← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1229

المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية - جمعا ودراسة-

سناد تسرنكتش

Полный текст (676 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

نوقش بأنه لم يثبت، وعلى فرض ثبوته يحمل على من التقت هي من النساء، وليس عامًا في كل النساء. وكذلك وُجد الحيض فيما بعد خمسين على وجهه (١). تعليل القول الثالث: علَّل القائلون بالجمع بين تحديد المدة وتقديم الأجناس بعضها على بعض بأن المرأة العربية أقوى طبيعة من غيرها (٢). يناقش بأنه تفريق بين المتماثلات، فلا فرق بين نساء العرب وغيرهن؛ لأنهن لا يختلفن في سائر أحكام الحيض، وكذلك هاهنا (٣). الترجيح: بعد استعراض الأقوال في المسألة، وإيراد أدلة كل قول يظهر أن القول الأول أقرب إلى الصواب، وأن سن اليأس لا يُحدَّد بمدة معلومة، بل يُرجع إلى اعتبارات كثيرة –وقد سبق ذكرها في ثنايا الكلام في المسألة-، وقد وافق الأطباء على بعض تلك الاعتبارات (٤). إضافة إلى أن جميع الأقوال المذكورة آنفاً مبنية في الجملة على الاستقراء والتتبع لأصول النساء وأحوالهن، وهي من اختلاف التنوع وليس التضاد، وكلها لها حظ من النظر، إلا أن القول الأول أشمل، والثاني أسهل، والثالث أولى بالرجحان لو لم يتوقف أصحابه من ربط المدة بالاعتبارات الأخرى.

стр. 107

وعليه لو أمكن الجمع بين هذه الأقوال بأن يقال: إن سن اليأس يحدَّد بالمدة من باب الأغلب أو المتوسط، ويضاف إلى ذلك النظر إلى الاعتبارات المذكورة سواء بعضها أو كلها. على سبيل المثال: المرأة في أوروبا إن كانت تعيش في أماكن باردة ولم تزاول المحرمات مثل التدخين والمخدرات، ولم تستخدم الأدوية التي تجعل الدورة تضطرب فإنه من المتوقع أن سن اليأس سيتأخر عندها، والعكس بالعكس. وكذا لو كانت هذه المرأة مدخنة أو مدمنة فإن المتوقع تقدم سن اليأس، وهكذا، والله أعلم. وهذه المسألة لها ثمرة تظهر في بعض الأمثلة، منها: - لو أن امرأة توقف حيضها وهي تبلغ من عمرها تسعة وأربعين عاماً، وعاشت حياتها فقيرة في أفريقيا مثلاً وقد زاولت أعمالاً شاقة، وكانت هزيلة، فعلى القول الأول قد بلغت سن اليأس؛ لأن تحديده يكون بالنظر إلى الدم، وقد توقف، وعلى القول الثاني لم تبلغ سن اليأس؛ لأنها دون الخمسين، وعلى القول الثالث كذلك سواء كانت عربية أم أعجمية، وعلى فرض الجمع بين الأقوال فإنها بلغت سن اليأس بالنظر إلى عمرها الذي هو قريب مما هو الغالب في النساء وبالنظر إلى نمط حياتها.

стр. 108

المطلب الخامس: كيفية تطهير الخف ونحوه: ترد هذه المسألة في كتب الحنفية في كتاب الطهارة باب الأنجاس عند ذكر تطهير بدن المصلي وثوبه ومكانه، وكذا خفه، فيقررون أن الخف إن كان عن ذي جرم (١) جف فيطهر بالدلك بالأرض، وأبو يوسف –﵀ يجوز في رطب ذي جرم إذا بالغ (في الرطوبة)، وبه يفتى (٢). ومعناه أن الخف إذا تنجس بنجس ذي جرم يطهر بالدلك، سواء كان جافاً أو رطباً؛ لقوله – ﷺ : "فمن أراد أن يدخل المسجد فليقلب نعليه، فإن رأى بهما أذى فليمسحهما بالأرض، فإن الأرض لهما طهور" (٣)، ولأن البلوى العامة تحققت، فلا معنى لاشتراط الجفاف إذ يلحق الناس بذلك حرج وهو مدفوع (٤). والمسألة لها علاقة بمسألة: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟ أم أن النجاسة تزول بأي مزيل؟ تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في كيفية إزالة نجاسة الخف ونحوه بين غسلها وبين مسحها بالأرض ودلكها بها على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن نجاسة الخف ونحوه تطهر بالدلك بالأرض كما تطهر بالغسل، وهو قول الحنفية –كما سبق-، وهو القول القديم للشافعي (٥)، ورواية عن أحمد (٦).

стр. 109

القول الثاني: إن الخف إذا تنجس بنجاسة فلا بد من غسله كسائر النجاسات، وهو القول الجديد للشافعي (١)، ورواية ثانية عن أحمد (٢). القول الثالث: التفريق بين النجاسات، فإن كانت مغلظة مثل البول والعذرة فلا بد من الغسل، وإن كانت غير ذلك فالدلك، وهو قول المالكية (٣)، ورواية ثالثة عن أحمد (٤). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن الخف يطهر بغير الماء مثل الدلك والمسح بأدلة، منها: الدليل الأول: قول النبي – ﷺ : "فليمسحهما بالأرض، فإن الأرض لهما طهور" (٥). وجه الدلالة: هذا الحديث نص على أن إزالة النجاسة تكون بغير الماء مثل الدلك بالأرض.

