وعليه فقد تبيَّن لي أن الاختلاف بين الأقوال اختلاف تنوع، وأنها تدور حول تحصيل المنفعة ودفع المضرة، وكيفية ذلك ترجع إلى العرف وما جرت به العادة؛ فالجمع بينها هو التعريف المختار، فيقال: إن الغيبة المنقطعة غياب الولي الذي يفوت مصلحة المولى عليه أو يجلب له الضرر عرفاً (١).
وفي قديم الزمان كانوا يقدرون ذلك بالمدة أو بالمسافة أو بالمشقة والكلفة أو بالإقامة، والآن يمكن استطلاع رأي الولي الأقرب في دقائق وهو في أقصى الدنيا، ثم لو حددنا الغيبة بالمسافة وحضور الولي شخصياً فإنه لو كان في مشرق الأرض سيصل إلى مغربها في حدود يوم أو يومين بالطائرات، وانتظار الكفء هذا الوقت من الأمور المقبولة عرفاً، والله تعالى أعلم.
стр. 142
المطلب الثاني: أثر النكاح الفاسد في تحديد المدة المعتبرة لإثبات النسب:
النكاح الفاسد كل نكاح فقد شرطاً من شروطه أو ركناً من أركانه، ومثاله: نكاح بلا ولي عند غير الحنفية، أو نكاح بلا شهود عند غير المالكية، أو عقد على الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، أو عقد على أخت مطلقته قبل انقضاء عدتها منه إلخ (١). وقد نص فقهاء الحنفية على أن النكاح الفاسد يلزم منه العدة، وإثبات النسب، ومدته من حين الدخول، وهو قول محمد –﵀، وبه يُفتى (٢)، وعند الشيخين من وقت النكاح (٣).
ودليل القول الراجح كون النكاح الفاسد ليس بداعٍ إلى الوطء والإقامة باعتباره، أي إقامة النكاح مقام الوطء باعتبار أن النكاح داعٍ إلى الوطء، والنكاح الفاسد ليس بداعٍ إليه، فلا يقام مقامه (٤).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على أن النسب يثبت في النكاح الفاسد إذا اتصل به دخول حقيقي (٥)، واختلفوا في بدء اعتبار مدة النسب فيه على قولين:
القول الأول: مدة النسب تبدأ من حين الدخول أو الوطء، وهو الراجح عند الحنفية –كما مضى-، والصحيح عند الشافعية (٦)، وقول الحنابلة (٧).
стр. 143
القول الثاني: مدة النسب تبدأ من وقت النكاح، وهو قول المالكية (١)، وقول مرجوح عند الشافعية (٢)، وقول مرجوح عند الحنفية –كما سبق-.
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل القائلون بأن مدة النسب تبدأ من حين الدخول وليس وقت النكاح بالتفريق بين النكاح الصحيح وبين النكاح الفاسد، فقالوا بأن النكاح الفاسد ليس بداعٍ إلى الوطء الذي يُعتبر في إقامة النكاح بخلاف النكاح الصحيح فإنه داعٍ إليه.
دليل القول الثاني:
استدل القائلون بأن المدة تبدأ من وقت النكاح بقياس النكاح الفاسد على الصحيح، وأنه لا فرق بينهما من حيث إثبات مدة النسب (٣).
ونوقش بأنه قياس مع الفارق، وذلك بدليل القول الأول أي أن إقامة العقد مقام الوطء في النكاح الصحيح باعتبار أن العقد داعٍ إلى الوطء، والنكاح الفاسد ليس بداعٍ إلى الوطء؛ لكونه حراماً واجب الرفع فلا يقام العقد مقام الوطء، ولا تعتبر المدة من حيث العقد (٤).
стр. 144
الترجيح:
بعد استعراض القولين ودليليهما يظهر أن القول الأول أوفق وأقرب للصواب لقوة دليله وورود المناقشة على دليل القول الآخر، وللخلاف في المسألة ثمرة عملية تظهر فيما لو تزوج شخص امرأة في العدة مثلاً، ثم أتت بولد لستة أشهر كأقل مدة الحمل؛ فعل القول الأول يثبت النسب إذا جاءت بولد لستة أشهر من وقت الدخول، وعلى الثاني يثبت إذا جاءت به لستة أشهر من وقت العقد (١).
стр. 145
المطلب الثالث: السفر بالزوجة قبل إعطائها مهرها:
من المسائل المهمة في كتاب النكاح ما يتعلق بالمهر ونوعه، وأقله وأكثره، ووقت إعطائه وأثر ذلك على النكاح والحياة الزوجية؛ ففي كتب الحنفية ينصون على أن للمرأة أن تمنع نفسها عن زوجها، وألا تسافر معه حتى يعطيها مهرها إلا إذا كان مؤجلاً (١)، واختلفوا في سفرها معه فيما لو أعطاها مهرها كله، فمنهم من قال: إنه يسافر بها إلى أي مكان يريد (٢)، ومنهم من قال: إنه لا يسافر بها (٣)(٤)، وعليه الفتوى، بدليل أن الزمان قد فسد، والغريب يؤذى (٥).
وبعضهم فصَّل المراد من عدم السفر بها بألا يخرجها إلى بلد غير بلدها؛ لأن الغريبة تؤذى فيه، والغربة لا تتحقق في الذهاب إلى القرى القريبة (٦).
وهذه المسألة من مسائل اختلاف العصر والزمان وليس الحجة والبرهان (٧)، وبيان ذلك أن الأمر اختلف مما كان في زمان الإمام، ففي زمانه الغالب من حال الناس الصلاح، وأما في الأزمنة المتأخرة فعكس ذلك؛ وعليه فلا يملك الزوج أن يسافر بها وإن أوفى مهرها، والسبب أن المرأة إذا كانت بين عشيرتها فالزوج لا يقدر على أن يظلمها، ومتى نقلها إلى بلد آخر ظلمها (٨).
