← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1229

المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية - جمعا ودراسة-

سناد تسرنكتش

Полный текст (676 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المسألة الثالثة: بيع الكرباس (١) بالقطن: جاء في كتب الحنفية ما يدل على صحة بيع الكرباس بالقطن؛ لاختلاف الجنس باعتبار المقصود والمعيار (٢)، ولا خلاف فيه، والقطن (٣) بالغزل يجوز عند محمد؛ لأن الثوب لا ينقض ليعود غزلاً أو قطناً (٤)، وأبو يوسف منعه للمجانسة (٥)، والفتوى على قول محمد –﵏ جميعاً- (٦). دراسة المسألة دراسة مقارنة: لم أجد ذكراً لهذه المسألة بعينها في كتب بقية المذاهب، والذي يظهر أن سبب إيرادها في كتب الحنفية كون القطن من الأموال الربوية عندهم؛ لأنه موزون (٧)، وقد سبق في مسألة بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً أن علة ربا الفضل عندهم الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس (٨). وقد نصوا على أن الثياب ليسب بموزونة، وعليه فيجوز بيع الكرباس الذي هو الثياب المصنوع من القطن بالقطن؛ لأنه بيع غير الموزون، بل بيع العددي بالموزون، فلا علة الربا. وإذا راجعنا ما قاله فقهاء المذاهب غير الحنفية في علة ربا الفضل نجد أقوالهم تدور حول الادخار والاقتيات أو الطعم أو الطعم مع الكيل أو الوزن، والقطن ليس من هذه أصلاً.

стр. 212

وعليه يمكن القول بجواز بيع الكرباس بالقطن عند المالكية والشافعية والحنابلة تخريجاً (١). وإذا كان كذلك فهي من مواضع الاتفاق بينهم، والله أعلم. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن إنساناً يملك مزرعة القطن وأراد أن يبيع بعضه في مقابل الثياب الجاهزة المصنوعة من القطن، فإن ذلك جائز، لأن القطن موزون، والثياب عددية، والصناعة غيرتها فلا تشبهه؛ لأنها لا تنقض لتعود قطناً. - لو أن صاحب محل الخياطة أراد أن يبيع الثياب الشتوية الجاهزة عنده حين حلول الربيع بالغزل أي خيوط القطن، فإن ذلك جائز؛ لما سبق في الصورة الأولى، والله أعلم.

стр. 213

المسألة الرابعة: استقراض الخبز وزناً وعدداً: الاستقراض من القرض، وهو ما تعطيه من مثلي لتتقاضى مثله (١)، وفقهاء الحنفية يقررون بأن الإقراض جائز في كل مكيل وموزون، وكذلك في العدديات المتقاربة مثل البيض؛ لأنها مضمونة المثل، وإنما يختلفون في إقراض الخبز (٢)، وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: المروي عن أبي حنيفة –﵀ أن ذلك لا يجوز وزناً ولا عدداً. والقول الثاني: عند أبي يوسف –﵀ أنه يجوز وزناً ولا يجوز عدداً. والقول الثالث: عند محمد –﵀ أنه يجوز عدداً، واستعظم أن يستقرض وزناً (٣). ودليل المنع كونه لا يوقف على حده معناه أنه يتفاوت بالعجن والنضج عند الخبز، ويكون منه الخفيف، والثقيل، وفي كل نوع عرف (٤). وعند أبي يوسف الخبز موزون عادة، والاستقراض في الموزونات وزناً يجوز، ولا يجوز عدداً؛ لأنه متفاوت، فيه الكبير والصغير (٥).

стр. 214

وعند محمد يجوز عدداً؛ لأنه صنع الناس وقد اعتادوه، -وقد استعظم جواز استقراضه وزناً (١) لأن القياس فيه ما قاله أبو حنيفة: إنه لا يوقف على حده، وإنما ترك هذا القياس (استحساناً) (٢) - ولتعارف الناس (ولحاجتهم) (٣) و (تيسيراً) عليهم (٤)، وذلك في استقراضه عدداً وبقي استقراضه وزناً على أصل القياس، والفتوى على استقراضه عدداً (٥)، وقيل أيضاً: عدداً ووزناً (٦). دراسة المسألة دراسة مقارنة صورة المسألة: لو أن إنساناً استقرض خبزاً من جاره على أن يرد بدله، فهل يجوز ذلك أم لا؟ تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين رئيسين: القول الأول: يجوز استقراض الخبز، لكن اختلفوا في كيفية ذلك: - فمنهم من قال: يجوز وزناً وعدداً، وهو قول الحنفية المفتى به –كما سبق-، والمالكية (٧)، وقول عند الشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 215

- ومنهم من قال: لا يجوز إلا وزناً، وهو رواية عند الحنابلة (١). - ومنهم من قال: يجوز عدداً في الشيء اليسير، وهو رواية أخرى عند الحنابلة (٢). القول الثاني: لا يجوز استقراض الخبز، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٣). الأدلة والمناقشات: استدل أصحاب القول الأول بأدلة، كل بحسب ما تقرر عنده في المسألة، فمن قال بجواز استقراضه وزناً وعدداً استدل بأدلة، منها: الدليل الأول: العرف، وقد تعارف الناس على ذلك، ولا يقصدون البيع (٤). الدليل الثاني: الحاجة داعية إلى مثل هذه المعاملة (٥). الدليل الثالث: في جوازه توسعة على الناس (٦)، وفي منعه حرج شديد. ومن قال بعدم جوازه إلا وزناً استدل بقياسه على الموزونات (٧)؛ لأن المثلية تتحقق بذلك. ومن قال بجوازه عدداً بغير وزن استدل بحديث عائشة –﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الخميرة والخبز نقرضه الجيران فيردون أكثر أو أقل، فقال: "ليس بذلك بأس إنما هو أمر موافق بين الجيران وليس يراد به الفضل" (٨).

