِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أهلُهُ , حَاضِري اَلمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ" (١) . النوع الثاني: هدي تطوع: وهذا يكون في حق المفرد في الحج، وفي حق المعتمر، وفي حق من لم يحج ومن لم يعتمر، فالمفرد له أن يهدي هديًا يتقرب به إلى الله، والمعتمر له أن يهدي هديًا يتقرب به إلى الله، ومن لم يحج ولم يعتمر وكان في بلد له أن يهدي هدياً يتقرب به إلى الله فيرسله إلى مكة، كما فعل النبي ﷺ حين أرسل هدياً إلى مكة وهو مقيم في المدينة (٢) ، وكما أهدى الهدي في عمرة الحديبية (٣) ، فالهدي نفسه عبادة يتقرب به إلى الله، ولكن قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً، فهو واجب على القارن والمتمتع، وسنة في حق المفرد في الحج، وفي العمرة، ومن لم يحج ولم يعتمر. وهناك هدي واجب من نوع آخر وهو ما يكون بسبب الإتلاف كالهدي الواجب في قتل الصيد، قال الله ﵎: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَقتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأنتُمْ حُرُم وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُّتَعَمِداً فَجَزاء مِثْلُ

стр. 9867

مَا قَتَلَ مِنَ اَلنعَمِ-يَحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدلٍ مِنكُمْ هَدْيَا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أوْ كَّفارَةٌ طَعَامُ مَساَكِينَ أَوْ عَدلُ ذَالِكَ صيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أمِرهِ عَفَا اَللهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اَللهُ مِنهُ وَاَللهُ عَزيزٌ ذُو اَنتِقَام) (١) . س٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: رجل يتقرب إلى الله بذبيحة لكن في غير وقت الأضحية، فهل له أجر ؟ فأجاب بقوله: من المعلوم أن التقرب إلى الله بذبيحة في غير وقت الأضحية لا يحصل فيها أجر الأضحية، لكن إن تصدق بلحمها فله أجر الصدقة. وأما يأخذ أجر الأضحية فلا، وحينئذٍ نقول له: لا تتقرب بالذبح إلا على نية أنك تريد أنت تتقرب بالصدقة بلحمها. س ٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حكم الأضحية وهل يستدين الإنسان ليضحي ؟ فأجاب بقوله: الأضحية سنة مؤكدة لمن كان قادراً عليها، حتى قال بعض أهل العلم: إنها واجبة، وممن قال بوجوبها أبو حنيفة وأصحابه- ﵏ وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله- واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀، وعلى هذا فلا

стр. 9868

ينبغي للقادر أن يدع الأضحية. أما مَن ليس عنده فلوس فإنه لا ينبغي له أن يستدين ليضحي؛ لأنه سوف يشغل ذمته بالدين، ولا يدري أيقدر على وفائه أم لا، لكن من كان قادرًا فلا يدع الأضحية لأنها سنة، والأضحية في الحقيقة إنما هي عن الرجل وأهل بيته هذه هي السنة كما فعل النبي ﷺ ، فقد كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، والإنسان إذا ضحى بالشاة عنه وعن أهل بيته كفاه عن الجميع الأحياء والأموات، ولا حاجة أن يخص الأموات بأضحية كما يفعل بعض الناس، حيث يخصون بعض الأموات بالأضحية، ويدعون أنفسهم لا يضحون عنهم ولا عن أهليهم، وأما الأضاحي عن الأموات في الوصايا التي أوصوا بها فلابد من تنفيذها، والله أعلم. س٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل ذبح الأضحية يوم العيد واجب أو سنة ؟ فأجاب بقوله: كان الذي ينبغي أن يسأل عن الأضحية هل هي واجبة أم لا؟. وقد اختلف العلماء في وجوبها. فمنهم من قال: إنها واجبة كما هو مذهب أبي حنيفة، وإحدى