стр. 146
بل قال بعضهم إن من عادة زمانهم حصول مُضارة قطعية في الاغتراب بها (١).
فاستقر القول على ذلك وليس فيه العدول عن ظاهر الرواية؛ لأن الإمام لو عاش أو رأى ذلك لقال به، فهو مذهبه حكماً (٢)، ويفهم منه أن الحكم لن يختلف لولا الغربة والظلم.
وبعد الاطلاع على بقية المذاهب تبين لي أن المسألة أقرب إلى الوفاق بينهم، وأن الخلاف بينهم أشبه بالخلاف اللفظي، وبيانه على النحو الآتي:
- المالكية نصوا على أن للزوج أن يظعن أي أن يسافر بزوجته من بلد إلى بلد وإن كرهت، وينفق عليها، واشترطوا حرية الزوج وأمانته وإحسانه إليها، وأمن الطريق وأن تكون البلد قريبة بحيث لا ينقطع خبرها عن أهلها (٣).
- وعند الشافعية للزوج أن يسافر بزوجته إلى أي بلد شاء (٤)، لكن بشرط أمن الطريق، وإذا امتنعت عن السفر معه كانت ناشزاً (٥).
- وعند الحنابلة للزوج أن يسافر بزوجته الحرة إلى الجهة التي يريد بشرط أمن الطريق (٦).
وإن الناظر في الأقوال السابقة وتعليلاتها سيجد أن من منع سفر الزوجة مع زوجها تعليله عدم أمن الطريق أو ظلم المرأة، وهو شرط لم يتحقق فيمنع، ومن أوجب سفرها مع زوجها لاستيفاء حقه منها اشترط عدم وجود ما علل به من منع، فلا فرق.
стр. 147
وعليه فإن المسألة لها ثمرة عملية تظهر في تحديد نشوز الزوجة إذا امتنعت من السفر مع زوجها؛ فإن امتنعت فإنه ينظر إلى أمن الطريق وصلاح الزوج وأمن البلد التي يسافر إليها إلخ.، وهذه الأمور نسبية، وقد تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، والله أعلم.
стр. 148
المبحث الثاني: الطلاق بغير العربية:
مسألة الطلاق بغير العربية ترد في كتب الفقه الحنفي في الغالب عند ذكر الطلاق بالفارسية، فيذكرون بعض الألفاظ مثل (بِهَشْتَم (١) إن زن)، أو (بِهَشْتَم) بلا (إن زن)، أو (دها كنم) (٢)، فيقررون أن الطلاق الذي يقع في الشرع نوعان: صريح وكناية.
والصريح كل لفظ لا يستعمل إلا في حل قيد النكاح، ومثاله لفظ الطلاق أو التطليق مثل: أنتِ طالق أو أنتِ الطلاق أو طلقتك، وسُمي صريحاً؛ لأن الصريح يطلق على ظاهر المراد مكشوف المعنى؛ فهو لا يستعمل إلا في الطلاق عن قيد النكاح فلا يُحتاج فيه إلى النية؛ لأن النية عملها في تعيين المبهم، ولا إبهام هنا (٣).
وأما الكناية فكل لفظ يُستعمل في الطلاق كما يستعمل في غيره، مثل أمرك بيدك، اعتدي، خليت سبيلك، لا سبيل لي عليك، أنت حرة، قومي، اخرجي، انتقلي إلخ.، وسمي كناية؛ لأنها ما استُتر المراد منه عند السامع، فاحتاج إلى قريبة النية، الطلاق لا يقع إلا بها. (٤)
واختلفوا في بعض الألفاظ الفارسية هل هي من الصريح أم الكناية، فقوله: (بِهَشْتَم إن زن) عند أبي يوسف ومحمد من الصريح؛ لأن أبا يوسف خالط العجم فعرف أنه في لغتهم من الصريح، بخلاف لفظ (بِهَشْتَم) فقط الذي معناه خلَّيت، وهو عند أبي يوسف من الكنايات إذا لم يضفه إلى النكاح أو الزوجة، فلا يحمل على الطلاق إلا بقرينة نية أو دلالة حال، وعند محمد مطلقاً؛ لأن معناه في العربية أنت مخلاة أو قد خليتك (٥).
стр. 149
والذي عليه الفتوى هو أن الطلاق بغير العربية -قياساً على الفارسية- إن كان فيها لفظ لا يُستعمل إلا في الطلاق فهو الصريح يقع به الطلاق من غير نية إذا أضيف إلى المرأة مثل (دها كنم) (١) أو (بِهَشْتَم)؛ لأن الصريح لا يختلف باختلاف اللغات، وما كان في الفارسية من الألفاظ تستعمل في الطلاق وغيره فهو من كنايات الفارسية، فيكون حكمه حكم كنايات العربية في جميع الأحكام (٢).
قلت: ولعل المتأخرين عدلوا عن قول الصاحبين لتغير العرف اللغوي، ففي زمانهما لفظ (بِهَشْتَم) لم يكن صريحاً إلا إذا أضيف إليه (إن زن)، ثم أصبح من الألفاظ الصريحة التي لا تستعمل إلا في الطلاق، والله أعلم.
والمسألة كسابقتها من مسائل الوفاق بين الفقهاء، وقد سبق قول الحنفية، وأما بقية المذاهب:
- فعند المالكية: جاء في المدونة أنه لم يُسمع من مالك شيء في الطلاق بالعجمية (٣)، لكن قالوا تخريجاً أن من طلق بالعجمية لزمه الطلاق إن شهد بذلك عدلان يعرفان تلك اللغة (٤).
- والشافعية: قالوا إن ترجمة الطلاق بالعجمية صريح على المذهب؛ لشهرة استعماله اللفظة في معناها عند أهلها شهرة استعمال العربية عند أهلها (٥).
- والحنابلة: نصوا على أن "صريح الطلاق بالعجمية بِهَشْتَم، فإذا أتى بها العجمي، وقع الطلاق منه بغير نية" (٦).