стр. 216

وجه الدلالة: ظاهر الحديث دليل على اعتبار العدد في استقراض الخبز والخميرة وليس الوزن، بل اعتبار الوزن في ذلك يشق، والحديث يدل على المسامحة. وقد يناقش بأن الحديث ضعيف ولم يثبت، فلا تقوم به الحجة. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بمنع استقراض الخبز بتعليل كون ذلك يؤدي إلى مقابلة الخبز بالخبز، وبيانه عندهم على النحو الآتي: "وأما إقراض الخبز وكل ما لا يجوز بيعُ بعضِه ببعض ينبني على أن ما ليس من ذوات الأمثالِ يَضمن المقترض مثلَه أو قيمتَه. فإن ألزمناه القيمةَ، والخبز ليس من ذواتِ الأمثال، فيجوز إقراضه، فإنه ليس فيه مقابلة الخبز بالخبز. وإن قلنا: يضمن المقترض المثل، فهذا يؤدي إلى مقابلة الخبز بالخبز" (١). قد يناقش بأن الخبز من ذوات الأمثال وتحقق المثلية أمر ممكن؛ لأن الخبز من يخبزه في بيته متقارب في الغالب، وإن كان يجلبه من خارج البيت من المخابز فالمثلية أوضح وأظهر. الترجيح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها يظهر أن القول بجواز استقراض الخبز عدداً ووزناً أقرب، فمن استقرضه وزناً فإنه يرد مثله بالوزن، وإن استقرضه عدداً فإنه يرد مثله بالعدد؛ وذلك لقوة دليل هذا القول، وورود المناقشة على دليل القول الثاني، ولأن الخبز موزون أو عددي، والمثلية فيه متحققة، وخصوصًا الآن مع تطور صناعة الأفران وغيرها من الآلات التي تضمن مثلية الخبز، مع ضرورة التفرقة بين ما يخبز في بيوتات الناس وبين ما يخبز في المخابز العامة، والله أعلم. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو استقرض إنسان من جاره خبزاً خبزه هو في بيته، فعلى القول الثاني لا يجوز ذلك مطلقاً، وعلى الأول يجوز عند من يقول بالعدد؛ لأن ما يخبز في البيت لا يوزن في الغالب ويشق كما مضى، ولو اشتُرِط ردُّ المخبوز في البيت لكان أوفق؛ لاختلاف صناعة البيت من صناعة المخابز.

стр. 217

وإذا أقرضه خبزاً اشتراه في البقالة، فعلى القول الثاني لا يجوز كذلك، وعلى الأول يجوز عند من قال بالوزن والعدد؛ لأنه يباع بالوزن وبالعدد، وإن كان العدد غالباً على الوزن، ولذلك يجوز أيضاً عند من قال بالوزن فقط أو بالعدد فقط، ولو اشتُرِط أيضاً رد المخبوز في المخابز لكان أوفق لما ذُكر، والله أعلم.

стр. 218

المطلب الرابع: السلم في الخبز: السلم (١) عند الحنفية شراء آجل بعاجل (٢) -وهو بخلاف القياس؛ لأن الأصل أن يكون العوض حاضراً وقت العقد-، ومعناه بيع عوض موصوف في الذمة إلى أجل معلوم بثمن يُعطى عاجلاً، وعليه فإنه لا بد من قبض رأس المال في مجلس العقد وتأجيل المسلَم فيه أي ما وصف في الذمة، وهو جائز في المكيلات مثل الحنطة والذرة والموزونات كالحديد -غير النقدين؛ لأنهما أثمان، والمسلَم فيه لا يكون إلا مثمناً-، والمعدودات التي لا تتفاوت (٣). وكل ما أمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره جاز السلم فيه، وإلا فلا؛ لأنه يصير مجهولاً يفضي إلى المنازعة (٤). والسلم في الخبز من المسائل المختلف فيها لصعوبة ضبط صفته؛ وذلك على قولين: القول الأول: لا يجوز السلم في الخبز لا وزناً ولا عدداً؛ لأن الخبز يختلف بالعجن والنضج وكيفية الخبز، فمنه الخفيف ومنه الثقيل، ومع التفاوت لا يمكن تجويز السلم فيه، فتبقى الجهالة المفضية إلى المنازعة (٥)، وهو قول الطرفين (٦) –رحمهما الله-.

стр. 219

القول الثاني: يجوز وزناً إذا أتى بشرائط السلم (١) لحاجة الناس (٢)، لكن يجب أن يحتاط وقت القبض بقبض الجنس المسمى، حتى لا يصير استبدالاً بالسلم فيه قبل قبضه إذا قبض دون المسمى صفة، وإذا كان كذلك فالاحتياط في منعه؛ لأنه قل أن يأخذ من النوع المسمى خصوصاً فيمن يقبض في كل يوم كذا وكذا رغيفاً، وهو قول أبي يوسف –﵀ (٣). وأما عدداً فلا يجوز بالإجماع (٤)، ومراده إجماع الأئمة الثلاثة من الحنفية، لكن فيه نظر لأنه جاء في رد المحتار مفاده جواز السلم في الخبز عدداً، والفتوى على ذلك (٥). وخلاصة المسألة أن الحنفية يرون جواز السلم في الخبر وزناً وعدداً؛ لأنه صنع الناس وقد اعتادوه (٦). دراسة المسألة دراسة مقارنة: تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في جواز السلم في الخبز على قولين: القول الأول: جواز السلم فيه، وهو قول الحنفية –كما سبق- والمالكية (٧)، والصحيح من مذهب الشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 220

