← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1229

المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية - جمعا ودراسة-

سناد تسرنكتش

Полный текст (676 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

دليل القول الثاني: لم أجدهم يذكرون الدليل لهذه المسألة، لكن يمكن الاستدلال بقولهم: إن الحج على الفور، وليس للزوج منعها حينئذ (١)، وعليه فلا تسقط النفقة. قد يجاب بأنه ليس له منعها، لكن له أن يمنع النفقة لفوات الاستمتاع بها. الترجيح: بعد استعراض القولين يظهر أن القول الثاني أقرب للصواب؛ لأن فوت الاحتباس الآن تغير؛ ففي قديم الزمان حج المرأة كان يأخذ ثلاثة أشهر وأكثر (٢)، وأما الآن فكلها أيام قليلة، وقد لا تتجاوز زيارة الزوجة أهلها في الغالب، ويكون من الصعب إطلاق القول إنها محبوسة في سفرها لأداء الحج، وما دون ذلك من باب أولى، والله أعلم. والمسألة لها فائدة عملية تظهر فيما لو سافرت الزوجة مع محرم لها غير الزوج لأداء الحج الفرض، وكانت نفقتها مائة ريال لكل يوم مثلاً، فعلى القول الأول تسقط نفقتها عنه بقدر عدد أيام غيابها، وعلى الثاني لا تسقط، ولها بعد عودتها عن كل يوم مائة ريال. وينغي التنبيه إلى أن غياب الزوجة في القديم لمدة تتجاوز ثلاثة أشهر له أثر بالغ، وإيجاب النفقة في هذه المدة مع عدم التمكن الذي هو شرط وجوب النفقة فيه إضرار بالزوج، ولذلك كان لهذا القول حظ من النظر والحالة كما ذُكر، وأما الآن فقد لا يكون فيه إضرار بالزوج، وإن قلنا بأن النفقة تسقط فليست كثيرة لقلة أيام غياب الزوجة. وفي كثير من الأحايين الزوج يدفع لزوجته تكاليف أداء الفريضة وتكلفة سفر أغلى من تكلفة حضر؛ لوجود وسائل النقل، والفنادق وغيرها. ولذلك يمكن الجمع بين القولين بهذه الطريقة، بحيث ينظر إلى حقيقة فوت الاحتباس عرفاً، والله أعلم.

стр. 177

المطلب الرابع: حد اليسار في النفقة (١): هذه آخر مسألة من مسائل النفقات في هذا البحث، وفقهاء الحنفية اختلفوا في حد اليسار الموجب لنفقة الأقارب على قولين: القول الأول: إنه يقدر بنصاب الزكاة، وهذا روي عن أبي يوسف ﵀ (٢). القول الثاني: ما روي عن محمد ﵀ أنه قدره بما يفضل على نفقة نفسه وعياله شهراً أو بما يفضل على ذلك من كسبه الدائم كل يوم (٣). والفتوى على الأول لكن النصاب نصاب حرمان الصدقة (٤)، وهو مائتا درهم (٥) إذا كان فاضلاً عن حوائجه الأصلية] من أي مال كان (٦) [، بدليل أن النفقة أشبه بصدقة الفطر؛ لكونها مئونة من وجه، وصدقة من وجه، والنفقة مئونة من كل وجه، فلما لم يشترط لوجوب الفطر الغنى الموجب للزكاة فلأن لا يشترط هاهنا -وهي مئونة من كل وجه- أولى (٧). وقدم قول محمد ﵀؛ لأنه أرفق بالناس (٨). دراسة المسألة دراسة مقارنة: صورة المسألة في شخص له ما يفضل من ماله على حوائجه الأصلية؛ فمتى يوصف بأنه أدنى حد اليسار الذي تجب بعده النفقة على الأقارب؟

стр. 178

تحرير محل النزاع: اختلف العلماء في حد اليسار الموجب لنفقة الأقارب على القولين: القول الأول: إن اليسار نصاب حرمان الصدقة، ويقدر بمائتي درهم إذا كان يفضل على حوائجه الأصلية من أي مال كان، وهو قول الحنفية – كما سبق-. القول الثاني: إن اليسار المذكور مقدر بما يفضل عن قوته وقوت زوجته في يومه وليله، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بأن حد اليسار يتعلق بنصاب حرمان الصدقة بأدلة، منها: الدليل الأول: قياس الأولى؛ لأن صدقة الفطر لم يشترط فيها النصاب الموجب للزكاة مع كونها مئونة وصدقة، فالنفقة من باب أولى؛ لأنها مئونة فقط. قد يناقش بأن صدقة الفطر مرة واحدة في السنة فلم يشترط لها النصاب الموجب للزكاة، وأما النفقة فمستمرة طوال العام. الدليل الثاني: لأن حد اليسار بنصاب حرمان الصدقة أرفق بالناس (٤). قد يناقش بأن الضرر يلحق بعض الموسرين بهذا الاعتبار، وبخاصة إذا كان عدد الأقرباء المحتاجين كثير. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن اليسار ما فضل عن قوت نفسه وزوجته في يومه وليله بأدلة، منها:

стр. 179

الدليل الأول: ما روى جابر –﵁ أن النبي – ﷺ قال: "إذا كان أحدكم فقيرًا، فليبدأ بنفسه، فإن كان فيها فضل فعلى عياله، فإن كان فيها فضل، فعلى ذي قرابته -أو قال: على ذي رحمه- فإن كان فضل فهاهنا وهاهنا" (١). وجه الدلالة: الحديث دليل على أن من لا يفضل عن نفقته شيء لا تجب عليه (٢)، وإنما تجب بأدنى ما يفضل عنها. الدليل الثاني: تقديم نفقة الزوجة على القريب؛ لأن نفقة الزوجة عوض، فَقُدِّمت على نفقة القريب التي هي المواساة، ولأن نفقة الزوجة تجب لحاجته فقدمت على نفقة القريب كنفقة نفسه (٣). الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر للباحث أن القول الثاني أقرب للصواب؛ إذ يؤيده النص الشرعي، وفيه رفق بالفقراء أيضاً، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو كان لشخص موسر أقارب فقراء، فعلى القول الأول لا تجب نفقتهم إلا إذا كان يفضل من ماله مائتا درهم، وعلى الثاني تجب إذا كان فاضلاً عن قوت نفسه وزوجته في يومه وليله.