стр. 110

الدليل الثاني: إذن النبي – ﷺ في إزالة النجاسة بغير الماء في مواضع، منها الاستجمار بالأحجار (١). الدليل الثالث: لأن تنجس الخف ونحوه مما عمت به البلوى فيعفى، دفعًا للمشقة (٢). الدليل الرابع: لأن الخف محل تتكرر إصابة النجاسة له، فأجزأ فيه المسح كالسبيلين (٣). تعليل القول الثاني: علَّل القائلون بأن الخف ونحوه إذا تنجس فلا بد من غسله بكون الدلك لا يزيل جميع أجزاء النجاسة (٤)، فلا بد من الماء كبقية النجاسات. نوقش بأن الحديث الذي استدل به أصحاب القول الأول يرده، والعمل به أولى (٥)، كما يناقش بأن التنظيف الجاف أو بالبخار في الوقت الراهن يزيل النجاسة بدون ماء (٦). أدلة القول الثالث: استدل القائلون بالتفريق بين النجاسات بأدلة، منها: الدليل الأول: أن نجاسة البول والعذرة مغلظة وفاحشة باتفاق (٧)، ومن النجاسات التي اختلف فيها، فلا بد من التفريق بينهما في الحكم. نوقش بأن النبي – ﷺ وأصحابه –﵃ كانوا يصلون في نعالهم، والظاهر أنه لا يسلم من نجاسة يصيبها، فلولا أن دلكها يجزئ لما صحت الصلاة فيها (٨).

стр. 111

الدليل الثاني: العفو من الغسل هو لما يعسر الاحتراز منه مثل المواضع التي تكثر فيها الدواب، وأما ما لا تكثر فيه فلا يعفى عنه (١). قد يناقش بأنه يعسر الاحتراز من النجاسات المغلظة في بعض مواضع أخرى مثل الحمامات العامة التي تقل العناية بها. الترجيح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها يظهر أن القول الأول أقرب إلى الرجحان؛ لقوة أدلته، ولورود المناقشة على أدلة القولين الآخرين، ومما يؤيد رجحان القول الأول في الوقت الراهن ما يُسمى بالتنظيف الجاف أو بالبخار، فإنه يزيل النجاسة بدون ماء (٢). والخلاف في المسألة له ثمرات عملية تظهر في بعض الأمثلة، منها: - لو أن إنساناً أراد أن يصلي في نعليه مثلاً ورأى عليهما نجاسة الغائط، فعلى القول الأول يمسحهما أو يدلكهما بالأرض ويصلي فيهما إلا أن الحنفية يشترطون زوال عين النجاسة ورائحتها، وعلى القول الثاني لا بد من غسلهما، وعلى القول الثالث لا بد من غسلهما أيضاً؛ لأن النجاسة غائط وهي مغلظة، ولو كانت غير مغلظة لكفى الدلك. - لو أراد إنسان أن يصلي وعنده ثوب تنجس بروث الإبل وآخر تنجس ببول الإنسان، وقد نظفهما بالبخار، فعلى القول الأول يصلي في أيهما شاء ولا شيء عليه، وعلى الثاني لا يصلي فيهما؛ لأنه لم يغسلهما، وعلى الثالث يصلي في الأول لأن النجاسة ليست مغلظة فيكفي الدلك وما ينوبه من المزيلات، والتنظيف بالبخار منها، ولا يصلي في الثاني؛ لأن النجاسة مغلظة فلا بد من غسلها.

стр. 112

المبحث الثاني: في مسائل الصلاة المطلب الأول: وقت صلاة المغرب: هذه المسألة ترد في كتب الحنفية في كتاب الصلاة تحت باب أوقاتها، فيذكرون أولاً صلاة الظهر ثم العصر ثم المغرب، ويقولون: إن وقت صلاة المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق، وهو الحمرة عند الصاحبين، وعند أبي حنيفة هو البياض (١)، وروي ما يوافق قولهما (٢)، وعليه الفتوى (٣). فهو اتفاق الأئمة الثلاثة في المذهب، وعلى فرض وجود الخلاف بين الإمام وصاحبيه فيقدم قولهما وفق قواعد الترجيح في حالة وجود الضرورة أو الموجب، وبعض العلماء تطرق لذلك فقال إن قولهما أوسع للناس، وقوله أحوط (٤)؛ لأن الحمرة قبل البياض (٥).

стр. 113

دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على أن وقت صلاة المغرب يبدأ حين تغرب الشمس (تمامًا) (١) (٢)، واختلفوا في نهايته (٣)، على قولين: القول الأول: ليس للمغرب إلا وقت واحد مقدر بفعله، فإذا مضى بعد غروب الشمس مقدار ما يصلى فيه ثلاث ركعات خرج وقت المغرب، وهو الأشهر عند المالكية (٤)، وقول الشافعي في الجديد (٥). القول الثاني: وقت المغرب ينتهي بغياب الشفق، وهو الحمرة، وهو قول الحنفية –كما سبق-، وقول عند المالكية (٦)، وقول الشافعي في القديم (٧)، وقول الحنابلة (٨).

стр. 114

الأدلة والمناقشات: دليل القول الأول: استدل القائلون بأن المغرب ليس له إلا وقت واحد بحديث إمامة جبريل –﵇، وفيه: "ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم"، وفي اليوم الثاني: " ثم صلى المغرب لوقته الأول" (١). وجه الدلالة: كونه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد، مما يدل على أن وقته واحد. نوقش بأنه محمول على بيان استحباب الأداء، وليس وقت الإدراك (٢). ونوقش أيضاً أنه جاء ليعلمه المباح من الأوقات؛ لأنه لم يؤخر العصر إلى الغروب مع بقاء الوقت إليه، وكذا لم يؤخر العشاء إلى ما بعد ثلث الليل وإن كان بعده وقت العشاء بالإجماع (٣). دليل القول الثاني: استدل القائلون بأن وقت المغرب ينتهي مع غياب الشفق (الحمرة) بما روي عن ابن عمرو بن العاص –﵁ عن النبي – ﷺ أنه قال: "ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق" (٤) (٥). وفي الرواية: "فإذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق" (٦).