القول الثاني: لا يجوز السلم في الخبز، وهو وجه عند الشافعية (١). الأدلة والمناقشات: استدل أصحاب القول الأول القائل بجواز السلم في الخبز بأدلة، منها: الدليل الأول: حديث ابن عباس –﵄ أن النبي – ﷺ قال: "من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (٢). وجه الدلالة: ظاهر الحديث إباحة السلم في كل مكيل وموزون ومعدود (٣). الدليل الثاني: لأن عمل الناس فيه معلوم بالعادة، ويمكن ضبطه بالنشافة والرطوبة، فصح السلم فيه (٤). الدليل الثالث: العرف، وقد اعتاد الناس على هذه المعاملة (٥)؛ لعدم الجهالة المفضية إلى المنازعة. الدليل الرابع: الحاجة داعية إليه (٦)، وفي منعه حرج شديد. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بعدم جواز السلم في الخبز بأدلة، منها: الدليل الأول: تأثير النار على ما تمسه لا ينضبط، ومن ذلك الخبز، فالنار تؤثر فيه تأثيراً لا يمكن ضبطه. يناقش بأن ما مسته النار لا يفارق ما لم تمسه النار إذا انضبط، فتأثير النار يمكن ضبطه.

стр. 221

الدليل الثاني: لأن الملح الذي يوضع في الخبز يقل ويكثر. يناقش بأنه غير مقصود، فلا ينظر إلى ذلك (١). الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الأول أوفق وأقرب لمقاصد الشريعة، وفيه توسعة على الناس، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن صاحب المطعم أسلم في الخبز عند الخباز خمسين رغيف خبز يومياً طوال العام، فعلى القول الأول يجوز؛ لأنه يمكن ضبط صنع الخبز من حيث الحجم والشكل والمكونات، وعلى الثاني لا يجوز ذلك لتأثير النار عليه تأثيراً لا ينضبط.

стр. 222

المبحث العاشر: ثبوت الوكالة بالقبض وثبوت الوكالة بالخصومة والتقاضي قد يعجز الإنسان عن التصرف في ماله؛ لقلة خبرته وكثرة انشغاله، أو لكثرة ماله، فيحتاج إلى تفويض التصرف إلى الغير بطريق الوكالة (١)، والوكالة تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل (٢). ومسألة ثبوت الوكالة تبين ما يملكه الوكيل من التصرف بموجب التوكيل بعد صحته (٣)، وفقهاء الحنفية يقولون: إن الوكيل بقبض الدين مثلاً وكيل بالخصومة لأجله (٤)، والوكيل بالتقاضي في أمور مالية مثلاً يملك قبضها بالإجماع إذا قضى القاضي له؛ لأنه لا فائدة للتقاضي بدون القبض (٥)، وأما الوكيل بالخصومة فيها فقد اختلفوا في ذلك؛ فعند الأئمة الثلاثة يملك قبضها أيضاً؛ لأن المقصود من الخصومة استيفاء الدين فكان المقصود من الوكالة الاستيفاء فيملكه، ولأن من ملك شيئًا ملك إتمامه وإتمام الخصومة وانتهاؤها بالقبض (٦)، وعند زفر لا يملك؛ لأن الموكل رضي بخصومته لا بقبضه، وليس كل من يصلح للخصومة يؤتمن على القبض (٧).

стр. 223

والفتوى على قول زفر لفساد الزمان وكثرة ظهور الخيانة في الوكلاء (١). دراسة المسألة دراسة مقارنة صورة المسألة لو أن صاحب عبارة مؤجرة وكل شركة محاماة بالخصومة والتقاضي في قضية استيفاء الديون على بعض سكان عمارته، وإذا قضى القاضي له هل تملك شركة المحاماة قبض الديون أم لا؟ تحرير محل النزاع اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: الوكيل بالخصومة لا يملك قبض الأموال، وهو قول الحنفية المفتى به–كما سبق-، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: الوكيل بالخصومة يملك قبض الأموال، وهو قول الحنفية المرجوح –كما سبق-، وقول المالكية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بأن الوكيل بالخصومة لا يملك القبض بأدلة، منها:

стр. 224

الدليل الأول: كون الإذن بالوكالة لم يتناوله نطقاً، ولا عرفاً (١). الدليل الثاني: لأن الموكل رضي بخصومته، ولا يلزم من ذلك رضاه بقبضه. الدليل الثالث: ليس كل من يصلح للخصومة يؤتمن على القبض (٢). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن الوكيل بالخصومة يملك القبض بأدلة، منها: الدليل الأول: كون الوكيل مأموراً بقطع الخصومة، ولا تنقطع إلا به (٣). قد يناقش بأنه ليس على إطلاقه، بل تنقطع بمجرد إنهائها، والقبض أمر زائد على إنهائها. الدليل الثاني: لأن المقصود من الخصومة استيفاء الدين فكان المقصود من الوكالة الاستيفاء فيملكه (٤). قد يناقش بأن المقصود من الخصومة ليس استيفاء الدين فحسب، بل هناك أمور معنوية تتحقق قبل استيفاء المال مثل رضا النفس والتعديل، ولو كانت الخصومة لأجل استيفاء المال فقط فإن الاستيفاء أمر زائد على الوكالة، فلا تشمله. الترجيح: بعد استعراض القولين يظهر أن القول الأول أقرب؛ لقوة أدلته، وورود المناقشة على أدلة المخالفين، والمسألة لها ثمرة تظهر فيما ذكر من صورتها، فإنه على القول الأول شركة المحاماة لا تملك القبض نيابة عن صاحب العمارة، وعلى القول الثاني تملك ذلك؛ لأن الوكالة تشمل ذلك، والله أعلم.