стр. 180

المبحث السادس: في مسائل الإجارة المطلب الأول: الإجارة على الطاعات: يذكر فقهاء الحنفية هذه المسألة في كتاب الإجارة، لكن تحت باب الإجارة الفاسدة، ويفهم من ذلك حكمها ابتداءً، وينصون على أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها، لكن حينما ظهر التواني في أمور الدين استحسن بعض الفقهاء الاستئجار على تعليم القرآن؛ لأن في الامتناع عن ذلك تضييع حفظ القرآن، ولأن حاجة الناس داعية إلى ذلك (١)، وعليه الفتوى (٢). وعليه فإن جواز الاستئجار اقتُصِر على تعليم القرآن، وزاد بعضهم الأذان والإقامة والوعظ والفقه وغيره، لكن أكثرهم على جواز الاستئجار لتعليم القرآن. وقد اتفقت كلمتهم في الشروح على التعليل بالضرورة، وهي خشية ضياع القرآن، كما اتفقت كلمتهم على التصريح بأصل المذهب من عدم الجواز، ثم استثنوا ما ذُكر آنفاً، فهذا دليل على أن المفتى به ليس جواز الاستئجار على كل طاعة، بل على ما ذكروه فقط ولأجل الحاجة، وتعليم القرآن في ذلك أظهر (٣). والخلاف في هذه المسألة اختلاف زمان، وليس حجة وبرهان (٤). دراسة المسألة دراسة مقارنة صورة المسألة فيما لو أن إنساناً أراد أن يعلّم ابنه القرآن الكريم، فوجد شخصاً يقوم بذلك بأجر؛ فهل تصح هذه الإجارة؟

стр. 181

تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على جواز أخذ الرزق من بيت مال المسلمين لتعليم القرآن الكريم (١)، واختلفوا في جواز الاستئجار على تعليمه وأخذ الأجر من ذلك على قولين: القول الأول: جواز الاستئجار على تعليم القرآن، وهو قول الحنفية للحاجة فقط (٢) –كما سبق-، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥). القول الثاني: عدم جواز الاستئجار على تعليم القرآن، وهو قول عند الحنفية، وهو الأصل في المذهب -كما سبق-، ورواية أخرى عن الحنابلة (٦). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بجواز الاستئجار لتعليم القرآن بأدلة، منها:

стр. 182

الدليل الأول: حديث ابن عباس –﵄ أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء، فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راقٍ، إن في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً، فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجراً، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجراً، فقال رسول الله ﷺ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (١) (٢). وجه الدلالة: الحديث دليل على جواز أخذ الأجر على كتاب الله، وعليه يجوز الاستئجار على تعليمه (٣). نوقش بأنه يحمل على الجعل في الرقية؛ لأنه ذكر ذلك في سياق خبر الرقية، كما نوقش أيضًا بأن المراد من الأجر ثواب (٤). وقد يجاب عنه بحديث: "وما يدريك أنها رقية؟ أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم بسهم" (٥)، فلا يمكن حمله على الثواب. كما يمكن مناقشته أيضاً بأن البخاري أدرج هذا الحديث في كتاب الطب (٦)، وهو من فقهه –﵀. ويجاب عنه بأن البخاري أدرج الحديث نفسه في كتاب الإجارة (٧)، فدل على أنه يحمل عليها.

стр. 183

الدليل الثاني: النبي ﷺ زوج رجلاً بما معه من القرآن (١) (٢). وجه الدلالة: إذا جاز تعليم القرآن عوضاً في النكاح، وقام مقام المهر جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة (٣). نوقش بأنه ليس في الحديث تصريح بأن التعليم صداق، وإنما قال: "فقد زوجتكها بما معك من القرآن" (٤)، فيحتمل أنه زوجها إياه بغير صداق إكرامًا كما زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه (٥)، أو أن يقال إنه زوجه لإسلامه (٦) (٧). الدليل الثالث: حديث أبي سعيد أن رجلاً رقى رجلاً بفاتحة الكتاب على جُعل فبرأ، وأخذ أصحابه الجعل، فأتوا به النبي ﷺ فأخبروه وسألوه فقال: "وما يدريك أنها رقية؟ أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم بسهم" (٨) (٩). وجه الدلالة: وإذا جاز أخذ الجعل جاز أخذ الأجر، لأنه في معناه (١٠).

стр. 184

نوقش بأنه من باب المداواة، والمأخوذ عليها جعل، والمداواة يباح أخذ الأجر عليها، ثم الجعالة أوسع من الإجارة، ولذلك تجوز مع جهالة العمل والمدة (١). الدليل الرابع: ولأنه يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال، فجاز أخذ الأجر عليه كبناء المساجد (٢). نوقش بأنه يجوز أخذ الرزق من بيت المال على ما يتعدى نفعه؛ لأنه من مصالح المسلمين، فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجاً إليه كان من المصالح، وكان له أخذه؛ لأنه من أهله، وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح بخلاف الأجر (٣). الدليل الخامس: الضرورة (٤) أو ما تعم به البلوى (٥). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بعدم جواز الاستئجار على تعليم القرآن بأدلة، منها: الدليل الأول: روي أن عثمان بن أبي العاص قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: "أنت إمامهم واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرًا (٦) (٧). وجه الدلالة: الحديث دليل على عدم جواز أخذ الأجر على التأذين، وكذا على تعليم القرآن بجامع العبادة (٨).

стр. 185

الدليل الثاني: حديث عبادة بن الصامت –﵁ قال: علمت ناساً من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إليّ رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله، فسألت رسول الله ﷺ عنها، فقال: "إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها" (١) (٢). وجه الدلالة: الحديث دليل على حرمة التكسب من تعليم الناس القرآن. نوقش بأنه منسوخ بحديث: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" السابق ذكره (٣). الدليل الثالث: عن أبي بن كعب –﵁ أنه علم رجلاً سورة من القرآن فأهدى له خميصة أو ثوباً فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "لو أنك لبستها أو أخذتها ألبسك الله مكانها ثوبا من نار" (٤). وجه الدلالة: في الحديث دليل على منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن أو سورة منه. نوقش الدليل الثاني والثالث بأنهما قضيتان في عين، فيحتمل أن النبي ﷺ علم أنهما فعلا ذلك لله خالصاً، فكره أخذ العوض عنه من غير الله تعالى (٥).

