وجه الدلالة: قوله (وسطاً) أي عدلاً (١)، فدلت الآية على أن المسلمين عدول، ورتب على ذلك قبول شهادتهم على بقية الأمم (٢).
الدليل الثاني: حديث: "المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حد أو مجرباً في شهادة زور أو ظنيناً في ولاء أو قرابة" (٣)(٤).
وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن المسلمين عدول بدليل الاستثناء، فلو لم يكونوا عدولاً فلا فائدة من الاستثناء.
قد يناقش بأن الحديث ضعيف فلا تقوم به الحجة، ولو صح فإنه يُحمل على من ثبت عدالتهم.
الدليل الثالث: حديث ابن عباس –﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: إني رأيت الهلال، قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله، أتشهد أن محمدًا رسول الله"، قال: نعم، قال: "يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدًا" (٥)(٦).
стр. 247
وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن رسول الله – ﷺ قبل شهادة الأعرابي لمجرد إسلامه.
قد يناقش بأنه كان صحابياً، وهو قدر زائد على مجرد الإسلام، والصحابة عدول، والكذب مأمون من قبلهم (١).
الدليل الرابع: كون العدالة هي الأصل؛ لأن الإنسان يولد غير فاسق، والفسق مظنون، فلا يجوز ترك الأصل بالظن (٢).
قد يناقش بأن العدالة ليست أصلاً، بل الأصل ظلم وجهل، كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
الدليل الخامس: كون العدالة أمراً خفياً سببها الخوف من الله، ودليل ذلك الإسلام، فإذا وُجد فليكتفِ به ما لم يقم دليل على خلافه (٣).
قد يناقش بأن الدليل الأدنى للعدالة هو مجرد الإسلام وهو كافٍ في مجتمع مسلم يسود فيه العلم والعدل، لكن إذا كثر فيه الظلم والجهل احتجنا إلى الدليل الأقوى على العدالة، ويحصل ذلك بالسؤال عن حال الشهود.
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن كلا القولين لهما حظ من النظر، والذي يظهر أنه يمكن الجمع بينهما بحيث يرجح القول الثاني في مجتمعات انتشر فيها العلم والعدل ولم يظهر على الناس فساد، ويرجح القول الأول عند خلاف ذلك.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة تتعلق بشهادة الشهود، منها:
стр. 248
- لو أن إنساناً ادعى على آخر أن له عنده عشرة آلاف ريال وأتى بشاهدين ظاهرهما العدالة، ويبدو عليهما الصلاح، فعلى القول الأول على القاضي أن يتحقق من عدالتهم باطناً أيضًا بسؤال عنهما، وعلى الثاني يكتفي بالعدالة الظاهرة ويقبل شهادتهما، وعلى ما رجحته ينظر القاضي إلى حال المجتمع الذي يقضي فيه، فإن كان مجتمعاً صالحاً فإنه سيكتفي بالعدالة الظاهرة، وإلا فيتعين السؤال، والله أعلم.
стр. 249
المبحث الرابع عشر: في مسائل القضاء
المطلب الأول: الحقوق التي يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي:
هذه المسألة من أهم المسائل في كتاب القضاء (١)؛ لأن القاضي يحكم والعين المدعى بها في بلده، ولو كانت في غير بلده فإنه يكتب إلى قاضي تلك البلد فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب له أو لينفذ ما قد حكم به القاضي الكاتب.
ويتبين من ذلك أن المراد بالمسألة محل القضاء بكتاب القاضي، وفقهاء الحنفية قد اتفقوا على أن كتاب القاضي يقبل في كل حق إلا في المنقولات –للحاجة إلى الشهادة بالإشارة- وما يسقط بالشبهة كالحدود والقصاص (٢)، وعند محمد يُقبل في جميع المنقولات، والفتوى عليه للحاجة إلى ذلك (٣)، والمنقول يمكن تعريفه بأوصافه ومقداره وغير ذلك (٤)، فعاد القول إلى أنه يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في جميع الحقوق إلا في الحدود والقصاص.
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
صورة المسألة:
لو ادعى شخص على شخص في حق من الحقوق، وأتى ببينة والمدعى عليه ينكر، وقد ثبتت الدعوى عند القاضي، فكتبها مع شهادة الشهود، ثم دفع القضية إلى القاضي المكتوب له ليقضي فيها؛ فما الحقوق التي يجوز فيها كتاب القاضي إلى الآخر؟
وكذا لو حكم فيها ثم دفعها إلى القاضي المكتوب له لينفذ حكمه.
стр. 250
تحرير محل النزاع:
اختلف الفقهاء في مسألة الحقوق التي يُقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي على قولين:
القول الأول: يجوز كتاب القاضي إلى القاضي في كل الحقوق إلا الحدود والقصاص، وهو قول الحنفية المفتى به، وهو مذهب الحنابلة (١).
القول الثاني: يجب على القاضي المكتوب له قبول ما يرد إليه عن القاضي الكاتب في المال والقصاص والعقوبات والعفو وغيرها إن كان القاضي الكاتب أهلاً للقضاء، وكذا رده إن كان غير أهل، وهو قول المالكية (٢)، وهو قول الشافعية كذلك (٣)(٤)، وتفصيله على النحو الآتي:
يقبل كتاب القاضي في كل حق تقبل فيه الشهادة على الشهادة، وهي مقبولة في كل حق مالي لله وللآدميين، وأما العقوبات فحاصل مذهبهم ثلاثة أقوال:
- لا يثبت شيء من العقوبات بالشهادة على الشهادة؛ لأن مبناها على الدرء،
- يثبت القصاص دون العقوبات التي هي من حق الله، وحد القذف جارٍ مجرى القصاص.
стр. 251
- قياس العقوبات على المال فتثبت بالشهادة على الشهادة، وحاصل المذهب أنه يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل الحقوق من الأموال والحدود والقصاص (١).
وهو رواية أخرى عند الحنابلة يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق تقبل الشهادة على الشهادة (٢).