стр. 225

المبحث الحادي عشر: في مسائل المزارعة والمساقاة المطلب الأول: حكم المزارعة: المزارعة مفاعلة من الزرع والزراعة وهي الحرث والفِلاحَة، وتسمى مخابرة، مشتقة من خيبر؛ لأنه ﷺ دفع خيبر مزارعة، فسُميت المزارعة مخابرة لذلك، أو من الخيبر وهو الإكَّار، أو من الخُبْرَة –بالضم- وهي النصيب، أو من الخَبَار وهي الأرض اللينة، وتسمى المحاقَلة من الحقل وهو الزرع إذا تشعّب قبل أن يغلظ سوقه أو هو الأرض الطيبة الخالصة الصالحة للزراعة. (١) وفي اصطلاح الحنفية عقد على الزرع ببعض الخارج. (٢) وقد اختلفوا في مشروعيتها على قولين: القول الأول: إنها مشروعة، وهو قول الصاحبين –رحمهما الله-؛ لأن النبي ﵊ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع (٣) (٤).

стр. 226

القول الثاني: إنها فاسدة (١)، وهو قول أبي حنيفة –﵀ بدليل أن النبي – ﷺ نهى عن المخابرة (٢) وهي المزارعة، ولأن الأجر مجهول أو معدوم، وكل ذلك مفسد، ومعاملة النبي ﵊ أهل خيبر كانت خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز (٣). والفتوى على قول الصاحبين؛ لحاجة الناس إليها (٤)، ولظهور تعامل الأمة بها، والقياس يترك بالتعامل (٥). دراسة المسألة دراسة مقارنة: تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم المزارعة على قولين: القول الأول: إنها فاسدة، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٦).

стр. 227

القول الثاني: إنها مشروعة، وهو القول المفتى به في المذهب الحنفي -كما سبق-، وقول المالكية (١)، وعند الشافعية تبعاً للمساقة المعقودة على النخيل (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة والمناقشات: دليل القول الأول: استدل أبو حنيفة ﵀ على فساد المزارعة بأن النبي ﷺ نهى عن المخابرة (٤)، وهي المزارعة، والأجر فيها مجهول أو معدوم. نوقش بأن هناك فرقًا بين المخابرة والمزارعة، وهو أن البذر في المزارعة يكون على مالك الأرض وفي المخابرة على العامل (٥). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: استدل أصحاب القول الثاني على مشروعية المزارعة بأن النبي ﵊ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع (٦). نوقش بأن معاملة النبي ﵊ أهل خيبر كانت خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز (٧). الدليل الثاني: حاجة الناس داعية إلى ذلك، وفي منعها مشقة عليهم (٨).

стр. 228

الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلة كل قول يظهر أن القول الثاني أرجح؛ لوجود الفرق بين المزارعة والمخابرة، ولما ورد من المناقشة على دليل القول الأول. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو أن إنساناً ملك أرضاً صالحة للزرع، لكن لم يقدر على العمل فيها؛ لانشغاله بوظيفته في شركة ما أو بتجارته، ودفعها إلى عامل؛ ليقوم بالعمل عليها وما يلزم منه مثل البذور والسماد والآلات وغيرهما على أن له نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه فإنه مشروع على القول الثاني، بخلاف القول الأول.

стр. 229

المطلب الثاني: اشتراط الأعمال في المزارعة التي ليست منها قد سبق في المسألة السابقة ذكر أقوال المذاهب الأربعة في مشروعية المزارعة، ويذكرون شروطها مثل التأقيت، وصلاحية الأرض للزراعة، ومعرفة مقدار البذر، ومعرفة جنسه، ونصيب الطرف الآخر، والتخلية بينه وبين الأرض إلخ (١)، لكن ينصون على أنه ليس للعامل مطالبة صاحب الأرض بأجرة الحصاد مثلاً، ولو شُرط ذلك على العامل لا يجوز؛ لأن الأصل أنه متى شُرِط في المزارعة ما ليس من أعمالها فسدت؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه نفع لأحدهما، فصار كاشتراط الحمل عليه، وكل عمل يُنبت ويزيد في الخارج من أعمال الزراعة واجب على العامل شُرط عليه ذلك أو لم يشرط عليه ذلك كالسفر وغيره، وما لا فلا، وهي ظاهر الرواية (٢). وعند أبي يوسف يجوز؛ لأن المزارعة على هذه الشروط متعاملة بين الناس ويجوز ترك القياس بالتعامل، وعليه الفتوى (٣). دراسة المسألة دراسة مقارنة: صورة المسألة: إذا اتفق صاحب الأرض والعامل على اشتراط الأعمال في المزارعة التي ليست منها مثل الحصاد ونقله، فهل يصح ذلك الشرط أم لا؟ تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يجوز اشتراط الأعمال التي ليست من المزارعة، وهو قول الحنفية – كما سبق-، وقول عند المالكية إذا كان مما تعارف الناس عليه (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 230

القول الثاني: الشرط غير صحيح، وهو قول عند الحنفية -كما سبق-، وقول آخر عند المالكية (١). الأدلة والمناقشات: دليل القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بصحة اشتراط الأعمال التي ليست من المزارعة بدليل العرف، فإن الناس قد تعارفوا على ذلك (٢)، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً (٣). دليل القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بعدم جواز اشتراط الأعمال التي ليست من المزارعة بتعليل كونه شرط الجهالة المفضية إلى النزاع (٤). قد يناقش بأن واقع الناس وتعاملهم بهذه المعاملة تنفي الجهالة المفضية إلى المنازعة، ويبقى الشرط صحيحاً. الترجيح: بعد استعراض القولين بدليليهما يظهر أن القول الأول أقرب؛ نظراً لعرف الناس في معاملاتهم، والمسألة لها ثمرات عملية تظهر في صورة كثيرة، منها: - لو أن إنساناً دفع أرضه للعامل أن يزرع القمح على أن الخارج بينهما، وشرطا أن يكون الحصاد ونقله وإحضاره وتجفيفه على العامل، فإن الشرط جائز ولا شيء فيه لتعارف الناس على ذلك. - ويقال مثل ذلك في غيرها من الزروع والثمار، والله أعلم.