стр. 9869

الروايتين عن الإمام أحمد، وأحد القولين في مذهب مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن النبي ﷺ أمر بها وواظب عليها. ومن العلماء من يقول: إنها سنة مؤكدة يكره للقادر تركها. س١٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كيف يجمع الإنسان بين الأضحية والحج؟ وهل هذا مشروع ؟ فأجاب بقوله: الحاج لا يضحي وإنما جهدي هديًا؟ ولهذا لم يضحِّ النبي ﷺ في حجة الوداع وإنما أهدى، ولكن لو فرض أن الحاج حج وحده وأهله في بلده فهنا يدع لأهله من الدراهم ما يشترون به الأضحية ويضحون بها، ولكون هو جهدي، وهم يضحون؟ لأن الأضاحي إنما تشرع في الأمصار، أما في مكة فهو الهدي. س١١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كيف يجمع الإنسان بين الحج والأضحية؟ وماذا يصنع بالنسبة للأخذ من شعره وأظفاره ؟ فأجاب بقوله: الحاج لا يضحي لكن من له أهل فإنه يجعل عندهم القيمة يضحون عنهم، وأما هو فله الهدي، وإذا قدِّر أنه قال لأهله: ضحوا عني وعنكم، فهو المضحي حقيقة، ولكن لا حرج أن يأخذ من شعره إذا تحلل من العمرة؟ لأن الإنسان المتمتع إذا قدم مكة وطاف

стр. 9870

وسعى فإنه يقصر وهذا التقصير لا يضر؟ لأنه نسك والذي ورد به النهي إنما هو الأخذ لغير النسك. س١٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل على الحاج أضحية؟ وما الجواب عن أن النبي ﷺ ضحى عن أزواجه بالبقر (١) ؟ وما جاء في حديث ثوبان ﵁ قال: "ذبح رسول الله ﷺ ضحيته" (٢) وفي رواية أن ذلك في حجة الوداع (٣) ؟ فأجاب بقوله: الأضحية للحاج إن كان يريد أن يضحي في أهله، بمعنى أنه حج وأهله مقيمون في بلده وأراد أن يعطيهم دراهم يشترون بها الأضحية يضحون بها فهذا لا بأس به. وأما إذا كان يريد أن يضحي في منى فإنه لا يضحي في منى، ليس في الحج إلا الهدي. وأما حديث أن النبي ﷺ ضحى عن أزواجه بالبقر فالمراد بـ (ضحى) ، أي: ذبحها عنهن في الضحى، فأهدى لهن بقرًا، لكن

стр. 9871

ذبحها في الضحى فأطلق عليها أنها أضحية، وكذلك ما جاء في حديث ثوبان- ﵁، وكل ما أطلق عليه أنه أضحية في الحج فإنه هدي. س١٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل على كل مسلم أن يضحي؟ وهل يجوز اشتراك خمسة أفراد في أضحية واحدة ؟ فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. الأضحية هي الذبيحة التي يتقرب بها الإنسان إلى الله في عيد الأضحى والأيام الثلاثة بعده، وهي من أفضل العبادات؟ لأن الله قرنها في كتابه بالصلاة فقال جل وعلا: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (١) ، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (٢) وضحى النبي ﷺ بأضحيتين إحداهما عنه وعن أهل بيته، والثانية عمن آمن به من أمته (٣) ، وحث

стр. 9872

الناس عليها صلوات الله وسلامه عليه، ورغب فيها. وقد اختلف العلماء- ﵏ هل الأضحية واجبة، أو ليست بواجبة على قولين. فمنهم من قال: إنها واجبة على كل قادر؟ للأمر بها في كتاب الله في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) ولما جاء عن النبي ﷺ فيمن ذبح قبل الصلاة أن يذبح بعد الصلاة (١) ، وفيما روي عنه: "من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا" (٢) ، فلا ينبغي للإنسان أن يدع الأضحية ما دام قادراً عليها، فليضح بالواحدة عنه وعن أهل بيته، ولا يجزئ أن يشترك اثنان فأكثر اشتراك ملك في الأضحية الواحدة من الغنم ضأنخها أو معزها، أما الاشتراك في البقرة أو البعير فيجوز أن يشترك سبعة في الواحدة، هذا باعتبار الاشتراك في الملك، وأما التشريك بالثواب فلا حرج أن يضحي الإنسان بالشاة عنه وعن أهل بيته وإن كانوا كثيرين، بل له أن يضحي عن نفسه وعن علماء الأمة الإسلامية وما أشبه ذلك من العدد الكثير الذي لا يحصيه إلا الله.