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بأن كتاب القاضي يقبل في كل حق إلا الحدود والقصاص بأدلة، منها:
الدليل الأول: حدود الله – مبنية على الستر والدرء بالشبهات، والإسقاط بالرجوع عن الإقرار بها، والشهادة على الشهادة لا تخلو من الشبهة (٣).
قد يناقش بأن الشبهة يمكن إرجاعها إلى التزوير أو شبهة البدلية، فأما التزوير فالشبهة تقوى وتضعف بحسب تغير الأزمان والأعراف، وأما شبهة البدلية –وهي كون كتابه ينقل شهادة الأصول كما أن الفروع ينقلون بشهادتهم شهادة الأصول- فهي ضعيفة؛ لأن الكتاب موثق ومختوم، وأما الشهادة المجردة بالكلام قد تتأثر بالنسيان وتتغير بالقدرة على الكلام.
стр. 252
ثم لو اعتبر كتاب القاضي شهادة الفرع على شهادة الأصل، فالقاضي فرع قريب جدًّا من الأصل؛ لأنه لازم القضية من أولها إلى آخرها ويعرف تفاصيلها بدقة، فقياس كتابه على شهادة الفرع قياس مع الفارق، وعليه فشبهة البدلية هنا ضعيفة، ولا يلتفت إليها.
الدليل الثاني: من أتى ما يوجب لله – حدًّا فعليه أن يستره، ومن لزمه حق الآدميين فعليه أن يظهره، فذلك وجب الاستظهار في حقوق الآدميين دون حقوق الله تعالى (١).
قد يناقش بأنه لا يتصور إلا إذا كان كتاب القاضي ينقل الشهادة، وأما إذا كان ينقل الحكم فلا؛ لأن الاستظهار في الحكم يحصل شرعاً ولا بد، وذلك بإقامة الحد بحضور طائفة من المؤمنين، وأما ما يتعلق بنقل الشهادة –وهو موضع الدليل- فالاستظهار قد حصل برفع القضية إلى القاضي.
ثم كتاب القاضي إلى القاضي من أمور الضبط والاستيثاق، والحكم يترتب عليه وقد يتوقف عليه، وهذا شامل في كل الحقوق، فاعتباره في الحدود كاعتباره في الأموال.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن كتاب القاضي يقبل في كل الحقوق بأدلة، منها:
الدليل الأول: كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، فيثبت كسائر الحقوق أو كالشهادة على الأموال (٢)، ومعناه أن كتاب القاضي لا يثبت إلا بتحمل الشهادة من جهة القاضي فكان حكمه حكم الشهادة على الشهادة (٣).
الدليل الثاني: قياس الحدود على الأموال بجامع أنها حقوق، فكما تقبل الشهادة على الشهادة في الأموال فلتقبل في الحدود، وكتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة (٤).
стр. 253
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الثاني أقرب؛ لقوة دليله، والرد على دليلي القول الأول، ولأن كتاب القاضي من الوسائل التي تتبدل صورها بتغير الأزمان، ومن هنا قبلت أنظمة المرافعات المعاصرة؛ لأنها كلها تعود إلى الضبط ولا تنافي النصوص الشرعية، وما دام عُرف أن الكتاب صدر من القاضي فلان حقيقةً ووصل إلى القاضي المكتوب له حقيقةً فيعمل بما فيه من نقل الشهادة أو الحكم وفي كل الحقوق.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة، منها:
- لو أن قاضياً كتب الكتاب إلى قاضٍ في منطقة أخرى يذكر فيه ما ثبت عنده من دعوى فلان على فلان في حق مالي وشهادة الشهود، ويطلب منه الحكم في ذلك، فيقبل عند الجميع؛ لأنه حق مالي، لكن لو كان الطلاق فيقال بالتفصيل: يجوز عند الحنفية؛ لأنه ليس بحد ولا قصاص، وعند الحنابلة على رواية، وعند المالكية يجوز أيضاً لأن القاضي الكاتب أهل للقضاء، وعند الشافعية على الصحيح عندهم.
- ولو أن قاضياً كتب ذلك في حد من حدود الله، وأنه حكم على فلان ويطلب من القاضي المكتوب له أن ينفذ الحكم، فلا يقبل على القول الأول بخلاف الثاني.
стр. 254
المطلب الثاني: إذا قضى القاضي في المجتهد فيه مخالفاً لرأيه:
هذه المسألة متصوَّرة فيما لو حصل من القاضي المجتهد أن يقضي في المسائل الاجتهادية بما يخالف رأيه فيها ناسياً مذهبه، عمداً أو من غير عمد، فهل ينفذ حكمه والحالة هذه (١)؟
وفقهاء الحنفية قد اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول: ينفذ حكمه، وإذا كان عامداً فعنه روايتان، ودليل النفاذ أنه ليس بخطأ متيقن، وهو قول أبي حنيفة (٢).
القول الثاني: لا ينفذ في الوجهين؛ لأنه قضى بما هو خطأ عنده، وهو قول الصاحبين (٣).
والفتوى على قولهما، وقيل: على قول الإمام (٤).
стр. 255
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
لم أجد هذه المسألة بنصها في كتب بقية المذاهب، لكن سأسلك مسلك التخريج بناءً على ما قالوه في اشتراط الاجتهاد في القاضي، فالحنفية قالوا بأن الأولى أن يكون القاضي مجتهداً (١)، وفي هذه المسألة يندفع اختلافهم إذا اعتبرنا أن القاضي قد اجتهد وقال بما أداه اجتهاده، وبقية المذاهب من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) نصوا على شرط الاجتهاد في القاضي، فيُخرَّج قولهم كقول الحنفية، وهو أن القاضي المجتهد إذا اجتهد وقضى بما يخالف رأيه الأول فإن حكمه نافذ، لأن اجتهاد المجتهد يتغير لا لتغير الأحكام بل لتغير نظرته إلى الأحكام.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو قضى القاضي في قضية بعد الاجتهاد فيها، ثم تكررت القضية بعد فترة فحكم بما يخالف حكمه السابق بعد الاجتهاد أيضاً، فحكمه نافذ؛ لأن فرضه الاجتهاد (٥) وعليه أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده، وكذا لو نسي حكمه السابق، ولو حكم به عمداً ومن غير اجتهاد فلا يجوز ولا ينفذ حكمه؛ لفقد شرط أو أكثر من شروط القاضي، لكن لا ينبغي أن يُظن ذلك بالقضاة، والله أعلم.