стр. 150
ويستنتج من هذا أن الطلاق بغير العربية يقع إذا كان بالألفاظ التي لا تستعمل إلا في الطلاق في تلك اللغة؛ فيكون صريحاً كما في العربية، إذ المدار على المعنى (١).
ومن الأمثلة على المسألة:
- لو قال البريطاني لزوجته: (You are divorced) ومعناه: أنت طالق، فإن الطلاق يقع بلا نية؛ لأنها من الألفاظ الصريحة التي لا تستعمل في الإنجليزي إلا للطلاق، وقد أضافها للمخاطبة بلفظ: (You are).
- وعكسه في الكنايات لو قال لها: (You are not my wife) بمعنى أنت لست زوجتي، فإن الطلاق لا يقع؛ لأنها من الألفاظ التي تستخدم في اللغة الإنجليزية في الطلاق وغيره.
стр. 151
المبحث الثالث: ظهار الذمي
تعريف الظهار والذمي لغة واصطلاحاً:
الظهار من الظهر وهو خلاف البطن من كل شيء (١)، ويدل على قوة وبروز، ومن ذلك الظهيرة؛ لأنها أظهر أوقات النهار وأضوؤها (٢).
وفي الاصطلاح قول الزوج لزوجته: أنت علي كظهر أمي (٣)، ثم انتقل إلى غيره من الأعضاء، وإلى غيرها من المحرمات (٤).
والذمي في اللغة من الذمة وهي العهد (٥) والكفالة (٦).
стр. 152
وفي الاصطلاح من التزم أحكام الإسلام في المعاملات مدة عمره (١)، وقيل: "الذمي نسبة إلى الذمة أي العهد من الإمام بالأمن على نفسه وماله في نظير التزامه الجزية ونفوذ أحكام الإسلام فيه" (٢).
والظهار من حيث أصله كان طلاقاً في الجاهلية فقرر الشرع أصله، ونقل حكمه إلى تحريم مؤقت بالكفارة من غير أن يكون مزيلاً للملك (٣).
стр. 153
وجاء في كتب الحنفية ما يفيد عدم التفريق بين المسلم والذمي في بعض المسائل مثل الإيلاء (١)، ووجوب النفقة على الزوجة (٢)، والإجارة؛ لأنها من عقود المعاوضات، وجريان الربا، والشفعة (٣)، والدية (٤)، والحدود (٥)، وغيرها، وينصون على أن الذمي قد التزم أحكام الإسلام في المعاملات (٦)، وفرقوا بينهما في مسائل مبناها على العبادة (٧)، ومنها الظهار؛ ولأن الظهار يلزم منه الكفارة وهي التكفير والتطهير، والكافر ليس بأهل لذلك، وما فيه من الشرك أعظم من الظهار، ولأن معنى العبادة يترجح في الكفارة حتى تتأدى بالصوم الذي هو محض عبادة لا يتأدى إلا بنية العبادة، وعليه الفتوى (٨).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
ينص الفقهاء على أن الذمي كالمسلم في المعاملات، فيصح منه البيع، وله حق الشفعة وغيرها -وقد سبق ذكر بعضها-، واختلفوا في المسائل التي لها جانب العبادة وجانب المعاملات مثل الظهار على قولين:
القول الأول: ظهار الذمي لا يصح، وهو قول الحنفية –كما مضى-، والمالكية (٩).
стр. 154
القول الثاني: ظهار الذمي يجوز، وهو قول الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن ظهار الذمي لا يصح بأدلة، منها:
الدليل الأول: قوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ٢].
وجل الدلالة: من وجهين:
الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ كناية عن المسلمين (٣).
ونوقش بأوجه، منها:
- أن الكفارة إنما وجبت على المسلم زجراً له عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور، وهذا المعنى قائم في حق الذمي فوجب أن يصح.
قد يجاب بآخر الآية الرابعة من سورة المجادلة بعد ذكر أحكام الظهار: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٤]، واللام لام التعليل، (٤) فالكفارة شرعت إيماناً كما شرعت زجراً (٥).
- وأن قوله: (والذين يظاهرون من نسائهم) متأخر في الذكر عن قوله: (الذين يظاهرون منكم)، والظاهر أنه كان متأخراً في النزول، فيكون العام قد ورد بعد الخاص، وعند أبي حنيفة –﵀ إذا ورد العام بعد الخاص كان ناسخاً له.
стр. 155
وقد يجاب بأن القاعدة تقيد بكون الورود بعد حضور وقت العمل بالخاص (١)، وآيات الظهار نزلت دفعة واحدة كما في بيان سبب نزولها (٢)، وعليه فلا نسخ.
- وأنه لم يذكر بيان حكم الظهار في الأول، وذكره في الثاني، وكون المبين متأخراً في النزول عن المجمل أولى (٣).
وقد يجاب بأنه لا يسلم أن الآية لم يُذكر فيها حكم الظهار، فالآية الأولى فيها بيان لحكم الظهار، والثانية بيان لحكم كفارته، فكلتا الآيتين بينتْ.
- وأن قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ المراد به العرب، وفيه توبيخ لهم وتهجين لعادتهم في الظهار، لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصة دون سائر الأمم (٤).
стр. 156
قد يجاب بأن الآيات في سياق الحديث عن المؤمنين، ويؤيده قوله تعالى في الآية الرابعة: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٤]، وقد جاء في تفسيرها: "وقوله: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) يقول جلّ ثناؤه: هذا الذي فرضت على من ظاهر منكم، ما فرضت في حال القدرة على الرقبة، ثم خففت عنه مع العجز بالصوم، ومع فقد الاستطاعة على الصوم بالإطعام، وإنما فعلته كي تقر الناس بتوحيد الله ورسالة الرسول محمد ﷺ ، ويصدّقوا بذلك، ويعملوا به، وينتهوا عن قول الزور والكذب، (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) يقول تعالى ذكره: وهذه الحدود التي حدّها الله لكم، والفروض التي بينها لكم حدود الله فلا تتعدّوها أيها الناس، (وَلِلْكَافِرِينَ) بها، وهم جاحدو هذه الحدود وغيرها -من فرائض الله أن تكون من عند الله-، (عَذَابٌ أَلِيمٌ) يقول: عذاب مؤلم" (١)، فحمل الآيات على الكافر والحالة هذه لا يتصور، والله أعلم.