стр. 231

المطلب الثالث: حكم المساقاة: المساقاة من المفاعلة، وهي معاقدة دفع الأشجار إلى من يعمل فيها على أن الثمر بينهما (١)، وهي عند فقهاء الحنفية كالمزارعة حكماً وخلافاً وشروطاً إلا المدة، فإنها تصح بلا ذكرها (٢). دراسة المسألة دراسة مقارنة صورة المساقاة: لو أن إنساناً دفع شجره إلى العامل ليقوم بسقيه وسائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم من ثمره. وبعد الاطلاع على كتب بقية المذاهب تبين أنها جائزة عند الجميع (٣).

стр. 232

المبحث الثاني عشر: وقف العقار والمنقول: الوقف معناه الحبس (١)، وفقهاء الحنفية يعرفونه بأنه عبارة عن حبس المملوك عن التمليك من الغير (٢)، والتصدق بمنفعته (٣). والعين الموقوفة عند الحنفية تنقسم إلى العقار (٤) والمنقول، ويجوزون صحة وقف العقار (٥)، ويختلفون في وقف المنقول؛ وذلك على قولين: القول الأول: إنه يجوز إذا كان تابعاً للعقار (مثل المواقف للمبنى) بالإجماع (٦)، وهو قول أبي يوسف –﵀ (٧). القول الثاني: إنه يجوز وقف كل ما جرى فيه التعامل كالمصاحف والكتب إلخ، بخلاف ما لا تعامل فيه، وهو قول محمد، وعليه الفتوى (٨). دراسة المسألة دراسة مقارنة صورة المسألة فيما لو أراد شخص أن يوقف شيئاً يمكن نقله من مكان لآخر مثل الكتب، فهل يجوز ذلك أم لا؟

стр. 233

تحرير محل النزاع: اتفقت المذاهب على جواز وقف العقار (١)، وبعد الاطلاع على أقوالهم في حكم وقف المنقول تبين أنه جائز عند المالكية في أصل الجواز على جهة خيرية، وإنما يختلفون في وقف المنقول في المعقب أي الذرية وعلى قوم بأعيانهم (٢)، والقول بالجواز بشرط هو قول الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وذلك من حيث أصل الجواز (٥)، ومن أدلتهم: الدليل الأول: حديث أبي هريرة –﵁ أن النبي – ﷺ قال: " … وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أَدْراعَه وأَعْتُدَه في سبيل الله" (٦) (٧). وجه الدلالة: دل الحديث بمنطوقه ومفهومه على أن خالداً احتبس أي وقف أدراعه وأعتده في سبيل الله، وهي من المنقولات (٨). الدليل الثاني: تعامل الناس بذلك، وهو مما يترك القياس لأجله، والقياس عدم جواز وقف المنقولات؛ لأن منفعتها لا تدوم أو ليست على الدوام (٩).

стр. 234

والمسألة لها ثمرات عملية تظهر في صور كثيرة جدًّا، منها: - لو أن إنساناً أراد أن يوقف المصاحف في المسجد أو الكتب في المكتبة للنفع العام فإنه جائز. - وكذلك لو أراد أن يوقف الماء في المسجد، أو الورق في حلقات التحفيظ أو الحقائب والأدوات المدرسية للطلاب الفقراء إلخ، فإنه جائز؛ لأنها من المنقولات.

стр. 235

المبحث الثالث عشر: في مسائل الدعوى والشهادة المطلب الأول: الحقوق التي يجوز فيها اليمين، والحقوق التي لا يجوز فيها: هذه المسألة ترد في كتب الحنفية في كتاب الشهادات عند ذكر الحقوق التي يستحلف عليها (١) المدعى عليه في الخصومات، فلو ادَّعى شخص على آخر في حق معين، ولا بينة عند المدعي، فعلى المدعى عليه اليمين، لكن ما الحقوق التي يجوز فيها اليمين؟ اختلف فقهاء الحنفية في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إن الاستحلاف يجوز في كل ما يجوز فيه القضاء بالنكول أي نكول المدعى عليه؛ فلا يستحلف في الحدود (٢)؛ لأنه لا يُقضى فيها بالنكول (٣)، وفي غيرها لا يُستحلف في النكاح والرجعة والفيء وفي الإتلاف والرق والنسب والولاء، وهو قول أبي حنيفة –﵀؛ لأنه لا يجوز القضاء فيها بالنكول، والنكول عنده بمنزلة البدل (٤).