стр. 256
المبحث الخامس عشر: في مسائل القسمة
المطلب الأول: كيفية قسمة البناء الذي له سفل وعلو:
تعريف القسمة لغة واصطلاحاً:
تعريف القسمة لغة:
القسمة –بكسر القاف- في أصلها اللغوي تدل على تجزئة الشيء (١)، وتطلق على الحظ والنصيب من الخير (٢).
تعريف القسمة عند الحنفية اصطلاحاً:
فقهاء الحنفية ينصون على أنها جمع نصيب شائع له في مكان معين (٣)، وجاء في مجلة الأحكام العدلية ما يشرح التعريف ويوضحه: "القسمة هي تعيين الحصة الشائعة، يعني إفراز وتمييز الحصص بعضها عن بعض بمقياس ما كالكيل والوزن والذراع" (٤)، وحاصلها رفع الشيوع وقطع الشركة (٥).
стр. 257
والقسمة مشروعة وتعتبر من الأحكام الشرعية التي لا غنى للناس عنها (١)، ومعناها طلب الشركاء أو بعضهم الانتفاع بملكه على وجه الخصوص لأن كل واحد من الشركاء منتفع بنصيب غيره فالطالب للقسمة يسأل القاضي (٢) أن يخصه بالانتفاع بنصيبه ويمنع غيره عن الانتفاع بنصيبه (٣)، وشرطها عدم فوت المنفعة بها (٤).
وتكون إفرازاً ومبادلة، وأما الإفراز ففيما لا يتفاوت مثل المكيل والموزون، وسائر المثليات، وأما المبادلة ففيما يتفاوت كالحيوان والعقار وكل ما ليس بمثلي حتى لا يكون لأحد الشريكين أخذ نصيبه مع غيبة الآخر (٥).
ومسألة البحث في طريقة قسمة البناء مثل البيت الذي له سفل وعلو، وفقهاء الحنفية قد اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: المنسوب لأبي حنيفة –﵀ أن ما له سفل وعلو يقسم سهمين من العلو بسهم من السفل.
القول الثاني: المنسورب لأبي يوسف –﵀ سهم بسهم.
القول الثالث: المنسوب لمحمد –﵀ بالقيمة، والفتوى على ذلك؛ لأن العلو والسفل أجناس بالنظر إلى اختلاف المنافع، فالسفل يصلح لما لا يصلح العلو، وكذلك تختلف قيمتهما باختلاف البلدان، فلا يمكن التعديل إلا بالقيمة (٦).
стр. 258
وقيل: إن أبا حنيفة ﵀ بنى قوله على ما شاهد من عادة أهل الكوفة في اختيار السفل على العلو، وأبو يوسف ﵀ بناه على ما شاهده من عادة أهل بغداد في التسوية بين العلو والسفل في منفعة السكنى، ومحمد شاهد اختلاف العادات في البلدان فقال: إنما يقسم على القيمة (١)، فالاختلاف مبني على اختلاف العادات، ولذلك كان من حيث الصورة لا من حيث المعنى (٢).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
بعد الاطلاع على أقوال بقية المذاهب تبين أنهم يقولون بقول الحنفية المفتى به أي أن قسمة البناء الذي له علو وسفل تكون بالقيمة، وهو قول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
وعليه فإن مما يؤيد هذا القول ما يجري الآن من بناء العمائر الطويلة والفنادق والأبراج والبيوت من ثلاثة أدوار وأكثر؛ فقيمة الأدوار تختلف اختلافاً كبيراً، والناس يفضلون العلو أو السفل لاعتبارات كثيرة.
стр. 259
مثاله: السكن في العمارة السكنية في الدور الأخير بدون مصعد يشق بخلاف الدور الأول، وإن وُجد المصعد فالسكن في الدور الأعلى مفضل إما لأجل العلو نفسه والنظر إلى ما حول المبنى كما في الفنادق أو للبعد قليلاً عن ضجة الشوارع، أو للأغراض الصحية مثل تخفيف السمنة بتنفس الأكسجين بكمية أقل، لأن كمية الأكسجين في الهواء تقل بزيادة الارتفاع (١).
وإذا كان الدور الأول هو أعلى وفوقه السقف فإن الدور الأرضي مفضل؛ لأن الدور الأول يحمي الأرضي من حرارة الشمس، ويحفظ برودته، لأنه سقفه، وكذا الدور الأول مفضل لأن الأرضي معرض للحشرات أكثر وهكذا.
كل هذا يدل على أن اعتبار الأزمان والأماكن والعادات وطرق البناء له أثر في المسألة.
ومن الآثار العملية للمسألة: عمارة مشتركة بين اثنين، ذات ثلاثة أدوار، في كل دور عدد معين من شقق، وأرادا القسمة، فإنها تكون بالتعديل أي بالقيمة، وهذا يعني أن أحد الشريكين قد يحصل على الدور الأول فقط، والثاني بقية العمارة؛ لاختلاف القيمة، وبالعكس إذا كانت الأدوار الأعلى بقيمة أعلى لأسباب ذُكرت أعلاه.
стр. 260
المطلب الثاني: التعارض بين مصالح الجيران:
من مسائل تعارض مصالح الجيران مسألة وقوع الشجرة في نصيب أحد الشريكين وأغصانها متدلية إلى نصيب الآخر، وهي من آثار القسمة.