стр. 186

الدليل الرابع: عن أبيّ –﵁ أيضاً أنه قال: كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة قد احتبس في بيته أقرئه القرآن، فكان عند فراغه مما أقرئه يقول لجارية له هلمي طعام أخي فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فحاك في نفسي منه شيء، فذكرته للنبي ﷺ فقال: "إن كان ذاك الطعام طعامه وطعام أهله فكل منه، وإن كان يتحفك به فلا تأكله" (١). وجه الدلالة: في الأثر دليل على حرمة أخذ الأجر على تعليم القرآن الكريم حتى لو كان في صورة الضيافة الخاصة إذا ظُنّ أن التعليل سببها. الدليل الخامس: عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به" (٢) (٣). وجه الدلالة: الحديث دليل على منع الأكل بالقرآن والتكسب به، ومن الأكل به الاستئجار لتعليمه. الدليل السادس: من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله – ، فلم يجز أخذ الأجر عليها كما لو استأجر قومًا يصلون خلفه الجمعة أو التراويح (٤).

стр. 187

الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول بالمنع أقرب للصواب، وينبغي أن يكون الأصل في المسألة، لكن قد يستثنى للضرورة أو الحاجة الماسة أو ما تعم به البلوى فيقال بجواز الاستئجار على تعليم القرآن؛ خشية ضياع الحفظ، وفي ذلك حمل كل قول على محمله الصحيح. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن إنساناً أراد تعليم بنيه وتحفيظهم القرآن ولم يجد إلا من يقوم بذلك بالأجر، فعلى القول الأول يجوز ذلك عند الحنفية وقت الضرورة فقط، وعند البقية ابتداءً، وعلى القول الثاني لا يجوز ابتداءً. - لو أن الدولة تكفلت ببناء وقف لتحفيظ القرآن أو لها بيت المال يصرف منه لذلك وأراد شخص أن يعلم ابنه القرآن، فعلى القول الأول يجوز الاستئجار على تعليمه مطلقاً إلا عند الحنفية؛ لأن الضرورة زالت بزوال الخوف من تضييع حفظ القرآن، وعلى القول الثاني لا يجوز مطلقاً، والمنع أقوى مع وجود دور تحفيظ القرآن التي يصرف عليها من وقف أو بيت المال أو ما شابههما.

стр. 188

المطلب الثاني: اختلاف المؤجر والمستأجر في أجرة العمل (١): من المسائل التي يذكرها علماء الحنفية كمثال على اختلاف المؤجر والمستأجر مسألة خياطة الثوب ونحوه، فلو قال المستأجر: خِطتَ الثوب بغير أجر، وقال المؤجر: بل بأجر، فإن كان قبل العمل يتحالفان ويبدأ بيمين المستأجر، وإن كان بعد العمل فقد اختلف فقهاء الحنفية في ذلك على قولين: القول الأول: القول قول صاحب الثوب؛ لأنه منكر، ولأنه لا قيمة للعمل بدون العقد، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٢). القول الثاني: إن تكررت المعاملة بينهما بأجر فإن ذلك يؤيد جهة الطلب بأجر جرياً على معتادهما، وهو قول أبي يوسف –﵀ (٣). القول الثالث: إن اتخذ حانوتاً (٤) وانتصب لهذه الصناعة فله الأجرة وإلا فلا، وهو قول محمد (٥)؛ لأن ذلك دليل على العمل بالأجرة عرفاً (واعتباراً للظاهر) (٦)، والمعروف كالمشروط (٧)، وعليه الفتوى (٨). وبعضهم رجح قول الإمام لأنه قياس، ورد قوليهما إلى الاستحسان والاعتبار للظاهر، وأن الظاهر مردود؛ لأنه يصلح للدفع عن نفسه، والحاجة هنا إلى الاستحقاق وليس الدفع (٩).

стр. 189

مثاله: دار في يد رجل، فزعم آخر أنها ملكه فالقول للذي في يده، فلو بيعت دار بجنبها فأراد أن يأخذها بالشفعة لا يأخذها بمجرد اليد حتى يقيم بينة أنها ملكه؛ لأن ثبوت الملك بظاهر اليد يصلح للدفع لا للاستحقاق والأخذ من يد المشتري استحقاق فلا يملكه بدون البينة، كذا هنا (١). وبعد الاطلاع على الكتب المتوفرة لدي ظهر أن الحنفية اعتمدوا على قول محمد ﵀، وأكدوا أن الفتوى عليه (٢). وقد يقال أن الاختلاف نشأ بسبب اختلافهم في تحديد المدعي والمدعى عليه. فمن رأى أن المدعي الصانع، والمدعى عليه رب الثوب، ولا بينة، فإن القول قول رب الثوب بيمينه لأنه منكر. ومن رأى أن القرائن مثل فتح الدكان والانتصاب للصنعة كافية لتقوية جانب على جانب، قال بأن القول قول الصانع، والله أعلم. وهو أيضاً قول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بالعرف الجاري (٦)، ووجهه أن ما يُعطى للخياط مثلاً هو للعمل بالأجرة عرفاً، والعرف قام مقام القول.

стр. 190

والمسألة إذا افترضنا الخلاف فيها فإن لها ثمرة عملية تظهر في صورة لو أن إنساناً دخل محل الخياطة الرجالية وطلب خياطة الثوب بمواصفات معينة وخرج، وقبل صاحب المحل بدون أن يذكرا الأجرة، ثم جاء صاحب الثوب بعد فترة ليأخذه، لكن منعه صاحب المحل؛ لعدم دفع قيمته، فله ذلك؛ لأن العرف على أن الخياط لا يخيط بلا أجرة، وعلى القول المرجوح عند الحنفية فإن الثوب له، وكل ذلك إذا انعدمت البينة. وفي الوقت الراهن وجود كاميرات المراقبة والفواتير الورقية والإلكترونية، وأن الأجر مقدم في الأغلب كل ذلك من القرائن التي قد تؤثر في تحديد المدعي والمدعى عليه، والله أعلم.