стр. 236

القول الثاني: يستحلف في هذه الأشياء ويقضى بالنكول، وهو قول الصاحبين، لأن النكول عندهما قائم مقام الإقرار (١) الذي فيه شبهة (العدم؛ لأنه ليس بصريح إقرار، بل هو إقرار بطريق السكوت) (٢)، وهذه الأشياء مما تثبت بدليل فيه شبهة (٣)، (بخلاف الحدود) (٤). والفتوى على قول الصاحبين؛ لعموم البلوى (٥). دراسة المسألة دراسة مقارنة: صورة المسألة: لو أن إنساناً ادعى على فلان أنه ابنه ولا بينة؛ فهل يحلف المدعى عليه؟ وإذا نكل هل يحكم بالنكول؟ تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أنه لا استحلاف في الحدود؛ لأنها حق الله إلا إذا تعلق بها حق الآدمي مثل حد القذف، وأما حقوق الآدميين فإن كانت بمال أو المقصود منه المال فاليمين مشروعة بلا خلاف أيضاً (٦)، وأما ما ليس بمال ولا المقصود منه المال -وهو كل ما لا يثبت إلا بشاهدين كالقصاص، والقذف، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والنسب، والاستيلاد، والرق، والعتق، والولاء- فقد اختلفوا في ذلك على ستة أقوال:

стр. 237

القول الأول: اليمين واجبة على المنكر في كل حق سُمعت الدعوى فيه وجازت المطالبة به سواء كان الحق مالًا كالعين والدين أو غير مال من قصاص أو نكاح أو طلاق أو عتق أو نسب، وهو قول الشافعية (١). القول الثاني: تشرع اليمين في كل حق لآدمي إلا في النكاح والطلاق، وهو الرواية ذكرها بعض الحنابلة (٢). القول الثالث: يستحلف في كل الحقوق التي يجوز فيها القضاء بالنكول (٣)، وهو قول الحنفية (٤).

стр. 238

القول الرابع: كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين (١) لا يحلف (أو لا يمينَ) فيها بمجردها -أي لا بد من شاهد واحد على الأقل- (٢) دون الخلطة المتصلة (٣)، وهو قول المالكية (٤). القول الخامس: يستحلف في الطلاق، والقصاص، والقذف فقط، وهو الرواية الثانية عند الحنابلة (٥). القول السادس: لا يستحلف فيها (٦)، وهي ظاهر المذهب عند الحنابلة (٧).

стр. 239

الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بأن اليمين تثبت في كل حق سمعت فيه الدعوى وجازت المطالبة به بأدلة، منها: الدليل الأول: حديث ابن عباس –﵄ أن النبي – ﷺ قال: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" (١). وجه الدلالة: الحديث بعمومه يدل على أن اليمين تثبت في كل دعوى أنكرها المدعى عليه. الدليل الثاني: كل دعوى لزمت الإجابة عنها وجبت اليمين فيها، كالقصاص. قد يناقش بأن القصاص محل النزاع، فلا يستدل به على نقطة الخلاف. الدليل الثالث: حقوق الآدميين لا يمتنع فيها استحقاق اليمين اعتباراً بسائر حقوقهم (٢). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل على الاستحلاف في كل حقوق الآدميين إلا النكاح والطلاق بأدلة، منها: الدليل الأول: لأن هذا مما لا يحل بدله فلم يستحلف فيه كحقوق الله – .

стр. 240

قد يناقش بأن قياسها على حقوق الله أي الحدود قياس مع الفارق؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات، والبدل -وهو النكول- فيه شبهة، وأما النكاح والرجعة فيثبتان بدليل فيه شبهة (١). قد يجاب بأن النكول ليس بحجة قوية؛ لأنه يحتمل أن يكون بسبب الخوف من اليمين أو بسبب الجهل بحقيقة الحال (٢). الدليل الثاني: ولأن الأبضاع مما يحتاط لها فلا تستباح بالنكول (٣) (٤). قد يناقش بأن الاحتياط يكون في مسائل غامضة، وهو من الاجتهاد، وأما مع وجود النص فلا اجتهاد. ثم أصل المسألة حديث ابن عباس –﵄، وهو عام لم يخصص، فيبقى على عمومه. الدليل الثالث: قد يستدل لهذا القول بأن النكاح خاصة لا يستحلف فيه المدعى عليه؛ لاشتهار أمر النكاح بين الجيران والأهل، فمن عجز عن الإتيان بالشهود على أن فلانة زوجته فإنما ذلك دلالة على كذب ما ادعاه (٥). أدلة القول الثالث: استدل أصحاب القول الثالث القائل بأن الاستحلاف يكون في كل حقوق يجوز فيها القضاء بالنكول بأدلة، منها:

стр. 241

الدليل الأول: كون هذه الحقوق مما يجوز فيها القضاء بالنكول، والنكول عن اليمين إقرار فيه شبهة، وهذه الأمور تثبت بدليل فيه شبهة (١). يناقش بأنه ليس بحجة قوية؛ لأنه سكوت مجرد يحتمل أن يكون للخوف من اليمين، ويحتمل أن يكون للجهل بحقيقة الحال، ويحتمل أن يكون لعلمه بصدق المدعي، ومع هذه الاحتمالات لا ينبغي أن يقضي به فيما يحتاط له (٢). قد يجاب بأنه ليس مجرد سكوت، بل يجوز أن يقول إنه ناكلٌ، وفي قوله هذا تنتفي احتمالات الخوف أو الجهل بحقيقة الحال. الدليل الثاني: عموم البلوى (٣)، ولعل مراده انعدام البينة غالباً في تلك الحقوق (٤). دليل القول الرابع: لم أجد أصحاب القول الرابع -القائل بأن كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين لا يحلف فيها بمجردها- يذكرون دليلهم، لكن يمكن استخلاصه من القول نفسه؛ فإنهم ذكروا شرطي الدعوى التي يستحلف فيها، وهما وجود شاهد واحد وخلطة، وفي ذلك دليل على أن قول المدعي ليس دعوى مجردة، فيحلف المدعى عليه ليرد التهمة عن نفسه، وأما مجرد الدعوى فلا نهاية لها. دليل القول الخامس: كذلك لم أجد أصحاب هذا القول يذكرون دليلهم، لكن قد يستدل على قولهم بعموم البلوى؛ لأن الطلاق والقصاص والقذف من الأمور التي يصعب الإتيان بالبينة فيها مع كثرتها بخلاف النسب والنكاح والرق.