فعند محمد –﵀ له أن يجبره على قطع تلك الأغصان؛ لأنه لا يستحق إقراره في ملك الغير، وعنه رواية أخرى أنه يترك كذلك؛ لأنه استحق الشجرة بأغصانها بالقسمة، فتُترك على ما كانت عليه عند تمام القسمة (١)، وعليه الفتوى (٢).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: تُترك الشجرة مع أغصانها في هواء الشريك، وهو قول الحنفية المفتى به، كما سبق-.
القول الثاني: من حق الشريك الأول أن تزال أغصان الشجرة من هوائه، إما بتكليف الشريك الآخر بذلك، أو أن يقوم هو بقطعها، وهو القول المرجوح عند الحنفية –كما سبق-، وقول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 261
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بأن أغصان الشجرة المتدلية إلى نصيب الشريك تُترك بدليل أنه استحق الشجرة بأغصانها بالقسمة، فتُترك على ما كانت عليه عند تمام القسمة (١).
قد يناقش بأن المال المشترك قبل القسمة لم يكن فيه ضرر على شريكه، وإنه ظهر ضرره بعد القسمة؛ لأنها ميزت الأنصباء، وحُقَّ لكل شريك أن يعمل في نصيبه ما يريد، وأغصان الشجرة المتدلية قد تمنعه من تمام التصرف، وقد يتضرر بظلها أو يتأذى بورقها المتساقط.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن أغصان الشجرة المتدلية إلى نصيب الشريك الآخر تُقطع بأدلة، منها:
الدليل الأول: كونه غير مستحق (٢)، بمعنى أنه ليس من حقوقه في ذلك، وهو عكس دليل القول الأول.
الدليل الثاني: يمكن الاستدلال بأنها تُقطع لأنواع من الضرر والأذى التي تحصل للشريك الآخر بسبب الظل أو الورق أو ما يتساقط منها.
الدليل الثالث: كما يمكن الاستدلال بقاعدة: إن الهواء ملك لصاحب القرار (٣)، والقرار الأرض، فمن ملك الأرض ملكاً شرعياً فإنه يملك معها سماءها، وعليه فلا يجوز لأحد أن يعلو عليه في هوائه إلا بإذنه.
الترجيح:
بعد استعراض القولين في المسألة وأدلتهما يظهر أن القول الثاني القائل بأن أغصان الشجرة المتدلية تُزال أظهر وأقرب لقواعد الشرع؛ لأن ملك الأرض يتبعه ملك سمائها.
стр. 262
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة، منها:
- لو أن إنساناً له شجرة أغصانها متدلية إلى أرض جاره أي في نصيبه، فعلى القول الأول لا يجوز له قطعها؛ لأن ذلك من استحقاقه بالقسمة، وعلى الثاني له تكليف شريكه بالقطع، وله أن يقطعها بنفسه؛ لأنها خارجة إلى هوائه، وهواء أرضه ملك له، ولا يتصرف في ملكه إلا بإذنه.
стр. 263
المبحث السادس عشر: ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل
فقهاء الحنيفة يذكرون هذه المسألة في كتاب السير (١)، كما يذكرونها في كتاب الزكاة (٢) عند بيان أحكام العُشر والخراج وسبب وجوبهما (٣)، والعُشر عشر الخارج من الأرض، والخراج ما يضعه الإمام على أرض فتحها ومنّ على أهلها بها من نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه، ويُسمَّى خراج المقاسمة (٤)، أو ما يُوظِّفه على الأرض بأن يكون الواجب شيئاً في الذمة يتعلق بالتمكن من زراعتها، ويكون واجباً على مالك الأرض ولو لم يزرعها، ويُسمَّى خراج الوظيفة (٥).
وعند الحنفية لا يُزاد على ما وظَّفه عمر ﵁، وهو على كل جَريِب (٦) يبلغه الماء صاع ودرهم، وجريب الرَّطْبَة خمسة دراهم، والكَرْم (٧) والنخل المتصل عشرة دراهم، وما لم يُوظِّفه عمر ﵁ يوضع عليه بحسب الطاقة، ونهاية الطاقة نصف الخارج، فلا يزاد عليه، وينقص منه عند العجز (٨).
وباعتبار أنهما يتعلقان بالأرض فقد قسم فقهاء الحنفية الأرض قسمين: أرض عُشرية، وأرض خراجية أي أرض يجب فيها العشر، والثانية يجب فيها الخراج على أحد نوعيه.
فالعشرية خمسة أنواع:
стр. 264
- أرض العرب.
- أرض أسلم أهلها طوعاً.
- أرض فُتحت قهراً وقُسمت بين الغانمين.
- المسلم إذا اتخذ داره بستاناً.
- المسلم إذا أحيا الأرض الميتة بإذن الإمام وهي من توابع الأراضي العشرية أو تسقى بماء العشر –وهو ماء السماء وماء العيون المستنبطة من الأراضي العشرية-.
والخراجية أنواع كذلك، منها:
- سواد العراق كلها.
- كل أرض فُتحت قهراً وتُركت على أيدي أربابها ومنّ عليهم الإمام فإنه يضع الجزية على أعناقهم إذ لم يسلموا، والخراج على أراضيهم إذا أسلموا أو لم يسلموا.
- كذلك إذا جلاهم ونقل إليها قوماً آخرين.
- والمسلم إذا أحيا أرضاً ميتة وتسقى بماء الخراج.
- والذمي إذا اتخذ داره بستاناً.
- والذمي إذا اشترى من مسلم أرض العشر فإنها تصير خراجية على الصحيح (١).
وعلى ضوء ما سبق لو ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل جاز في الخراج دون العشر عند أبي يوسف –﵀؛ لأن صاحب الخراج له حق فيه فصحَّ تركه له، والعشر حق الفقراء على الخلوص فلا يجوز تركه، ولا يجوز فيهما عند محمد –﵀؛ لأنهما فيء للمسلمين، والفتوى على قول أبي يوسف (٢).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
اختلف الفقهاء في حكم ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل على قولين:
стр. 265
القول الأول: الجواز في الخراج والعشر، وهو القول المرجوح عند الحنفية -كما سبق، ولم أجد قولاً للمالكية والشافعية في هذه المسألة بعينها، لكن باعتبار أنهم يقولون بقاعدة: إن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة (١) يمكن تخريج قولهم على ذلك، وهو الجواز أيضًا، وهو قول الحنابلة (٢).