стр. 115

وجه الدلالة: في الحديثين نص على أن وقت المغرب يمتد إلى حين غياب الشفق، وهو الحمرة. ولفظ (يسقط) في الحديث الثاني يدل على أن الشفق يغيب سريعاً، والله أعلم. الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الثاني أقرب إلى الصواب؛ لقوة دليله وورود المناقشة على دليل القول الأول، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الأمثلة، منها: - لو أن إنساناً سمع أذان المغرب ثم توضأ وجهز نفسه للصلاة ثم صلى فصلاته صحيحة على القولين. - ولو أخرها قليلاً بشرب القهوة أم برد على الهاتف وما إلى ذلك من الأعمال التي ليست من الصلاة ولا من مقدماتها، فإن صلاها بعد ذلك فصلاته قضاء لا أداء على القول الأول، وعلى القول الثاني قد صلاها في وقتها؛ لأن الشفق لم يغب بعد.

стр. 116

المطلب الثاني: السجود على الأنف دون الجبهة: ورد في هذه المسألة خلاف بين الإمام أبي حنيفة وصاحبيه –﵏؛ فالقول الأول: إن السجود على الأنف دون الجبهة جائز عند الإمام مع الكراهة (١)، لكن رواية أسد بن عمرو (٢) عن الإمام توافِق قول الصاحبين الآتي (٣). والقول الثاني: إنه لا يجوز السجود على الأنف دون الجبهة، وهو قول صاحبيه (٤)، وعليه فقول المذهب هو عدم جواز السجود على الأنف دون الجبهة (٥)، وعليه الفتوى (٦). دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على أن السجود يكون على سبعة أعضاء، ومنها الوجه، واتفقوا أيضا على أن من سجد على جبهته وأنفه فقد سجد على وجهه (٧). واختلفوا في السجود على أحدهما (٨).

стр. 117

فإن كان الاقتصار على الجبهة دون الأنف فقد سجد على وجهه كذلك، وإن كان الاقتصار على الأنف دون الجبهة فلا خلاف؛ لأنه لم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة –﵀ (١)، وصاحباه على خلاف ذلك، وله رواية أخرى توافق قولهما (٢). فعلى كل الاحتمالات لا يوجد خلاف بين المذاهب، لأن الفتوى على قول الصاحبين لو لم يرو عن أبي حنيفة موافقة قولهما، فكيف إذا رُوي ذلك؟ وعليه فإن السجود على الأنف دون الجبهة لا يجوز، والمسألة متفق عليها بين المذاهب الأربعة (٣). أدلة المسألة: استدل العلماء على عدم جواز السجود على الأنف دون الجبهة بأدلة، من أبرزها:

стр. 118

الدليل الأول: حديث ابن عباس –﵄ أن النبي – ﷺ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة، وأشار بيده على أنفه واليدين والركبتين، وأطراف القدمين" (١)، وعدَّ منها الجبهة. وجه الدلالة: لو كان الأنف محلاً للسجود لذكره وعدّه (٢)، وإنما أشار إليه من باب التبعية للجبهة (٣). الدليل الثاني: قد يستدل بأن المقصود بالسجود التذلل والخضوع، وذلك لا يتحقق إلا بالجمع بين الجبهة والأنف. الدليل الثالث: لم يثبت عن النبي – ﷺ الاقتصار على الأنف صريحاً لا بفعل ولا بقول (٤). وعلى فرض وجود الخلاف فإن له ثمرات علمية تظهر في بعض الأمثلة، منها: - لو سجد المصلي على الجبهة دون الأنف فصلاته صحيحة على الخلاف في المسألة، ولو اقتصر على الأنف دون الجبهة فصلاته باطلة بالاتفاق، ولو سجد على الجبهة والأنف معاً فصلاته صحيح بالإجماع. - لو أن إنساناً سجد على الأنف دون الجبهة فإنه لا تشترط طهارة موضع الأنف؛ لأنه أقل من الدرهم عند من يجوِّز مثل هذا السجود (٥)، بخلاف من يقول بالجمع بين الجبهة والأنف، فإنه كله موضع الوجه فلا بد من طهارته.

стр. 119

المطلب الثالث: وقت ابتداء التكبير وانتهائه في أيام عيد الأضحى وقت تكبير التشريق في كتب الحنفية من المسائل التي ترد في كتاب الصلاة تحت باب صلاة العيدين (١)، فيقولون: إنه واجب عقيب الصلوات المفروضة في جماعات الرجال المقيمين بالأمصار (٢)، واختلفوا في وقته على قولين: القول الأول: وقته من عقيب صلاة الفجر يوم عرفة بالاتفاق (٣) إلى عقيب صلاة العصر أول أيام النحر أي ثمان صلوات؛ لأن الأصل فيه الإخفاء، فالمصير إلى الأقل جهراً أولى (٤) (٥). والقول الثاني: إلى عصر آخر يوم التشريق أي ثلاث وعشرون صلاة؛ لأن التكبير من العبادة، والاحتياط فيها الوجوب (٦)، وهو قول الصاحبين، والفتوى على ذلك (٧). وسلف الحنفية لا يخرجون عما ورد من اختلاف الصحابة في ذلك، ويخيِّرون في الأخذ بأحد القولين، وأن كله حسن (٨).