стр. 242

دليل القول السادس: استدل أصحاب القول السادس القائل بعدم الاستحلاف في الحقوق المذكورة بالقياس؛ فقد قاسوها على حقوق الله – بجامع أنها لا يدخلها البدل (١). قد يناقش بأنها من الحقوق التي يقضى فيها بالنكول، والنكول بدل. ثم قياس حقوق الآدميين على حقوق الله تعالى قياس مع الفارق؛ لأن حقوق الله مثل الحديد تدرأ بالشبهات، وأما هذه فتثبت بدليل فيه شبهة. الترجيح: بعد استعراض الأقوال يظهر أن القول الأول القائل بجواز الاستحلاف في كل الحقوق أوفق وأقرب؛ لقوة دليله، ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى، إلا أن من أخرج النكاح لاشتهاره له حظ من النظر. والمسألة لها ثمرة علمية تظهر في صور كثيرة –وقد سبق ذكر بعضها-، منها: - لو أن إنساناً ادعى على الآخر في حق مالي، ولا بينة، وأنكر المدعى عليه فإنه سيحلف بالاتفاق. - ولو ادعى على شخص على أنه شرب الخمر فلا يستحلف المدعى عليه بالاتفاق، لأنه من الحدود. - لو أن إنساناً ادعى على فلانة أنها زوجته، ولا بينة وأنكرت، فإنها تحلف على القول الأول والثالث، ولا تحلف على بقية الأقوال. - ولو ادعى على فلان أنه ابنه، ولا بينة وأنكر المدعى عليه، فإنه سيحلف على القول الأول والثاني والثالث والرابع إذا كان معه شاهد واحد مع الخلطة، والخامس أيضاً، ولا يستحلف على القول السادس.

стр. 243

المطلب الثاني: الاقتصار على ظاهر العدالة في الشاهد المسلم: مسألة عدالة الشاهد المسلم تذكر في كتاب الشهادات عند بيان مراتب الشهادة، وفقهاء الحنفية قد اختلفوا فيها على قولين: القول الأول: يكتفى ويقتصر في المسلم على ظاهر عدالته (١) إلا في الحدود والقصاص؛ (لأنه يحتال لإسقاطها، ولأن الشبهة بها دارئة) (٢)، فإن طعن فيه الخصم سأل القاضي عنه، وهذا عند أبي حنيفة –﵀ (٣). القول الثاني: يسأل القاضي في جميع الحقوق سراً وعلانيةً (٤)؛ صيانةً لحكم القاضي من النقض، وهو قول الصاحبين (٥). ويظهر أن الخلاف خلاف تنوع أو أنه خلاف لفظي غير حقيقي؛ لأن أبا حنيفة أفتى في زمان كانت العدالة في الشهود ظاهرة، والنبي – ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٦)، واكتفى بتعديل النبي – ﷺ ، وفي زمانهما فشا الكذب فاحتاجا إلى السؤال، ولو كانا في زمانه ما سألا، ولو كان في زمانهما لسأل، والفتوى على قولهما لفساد أهل الزمان وقلة مبالاتهم بالأمور الدينية (٧).

стр. 244

ويظهر أن اختلافهم في هذه المسألة اختلاف عصر وزمان وليس حجة وبرهان، ومن هذا الباب قُدم قول الصاحبين على قول الإمام، والله أعلم. دراسة المسألة دراسة مقارنة: صورة المسألة: لو جاء إلى القاضي شاهد مسلم ظاهر العدالة ليشهد في قضية معينة؛ فهل يكتفى بهذا الظاهر منه للحكم بعدالته، ومن ثم قبول شهادته أو أنه يتعين على القاضي السؤال عنه؟ تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن السؤال عن حال الشهود إذا طُعنوا من قبل الخصم يتعين على القاضي (١)، واختلفوا فيما لو لم يطعن فيه وعدالته ظاهرة على قولين: القول الأول: على القاضي أن لا يقبل شهادة الشاهد حتى يسأل عن حال الشاهد، وهو القول المفتى عند الحنفية –كما سبق-، والشافعية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: للقاضي أن يقبل شهادة الشاهد بظاهر العدالة من غير أن يسأل عن عدالته باطناً حتى يطعن فيه خصمه، وهو القول المرجوح في المذهب الحنفي –كما سبق-، ورواية أخرى عن مالك، لكن فيما يقع في الأسفار بين المسافرين من المعاملات والتجارات (٥)، ورواية أخرى عن أحمد (٦).

стр. 245

الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بعدم قبول شهادة الشاهد حتى يسأل عنه بأدلة، منها: الدليل الأول: على القاضي أن يحتاط في حكمه صيانة له عن النقض، وذلك سؤال السر والعلانية (١). قد يناقش بالنصوص الشرعية الدالة على أن سلف الأمة اكتفى بظاهر العدالة لقبول شهادة الشاهد (٢)، وأن الاحتياط من نقض الحكم أمر زائد على الأصل. ثم ظاهر العدالة أمر متحقق بخلاف نقض الحكم فإنه محتمل. الدليل الثاني: عموم البلوى، وهو ما علَّل به فقهاء الحنفية من فساد أهل الزمان وقلة المبالات بالأمور الدينية (٣). قد يناقش بأن الدليل نسبي، وينتفي بانتفاء فساد الشهود وكذبهم. فلو انتشر العلم والصدق والعدل في مجتمع من المجتمعات، فإنه يقال بقبول الشهادة لمجرد العدالة الظاهرة. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بقبول شهادة الشاهد بظاهر عدالته ولا يسأل عنه حتى يطعن فيه الخصم بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] (٤).