стр. 191

المبحث السابع: إسقاط حق الشفعة بالاحتيال وبتأخير الخصومة والمحاكمة: هذه المسألة مدارها على نفي الضرر وتحقيق المصالح، ولها شقان، شق يتعلق بالاحتيال (١)، وشق يتعلق بالتأخير. إسقاط حق الشفعة بتأخير الخصومة والمحاكمة وأما إسقاط الشفعة بتأخير الخصومة والمحاكمة فقد اختلف أئمة المذهب الحنفي في ذلك؛ فعند أبي يوسف –﵀ أن حق الشفعة يسقط إذا ترك الشفيع مجلساً أو مجلسين من مجالس الحكم، وعنه ثلاثة أيام، لأنه دليل الإعراض، ومحمد –﵀ قدَّر ذلك بشهر (٢)، لأن المشتري يتضرر بالتأخير؛ لنقض تصرفاته، فقدَّره بالشهر؛ لأنه أقل الآجل وأكثر العاجل، ومرادهما إذا ترك لغير عذر. وعند أبي حنيفة –﵀ ورواية أخرى عن أبي يوسف –﵀ (٣) أنه حق ثابت لا يسقط بالتأخير كسائر الحقوق، وضرر المشتري يمكن دفعه بالمرافعة إلى القاضي حتى يوقِّت له وقتاً يوفيه فيه الثمن وإلا بطل حقه بإسقاطه هو (٤)، إلا لعذر مثل مرض أو حبس (٥). والفتوى على قول أبي حنيفة –﵀ (٦).

стр. 192

وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). ويظهر مما سبق أن الفقهاء متفقون على أن الشفعة حق ثابت، ولا يسقط بمجرد التأخير، وإنما إذا فرَّط الشفيع بتأخير المطالبة تأخيراً يضر بالمشتري أو البائع عرفاً، وبلا عذر، وحينها يكون هو من أسقط حقه، والله أعلم. إسقاط حق الشفعة بالاحتيال: أما إسقاط حق الشفعة بالاحتيال فإن الحنيفة يرون جواز ذلك (قبل وجوبها) (٤)؛ للمصلحة أو لدفع الضرر (٥)، فيقولون: إن الشفعة إنما شرعت لدفع ضرر الجوار، فالمشتري إن كان ممن يتضرر به الجيران فلا يحل إسقاطها، وإن كان رجلاً صالحا ينتفع به الجيران، والشفيع متعنت لا يحب جواره فحينئذ يحتال في إسقاطها (٦). ومثال ذلك لو أن شخصاً باع داراً إلا ذراعاً منها في طول الحد الذي يلي دار الشفيع، فالشفيع لا يستحق الشفعة؛ أما في قدر الذراع فلانعدام الشرط وهو البيع، وأما فيما وراء ذلك فلانعدام السبب وهو الجوار (٧).

стр. 193

دراسة المسألة دراسة مقارنة: تحرير محل النزاع: اختلف العلماء في إسقاط الشفعة بالحيل قبل وجوبها على قولين: القول الأول: لا يكره إسقاط حق الشفعة بالحيل قبل وجوبه، وهو قول الحنفية كما سبق. القول الثاني: الحيل مكروهة مطلقاً، ولا يجوز إعمالها لإسقاط حق الشفعة، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بجواز استخدام الحيل لإسقاط الشفعة قبل وجوبها بدليلين: الدليل الأول: التحايل ليس فيه إسقاط حق ثابت، بل منع ثبوت الحق، فلا يعد ضرراً. (٤) يناقش بأن فيه الخداع، ويؤدي إلى الغرر فيكره. الدليل الثاني: الحاجة فيما لو كان الشفيع لا يحب جواره فيسقط حقه دفعاً لضرره (٥).

стр. 194

قد يناقش بأن الجيران تؤثر بعضهم على بعض، فتأثيره عليهم تأثير فرد على جماعة، وتأثيرهم عليه تأثير جماعة على فرد، وتأثير الجماعة أقوى، فاحتمال تحسين ظاهره وباطنه وحوله جيران صالحون مصلحون أظهر من عكسه، والله أعلم. تعليل القول الثاني: علَّل القائلون بمنع استخدام الحيل لإسقاط حق الشفعة بتعليل الغرر -كما عند الشافعية- (١)، والخداع -كما عند الحنابلة- (٢)، وهو ظاهر. الترجيح: بعد عرض القولين وتعليليهما يظهر أن القول بمنع الاحتيال أوفق وأبعد عن الريبة وأقرب إلى أخلاق المسلم السوي، وما ذكروه من الحاجة فيما لو كان الشفيع لا يُحب جواره فليس بقوي، لأن الفرد يرسل إلى بيئة صالحة لإصلاح نفسه والبعد عن المعاصي كما في تغريب الزاني بعد جلده.

стр. 195

المبحث الثامن: تذكية الصيد إذا أدركه المرسل (١) حيًّا: تأتي هذه المسألة في كتاب الصيد عند ذكر أحكام الجوارح -وهي حيوانات معلمة (٢) -، وصورة المسألة لو أن صائداً أرسل كلبه المعلم، وذكر اسم الله عليه عند إرساله وجرح الكلب الصيدَ أي المصِيدَ فمات ولم يأكل منه حل أكله (٣)، لكن لو وجد المرسل الصيدَ حيًّا، فلا يخلو إما أن يتمكن من ذبحه أو لا، فإن تمكن من ذبحه ولم يذبحه حتى مات لم يؤكل سواء كانت الحياة فيه بينة أو خفية (٤)، وإن ذبح حل عند الجميع (٥)، وذلك إذا كان يتوهم بقاء الصيد على قيد الحياة، وأما إذا شق الكلب المعلم بطنَ الصيد مثلاً وأخرج ما فيه، ثم وقع في يد المرسل حيًّا حل عند الصاحبين؛ لأن ما بقي فيه من الحياة اضطراب المذبوح فقط ولا عبرة بذلك، كما إذا وقعت شاة في الماء بعد ذبحها، وأما عند أبي حنيفة فلا يؤكل؛ لأنه وقع في يده حيًّا، فلا يحل إلا بذكاة الاختيار (٦)، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقد استثناه مطلقًا من غير فصل، وعليه الفتوى (٧).