الثاني: الآية فيها أمر بتحرير يخلفه الصيام إذا لم يجد الرقبة، والصيام يخلفه الطعام إذا لم يستطع، وكل ذلك لا يتصور إلا في حق المسلم.
ونُوقش بأن الصوم بدل عن الإعتاق، والبدل أضعف من المبدل، ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره، فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب المنع، مع صحة الظهار، ففوات أضعف اللازمين كيف يمنع من القول بصحة الظهار (٢).
قد يجاب عنه بأن المنع من صحة الظهار مبني على عدم إمكانية الكفارة بلا نية في صورة عبادة، وهذا لا يتصور من الكافر.
ثم إن العبد يعجز عن الإعتاق كما يعجز عنه الحر؛ فالتفريق بين فوات أقوى اللازمين وبين أضعف اللازمين لا أثر له هنا، لأن الفوات ممكن على الجميع.
стр. 157
وكذلك العبد يعجز عن الإعتاق حقيقة، وأما الذمي فلا يعجز عن الصوم مطلقاً؛ لأنه يمكنه الدخول في الإسلام حتى يصبح قادراً على الصوم، فقياس فوات الأقوى على فوات الأضعف قياس مع الفارق.
الدليل الثاني: لأنه لا يصح من الذمي الصوم الذي تتأدى به الكفارة (١)، وقيل: إن الظهار يوجب تحريماً ترفعه الكفارة، والذمي لا كفارة عليه، فلم يتعلق بقوله حكم التحريم، إذ لو حرمناها لم يكن تحريماً مؤقتاً بالكفارة (٢).
نُوقش بأنه لا يسلم أن التكفير لا يصح منه، فإنه يصح منه العتق والإطعام، وإنما لا يصح منه الصوم، فلا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة كما في حق العبد، والنية معتبرة في تعيين الفعل للكفارة فلا يمتنع ذلك في حق الذمي، كالنية في كنايات الطلاق (٣).
وقد يجاب بأن معنى العبودية يترجح بسبب الصوم فيها كلها؛ لأنها على الترتيب وليس التخيير، فمن عجز عن العتق لزمه الصوم، ولا يجوز الانتقال عنه إلا للعجز أيضًا، والكفر ليس من العجز المبيح للانتقال، ويمكن إزالته بمجرد إسلامه، وأما العتق والإطعام فإن النية معتبرة في تعيين الفعل، لكنها في صورة عبادة، ولأجلها يمتنع ذلك في حق الذمي.
كما نوقش بأنه لو أتلف كافر صيداً في الحرم فإنه يضمن (٤).
وقد يجاب بأن الضمان من المعاملات، وكفارته لا تنبني على العبادة كما في كفارة الظهار، والله أعلم.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأن ظهار الذمي يقع بأدلة، منها:
الدليل الأول: عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣].
стр. 158
وجه الدلالة: لم يفصل بين المسلم والكافر؛ لأن الكافر من أهل الظهار؛ لأن حكمه الحُرمة، والكفار مخاطبون بشرائع هي حُرُمات، ولهذا كان أهلاً للطلاق، فكذا للظهار (١).
نوقش بأن الآية خاصة بالمسلمين (٢)؛ فإن أنكحة الكفار فاسدة مستحقة الفسخ، فلا يتعلق بها حكم طلاق ولا ظهار، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وإذا خلت الأنكحة عن شروط الصحة فهي فاسدة، ولا ظهار في النكاح الفاسد بحال (٣).
الدليل الثاني: قياس ظهاره على طلاقه، فكل من صح طلاقه صح ظهاره (٤).
قد يناقش بأنه لا يسلم أن الطلاق يصح من الذمي؛ لأن أنكحة الكفار فاسدة، ولا يتعلق بها حكم طلاق ولا ظهار، ولو تنوزل إلى أنه يصح فإنه قياس مع الفارق، إذ الظهار تحريم مؤقت للجماع وقبله المس، ويفتقر إلى الكفارة بخلاف الطلاق.
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما والمناقشات والردود يظهر لي أن القول الأول القائل بأن ظهار الذمي لا يصح أولى وأقرب للصواب؛ لقوة أدلته ولغلبة معنى العبادة في كفارة الظهار، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض المسائل المتشابهة، ولعل القضاء مجال تطبيقها، فعلى سبيل المثال:
- لو أن ذمِّيًّا قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي فإن قوله لاغٍ على القول الأول ولا أثر له، وعلى القول الثاني يؤخذ به، وعليه الكفارة في غير الصوم.
- وكذا لو قاله لها: إنك علي كبطن أختي أو خالتي إلخ.
стр. 159
المبحث الرابع: في مسائل الأيمان
المطلب الأول: قول كل حلال عليّ حرام:
مسائل الأيمان (١) مبناها على العرف (٢)، ومن أمثلتها التي يكثر ذكرها في كتب الحنفية في كتاب الأيمان قول رجل: كل حل أو حلال علي حرام؛ هل يحمل على الطعام و الشراب أم يحمل على الطلاق ولو بدون نية.
وقد اختلف فقهاء الحنفية في هذه المسألة؛ فمنهم من قال: إنه يحمل على المأكولات والمشروبات، وهو ظاهر الرواية (٣)، ومنهم من قال: إنه يحمل على الطلاق من غير نية، والفتوى عند المتأخرين على الثاني (٤).