стр. 120

والمتأخرون أخذوا بقول الصاحبين، وعليه العمل (١). دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اختلف العلماء في ابتداء تكبير التشريق وانتهائه على ثلاثة أقوال (٢): القول الأول: وقت تكبير التشريق من عقيب صلاة الفجر يوم عرفة إلى عقيب صلاة العصر آخر يوم التشريق، وبه قال الحنفية على الراجح –كما سبق-، وهو قول عند المالكية في الانتهاء (٣)، والقول الأظهر عند الشافعية (٤)، وقول عند الحنابلة (٥). القول الثاني: وقته من دبر صلاة الظهر من يوم النحر، وآخره دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهو قول مالك على المشهور (٦)، والشافعي (٧)، ورواية عن أحمد (٨). القول الثالث: وقته من بعد غروب الشمس من ليلة العيد، وآخره دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهو قول عند الشافعي (٩).

стр. 121

والأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن وقت تكبير التشريق يبدأ من بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى عقيب صلاة العصر آخر أيام التشريق بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وجه الدلالة: أيام معدودات هي أيام التشريق، فينبغي أن يكون التكبير فيها مشروعاً (١). ولأن الله تعالى أمر بالذكر فيها أي أيام معدودات؛ وهي أيام يُرمى فيها، فأشبهت يوم النحر (٢). الدليل الثاني: حديث جابر –﵁: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه فيقول: "على مكانكم"، ويقول: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد"، فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق (٣). وجه الدلالة: حديث نص في ابتداء تكبير التشريق وانتهائه. نوقش بأنه ضعيف -كما سبق في تخريجه-، فلا يعتمد عليه.

стр. 122

الدليل الثالث: ما روي عن الصحابة –﵃ أنهم كانوا يكبرون بعد صلاة الصبح إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وأصح ما فيه رواية علي –﵁ أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق (١). الدليل الرابع: أمرنا بإكثار الذكر، وهذا يتحقق في الأكثر. الدليل الخامس: لأن يكبر ما لم يجب أولى من أن يترك ما وجب (٢). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن وقت تكبير التشريق يمتد من دبر صلاة الظهر يوم النحر إلى دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وهو في الابتداء. وجه الدلالة: والفاء للتعقيب وقضاء المناسك وقت الضحى من يوم النحر فينبغي أن يكون التكبير عقيبه.

стр. 123

وقد يناقش في أصل معنى الذكر المذكور في الآية، ففي تفسير الطبري (١) (٢) أن له معنى عام وهو الطاعة والعبادة لله، ومعنى خاص وهو التكبير، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال. الدليل الثاني: الناس تبع للحاج، وآخر صلاة يصليها الحاج بمنى صلاة الصبح ثم يخرج، وهو في انتهاء (٣). يناقش بأن الناس ليسوا تبعاً للحجيج في كل شيء، فقياس بقية الناس على الحجيج قياس مع الفارق. دليل القول الثالث: استدل القائلون بأن وقت تكبير التشريق يبتدأ مع غروب الشمس من ليلة العيد قياساً على عيد الفطر، وعلى انتهائه كون الناس تبعًا للحاج، وصلاة الصبح هي آخر صلاة يصليها الحاج بمنى، وقد سبق. ويناقش بما ورد من الصحابة من الآثار المخالفة، وأن قياس الناس على الحجيج قياس مع الفارق –كما سبق-. الترجيح: بعد استعراض الأقوال وسبب اختلافها وأدلة كل قول يظهر أن القول الأول أظهر؛ لقوة دليله، ولورود المناقشة على أدلة القولين الآخرين، وعليه كبار الصحابة، وهو أظهر عند المحققين للحديث. والخلاف في المسألة له ثمرات عملية تظهر في بعض الأمثلة، منها:

стр. 124

- لو بدأ شخص بتكبير التشريق ليلة العيد لم يكن مشروعاً إلا على القول الثالث. - ولو أنهاه بعد صلاة الصبح آخر أيام التشريق فقد وافق وقته على القول الثاني والثالث، بخلاف الأول. - لو بدأ شخص بتكبير التشريق عقيب صلاة الفجر يوم النحر فقد تأخر به على القول الأول والثالث بخلاف الثاني، ولو أنهاه عقيب صلاة العصر آخر أيام التشريق فقد أخرجه عن وقته على القول الثاني والثالث بخلاف الأول.

стр. 125

المبحث الثالث: الاحتيال لإسقاط الزكاة هذه المسألة من المسائل المشكلة الشائكة، وقد ذكرها صاحب الوقاية في كتاب الشفعة تحت باب ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب، ونصها: "ولا يكره حيلة إسقاط الشفعة والزكاة عند أبي يوسف –﵀، وبه يفتى في الشفعة، وبضده في الزكاة" (١)، وقد نص على أن الفتوى عليها. جاء في الوقاية: "اعلم أن حيلة إسقاطهما لا يكره عند أبي يوسف –﵀، ويكره عند محمد –﵀، ويفتى في الشفعة بقول أبي يوسف –﵀؛ لأنه منع عن وجوب الحق لا إسقاط للحق الثابت، وهكذا يقول في الزكاة، لكن هذا في غاية الشناعة؛ لأنه إيثار للبخل، وقطع رزق الفقراء الذين قدره الله تعالى في مال الأغنياء، والانخراط في سلك الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، والاستبشار بما بشرهم الله تعالى" (٢). ومن العلماء من تطرق إلى هذه المسألة وحمل قول أبي يوسف –﵀ على أن الخلاف في إسقاط الزكاة بالحيلة قبل مضي الحول (٣)؛ لأنه "امتناع من التزام الحق مخافة أن لا يخرج منه إذا التزمه فلا يكون مكروهاً كمن امتنع من جمع المال حتى لا يلزمه حج أو زكاة؛ وهذا لأن المذموم منع الحق الواجب وليس في هذا الاستبدال من منع الحق الواجب شيء" (٤)، ويؤيده قولهم "إن الحيلة في إسقاط الشفعة قبل وجوبها لا تكره، والحيلة في إسقاط الزكاة على هذا" (٥).