стр. 196

دراسة المسألة دراسة مقارنة: تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن المرسل إذا أدرك الصيد وبه حياة مستقرة، ويتوهم بقاؤه على قيد الحياة فإنه لا يحل إلا بالتذكية (١)، واختلفوا فيما لو أدركه وبه حياة غير مستقرة على قولين: القول الأول: لا يحل أكله إلا بعد التذكية، وهو قول الحنفية كما ذُكر، وعليه الفتوى، والمالكية (٢). القول الثاني: يحل أكله ولا حاجة إلى التذكية، وهو القول المرجوح في المذهب الحنفي، وقول الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 197

الأدلة والمناقشات: دليل القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بعدم حل أكل الصيد إذا أدركه الصائد وبه حياة غير مستقرة بدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وجه الدلالة: أن الله – استثنى كل ما سبق بإطلاق من غير فصل، والآية تشمل ما أدركه الصائد وبه حياة (١). قد يناقش بأنه استثناء من التحريم وليس من المحرمات (٢). دليل القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بجواز أكل الصيد إذا أدركه الصائد وبه حياة غير مستقرة بقياس هذا الصيد على الصيد الميت بجامع أن الموت سببه الجارحة، وما فيه من الحياة في حكم الميت ولا عبرة بها (٣). الترجيح: بعد استعراض القولين ودليليهما يظهر أن القول الثاني أوفق وأقرب؛ لقوة دليله، وما ورد من المناقشة على دليل القول الأول، والمسألة لها أثر يظهر فيما لو أن إنساناً أرسل كلبه المعلم ليصيد الأرنب مثلاً فشق بطنه وأخرج ما فيه، فأدركه المرسل يتحرك حركة المذبوح، فعلى القول الأول لا يحل أكله حتى يذكيه ما دام فيه حياة، وعلى القول الثاني يحل أكله؛ لأنه مات من العقر، وذلك ذبحه.

стр. 198

المبحث التاسع: في مسائل البيوع المطلب الأول: ما يُعرَض بالأنموذج رؤية بعضه كرؤية كله: فقهاء الحنفية يذكرون أنواعاً من الخيارات مثل خيار الشرط وخيار العيب وخيار الرؤية وغيرها، ومسألة ما يعرض بالأنموذج من مسائل خيار الرؤية (١). ومن أمثلته أن يرى المشتري نموذجاً من المبيع دون سائره، كما لو كان المبيع طاولات متعددة من نمط واحد لا تختلف عرفاً، فيشتريها المشتري بعد أن يرى عيِّنات منها. وحينها يسقط خيار الرؤية (٢)؛ لأن رؤية بعض المبيع كرؤية كله، وذلك عند الصاحبين –رحمهما الله- للحاجة، وجريان التعامل به، ولأن المقصود معرفة الصفة وقد حصلت (٣)، وعند أبي حنيفة –﵀ الخيار لا يبطل وإن كان مما يباع عدداً، والفتوى على قولهما (٤). دراسة المسألة دراسة مقارنة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

стр. 199

القول الأول: يصح بيع ما يعرض بالنموذج، ورؤية النموذج أو العينة من المبيع تبطل خيار الرؤية في كله، وهو قول الحنفية المفتى به -كما سبق-، والمالكية (١)، والشافعية (٢)، وقول عند الحنابلة (٣). القول الثاني: لا يصح بيع ما يعرض بالنموذج، وعليه لا خيار رؤية، وهو قول أبي حنيفة ﵀ كما مضى، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٤). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بصحة بيع ما يعرض بالنموذج بأدلة، منها: الدليل الأول: العرف، فقد تعارف الناس على التعامل به، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً (٥) أي أن ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم قائم مقام الشرط في الالتزام والتقيد، وإن لم يُذكر صريحًا، وعليه فلا خيار الرؤية إذا لم يذكروه في العقد. الدليل الثاني: لأن رؤية بعض ما يعرض بالنموذج توجب العلم بالمقصود، وهو معرفة الصفة. الدليل الثالث: الحاجة تدعو إلى مثل هذه البيوع (٦).

стр. 200

دليل القول الثاني: استدل القائلون بعدم صحة بيع ما يعرض بالنموذج بعدم رؤية المبيع وقت العقد (١). وقد يُناقش بأن رؤية المبيع حصلت برؤية النموذج، ولا فرق بين النموذج والآخر، ثم في منعه حرج شديد على الناس وبخاصة إذا كانت البضاعة كثيرة. الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الأول أقرب لقوة دليله وورود المناقشة على دليل القول الثاني، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك خاصة مع التجارة الإلكترونية التي تتيح شراء بضاعة من أقصى الدنيا، ولا سبيل إلى رؤية كلها إلا بالنموذج، ثم الصناعة اليوم وصلت منتهى الدقة والانضباط في أوصاف السلعة المنتجة حجماً وشكلاً، وفي مثل هذه البيوع مصلحة اقتصادية كبيرة للمتعاقدين طالما انتفى الضرر، والله أعلم. والمسألة له ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة من المعاملات، منها: - لو أن إنساناً له محل بيع الأجهزة الإلكترونية وسافر إلى الصين مثلاً ليجلب البضاعة، وقد رأى النماذج منها والذي سيشتريه يصل إلى آلاف القطع، فعلى القول الأول صح البيع؛ لأن رؤية العينة كرؤية الكل، ولا خيار الرؤية، ولو ظهرت البضاعة أردأ من العينة فإن له خيار العيب، وعلى القول الثاني لم يصح البيع حتى يرى جميع البضاعة. - لو أن شخصاً أراد أن يشتري بضاعة كثيرة مختلفة من موقع أمازون (التجارة الإلكترونية) والمعروض صورة عينة فقط لكل نوع من أنواع البضاعة؛ فعلى القول الأول يصح البيع؛ لأن رؤية صورة العينة الواحدة كرؤية جميع العينات؛ لتطابقها حجماً وشكلاً وجودةً وغير ذلك، وعلى القول الثاني لا يصح البيع؛ لعدم رؤية جميع البضاعة. - لو أن شخصاً له محل بيع فواكه وخضروات، وذهب إلى السوق العامة ليجلب البضاعة، فأراد أن يشتري عشرة كراتين تمر، وقد رأى بعضها فقط دون سائرها، فعلى القول الأول يصح البيع ولا خيار رؤية، وعلى الثاني لم يصح البيع حتى يرى البضاعة كلها.