стр. 160
ودليل وقوع الطلاق من غير نية غلبة الاستعمال والعرف السائد آنذاك (١)، فصار كالصريح (٢).
ويظهر أن سبب الاختلاف اختلاف عصر وزمان، فالقول المذكور كان يحمل على المأكول والمشروب عرفاً (٣)، ثم تغير العرف فصار يحمل على الطلاق بغير نية كالصريح (٤).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
تحرير محل النزاع:
اختلف الفقهاء فيما لو قال رجل: كل حلال عليّ حرام؛ على ماذا يحمل قوله؟ على قولين:
القول الأول: إنه يحمل على الطلاق بغير نية، وهو قول الحنفية –كما مضى-، وقول المالكية؛ لقولهم إنه يحمل على الطلاق إذا كان لمطلق التحريم لا إن حاشاها أي استثناها في قلبه (٥)، وقول الشافعية؛ لأنه من الألفاظ الصريحة وتحمل على الطلاق لغلبة استعمالها في العرف وحصول التفاهم (٦).
стр. 161
القول الثاني: إنه يحمل على الظهار، وهو قول الحنابلة في الجملة (١)؛ لأنه صريح فيه (٢).
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل القائلون بأن قول رجل: كل حلال عليّ حرام يحمل على الطلاق بدليل العرف وغلبة الاستعمال فيه، والأيمان تنبني على العرف، والعرف أن الحرام يراد به الطلاق (٣).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأن قول رجل: كل حلال عليّ حرام يحمل على الظهار بأدلة، منها:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
وجه الدلالة: الله – سمى تحريم ما أحله يميناً، وفرض لذلك تحلة، وهي الكفارة (٤).
يناقش بأن التحريم لا يطلق على الحلف لغةً، والصواب في تفسير الآية أن النبي – ﷺ كان قد جمع بين تحريم وحلف، وتحلة اليمين للحلف لا التحريم (٥).
стр. 162
وكما يناقش بآيات أخر التي فيها ذم تحريم الحلال والمحرم أيضاً ولم يوجب عليه الكفارة، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩] (١).
الدليل الثاني: إن الله – جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه ظهاراً، وجعله منكراً من القول وزوراً، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله مظاهراً فإذا صرح بتحريمها كان أولى بالظهار (٢).
قد يناقش بأن حمله على المرأة ممكن إن غلب استعماله في ذلك عرفاً، لكن يرده لو غلب استعماله في غير ذلك -كما عند المتقدمين من الحنفية- مثل الطعام والشراب، فلا يمكن حمله على الظهار ولا الطلاق والحالة هذه.
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الأول أقرب للصواب؛ لقوة دليله وإيراد المناقشة على دليلي القول الثاني، وفي ترجيح الأول إعمال للعرف السائد، وإن تغير فإن الحكم يختلف باختلافه.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض المسائل، منها:
стр. 163
- لو قال رجل: كل حل عليّ حرام، فعلى القول الأول طلقت زوجته إن كان متزوجاً، وعلى الثاني ظاهر وعليه كفارة الظهار.
- وفائدة إعمال العرف تظهر فيما لو كان يحمل على الشرب أو الأكل، فالقول لاغٍ على القولين؛ لأن الطلاق والظهار متعلقان بالزواج الذي قد يوجد وقد لا يوجد، بخلاف المأكولات والمشروبات.
стр. 164
المطلب الثاني: من حلف ألا يلبس حلياً فلبس عقد اللؤلؤ
هذه مسألة تُذكر في كتاب الأيمان، والأيمان عند الحنفية تنبني على العرف –كما سبق- في المسألة السابقة، فلو حلف شخص ألا يلبس حلياً، فلبس عقد لؤلؤ، فإنه لا يحنث في قول أبي حنيفة –﵀؛ لأنه ليس بحلي حتى يُرصّع بالذهب والفضة (١)، وعند صاحبيه هو حلي، فيحنث فيه بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]، والمستخرج من الجوهر اللؤلؤ غير مرصع (٢)، وقولِه: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] (٣)، وكذلك من حيث العرف يستعمل استعمال الحلي، فالمرأة قد تلبس عقد لؤلؤ للتحلي بها، ولكن أبا حنيفة -رحمه الله تعالى- شاهد العرف في عصره، وأن النساء يتحلَّيْنَ باللؤلؤ مرصعاً بالذهب أو الفضة، ولا يتحلَّيْنَ باللؤلؤ وحده فبنى الجواب على ما شاهده (٤).
стр. 165
والفتوى على قولهما بدليل من القرآن الكريم والاستعمال العرفي (١).
وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان؛ لأن التحلي به على الانفراد أصبح عادة في وقتهما (٢)، فكل واحد منهم قال على عادة زمانه (٣)، وهو سبب ترجيح قولهما على قول إمامهما.
والقول بأن اللؤلؤ حلي هو قول بقية المذاهب من المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وخلاصة المسألة أن من حلف ألا يلبس حلياً فلبس اللؤلؤ حنث؛ لأنه من الحلي.
وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة من القرآن الكريم والقياس والعرف.
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤].
وجه الدلالة: المستخرج من الجوهر اللؤلؤ غير مرصع وقد سماه حلياً.
وأما القياس فلأن اللؤلؤ حلي مع غيره فكان حلياً وحده كالذهب (٧).
قد يناقش بأن القياس مع الفارق، ويرده إجماع العلماء على أنه لا زكاة في الحلي إذا كان جوهراً لا ذهب فيه ولا فضة إلا أن يكون للتجارة (٨).
والعرف يؤيده، فإن اللؤلؤ ولو كان غير مرصع يسمى حلياً.
وعلى فرض وجود الخلاف فإن المسألة لها فائدة عملية تظهر في هذه الصورة إذا حلف ألا يلبس حلياً، فلا يحنث على قول أبي حنيفة، ويحنث على قول غيره من الأئمة.