القول الثاني: الجواز في الخراج دون العشر، وهو القول المفتى به عند الحنفية -كما سبق-.
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بجواز ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل بأدلة، منها:
الدليل الأول: قاعدة: تصرّف الإمام على الرّعيّة منوط بالمصلحة (٣).
قد يناقش بأنه ليس على الإطلاق، بل تصرفه مقيد بالمصلحة، وفي ترك العشر الذي هو حق الفقراء مفسدة.
الدليل الثاني: لأن الخراج بمثابة فيء، فكان النظر فيه إلى الإمام (٤).
الدليل الثالث: لو أخذ الإمام أو السلطان الخراج وصار في يده جاز له أن يخص به شخصاً إذا رأى المصلحة فيه، فجاز له تركه بطريق الأولى (٥).
الدليل الرابع: لأن صاحب الخراج له حق فيه فصح تركه له (٦).
стр. 266
دليل القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بجواز ترك الخراج دون العشر بأن السلطان صاحب الخراج، وله حق فيه فصحَّ تركه، والعشر حق الفقراء على الخلوص فلا يجوز تركه.
قد يناقش بأنه تفريق بين المتماثلات إذ العشر والخراج كلاهما مما يجب على غير المسلم، ويصرف في مصارف الفيء.
الترجيح:
بعد استعراض القولين في المسألة يظهر أن القول الأول أقرب للصواب؛ لقوة أدلته، ولورود المناقشة على دليل القول الثاني.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو قرر الإمام أو السلطان ألا يؤخذ الخراج أو العشر من صاحبه، فله ذلك على القول المخرج للمالكية والشافعية للمصلحة، كما يجوز على قول الحنابلة على من يستحق ذلك مثل القاضي والمدرس، وعلى قول الحنفية يجوز في الخراج فقط، دون العشر.
стр. 267
المبحث السابع عشر: في مسائل الضمان
المطلب الأول: ضمان الإتلاف:
مسألة الإتلاف وضمانه تذكر في كتب الحنفية في كتاب الغصب (١)، والإتلاف لا يخلو إما أن يرد على بني آدم وإما أن يرد على غيرهم؛ فإن ورد على غيرهم فإنه يوجب الضمان إذا تحققت شروط وجوبه، ومن شروطه على سبيل المثال لا الحصر أن يكون مالاً، فلا يجب الضمان بإتلاف الميتة والدم وغير ذلك مما ليس بمال، وأن يكون متقوّماً، فلا يجب الضمان بإتلاف الخمر والخنزير على المسلم سواء كان المتلِف مسلماً أو ذمياً؛ لسقوط تقوُّم الخمر والخنزير في حق المسلم (٢).
стр. 268
وقد وقع الخلاف بين فقهاء الحنفية في بعض أنواع المال هل يتقوم أم لا، فيقولون: من كسر لمسلم بربطاً (١) أو طبلاً (٢) أو دفاً (٣)(٤) أو مزماراً (٥) أو أراق له سكراً (٦) أو منصفاً (٧) فهو ضامن عند أبي حنيفة –رحمه الله تعالى-؛ لأنها كما تصلح للهو والفساد يصلح للانتفاع بها من وجه آخر، فكان مالاً متقوماً من ذلك الوجه (٨)، فيجوز بيعه (٩)، وعند الصاحبين لا يضمن؛ لأن البربط والطبل من آلة اللهو والفساد، فلم يكن متقوّماً كالخمر (١٠)، أي أن هذه الأشياء أُعدت للمعصية فبطل تقوّمها كالخمر، ولأنه فعل آمر بالمعروف، وهو بأمر الشرع فلا يضمنه كما إذا فعل بإذن الإمام، والفتوى على قولهما (١١).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
اختلف الفقهاء في تقدير الأموال المتقومة بحيث تُضمن عند إتلافها على قولين:
стр. 269
القول الأول: عليها ضمان، مثل آلات اللهو والفساد، وهو قول أبي حنيفة (١).
القول الثاني: لا ضمان عليها، وهو القول المفتى به عند الحنفية -كما سبق-، وقول المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل أبو حنيفة ﵀ على قوله بأنها أموال متقومة تصلح للانتفاع بها في غير اللهو، فلم تنافِ الضمان (٥).
قد يناقش بأن في جعلها متقومة تساهلاً مع من يصنعها وينشرها بين الناس.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بعدم الضمان بأدلة، منها
الدليل الأول: قياسها على الخمر بجامع أنها مال غير متقوم (٦).
يناقش بأن القياس مع الفارق إذ الخمر حرام بعينها، بخلاف غيرها (٧).
الدليل الثاني: لأن هذه الأموال ليست محترمة، فلا يحل بيعها ولا تملكها، فأشبهت الميتة (٨).
الدليل الثالث: لأنها محرمة الاستعمال، ولا حرمة لصنعتها (٩).
стр. 270
الدليل الرابع: لأنه فعل آمر بالمعروف، وهو بأمر الشرع، فلا يضمنه كما إذا فعل بإذن الإمام (١).
الترجيح:
بعد استعراض القولين في المسألة وأدلتها يظهر أن القول الثاني أوفق، لقوة أدلته، وورود المناقشة على دليل القول الأول، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور منها:
- لو أن إنساناً رأى جاره بيده آلة الطرب فقام بكسرها آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر فإنه لا يضمن ذلك. وكذا في بقية آلات الطرب.
قلت: ينبغي أن يقال: إنه لما بعد وقوع الإتلاف، وأما قبله فينبغي الأخذ بضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أهمها ألا يترتب على الإنكار حدوث منكر أشد وأعظم؛ فالحيطة مطلوبة من حيث الدعوة والإرشاد والنصح، وإلا فلا ضمان على كل حال على القول الراجح.