стр. 201

- ولو أراد أن يشتري خمسين حبة من البطيخ فالبيع لا يصح على القولين؛ لأن البطيخ يتفاوت حجمه في الغالب، فلا بد من رؤيتها كلها.

стр. 202

المطلب الثاني: الرجوع بنقصان العيب في الطعام بعد أكله: هذه المسألة من مسائل خيار العيب -وقد سبقت الإشارة إليه في المسألة السابقة-، ومعناه لو اطلع المشتري على عيب (١) في السلعة بعد العقد فله أخذها بجميع الثمن وله ردها (٢). ومن صور المسألة شخص اشترى طعاماً فأكل بعضه ثم علم بالعيب فيه، فعند أبي حنيفة –﵀ (ليس له أن يرد الباقي) (٣)، ولا أن يرجع بنقصانه (٤)؛ لأن الطعام كشيء واحد فلا يرد بعضه دون بعض كما إذا باع البعض، وعندهما يرجع بنقصان العيب في كله (٥) (وليس له أن يرد الباقي؛ لأن الطعام كالشيء الواحد فيتعيب بالتبعيض؛ لأن أكل الكل لا يمنع الرجوع فالبعض أولى) (٦)، ورواية أخرى عنهما أنه يرد ما بقي، ويرجع بنقصان ما أكله (٧)؛ لأنه لا يضره التبعيض، وعليه الفتوى (٨). دراسة المسألة دراسة مقارنة اختلف الفقهاء في مسألة الرجوع بنقصان العيب في الطعام بعد أكله على ثلاثة أقوال:

стр. 203

القول الأول: لا يجوز الرجوع فيه بنقصان العيب بأن يرجع بنقصانه ويرد الباقي، وهو قول منسوب لأبي حنيفة ﵀ (١). القول الثاني: يجوز الرجوع فيه بنقصان العيب في كله، ولا يرد الباقي، وهو قول الصاحبين الأول (٢). القول الثالث: يجوز الرجوع فيه بنقصان العيب في كله ويرد الباقي، وهو قول للصاحبين الثاني (٣). وهو قول المالكية (٤)، والشافعية تخريجاً (٥)، وكذلك الحنابلة (٦). الأدلة والمناقشات: تعليل القول الأول: علّل القائلون بعدم جواز الرجوع بنقصان العيب في الطعام بتعليل عدم تبعيضه، فهو كشيء واحد، فإذا أكل بعضه كأنه أكل كله (٧). قد يناقش بأن الأطعمة ليست على شكل واحد، فمنها ما يتبعض ولا يضره ولا يتعيب بذلك.

стр. 204

تعليل القول الثاني: علّل القائلون بجواز الرجوع في الطعام بنقصان العيب في كله، بلا رد الباقي بأن الطعام يتعيب بالتبعيض فلا يرد الباقي، ولو أكل كله لا يمنع الرجوع فيه فالبعض من باب أولى (١). تعليل القول الثالث: علل القائلون بجواز الرجوع في الطعام بنقصان العيب فيما أُكل منه ويُرد الباقي بأن تبعيض الطعام لا يضره (٢). الترجيح: بعد استعراض الأقوال وتعليلاتها يظهر أن القول الثالث أقرب؛ لقوة تعليله ولأن واقع صناعة الأطعمة اليوم يسانده بحيث لا يضره تبعيضه ولا يتعيب بذلك. والمسألة لها ثمرات عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن إنساناً اشترى فطيرة طازجة في مطعم ما بعشرين ريالاً، وأكل نصفها وعلم بالعيب (مثل ما لو كانت قديمة وليست طازجة)، فله أن يرد ما تبقى منها، ويرجع بنقصان فيما أكله. وتفصيلها فيما يلي: لو كان سعر الفطيرة عشرين ريالاً سليمة وعشرة ريالات معيبة، والفطيرة مقطعة إلى عشرة أجزاء مثلاً، وقد أكل نصفها أي خمسة أجزاء؛ وعليه فإنه سيرد الباقي بقيمته، أي يرجع بنصف الفطيرة بعشرة ريالات، والنصف الآخر يقوَّم سليماً ومعيباً، ويأخذ الفرق وهو الأرش، فالنصف الآخر عشرة ريالات سليماً، وسبعة ريالات مثلاً معيباً، فيرجع بنقصانه وهو ثلاثة ريالات. - ولو كان قد اشترى ساندويتش فإنه لا يقال بهذا القول؛ لأن تبعيض الساندويتش يضره ويتعيب به ولا يباع إلا كاملاً، فيصار إلى القول بأنه يرجع بنقصان العيب في كله؛ لأن ما تبقى من الطعام في حكم المتلف وتعذر الرد.

стр. 205

المطلب الثالث: في مسائل الربا المسألة الأولى: بيع الخبز (١) بالحنطة والدقيق (٢) متفاضلاً (٣): هذه المسألة من مسائل الربا، والربا في اللغة الفضل والزيادة والعلو (٤)، وفي الاصطلاح الزيادة المشروطة في العقد -وهذا إنما يكون عند المقابلة بالجنس-، وقيل: الربا في الشرع عبارة عن عقد فاسد بصفة سواء كان فيه زيادة أو لم يكن، فإن بيع الدراهم بالدنانير نسيئة ربا ولا زيادة فيه، وبه يتبين أن الربا نوعان: ربا الفضل وربا النسيئة (٥). والأصناف الربوية التي نص عليها الشارع ستة، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد" (٦). وقد اختلف الفقهاء في علة الربا في هذه الأصناف، وموضوع المسألة يتعلق بالأصناف الأربعة الأخيرة أي غير الذهب والفضة، والحنفية يقررون أن العلة فيها الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس (٧)، وهذا له أثر بالغ في مسألة بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً.