стр. 126

وروي عن أبي حنيفة –﵀ مثله (١). ومن الأمثلة على ذلك:

стр. 127

- "لو وهب النصاب في خلال الحول ثم تم الحول عند الموهوب له ثم رجع الواهب بقضاء، أو غيره فلا زكاة على واحد منهما" (١). - شخص لديه مليون ريال أوشك أن يحول عليه الحول فيقوم بشراء عمارة سكنية ثم بعد فترة وجيزة ببيعها ليستأنف حولاً. - امرأة لها حلي معد للاستعمال وهبته لابنتها قبل تمام الحول، ثم تسترجعه فيما بعد؛ لتستأنف حولاً. - شخص له أرض ينوي بها التجارة ثم يغير نيبته قبل تمام الحول فيجعلها للبناء والسكن. - شخص لديه نصاب ماشية فقام فذبح بعضها وادخر لحمها قبل تمام الحول بنية نقصانها دون النصاب. وتعقَّب بعض العلماء وقالوا: إنه رجع عن قوله في آخر أمره، وقال: "لا يحتال في إسقاط الزكاة ولا جزء منها"، وذلك في رسالته إلى هارون الرشيد (٢). مع أن قول محمد أقوى من قول أبي يوسف –رحمهما الله-، والمكروه عنده أي محمد حرام (٣)، وعليه فلا خلاف بين الصاحبين على أن التحايل لإسقاط الزكاة أمر محرم في دين الله.

стр. 128

وقد سبق في قواعد الترجيح الأغلبية في المذهب الحنفي أن قول أبي يوسف مقدم في مسائل القضاء، ومسألة التحايل على الزكاة من المسائل التي يمكن حملها على أن المراد من قوله: (لا يكره) هو تنفيذ الحيلة قضاءً (١)، وأما الديانة فقد جاء عنه في كتاب الخراج ما نصه: "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر منع الصدقة ولا إخراجها من ملكه إلى ملك جماعة غيره ليفرقها بذلك؛ فتبطل الصدقة عنها بأن يصير لكل واحد منهم من الإبل والبقر والغنم ما لا يجب فيه الصدقة، ولا يحتال في إبطال الصدقة بوجه ولا سبب" (٢)، وكذا يمكن حمل قول أبي حنيفة –﵀، فيصير اتفاقهم على تحريم التحايل ديانة، واختلافهم في حكمه قضاء، وقد رجع أبو يوسف عن قوله، ووافق قول محمد، والذي يقدم هنا هو قول الصاحبين بأن التحايل لإسقاط الزكاة محرم مطلقاً. والله أعلم. دراسة المسألة دراسة مقارنة بعد الاطلاع على مذاهب الفقهاء في هذه المسألة تبين لي أنه لا خلاف بينهم في أن التحايل لإسقاط الزكاة أمر لا يجوز، وعليه الحنفية –كما سبق- على القول المفتى به، والمالكية قالوا بتحريم أي فعل غرضه الفرار من الزكاة، والفرار منها إسقاطها (٣)، والشافعية قالوا بكراهة ذلك كراهة تنزيه (٤)، وقيل: الحرام (٥)، وهو قول الحنابلة. (٦)

стр. 129

أدلة المسألة: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ [القلم: ١٧ - ٢٠]. وجه الدلالة: جاء في تفسير الآية (١) أن الله – عاقبهم بذلك؛ لفرارهم من الزكاة (٢). الدليل الثاني: يمكن أن يُستدل بقوله – ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣). وجه الدلالة: كون الأمور بمقاصدها (٤)، وكذا قصد الفارّ من الزكاة بالحيل. الدليل الثالث: قوله – ﷺ : "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (٥). وجه الدلالة: الحديث نص على تحريم الحيل لاستحلال محارم الله، وكذا المتحايل لإسقاط الزكاة بالحيل. قد يناقش بأن الحديث فيمن يتحايل على الأحكام الثابتة الواجبة، والمسألة في التحايل لإسقاط ثبوت الأحكام أو منعها.

стр. 130

الدليل الرابع: قياس الفار من الزكاة على المطلق في مرض موته؛ لأنه يقصد به إسقاط حق غيره (١). وثمرة المسألة عدم جواز التحايل لإسقاط الزكاة أو الفرار منها، ولو فعلها شخص فإن الزكاة لا تسقط عنه، ولو نفذت الحيلة قضاءً.

стр. 131

المبحث الرابع: محرم قتل صيداً في يد محرم آخر وردت هذه المسألة في المبسوط في كتاب المناسك تحت باب جزاء الصيد، وقد ذكر محرماً قتل صيداً في يد محرم آخر، وأن على كل واحد منهما جزاؤه؛ فأما القاتل فلأنه جنى على إحرامه بقتل الصيد، وأما الآخذ فلأنه كان متلفاً لمعنى الصيدية فيه حكماً بإثبات يده، ثم يرجع الآخذ بما ضمن من الجزاء على القاتل (١)، وعند زفر –﵀ لا يرجع عليه بشيء؛ لأن الآخذ لم يملك الصيد، ولا كانت له فيه يد محترمة، ووجوب الضمان له على القاتل باعتبار أحد هذين المعنيين، وعليه الفتوى (٢). دراسة المسألة دراسة مقارنة: تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في محرم قتل صيداً في يد محرم آخر؛ هل جزاؤه على القاتل دون الآخذ أم عليهما معاً؟ وإذا كان عليهما معاً هل يرجع الآخذ على القاتل أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إذا قتل محرم صيداً في يد محرم آخر فعلى كل واحد منهما الجزاء كاملاً، والآخذ لا يرجع على القاتل، وهو قول الحنفية –كما سبق-. وقول المالكية إذا كانت نية الآخذ أن يمسك الصيد ليقتله الآخر (٣). ورواية عن الإمام أحمد. (٤) القول الثاني: يجب الجزاء كله على القاتل وحده. وهو القول الأصح عند الشافعية (٥).