стр. 271
المطلب الثاني: ضمان الساعي بغير حق:
هذه المسألة كسابقتها تذكر غالباً في كتاب الغصب (١)، والسعاية لغة أن تسعى بصاحبك إلى والٍ أو من فوقه (٢)، وهو ما يفهم من كلام فقهاء الحنفية عند تقريرهم أنواعها والضمان عليها (٣)، فيقولون: إنه لا ضمان على السعاية بحق مثل من سعى إلى الوالي بمن يؤذيه ولا يندفع إلا بالسعي والرفع إليه، أو بمن يفسق ولا يمتنع لنهي الساعي (٤)، ودفع المنكرات واجب بما أمكن (٥).
وينصُّون على ضمان السعاية بغير حق، وأمثلتها عكس ما ضُرب منها في السعاية بحق، وهو قول محمد –﵀ وبه يُفتى دفعاً للفساد وزجراً له (عن السعاية) (٦)(٧).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
وبعد الاطلاع على مذاهب الفقهاء تبين أن القول بضمان الساعي بغير حق هو أيضاً قول المالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، بدليل ما قد سبق ذكره من دفع للفاسد وزجر للساعي من السعاية.
قلت: ويمكن أن يُستدل له بكل دليل يحرم الكذب والنميمة.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة، منها:
стр. 272
- لو أن إنساناً له مدير في مقر العمل يأخذ الرشوة أو يظلم الموظفين، وحاول نصحه ولم يمتنع فله رفع أمره إلى القاضي أو وزارة العمل، ولو غرمه القاضي بعد ذلك فلا ضمان على الساعي؛ لأنه قد سعى بحق، بخلاف ما لو سعى بغيره.
- لو أن إنساناً له جار يبغضه وأراد أن ينتقم منه فسعى إلى القاضي بأنه يزاول أنواعاً من المحرمات، فغرمه القاضي، ثم تبين كذب الساعي؛ فإنه يضمن ما غرم القاضي لأن سعايته كانت بغير حق.
стр. 273
المبحث الثامن عشر: في مسائل الحجر
المطلب الأول: تحديد سن البلوغ وعلاماته:
ترد هذه المسألة في كتب الحنفية في كتاب الطلاق (١)، كما ترد في كتاب السرقة (٢)، وفي كتاب الحجر والحبس (٣)، و لعل سبب ذلك كون تصرفات الصغير -مثل طلاقه وإقراره بالسرقة- تتأثر بالبلوغ، فلا بد من ذكر ما يتقدر به.
ويقررون أن البلوغ قد يكون بالعلامة، وقد يكون بالسن، فأما البلوغ بالعلامة فالغلام بالاحتلام أو بالإحبال (والإنزال إذا وطئ) (٤)، وأقل المدة في ذلك اثنتا عشرة سنة، وفي الجارية بالحيض أو بالحبل أو الاحتلام، وأدنى المدة في ذلك تسع سنين، وعند عدم ذلك فعلى قول أبي يوسف ومحمد –رحمهما الله- يحكم ببلوغهما إذا بلغا خمس عشرة سنة (٥)، إذ العلامات تظهر في هذه المدة غالبًا فجعلت المدة علامة في حق من لم تظهر له العلامة (٦)، وعند أبي حنيفة ﵀ التقدير في الجارية بسبع عشرة سنة، وفي الغلام في إحدى الروايتين بثمان عشرة سنة، وفي الرواية الأخرى بتسع عشرة سنة (٧)، والفتوى على قولهما؛ للعادة الغالبة (ولقصر أعمار أهل زماننا) (٨)(٩).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
اختلف الفقهاء في تحديد سن البلوغ بمدة معينة إذا لم تظهر بقية العلامات على قولين:
стр. 274
القول الأول: في الجارية بسبع عشرة سنة وفي الغلام ثمان عشرة سنة أو تسع عشرة سنة، وهو قول أبي حنيفة – كما سبق-.
القول الثاني: إذا بلغ خمس عشرة سنة، ولا فرق بين الغلام والجارية، وهو رواية أخرى عن أبي حنيفة والقول المفتى به عند الحنفية -كما سبق-، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
لم أجد دليلاً لهذا القول عند الحنفية، لكن يمنكن أن يُستدل بواقع الحال وهو أن الغلام لا يبلغ من العمر ١٨ سنة أو ١٩ سنة إلا وقد بلغ، وكذا البنت عند بلوغها ١٧ سنة.
ويؤيد هذا الدليل أن البنت في الغالب تبلغ قبل الغلام، ولذلك اختلفت الروايات عن الإمام أبي حنيفة ﵀، وبعضها وافقت القول الثاني، والمدة جُعلت علامة في حق من لم تظهر له علامات أخرى.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن المدة ١٥ سنة، بأدلة، منها:
الدليل الأول: حديث ابن عمر –﵄ أنه قال: "عرضني رسول الله ﷺ يوم أحد في القتال، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني" (٤)(٥).
стр. 275
وجه الدلالة: المعنى فيه أن العادة الظاهرة أن البلوغ لا يتأخر عن هذه المدة (١)، ولو قيل بأن الحديث بين الحد الأعلى لتأخر البلوغ لكان أضبط.
الدليل الثاني: حديث أنس –﵁ أن النبي – ﷺ قال: "إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كُتب ما له وما عليه، وأُخذت منه الحدود" (٢)(٣).
وجه الدلالة: الحديث نص على أن بداية كتابة الأعمال والمآخذة عليها تكون بعد استكمال خمس عشرة سنة.
يناقش بأنه ضعيف أو موضوع، ولا تقوم به الحجة (٤).
الدليل الثالث: ما فُسِّر به حديث ابن عمر –﵄ من العادة الغالبة (٥) بمعنى أنه يندر أن يستكمل المولود خمس عشرة سنة إلا وقد بلغ.