стр. 166
المطلب الثالث: من حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن:
هذه مسألة أخيرة من مسائل الأيمان في هذا المبحث، وصورتها شخص حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن؛ فهل يحنث أم لا؟
وفقهاء الحنفية يذكرونها في كتاب الأيمان، ويفرقون بين من قرأ القرآن في الصلاة وغيرها، فإن قرأه في الصلاة لم يحنث؛ لأنه لا يسمى كلاماً شرعاً (١)، ولأن ذاك غير مراد ولا مقصود باليمين (٢)، وإن قرأه خارجها كذلك (٣)؛ لأنه لا يسمى متكلما عرفاً، بل قارئاً (٤)، والفتوى على ذلك (٥).
وهو خلاف ظاهر الرواية الذي بُني على عرف المتقدمين، واختير للفتوى خلافه بناءً على العرف المتأخر، والأيمان مبناها على العرف (٦)، وقد استقر قول الحنفية على ذلك.
والقول بأن من حلف أن لا يتكلم لا يحنث بقراءة القرآن مطلقاً سواء داخل الصلاة أم خارجها هو قول بقية المذاهب من المالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).
وعليه فإن المسألة محل اتفاق الفقهاء، ومن أدلتها ما يلي:
стр. 167
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١] (١).
وجه الدلالة: أمره بالذكر والتسبيح بعد قطع الكلام عنه، فدل على أن الذكر ليس بكلام (٢).
الدليل الثاني: قوله – ﷺ : "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة" (٣)(٤).
وجه الدلالة: الحديث دليل على أن ما يقرأ في الصلاة ليس من الكلام.
الدليل الثالث: قوله – ﷺ : "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" (٥).
وجه الدلالة: الكلام مفسد للصلاة، ولو كانت هذه الأشياء من كلام الناس لأفسدت أيضاً (٦).
الدليل الرابع: العرف؛ لأن الكلام فيه لا يطلق إلا على كلام الآدميين (٧)، فمن قرأ القرآن لا يسمى متكلماً، بل قارئاً –كما سبق-.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو حلف شخص أن لا يتكلم فقرأ القرآن، فإنه لا يحنث مطلقاً، وعلى فرض الخلاف (٨) –كما في القول المرجوح في المذهب الحنفي- فإنه يحنث لو قرأ القرآن خارج الصلاة وليس داخلها.
стр. 168
المبحث الخامس: في مسائل النفقة
المطلب الأول: وقت وجوب النفقة للزوجة وقدرها:
هذه مسألة من أولى مسائل كتاب النفقات عند الحنفية، ويقررون أنه تجب للمرأة النفقة والكسوة والسكنى بتسليم نفسها في منزل زوجها (١)، وتكون على قدر حال الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] (٢)، فالآية تبين أن التكليف بحسب الوسع، وأن النفقة على الرجال بحسب حالهم (٣)، وقيل: على قدر حالهما جمعاً بالآية السابقة وحديث عائشة –﵂ أن النبي – ﷺ قال لهند –﵂: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" (٤)(٥)، وبه يفتى (٦)، وعليه المتون والشروح (٧).
стр. 169
وحاصله أنه إن كانا موسرين نفقة اليسار، وإن كانا معسرين فنفقة الإعسار (١)، وإن كانا مختلفين فعلى ظاهر الرواية يعتبر حال الزوج، وأما على ما يفتى به فبين الحالين (٢)، إلا أنه إذا كان هو المعسر يطالب بقدر وسعه والباقي دين عليه (٣).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على أن المعتبر في نفقة الزوجة حال الزوج إذا كان معسرين أو موسرين (٤)، واختلفوا إذا كان أحدهما موسراً والآخر معسراً على القولين:
стр. 170
القول الأول: إن المعتبر حالهما معاً، فتكون نفقة الوسط، فوق نفقة المعسرة ودون نفقة الموسرة، وهو المفتى به عند الحنفية –كما سبق-، وقول المالكية (١) والحنابلة (٢).
القول الثاني: إن المعتبر حال الزوج فقط، وهو قول الشافعية (٣).
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن المعتبر حال الزوج والزوجة معاً بأدلة، منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
стр. 171
وجه الدلالة: الآية تبين أن التكليف بحسب الوسع، وأن النفقة على الرجال بحسب حالهم (١).
الدليل الثاني: حديث عائشة –﵂ أن النبي – ﷺ قال لهند –﵂: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" (٢).
ونوقش بأنه أذن لها أن تأخذ بالمعروف، والمعروف ألا تأخذ في الإعسار ما تأخذه في اليسار (٣).
وأجيب عن المناقشة بأنه أذن لها أن تأخذ بالمعروف الذي فيه كفايتها وكفاية بنيها، فالنفقة على كفاية الزوجة فتعتبر حالها أيضاً (٤).
دليل القول الثاني:
استدل القائلون بأن المعبر حال الزوج فقط بآية الطلاق مثل أصحاب القول الأول، وهو قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
وجه الدلالة: أنه أراد أن الغنى ينفق على حسب حاله، والفقير على حسب حاله (٥).
نوقش بأن الآية دليل على اعتبار حال الزوج، وهذا صحيح، وحديث عائشة –﵂ دليل على اعتبار حال الزوجة، فيجمع بينهما.
стр. 172
الترجيح:
بعد استعراض القولين بأدلتهما يظهر أن القول بالجمع بين حال الزوج والزوجة معاً في اعتبار النفقة أقرب للصواب؛ لأنه جمع بين الدليلين، وفيه عمل بكلا النصين، وفيه أيضاً رعاية لكل الجانبين، فيكون أولى (١).
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الصور، منها:
- لو أن ابن الوزير تزوج بنت الوزير الآخر أو لو أن شخصاً فقيراً تزوج بفقيرة فإن المعتبر في النفقة حال الزوج عند الجميع؛ لأنهما في مرتبة واحدة.