стр. 132

القول الثالث: يجب الجزاء بينهما نصفين، وهي أصح الروايات عن أحمد (١). أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن الجزاء على القاتل والآخذ معاً بأدلة، منها: الدليل الأول: دليل وجوب الجزاء عليهما: لأن الآخذ متعرض للصيد بأخذه، والقاتل متعرض له بقتله. ودليل رجوع الآخذ على القاتل: لأن الآخذ متمكن من الإرسال والقاتل مقرر بقتل ما كان على شرف الزوال، والتقرير كالابتداء في حق التضمين، فيضمن كشهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا، حيث يرجع الزوج بما ضمنه من نصف المهر عليهم (٢). قد يناقش بأن الآخذ يأخذه لأسباب غير القتل، فلا يضمن ابتداءً. الدليل الثاني: أي دليل عدم رجوع الآخذ على القاتل؛ وهو كون الآخذ لم يكن يملك الصيد، ولا كانت له فيه يد محترمة، ووجوب الضمان له على القاتل يرجع إلى أحد هذين الاعتبارين، ولم يكن كذلك، فعلى ذلك لا يرجع، ويبقى الضمان عليه؛ لأنه جزاء في مقابل صنعه (٣). يُناقش بما ورد في الشق الثاني من الدليل الأول السابق ذكره بأنه متمكن من الإرسال، ولم يفعله.

стр. 133

دليل القول الثاني: استدل القائلون بأن الجزاء على القاتل فقط بدليل اجتماع السبب والمباشرة، فقالوا: إنه وُجد من الآخذ أو الممسك سبب، ومن القاتل مباشرة، وإذا اجتمع السبب والمباشرة تعلق الضمان بالمباشرة قياساً على قتل الآدمي (١). أدلة القول الثالث: استدل القائلون بأن الجزاء على نصفين، لكل واحد منهما النصف بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وجه الدلالة: لو أن جماعة قتلوا صيداً، فيلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل، فلا يجب. نوقش بأن قوله تعالى: ﴿من النعم﴾ لم يخرج تفسيراً للمثل، وبيانه أن قوله: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ كلام تام بنفسه مفيد بذاته من غير وصله بغيره؛ لكونه مبتدأً وخبراً، وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] يمكن استعماله على غير وجه التفسير للمثل؛ لأنه كما يرجع إلى الحكمين في تقويم الصيد المتلف يرجع إليهما في تقويم الهدي الذي يوجد بذلك القدر من القيمة، فلا يجعل قوله: ﴿مثل ما قتل﴾ مربوطاً بقوله : ﴿من النعم﴾ مع استغناء الكلام عنه (٢). الدليل الثاني: لأنه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه، فكان واحداً كالدية، أو كما لو كان القاتل واحداً (٣).

стр. 134

نُوقش بأن الكفارة في قتل الآدمي تفارقه؛ لأنها تختلف باختلاف المقتول ولا تتبعَّض (١). الترجيح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها يظهر أن القول الثاني أقرب إلى الصواب؛ لقوة دليله، ولورود المناقشة على أدلة المخالفين، وللمسألة ثمرات عملية تظهر في بعض الأمثلة، منها: - لو أن إنساناً قتل أرنباً في يد محرم آخر فعلى القول الثاني: القاتل يضمن ولا شيء على الآخذ، وعلى القول الأول: على كل واحد منهما جزاء كاملاً، وعلى القول الثالث: على كل واحد نصف الجزاء ويشتركان فيها. - وكذا في بقية أنواع الصيد مثل النعامة والظبي والغزال والضبع واليربوع إلخ.

стр. 135

الفصل الثاني: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في المعاملات، وفيه عشرون مبحثًا: المبحث الأول: في مسائل النكاح، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: غياب الولي الأقرب غيبة منقطعة. المطلب الثاني: أثر النكاح الفاسد في تحديد المدة المعتبرة لإثبات النسب. المطلب الثالث: السفر بالزوجة قبل إعطائها مهرها. المبحث الثاني: الطلاق بغير العربية. المبحث الثالث: ظهار الذمي. المبحث الرابع: في مسائل الأيمان، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: قول: (كل حلال علي حرام). المطلب الثاني: من حلف ألا يلبس حلياً فلبس عقد اللؤلؤ. المطلب الثالث: من حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن. المبحث الخامس: في مسائل النفقة، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: وقت وجوب النفقة للزوجة وقدرها. المطلب الثاني: نفقة الزوجة إذا حُبست في دين. المطلب الثالث: نفقة الزوجة إذا حُبست في سفرها مع محرم لأداء الحج. المطلب الرابع: حد اليسار في النفقة. المبحث السادس: في مسائل الإجارة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الإجارة على الطاعات. المطلب الثاني: اختلاف المؤجر والمستأجر في أجرة العمل. المبحث السابع: إسقاط حق الشفعة بالاحتيال وبتأخير الخصومة والمحاكمة. المبحث الثامن: تذكية الصيد إذا أدركه المرسل حيّاً. المبحث التاسع: في مسائل البيوع، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: ما يُعرَض بالأنموذج رؤيةُ بعضِه كرؤية كله. المطلب الثاني: الرجوع بنقصان العيب في الطعام بعد أكله.