стр. 246

وجه الدلالة: قوله (وسطاً) أي عدلاً (١)، فدلت الآية على أن المسلمين عدول، ورتب على ذلك قبول شهادتهم على بقية الأمم (٢). الدليل الثاني: حديث: "المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حد أو مجرباً في شهادة زور أو ظنيناً في ولاء أو قرابة" (٣) (٤). وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن المسلمين عدول بدليل الاستثناء، فلو لم يكونوا عدولاً فلا فائدة من الاستثناء. قد يناقش بأن الحديث ضعيف فلا تقوم به الحجة، ولو صح فإنه يُحمل على من ثبت عدالتهم. الدليل الثالث: حديث ابن عباس –﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: إني رأيت الهلال، قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله، أتشهد أن محمدًا رسول الله"، قال: نعم، قال: "يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدًا" (٥) (٦).

стр. 247

وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن رسول الله – ﷺ قبل شهادة الأعرابي لمجرد إسلامه. قد يناقش بأنه كان صحابياً، وهو قدر زائد على مجرد الإسلام، والصحابة عدول، والكذب مأمون من قبلهم (١). الدليل الرابع: كون العدالة هي الأصل؛ لأن الإنسان يولد غير فاسق، والفسق مظنون، فلا يجوز ترك الأصل بالظن (٢). قد يناقش بأن العدالة ليست أصلاً، بل الأصل ظلم وجهل، كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢]. الدليل الخامس: كون العدالة أمراً خفياً سببها الخوف من الله، ودليل ذلك الإسلام، فإذا وُجد فليكتفِ به ما لم يقم دليل على خلافه (٣). قد يناقش بأن الدليل الأدنى للعدالة هو مجرد الإسلام وهو كافٍ في مجتمع مسلم يسود فيه العلم والعدل، لكن إذا كثر فيه الظلم والجهل احتجنا إلى الدليل الأقوى على العدالة، ويحصل ذلك بالسؤال عن حال الشهود. الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن كلا القولين لهما حظ من النظر، والذي يظهر أنه يمكن الجمع بينهما بحيث يرجح القول الثاني في مجتمعات انتشر فيها العلم والعدل ولم يظهر على الناس فساد، ويرجح القول الأول عند خلاف ذلك. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة تتعلق بشهادة الشهود، منها:

стр. 248

- لو أن إنساناً ادعى على آخر أن له عنده عشرة آلاف ريال وأتى بشاهدين ظاهرهما العدالة، ويبدو عليهما الصلاح، فعلى القول الأول على القاضي أن يتحقق من عدالتهم باطناً أيضًا بسؤال عنهما، وعلى الثاني يكتفي بالعدالة الظاهرة ويقبل شهادتهما، وعلى ما رجحته ينظر القاضي إلى حال المجتمع الذي يقضي فيه، فإن كان مجتمعاً صالحاً فإنه سيكتفي بالعدالة الظاهرة، وإلا فيتعين السؤال، والله أعلم.

стр. 249

المبحث الرابع عشر: في مسائل القضاء المطلب الأول: الحقوق التي يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي: هذه المسألة من أهم المسائل في كتاب القضاء (١)؛ لأن القاضي يحكم والعين المدعى بها في بلده، ولو كانت في غير بلده فإنه يكتب إلى قاضي تلك البلد فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب له أو لينفذ ما قد حكم به القاضي الكاتب. ويتبين من ذلك أن المراد بالمسألة محل القضاء بكتاب القاضي، وفقهاء الحنفية قد اتفقوا على أن كتاب القاضي يقبل في كل حق إلا في المنقولات –للحاجة إلى الشهادة بالإشارة- وما يسقط بالشبهة كالحدود والقصاص (٢)، وعند محمد يُقبل في جميع المنقولات، والفتوى عليه للحاجة إلى ذلك (٣)، والمنقول يمكن تعريفه بأوصافه ومقداره وغير ذلك (٤)، فعاد القول إلى أنه يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في جميع الحقوق إلا في الحدود والقصاص. دراسة المسألة دراسة مقارنة: صورة المسألة: لو ادعى شخص على شخص في حق من الحقوق، وأتى ببينة والمدعى عليه ينكر، وقد ثبتت الدعوى عند القاضي، فكتبها مع شهادة الشهود، ثم دفع القضية إلى القاضي المكتوب له ليقضي فيها؛ فما الحقوق التي يجوز فيها كتاب القاضي إلى الآخر؟ وكذا لو حكم فيها ثم دفعها إلى القاضي المكتوب له لينفذ حكمه.

стр. 250

تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في مسألة الحقوق التي يُقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي على قولين: القول الأول: يجوز كتاب القاضي إلى القاضي في كل الحقوق إلا الحدود والقصاص، وهو قول الحنفية المفتى به، وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: يجب على القاضي المكتوب له قبول ما يرد إليه عن القاضي الكاتب في المال والقصاص والعقوبات والعفو وغيرها إن كان القاضي الكاتب أهلاً للقضاء، وكذا رده إن كان غير أهل، وهو قول المالكية (٢)، وهو قول الشافعية كذلك (٣) (٤)، وتفصيله على النحو الآتي: يقبل كتاب القاضي في كل حق تقبل فيه الشهادة على الشهادة، وهي مقبولة في كل حق مالي لله وللآدميين، وأما العقوبات فحاصل مذهبهم ثلاثة أقوال: - لا يثبت شيء من العقوبات بالشهادة على الشهادة؛ لأن مبناها على الدرء، - يثبت القصاص دون العقوبات التي هي من حق الله، وحد القذف جارٍ مجرى القصاص.
следующие страницы →