- ولو أن ابن الوزير تزوج فقيرة أو فقيرًا تزوج بنت الوزير، فعلى القول الأول يعتبر حالهما معاً، ولها نفقة فوق المعسرة ودون الموسرة، وعلى الثاني فإن زوجة ابن الوزير لها نفقة بقدر وسع زوجها وحاله، وزوجة الفقير لها نفقة بقدر وسع زوجها وحاله ولو كانت من أغنى الناس.
стр. 173
المطلب الثاني: نفقة الزوجة إذا حُبست في دين:
جاء في المسألة السابقة ما يفيد الاتفاق على أن نفقة الزوجة واجبة بمجرد تسليم نفسها وتمكن زوجها من الاستمتاع بها (١).
والنفقة لها موانع، ومنها: حبس الزوجة في دَين عليها؛ لأن فوت الاحتباس منها (٢)، وعليه الفتوى (٣).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
وصورة المسألة في زوجة استدانت المال ولم تسدده حتى حبست فيه؛ فهل لها نفقة في هذه الحالة؟
تحرير محل النزاع:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: إن لها نفقة مدة حبسها، وهو قول المالكية (٤).
القول الثاني: إن النفقة تسقط، وهو قول الحنفية –كما مضى-، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
стр. 174
التعليلات والمناقشات:
تعليل القول الأول:
علَّل القائلون بأن النفقة لم تسقط إذا حبست الزوجة في دين عليها بتعليل مفاده أن المنع من الاستمتاع لم يحصل من جهتها (١).
قد يناقش بأنه بسببها وإن لم يكن من جهتها.
قد يجاب عنه بأنه إذا اجتمع المباشر والمتسبب، أضيف الحُكم إلى المباشر (٢)، فالذي باشر الحبس هو السلطان وليست الزوجة، فالحكم يضاف إليه لا إليها، فلا تسقط نفقتها.
قد يناقش أيضاً بأنه يُستثنى من ذلك إذا كان المتسبب متعدياً بفعله.
وقد يجاب عنه بأن الحكم يضاف إلى المباشر وحده دون المتسبب في حالة كون السبب لا يعمل في فوت الاحتباس إذا انفرد عن المباشرة (٣).
تعليل القول الثاني:
علَّل القائلون بأن النفقة تسقط؛ لأن فوت الاحتباس حصل بسببها.
يناقش –كما مر- بأنه إذا اجتمع السبب والمباشرة، غلب جانب المباشرة.
الترجيح:
بعد استعراض القولين وتعليليهما يظهر أن القول الأول أقرب للصواب؛ لأن الزوجة متسببة وليست مباشرة لفوت الاحتباس، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو حبست في السجن بسبب الدين، فإن النفقة ما زالت لها وقت حبسها بخلاف القول الثاني.
ويظهر من ذلك أن لها نفقة حتى لو كانت الدولة تصرف عليها وقت سجنها، والله أعلم.
стр. 175
المطلب الثالث: نفقة الزوجة إذا حبست في سفرها مع محرم (١) لأداء الحج:
هذه المسألة ملحقة بالسابقة؛ إذ الحنفية لم يفرقوا بينهما من حيث عدم وجوب نفقة الزوجة؛ لأن فوت الاحتباس منها.
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
صورتها فيما لو سافرت الزوجة لأداء الحج الفرض مع محرم هل تسقط نفقتها حتى ترجع إلى بيتها؟
تحرير محل النزاع:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: إن النفقة تسقط، وهو قول الحنفية –كما مر في المسألة السابقة-، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
القول الثاني: لا تسقط نفقتها إلا أن لها نفقة حضر وليس سفر، وهو قول المالكية (٤).
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل القائلون بأن نفقة الزوجة تسقط إذا كانت محبوسة في سفرها لأداء الحج الفرض مع محرم لها بدليل أن فوت الاحتباس من جهتها (٥).
قد يناقش بأنها مأمورة بأداء فريضة الحج على الفور متى توفرت أسبابه وتحققت شروطه.
стр. 176
دليل القول الثاني:
لم أجدهم يذكرون الدليل لهذه المسألة، لكن يمكن الاستدلال بقولهم: إن الحج على الفور، وليس للزوج منعها حينئذ (١)، وعليه فلا تسقط النفقة.
قد يجاب بأنه ليس له منعها، لكن له أن يمنع النفقة لفوات الاستمتاع بها.
الترجيح:
بعد استعراض القولين يظهر أن القول الثاني أقرب للصواب؛ لأن فوت الاحتباس الآن تغير؛ ففي قديم الزمان حج المرأة كان يأخذ ثلاثة أشهر وأكثر (٢)، وأما الآن فكلها أيام قليلة، وقد لا تتجاوز زيارة الزوجة أهلها في الغالب، ويكون من الصعب إطلاق القول إنها محبوسة في سفرها لأداء الحج، وما دون ذلك من باب أولى، والله أعلم.
والمسألة لها فائدة عملية تظهر فيما لو سافرت الزوجة مع محرم لها غير الزوج لأداء الحج الفرض، وكانت نفقتها مائة ريال لكل يوم مثلاً، فعلى القول الأول تسقط نفقتها عنه بقدر عدد أيام غيابها، وعلى الثاني لا تسقط، ولها بعد عودتها عن كل يوم مائة ريال.
وينغي التنبيه إلى أن غياب الزوجة في القديم لمدة تتجاوز ثلاثة أشهر له أثر بالغ، وإيجاب النفقة في هذه المدة مع عدم التمكن الذي هو شرط وجوب النفقة فيه إضرار بالزوج، ولذلك كان لهذا القول حظ من النظر والحالة كما ذُكر، وأما الآن فقد لا يكون فيه إضرار بالزوج، وإن قلنا بأن النفقة تسقط فليست كثيرة لقلة أيام غياب الزوجة.
وفي كثير من الأحايين الزوج يدفع لزوجته تكاليف أداء الفريضة وتكلفة سفر أغلى من تكلفة حضر؛ لوجود وسائل النقل، والفنادق وغيرها.