стр. 276
الدليل الرابع: لقصر أعمار أهل زماننا (١)، ولا أراه تعليلاً مستقلاً بقدر ما هو بيان لعلة قبول تفسير حديث ابن عمر –﵄، والله أعلم.
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الثاني أضبط؛ لقوة أدلته وما فيه من الاحتياط المعتدل.
والمسألة لها ثمرات عملية تظهر في كل مسألة يشترط فيها البلوغ، ومنها الصلاة على سبيل المثال، فإن الغلام لو لم تظهر عليه علامة من علامات البلوغ وعمره دون خمس عشرة سنة وقد ترك الصلاة فلا يأثم عند الجميع؛ لأنه غير مكلف. ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى.
стр. 277
المطلب الثاني: بيع القاضي عروض المدين وعقاره:
فقهاء الحنفية يوردون هذه المسألة في كتبهم عند ذكر أحكام الحجر وأسبابه وأنواعه (١)، فيقولون إن الحجر –بفتح الحاء وسكون الجيم- مطلق المنع، ومنه حِجر الكعبة؛ لأنه مُنع من الدخول فيها، وسُمِّي الحرام حجرًا؛ لأنه ممنوع من التصرف فيه، وفي الشرع المنع عن أشياء مخصوصة بأوصاف مخصوصة (٢).
وقد اختلفوا في الحجر على الحر العاقل البالغ ولو كان سفيهاً على قولين:
القول الأول: المنسوب لأبي حنيفة –﵀ إنه لا يحجر عليه، لا يبيع العُروض ولا العقار؛ لأنه حجر عليه وهو تجارة لا عن تراضٍ (٣).
القول الثاني: المنسوب للصاحبين –رحمهما الله- إنه يحجر عليه، ودليلهما قياس المديون على السفيه، ويوجبون على القاضي حبسه إن طلب غرماؤه ذلك حتى يبيع ويوفي الدين، حتى لو كان المال المبيع عروضاً أو عقاراً، وإن امتنع المدين عن بيع ماله باع القاضي عليه نيابة عنه، والفتوى على قولهما (٤).
والبيع يكون بالترتيب فتباع النقود أولاً ثم العروض ثانياً ثم العقار ثالثاً (٥).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
صورة المسألة:
لو أن شخصاً مديوناً أفلس وطلب الغرماء حقوقهم فإن عليه أن يبيع ماله؛ ليوفي الدين، وإن أبى فللقاضي أن يبيع عليه ماله، لكن أي نوع من المال؟
تحرير محل النزاع:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
стр. 278
القول الأول: ليس للقاضي أن يبيع شيئًا من عروض المدين أو عقاره، وهو قول أبي حنيفة ﵀ كما سبق في تقرير قول الحنفية.
القول الثاني: يحجر عليه وإن امتنع عن بيع ماله باع القاضي عليه نيابة عنه، وهو قول الحنفية المفتى به –كما مر-، وقول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل أبو حنيفة ﵀ على قوله بعدم الحجر ومنع بيع عروض المدين وعقاره بأنه تجارة عن غير تراض (٤).
قد يناقش بأن فعل النبي ﷺ يرده، كما في حديث معاذ ﵁ الآتي (٥).
كما يمكن مناقشته بأن التجارة هنا عن تراض؛ لأنها في الحقيقة بين القاضي وغرماء المدين، ولا اعتبار برضاه هنا لأنه محجور عليه.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بالحجر على المدين وبيع مالي حتى يوفي دينه بأدلة، منها:
стр. 279
الدليل الأول: ما وري أن معاذ بن جبل –﵁ ركبه الدين على عهد رسول الله ﷺ ، فكلم غرماؤه النبي ﷺ ، فحجر عليه، وباع عليه ماله حتى قام معاذ –﵁ بغير شيء (١)(٢).
وجه الدلالة: الحديث نص في الحجر على المديون وبيع ماله.
الدليل الثاني: ما روي أن عمر –﵁ قال: "إن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سابق الحاج، فادَّان معرضاً، فمن كان له عليه مال فليحضر، فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه" (٣)(٤).
الدليل الثالث: قياس المدين على الميت، فإن جميع ديون الميت تُقضى من جميع الأموال فكذا المديون (٥).
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الثاني أقرب للصواب؛ لقوة أدلته ولورود المناقشة على دليل القول الأول.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور، منها على سبيل المثال:
стр. 280
- لو أن إنساناً أفلس وعليه ديون وأبى أن يبيع ماله ليوفيها، فإن للقاضي أن يبيع عليه ماله، عروضه وعقاره، ويدخل في ذلك الأثاث والسيارة والأرض والأسهم وغيرها.
стр. 281
المبحث التاسع عشر: كيفية تقدير حكومة العدل
عرف الحنفية حكومة العدل بأنها أرش غير مقدر (١)، ومثالها أن يقوّم المجني عليه بدون أثر الجرح ويقوم وبه هذا الأثر، ثم ينظر إلى تفاوت ما بين القيمتين (٢)، سواء كان المجني عليه حرًّا أو مملوكًا، فإن كان مملوكاً فذَا، وإن كان حراً فيقوم كأنه مملوك (٣)، وبه يفتى (٤).
ويذكرون هذه المسألة في كتاب الديات عند ذكر الشجاج وأنواعها وما يجب فيها (٥)، وصورتها لو جنى جانٍ على شخص فجرحه جرحًا لا أرش فيه بل حكومة، كيف يكون تقدير ما يأخذ المجني عليه من الدية عن طريقها؟
وبعد البحث تبين أن العلماء عامة اختلفوا فيما فيه الحكومة، واتفقوا على كيفية تقديرها:
فعند المالكية تُقدَّر بما نقص من قيمة المجني عليه أن لو كان عبدًا (٦).
والشافعية عرفوها بمثال الجارية فُقئت عينها كم كانت قيمتها وعينها قائمة وكم قيمتها بعد فقء عينها (٧).