стр. 136

المطلب الثالث: الربا، وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً. المسألة الثانية: بيع الخبز بالحنطة والدقيق نسيئةً. المسألة الثالثة: بيع الكرباس بالقطن. المسألة الرابعة: استقراض الخبز وزنًا وعددًا. المطلب الرابع: السلم في الخبز. المبحث العاشر: ثبوت الوكالة بالقبض بثبوت الوكالة بالخصومة والتقاضي. المبحث الحادي عشر: في مسائل المزارعة والمساقاة، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حكم المزارعة. المطلب الثاني: اشتراط الأعمال في المزارعة التي ليست منها. المطلب الثالث: حكم المساقاة. المبحث الثاني عشر: وقف العقار والمنقول. المبحث الثالث عشر: في مسائل الدعوى والشهادة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الحقوق التي يجوز فيها اليمين، والحقوق التي لا يجوز فيها. المطلب الثاني: الاقتصار على ظاهر العدالة في الشاهد المسلم. المبحث الرابع عشر: في مسائل القضاء، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الحقوق التي يُقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي. المطلب الثاني: إذا قضى القاضي في المجتهَد فيه مخالفاً لرأيه. المبحث الخامس عشر: في مسائل القسمة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: كيفية قسمة البناء الذي له سفل وعلو. المطلب الثاني: التعارض بين مصالح الجيران. المبحث السادس عشر: ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل. المبحث السابع عشر: في مسائل الضمان، وفيه مطلبان: المطلب الأول: ضمان الإتلاف. المطلب الثاني: ضمان الساعي بغير حق.

стр. 137

المبحث الثامن عشر: في مسائل الحجر، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تحديد سن البلوغ وعلاماته. المطلب الثاني: بيع القاضي عروض المدين وعقاره. المبحث التاسع عشر: كيفيّة تقدير حكومة العدل. المبحث العشرون: مقدار ما يوقف للحمل من الميراث.

стр. 138

الفصل الثاني: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في المعاملات: المبحث الأول: في مسائل النكاح: المطلب الأول: غياب الولي الأقرب غيبة منقطعة: مسألة غيابة الولي ترد في كتب الحنفية في كتاب النكاح عند مسألة الولي في نكاح الصغير والصغيرة؛ فإذا غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة فهل يجوز للولي الأبعد أن يقوم بتزويجهما قبل رجوع الولي الأقرب؟ الصحيح أنه يجوز (١)، لكن اختلفوا في تعريف الغيبة المنقطعة التي إذا تحققت يجوز حينها للولي الأبعد أن ينوب الولي الأقرب في التزويج. منهم من قال: إنها تتحقق إذا كان الولي في بلد لا تصل القوافل إليه في السنة إلا مرة واحدة (٢)، ومنهم من قدَّرها بأدنى مدة السفر؛ لأنه ليس لأقصاه نهاية، فيعتبر الأدنى، وعليه الفتوى (٣). وقيل: إن كان الأقرب في موضع يفوت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه فهو غيبة منقطعة، وإن كان لا يفوت فليست بمنقطعة، وهذا أقرب إلى الفقه؛ لأن التعويل في الولاية على تحصيل النظر للمولى عليه، ودفع الضرر عنه (٤). وعليه فتوى جماعة من المتأخرين (٥).

стр. 139

وقيل إن الفتوى على غيره (١). والذي يظهر أن اختلافهم اختلاف عصر وزمان وليس حجة وبرهان؛ فكل كان يقدِّر ويحدِّد بناءً ما عنده من معطيات عصره أو مصره، وذلك يرجع إلى العادة في الغالب. وفي العصر الحاضر مع وجود التقنيات الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي من الصعب أن نتصور الغيبة المنقطعة بما ذكر من التعريفات من حيث المسافة والبعد المكاني. ولذلك عند تعريف الغيبة المنقطعة لا بد من الرجوع إلى حقيقة الولاية والهدف منها وهو تحصيل المنفعة للمولى عليه ودفع الضرر عنه –كما سبق-. وعليه فإن التعريف المختار –الذي عليه فتوى جماعة من متأخري الحنفية (٢) - هو كون غيابه يفوِّت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه، وهذا لا ينضبط، بل يُرجع إلى العرف والعادة، والله أعلم. دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على أن الغيبة لها أثر على تزويج الصغير والصغيرة من حيث انتقال الولاية في الجملة (٣)، واختلفوا في تحديد صفة الغيبة المؤثرة، على ثلاثة أقوال إجمالاً:

стр. 140

القول الأول: الغيبة المنقطعة غياب الولي الأقرب بحيث يفوت الكفء باستطلاع رأيه، وعليه متأخرو الحنفية، وعليه الفتوى –كما مضى-، وهو أيضاً قول الشافعية إلا أنهم فرقوا بين الغيبة القريبة والبعيدة بمسافة يوم وليلة، لكن علَّقوا الأمر على فوات حق البنت من عقدها، فإذا غاب مسافة يوم وليلة وفي ذلك فوات لمصلحة البنت فإنها غيبة بعيدة أي منقطعة التي تنتقل بها الولاية من الأقرب إلى غيره (١). القول الثاني: النظر إلى سبب الغياب وإرادة الإقامة؛ فإن كان لأجل التجارة ونحوها في بلاد بعيدة مثل إفريقيا ولم يُرد المقام فيها فالغيبة ليست منقطعة، وإن كان ممن خرج في المغازي إلى أفريقيا أو الأندلس فأقام في تلك البلاد فالغيبة منقطعة، وهو قول المالكية (٢). القول الثالث: النظر إلى المشقة والكلفة الناتجة عن مراجعة الغائب، وهو قول الحنابلة (٣). بعد البحث لم أظفر بأدلة الأقوال، وقد يُستدل بما ذُكر من العرف والعادة، وهذا يختلف باختلاف الأمصار والأزمان، وكلٌّ له عادته، فلا ينضبط إلا إذا عُلِّق الأمر على مصلحة المولى عليه ودفع ضرره.