ولذلك يمكن الجمع بين القولين بهذه الطريقة، بحيث ينظر إلى حقيقة فوت الاحتباس عرفاً، والله أعلم.
стр. 177
المطلب الرابع: حد اليسار في النفقة (١):
هذه آخر مسألة من مسائل النفقات في هذا البحث، وفقهاء الحنفية اختلفوا في حد اليسار الموجب لنفقة الأقارب على قولين:
القول الأول: إنه يقدر بنصاب الزكاة، وهذا روي عن أبي يوسف ﵀ (٢).
القول الثاني: ما روي عن محمد ﵀ أنه قدره بما يفضل على نفقة نفسه وعياله شهراً أو بما يفضل على ذلك من كسبه الدائم كل يوم (٣).
والفتوى على الأول لكن النصاب نصاب حرمان الصدقة (٤)، وهو مائتا درهم (٥) إذا كان فاضلاً عن حوائجه الأصلية] من أي مال كان (٦) [، بدليل أن النفقة أشبه بصدقة الفطر؛ لكونها مئونة من وجه، وصدقة من وجه، والنفقة مئونة من كل وجه، فلما لم يشترط لوجوب الفطر الغنى الموجب للزكاة فلأن لا يشترط هاهنا -وهي مئونة من كل وجه- أولى (٧).
وقدم قول محمد ﵀؛ لأنه أرفق بالناس (٨).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
صورة المسألة في شخص له ما يفضل من ماله على حوائجه الأصلية؛ فمتى يوصف بأنه أدنى حد اليسار الذي تجب بعده النفقة على الأقارب؟
стр. 178
تحرير محل النزاع:
اختلف العلماء في حد اليسار الموجب لنفقة الأقارب على القولين:
القول الأول: إن اليسار نصاب حرمان الصدقة، ويقدر بمائتي درهم إذا كان يفضل على حوائجه الأصلية من أي مال كان، وهو قول الحنفية – كما سبق-.
القول الثاني: إن اليسار المذكور مقدر بما يفضل عن قوته وقوت زوجته في يومه وليله، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بأن حد اليسار يتعلق بنصاب حرمان الصدقة بأدلة، منها:
الدليل الأول: قياس الأولى؛ لأن صدقة الفطر لم يشترط فيها النصاب الموجب للزكاة مع كونها مئونة وصدقة، فالنفقة من باب أولى؛ لأنها مئونة فقط.
قد يناقش بأن صدقة الفطر مرة واحدة في السنة فلم يشترط لها النصاب الموجب للزكاة، وأما النفقة فمستمرة طوال العام.
الدليل الثاني: لأن حد اليسار بنصاب حرمان الصدقة أرفق بالناس (٤).
قد يناقش بأن الضرر يلحق بعض الموسرين بهذا الاعتبار، وبخاصة إذا كان عدد الأقرباء المحتاجين كثير.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن اليسار ما فضل عن قوت نفسه وزوجته في يومه وليله بأدلة، منها:
стр. 179
الدليل الأول: ما روى جابر –﵁ أن النبي – ﷺ قال: "إذا كان أحدكم فقيرًا، فليبدأ بنفسه، فإن كان فيها فضل فعلى عياله، فإن كان فيها فضل، فعلى ذي قرابته -أو قال: على ذي رحمه- فإن كان فضل فهاهنا وهاهنا" (١).
وجه الدلالة: الحديث دليل على أن من لا يفضل عن نفقته شيء لا تجب عليه (٢)، وإنما تجب بأدنى ما يفضل عنها.
الدليل الثاني: تقديم نفقة الزوجة على القريب؛ لأن نفقة الزوجة عوض، فَقُدِّمت على نفقة القريب التي هي المواساة، ولأن نفقة الزوجة تجب لحاجته فقدمت على نفقة القريب كنفقة نفسه (٣).
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر للباحث أن القول الثاني أقرب للصواب؛ إذ يؤيده النص الشرعي، وفيه رفق بالفقراء أيضاً، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو كان لشخص موسر أقارب فقراء، فعلى القول الأول لا تجب نفقتهم إلا إذا كان يفضل من ماله مائتا درهم، وعلى الثاني تجب إذا كان فاضلاً عن قوت نفسه وزوجته في يومه وليله.
стр. 180
المبحث السادس: في مسائل الإجارة
المطلب الأول: الإجارة على الطاعات:
يذكر فقهاء الحنفية هذه المسألة في كتاب الإجارة، لكن تحت باب الإجارة الفاسدة، ويفهم من ذلك حكمها ابتداءً، وينصون على أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها، لكن حينما ظهر التواني في أمور الدين استحسن بعض الفقهاء الاستئجار على تعليم القرآن؛ لأن في الامتناع عن ذلك تضييع حفظ القرآن، ولأن حاجة الناس داعية إلى ذلك (١)، وعليه الفتوى (٢).
وعليه فإن جواز الاستئجار اقتُصِر على تعليم القرآن، وزاد بعضهم الأذان والإقامة والوعظ والفقه وغيره، لكن أكثرهم على جواز الاستئجار لتعليم القرآن. وقد اتفقت كلمتهم في الشروح على التعليل بالضرورة، وهي خشية ضياع القرآن، كما اتفقت كلمتهم على التصريح بأصل المذهب من عدم الجواز، ثم استثنوا ما ذُكر آنفاً، فهذا دليل على أن المفتى به ليس جواز الاستئجار على كل طاعة، بل على ما ذكروه فقط ولأجل الحاجة، وتعليم القرآن في ذلك أظهر (٣).
والخلاف في هذه المسألة اختلاف زمان، وليس حجة وبرهان (٤).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
صورة المسألة فيما لو أن إنساناً أراد أن يعلّم ابنه القرآن الكريم، فوجد شخصاً يقوم بذلك بأجر؛ فهل تصح هذه الإجارة؟