стр. 282
وعند الحنابلة أن يُقوّم الحر كأنه عبد لا جناية به ثم يُقوّم وبه الجناية المبدلة فما نقص من قيمته سليماً وجب من ديته بقسط ذلك (١)، وبعضهم يسميها اجتهادًا (٢).
ولم أجد ضابطاً للأخذ بالحكومة، لكن أومأ بعضهم بأن ما ليس في أرشه نص وجب التقدير بالاجتهاد، وقدر النقصان لا يُعرف عن طريق الاجتهاد إلا بالتقويم (٣).
وبناءً على ما سبق يمكننا القول بأن المذاهب الأربعة متقاربة في طريقة تقدير الحكومة –إذا ثبتت-، فتقدر بتقويم المجني عليه كأنه مملوك قبل الجناية ثم يقومه بعد الجناية والبرء منها؛ فيؤخذ من الدية بنسبة التفاوت (٤).
هذا ما ذكره الفقهاء –﵏ في كيفية تقدير حكومة العدل وهي طريقة التقويم، وهي اجتهاد منهم لا نص عليها، وعليه فلا مانع من الاجتهاد في طرق أخرى لتحديد الحكومة، وبخاصة في وقتنا الذي لا يوجد فيه الرق، ولا يوجد فيه من يعرف أو يمكن أن يستند إلى قوله في تحديد قيمة المملوك (٥).
وعلى هذا فطريقة التقويم هي الأصل لتحديد الحكومة، لكن يمكن أن تضاف إليها طرق أخرى، مثل:
- طريقة قياس غير المقدر على المقدر بأن يرد كل جرح إلى أقرب شيء فيه مقدر، فتؤخذ النسبة بينه وبين ما ورد التقدير فيه من جنسه (٦).
стр. 283
مثالها: إن كان الجرح ليس فيه شيء مقدر كالجروح التي دون الموضحة (لأنها أدنى شيء مقدر) فإننا نقدر الواجب فيها بالنسبة من دية الموضحة -وهي خمس من الإبل-، فينظر إلى ما دون الموضحة، فإن أخذت نصف اللحم وبقي نصفه إلى العظم كان أرش هذه الجناية نصف دية الموضحة وهكذا، ويكون المرجع في هذا التقدير إلى أهل الخبرة والمعرفة بالجنايات، ولهم خبرة دقيقة بالمقاييس وخبرة كبيرة بالطب؛ ليستعين بهم القاضي، ولا مانع من إحالة المجني عليه إلى الأطباء العدول لمعرفة قدر الجناية على وجه الدقة (١).
- طريقة قياس إنتاج المجني عليه وعجزه، وصورتها اعتبار الإنسان مقوماً بديته فالدية أصل ثابت، فإن نقص عمل المجني عليه وإنتاجه قدرًا معينًا أخذ من الدية بقدر من نقص من جهده (٢)(٣).
ويبقى أن هذه الطرق اجتهادية تقريبية غير يقينية من حيث الأصل، وقد تكون بعضها أوفر للمجني عليه من حيث ما يستحق من الدية، وهذا من الأمور التي ينبغي مراعاتها عند العمل بطريقة دون أخرى. والله أعلم.
стр. 284
المبحث العشرون: مقدار ما يوقف للحمل من الميراث:
تذكر هذه المسألة في كتب الحنفية في كتاب المفقود (١) أو ميراث الحمل تحديداً (٢)، وصورتها لو أن شخصاً مات وترك الورثة من بينهم الحمل في بطن أمه، فكم يوقف له من الميراث ما يضمن حقه كاملاً بعد الولادة؟
واختلفت الروايات عن الأئمة الثلاثة في ذلك على النحو الآتي:
- روي عن أبي حنيفة –﵀ أنه يوقف للحمل نصيب أربع بنين (٣)، ودليله الأول أن قسمة التركة لا تكون إلا باعتبار المتيقن، ولم ينقل عن المتقدمين أن المرأة ولدت أكثر من أربع بنين.
والدليل الثاني: لأن في ذلك احتياطاً (٤).
- وروي عن أبي يوسف –﵀ أنه يوقف للحمل ميراث ابنين، وهو قول محمد–﵀ أيضاً، ودليله العادة، وأكثر وقوعاً (٥)، وهو أن ولادة اثنين في بطن واحد أقرب إلى عادة من ندرة.
- وروي عن أبي يوسف –﵀ رواية أخرى أنه يوقف للحمل ميراث ابن واحد فقط (٦)، وهو الأصل، وعليه الفتوى (٧)، ودليله أن النادر لا يعارض الظاهر، والعام الغالب أن المرأة لا تلد في بطن واحد إلا ولداً واحداً (٨).
стр. 285
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
صورة المسألة:
إذا مات إنسان ومن بين ورثته حمل في بطن أمه، فكيف تكون قسمة التركة؟
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أن الحمل يرث في الجملة (١)، واختلفوا في ثبوت الملك له؛ هل يكون بمجرد موت مورثه ويتبين ذلك بخروجه حياً أم لا يثبت له الملك حتى ينفصل حياً؟ وبناءً عليه هل تقسم التركة حالاً أم يُنتظر حتى يتبين حال الحمل، على قولين:
القول الأول: إن التركة تُقسم حالاً ويُوقف للحمل مقدار ميراث ابن واحد، وهو قول الحنفية المفتى به –كما سبق- (٢)، وقول الشافعية إلا أن مقدار ما يوقف للحمل ليس بثابت، بل معاملة بقية الورثة تكون بالأضر بحيث يُعطى كل الورثة المتيقن من نصيبه ويوقف الباقي إلى ظهور حال الحمل (٣).
القول الثاني: أن التركة لا تقسم حتى يتبين أمر الحمل، وهو قول المالكية، (٤) والحنابلة. (٥)
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بأن التركة تقسم حالاً ويوقف للحمل مقدار معين من الميراث بأدلة، منها:
الدليل الأول: واقع الحال وهو أن المرأة في الغالب لا تلد إلا ولداً واحداً، وهو دليل الحنفية في المسألة.