стр. 206

وفقهاء الحنفية ينصون على أنه يجوز ذلك لأن الخبز بعد صنعه صار عددياً أو موزوناً فخرج من أن يكون مكيلاً من كل وجه، والحنطة مكيلة (فلم توجد علة الربا إذا كانا نقدين) (١)، وذلك عند الصاحبين، وعند أبي حنيفة لا خير فيه (٢)، والفتوى على الأول (٣). دراسة المسألة دراسة مقارنة اختلف الفقهاء (٤) في جواز بيع الخبز بالحنطة والدقيق من جنسه متفاضلاً على قولين: القول الأول: يجوز بيعه بالحنطة والدقيق متفاضلاً، وهو قول الحنفية –كما سبق- والمالكية (٥)، وقول عند الشافعية (٦). القول الثاني: لا يجوز بيعه بالحنطة والدقيق متفاضلاً، وهو قول آخر عند الشافعية، (٧) والحنابلة. (٨) الأدلة والمناقشات:

стр. 207

دليل القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بجواز بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً بكونه أصبح عددياً أو موزوناً وليس بمكيل مطلقاً، والحنطة مكيلة (١)، فهما جنسان. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بعدم جواز بيع الخبز بالحنطة والدقيق بأدلة، منها: الدليل الأول: الخبز فيه الماء، وعليه فإننا نجهل التساوي (٢)، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل (٣). قد يناقش بأنه كذلك، لكن الجهل هنا لا يضر؛ لأنهما جنسان، فلا بأس بالتفاضل. الدليل الثاني: كون الخبز فرعاً لأصل يحرم فيه الربا، فلم يجز بيعه به، كالدقيق بالحنطة (٤). قد يناقش بأن الدقيق هو الحنطة المدقوقة فيمنع، وأما الخبز فيختلف عن الحنطة ودقيقها (٥). الترجيح: بعد استعراض القولين بأدلتهما يظهر أن الترجيح في هذه المسألة ينبني على مسألة علة الربا في غير الذهب والفضة، وأن الخلاف فيها خلاف تنوع، فمن رأى أن علة الربا موجودة في الخبز قال بالمنع، ومن لا فلا.

стр. 208

إلا إذا قلنا: إن الخبز أصبح عددياً -والعددية ليست بعلة-، وهو ظاهر الآن في صناعة الخبز، فإنه يباع بالعدد، ولا يشكل وضعهم وزن الخبز على خارج الغلاف؛ لأن العدد مقصود وليس الوزن، والله أعلم. وعليه فالراجح هو القول الأول، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن إنساناً عنده من الخبز خمسة أكياس واحتاج إلى البر أو دقيقه لغرض ما، فإنه يجوز بيعه بالبر؛ لأن الخبز موزون والبر مكيل، والعلة هي الوزن مع الجنس أو الكيل مع الجنس، أو لأن الخبز عددي، وهذا خارج علة الربا، وهو على قول الحنفية من القول الأول، وعلى القول الثاني لا يجوز ذلك؛ لأن الخبز مطعوم، وعلة الربا الطعم مثلاً. - وإذا قلنا: إن البيع هنا شراء: فلو أن إنساناً عنده أكياس من البر أو دقيقه مثلاً، ولا يقدر على صنع الخبز؛ لانشغاله أو لجهله بصناعته، فيذهب إلى الخباز ويشتري الخبز بما عنده من الدقيق، فعلى القول الأول يجوز؛ لأنهما جنسان، أو لأن الخبز عددي، وعلى القول الثاني لا يجوز؛ لأن الربا طعم وهي موجودة في كليهما.

стр. 209

المسألة الثانية: بيع الخبز بالحنطة والدقيق نسيئة: هذه المسألة شبيهة بالسابقة، إلا أن هذه في ربا النسيئة، وتلك في ربا الفضل. وربا النسيئة أو النساء عند الحنفية فضل الحلول على الأجل وفضل العين على الدين في المكيلين والموزونين عند اختلاف الجنس أو في غير المكيلين وغير الموزونين عند اتحاد الجنس (١)، وعلته وجود أحد وصفي علة ربا الفضل، وهي الكيل في المكيلات أو الوزن المتَّفِق، ومعناه أن يكونا ثمنين أو مثمنين؛ لأن وزن الثمن يخالف وزن المثمن (٢). وعند المالكية مجرد الطعم على غير وجه التداوي كان مدخراً مقتاتاً أم لا (٣)، وكذا أي الطعم عند الشافعية (٤)، وعند الحنابلة ربا النسيئة كل شيئين -ليس أحدهما نقداً- علة ربا الفضل فيهما واحدة لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسأ، وعلة ربا الفضل عندهم كونه مطعوماً مكيلاً أو مطعوماً موزوناً (٥). ثم الحنفية ينصون على أنه يجوز بيع الخبز بالحنطة والدقيق نسيئة إذا كانت الحنطة نسيئة، وذلك عند الصاحبين، وإن كان الخبز نسيئة يجوز عند أبي يوسف، وعليه الفتوى (٦)، بدليل ما ذكروه أنه خرج من أن يكون مكيلاً، بل صار عددياً أو موزوناً، والحنطة مكيلة، فجاز التفاضل، وإذا قلنا: إنه عددي فلا علة الربا (٧).

стр. 210

ولأنه من باب السلم، وقد أسلم موزوناً (الخبز) في مكيل (الحنطة والبر) يمكن ضبط صفته ومقداره، وكذلك إذا أسلم في موزون (الخبز) إذا كان الخبز نسيئة (١). دراسة المسألة دراسة مقارنة: لم أجد هذه المسألة بعينها في كتب بقية المذاهب، لكن يمكن تخريجها بناءً على ما مر في المسألة السابقة: - فالحنفية جوَّزوا بيع الخبز بالحنطة متفاضلاً؛ لأنهما جنسان، أو لأن الخبز ليس مكيلاً والحنطة مكيلة، وفي بيع هذا بهذا لم يوجد أحد وصفي علة ربا الفضل، فيجوز نسيئة، ويجعلونه سلماً لأجل التأخير. - وأما المالكية فعلة ربا الفضل عندهم الاقتيات والادخار، فجوزوا بيع الخبز بالحنطة متفاضلاً؛ لأنه لا يدخر، لكن علة ربا النسيئة عندهم مجرد الطعم، فيخرج على أنه لا يجوز بيع الخبز بالحنطة نسيئة؛ لأنهما مطعومان. - وأما الشافعية فعلة ربا الفضل عندهم الطعم، وكذا ربا النسيئة، فيخرج قولهم كقول المالكية. - وأما الحنابلة فعلة ربا الفضل عندهم الطعم مع الوزن أو الطعم مع الكيل، وواقع أدلتهم في المسألة السابقة أن الخبز عندهم مكيلاً كالحنطة، وعلة ربا النسيئة هي وجود أحد وصفي علة ربا الفضل، وعليه فإن الخبز والحنطة مطعومان مكيلان، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئة. والذي يظهر في هذه المسألة أن الخبز عددي، وبخاصة في هذا الوقت، والعددي ليس من أموال الربا (٢)، والله أعلم.