стр. 141

وعليه فقد تبيَّن لي أن الاختلاف بين الأقوال اختلاف تنوع، وأنها تدور حول تحصيل المنفعة ودفع المضرة، وكيفية ذلك ترجع إلى العرف وما جرت به العادة؛ فالجمع بينها هو التعريف المختار، فيقال: إن الغيبة المنقطعة غياب الولي الذي يفوت مصلحة المولى عليه أو يجلب له الضرر عرفاً (١). وفي قديم الزمان كانوا يقدرون ذلك بالمدة أو بالمسافة أو بالمشقة والكلفة أو بالإقامة، والآن يمكن استطلاع رأي الولي الأقرب في دقائق وهو في أقصى الدنيا، ثم لو حددنا الغيبة بالمسافة وحضور الولي شخصياً فإنه لو كان في مشرق الأرض سيصل إلى مغربها في حدود يوم أو يومين بالطائرات، وانتظار الكفء هذا الوقت من الأمور المقبولة عرفاً، والله تعالى أعلم.

стр. 142

المطلب الثاني: أثر النكاح الفاسد في تحديد المدة المعتبرة لإثبات النسب: النكاح الفاسد كل نكاح فقد شرطاً من شروطه أو ركناً من أركانه، ومثاله: نكاح بلا ولي عند غير الحنفية، أو نكاح بلا شهود عند غير المالكية، أو عقد على الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، أو عقد على أخت مطلقته قبل انقضاء عدتها منه إلخ (١). وقد نص فقهاء الحنفية على أن النكاح الفاسد يلزم منه العدة، وإثبات النسب، ومدته من حين الدخول، وهو قول محمد –﵀، وبه يُفتى (٢)، وعند الشيخين من وقت النكاح (٣). ودليل القول الراجح كون النكاح الفاسد ليس بداعٍ إلى الوطء والإقامة باعتباره، أي إقامة النكاح مقام الوطء باعتبار أن النكاح داعٍ إلى الوطء، والنكاح الفاسد ليس بداعٍ إليه، فلا يقام مقامه (٤). دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن النسب يثبت في النكاح الفاسد إذا اتصل به دخول حقيقي (٥)، واختلفوا في بدء اعتبار مدة النسب فيه على قولين: القول الأول: مدة النسب تبدأ من حين الدخول أو الوطء، وهو الراجح عند الحنفية –كما مضى-، والصحيح عند الشافعية (٦)، وقول الحنابلة (٧).

стр. 143

القول الثاني: مدة النسب تبدأ من وقت النكاح، وهو قول المالكية (١)، وقول مرجوح عند الشافعية (٢)، وقول مرجوح عند الحنفية –كما سبق-. الأدلة والمناقشات: دليل القول الأول: استدل القائلون بأن مدة النسب تبدأ من حين الدخول وليس وقت النكاح بالتفريق بين النكاح الصحيح وبين النكاح الفاسد، فقالوا بأن النكاح الفاسد ليس بداعٍ إلى الوطء الذي يُعتبر في إقامة النكاح بخلاف النكاح الصحيح فإنه داعٍ إليه. دليل القول الثاني: استدل القائلون بأن المدة تبدأ من وقت النكاح بقياس النكاح الفاسد على الصحيح، وأنه لا فرق بينهما من حيث إثبات مدة النسب (٣). ونوقش بأنه قياس مع الفارق، وذلك بدليل القول الأول أي أن إقامة العقد مقام الوطء في النكاح الصحيح باعتبار أن العقد داعٍ إلى الوطء، والنكاح الفاسد ليس بداعٍ إلى الوطء؛ لكونه حراماً واجب الرفع فلا يقام العقد مقام الوطء، ولا تعتبر المدة من حيث العقد (٤).

стр. 144

الترجيح: بعد استعراض القولين ودليليهما يظهر أن القول الأول أوفق وأقرب للصواب لقوة دليله وورود المناقشة على دليل القول الآخر، وللخلاف في المسألة ثمرة عملية تظهر فيما لو تزوج شخص امرأة في العدة مثلاً، ثم أتت بولد لستة أشهر كأقل مدة الحمل؛ فعل القول الأول يثبت النسب إذا جاءت بولد لستة أشهر من وقت الدخول، وعلى الثاني يثبت إذا جاءت به لستة أشهر من وقت العقد (١).

стр. 145

المطلب الثالث: السفر بالزوجة قبل إعطائها مهرها: من المسائل المهمة في كتاب النكاح ما يتعلق بالمهر ونوعه، وأقله وأكثره، ووقت إعطائه وأثر ذلك على النكاح والحياة الزوجية؛ ففي كتب الحنفية ينصون على أن للمرأة أن تمنع نفسها عن زوجها، وألا تسافر معه حتى يعطيها مهرها إلا إذا كان مؤجلاً (١)، واختلفوا في سفرها معه فيما لو أعطاها مهرها كله، فمنهم من قال: إنه يسافر بها إلى أي مكان يريد (٢)، ومنهم من قال: إنه لا يسافر بها (٣) (٤)، وعليه الفتوى، بدليل أن الزمان قد فسد، والغريب يؤذى (٥). وبعضهم فصَّل المراد من عدم السفر بها بألا يخرجها إلى بلد غير بلدها؛ لأن الغريبة تؤذى فيه، والغربة لا تتحقق في الذهاب إلى القرى القريبة (٦). وهذه المسألة من مسائل اختلاف العصر والزمان وليس الحجة والبرهان (٧)، وبيان ذلك أن الأمر اختلف مما كان في زمان الإمام، ففي زمانه الغالب من حال الناس الصلاح، وأما في الأزمنة المتأخرة فعكس ذلك؛ وعليه فلا يملك الزوج أن يسافر بها وإن أوفى مهرها، والسبب أن المرأة إذا كانت بين عشيرتها فالزوج لا يقدر على أن يظلمها، ومتى نقلها إلى بلد آخر ظلمها (٨).
следующие страницы →