стр. 9873

وهنا أنبه على أمر يفعله بعض العامة معتقدين: أن الأضحية إنما تكون عن الميت، حتى إنهم كانوا فيما سبق إذا قيل لأحدهم: هل ضحيت عن نفسك؟ يقول: أضحي وأنا حي؟! يستنكر هذا الأمر، ولكن ينبغي أن يُعلم أن الأضحية إنما شرعت للحي، فهي من السنن المختصة بالأحياء، ولهذا لم يرد عن النبي ﷺ أنه ضحى عن أحد من الذين ماتوا من أقاربه، أو من زوجاته على وجه الانفراد، فلم يضح عن خديجة، وهي أول زوجاته- ﵂، ولا عن زوجته زينب بنت خزيمة- ﵂ التي ماتت بعد تزوجه إياها بمدة غير طويلة، ولم يضح عن عمه حمزة بن عبد المطلب- ﵁ الذي استشهد في أحد، وإنما كان يضحي عنه وعن أهله بيته، وهذا يشمل الحي والميت، وهناك فرق بين الاستقلال والتبع، فيضحى عن الميت تبعًا بأن يضحي الإنسان عنه وعن آل بيته، وينوي بذلك الأحياء والأموات، وأما أن يضحي عن ميت بخصوصه بعينه فهذا لا أساس له من السنة فيما أعلم، أما إذا كان الميت قد أوصى بأضحية فإنه يضحي عنه تبعًا لوصيته، وأرجو أن يكون هذا الأمر معلومًا، وهو أن الأضحية إنما تشرع في الأصل في حق الحي لا في حق الميت، فالأضحية عن الميت تكون بالتبع وتكون بوصية، أما تبرعًا من أحد فإنها وإن جازت، لكن الأفضل خلاف ذلك.

стр. 9874

س١٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل من السنة أن الإنسان إذا أهدى في الحج أن يضحي ؟ فأجاب بقوله: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه لا أضحية للحاج؟ لأن النبي ﷺ لم يضح، وأهدى مئة بعير عن سبع مائة رأس من الغنم (١) ، لكن إذا كان الإنسان له عائلة لم يحجوا معه، وأوصاهم أن يضحوا عنه وعنهم فهذا طيب. فإذا كان له عائلة فمن السنة أن يجعل لهم أضحية عنه وعنهم إذا لم يحجوا معه، وأما الحجاج فلا يضحون وإنما يهدون هديًا. س١٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀ عن رجل يضحي مع عائلته، وله أبناء في مدينة أخرى ليسوا متزوجين، ولم يضحوا فماذا عليهم ؟ فأجاب بقوله: إذا ضحوا فهو خير، وإن تركوا الأضحية فلا شيء عليهم، والأضحية لا تلزم أحدًا؟ لأن الأضحية سنة مؤكدة من الأصل. س١٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن شخص له والدة متوفاة، ويريد أن يضحي عنها من ماله، فهل يشركها في الأضحية

стр. 9875

مع أهل بيته، أم يضحي عنها بأضحية خاصة؟ فأجاب بقوله: لا يشرع للميت أضحية خاصة تُخصُ به، وإن كان هذا جائزًا لكنه ليس بمشروعٍ، إذ لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه- ﵃ فيما أعلم- أنه ضحى عن أحد من الأموات أضحية مستقلة، فالنبي ﷺ قد ماتت زوجته خديجة، وماتت زوجته زينب بنت خزيمة- ﵄ ومتن بناته إلا فاطمة، ومات أبناؤه، ومات عمه حمزة- ﵃ ولم يخص أحدًا منهم بأضحية، وإنما كان يقول ﷺ عند تضحيته: "اللهم هذه عن محمد واس محمد" (١) ، فيشمل آل بيته الأحياء والأموات. وإذا كان كذلك فإن الأفضل في حق السائل ألا يخص أمه بأضحية خاصة، وإنما يضحي بأضحية عنه وعن أهل بيته، وتشمل الأحياء والأموات هذه هي السنة، وإن بعض الناس يضحي بأضحية عن الميت أول سنة من موته يسمونها: أضحية الحفرة، أو أضحية الدفنة، وهذا من البدع؟ لأن تخصيص الميت بأضحية بهذا الاسم في أول سنة يموت لم يرد عن الرسول ﷺ ، ولا عن أصحابه، فيكون من البدع التي ابتدعها الناس، وكل بدعة ضلالة كما قال النبي ﷺ (٢) .
следующие страницы →