стр. 211

المسألة الثالثة: بيع الكرباس (١) بالقطن: جاء في كتب الحنفية ما يدل على صحة بيع الكرباس بالقطن؛ لاختلاف الجنس باعتبار المقصود والمعيار (٢)، ولا خلاف فيه، والقطن (٣) بالغزل يجوز عند محمد؛ لأن الثوب لا ينقض ليعود غزلاً أو قطناً (٤)، وأبو يوسف منعه للمجانسة (٥)، والفتوى على قول محمد –﵏ جميعاً- (٦). دراسة المسألة دراسة مقارنة: لم أجد ذكراً لهذه المسألة بعينها في كتب بقية المذاهب، والذي يظهر أن سبب إيرادها في كتب الحنفية كون القطن من الأموال الربوية عندهم؛ لأنه موزون (٧)، وقد سبق في مسألة بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً أن علة ربا الفضل عندهم الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس (٨). وقد نصوا على أن الثياب ليسب بموزونة، وعليه فيجوز بيع الكرباس الذي هو الثياب المصنوع من القطن بالقطن؛ لأنه بيع غير الموزون، بل بيع العددي بالموزون، فلا علة الربا. وإذا راجعنا ما قاله فقهاء المذاهب غير الحنفية في علة ربا الفضل نجد أقوالهم تدور حول الادخار والاقتيات أو الطعم أو الطعم مع الكيل أو الوزن، والقطن ليس من هذه أصلاً.

стр. 212

وعليه يمكن القول بجواز بيع الكرباس بالقطن عند المالكية والشافعية والحنابلة تخريجاً (١). وإذا كان كذلك فهي من مواضع الاتفاق بينهم، والله أعلم. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن إنساناً يملك مزرعة القطن وأراد أن يبيع بعضه في مقابل الثياب الجاهزة المصنوعة من القطن، فإن ذلك جائز، لأن القطن موزون، والثياب عددية، والصناعة غيرتها فلا تشبهه؛ لأنها لا تنقض لتعود قطناً. - لو أن صاحب محل الخياطة أراد أن يبيع الثياب الشتوية الجاهزة عنده حين حلول الربيع بالغزل أي خيوط القطن، فإن ذلك جائز؛ لما سبق في الصورة الأولى، والله أعلم.

стр. 213

المسألة الرابعة: استقراض الخبز وزناً وعدداً: الاستقراض من القرض، وهو ما تعطيه من مثلي لتتقاضى مثله (١)، وفقهاء الحنفية يقررون بأن الإقراض جائز في كل مكيل وموزون، وكذلك في العدديات المتقاربة مثل البيض؛ لأنها مضمونة المثل، وإنما يختلفون في إقراض الخبز (٢)، وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: المروي عن أبي حنيفة –﵀ أن ذلك لا يجوز وزناً ولا عدداً. والقول الثاني: عند أبي يوسف –﵀ أنه يجوز وزناً ولا يجوز عدداً. والقول الثالث: عند محمد –﵀ أنه يجوز عدداً، واستعظم أن يستقرض وزناً (٣). ودليل المنع كونه لا يوقف على حده معناه أنه يتفاوت بالعجن والنضج عند الخبز، ويكون منه الخفيف، والثقيل، وفي كل نوع عرف (٤). وعند أبي يوسف الخبز موزون عادة، والاستقراض في الموزونات وزناً يجوز، ولا يجوز عدداً؛ لأنه متفاوت، فيه الكبير والصغير (٥).

стр. 214

وعند محمد يجوز عدداً؛ لأنه صنع الناس وقد اعتادوه، -وقد استعظم جواز استقراضه وزناً (١) لأن القياس فيه ما قاله أبو حنيفة: إنه لا يوقف على حده، وإنما ترك هذا القياس (استحساناً) (٢) - ولتعارف الناس (ولحاجتهم) (٣) و (تيسيراً) عليهم (٤)، وذلك في استقراضه عدداً وبقي استقراضه وزناً على أصل القياس، والفتوى على استقراضه عدداً (٥)، وقيل أيضاً: عدداً ووزناً (٦). دراسة المسألة دراسة مقارنة صورة المسألة: لو أن إنساناً استقرض خبزاً من جاره على أن يرد بدله، فهل يجوز ذلك أم لا؟ تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين رئيسين: القول الأول: يجوز استقراض الخبز، لكن اختلفوا في كيفية ذلك: - فمنهم من قال: يجوز وزناً وعدداً، وهو قول الحنفية المفتى به –كما سبق-، والمالكية (٧)، وقول عند الشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 215

- ومنهم من قال: لا يجوز إلا وزناً، وهو رواية عند الحنابلة (١). - ومنهم من قال: يجوز عدداً في الشيء اليسير، وهو رواية أخرى عند الحنابلة (٢). القول الثاني: لا يجوز استقراض الخبز، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٣). الأدلة والمناقشات: استدل أصحاب القول الأول بأدلة، كل بحسب ما تقرر عنده في المسألة، فمن قال بجواز استقراضه وزناً وعدداً استدل بأدلة، منها: الدليل الأول: العرف، وقد تعارف الناس على ذلك، ولا يقصدون البيع (٤). الدليل الثاني: الحاجة داعية إلى مثل هذه المعاملة (٥). الدليل الثالث: في جوازه توسعة على الناس (٦)، وفي منعه حرج شديد. ومن قال بعدم جوازه إلا وزناً استدل بقياسه على الموزونات (٧)؛ لأن المثلية تتحقق بذلك. ومن قال بجوازه عدداً بغير وزن استدل بحديث عائشة –﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الخميرة والخبز نقرضه الجيران فيردون أكثر أو أقل، فقال: "ليس بذلك بأس إنما هو أمر موافق بين الجيران وليس يراد به الفضل" (٨).
следующие страницы →