← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1229

المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية - جمعا ودراسة-

سناد تسرنكتش

Полный текст (676 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

مثاله: دار في يد رجل، فزعم آخر أنها ملكه فالقول للذي في يده، فلو بيعت دار بجنبها فأراد أن يأخذها بالشفعة لا يأخذها بمجرد اليد حتى يقيم بينة أنها ملكه؛ لأن ثبوت الملك بظاهر اليد يصلح للدفع لا للاستحقاق والأخذ من يد المشتري استحقاق فلا يملكه بدون البينة، كذا هنا (١). وبعد الاطلاع على الكتب المتوفرة لدي ظهر أن الحنفية اعتمدوا على قول محمد ﵀، وأكدوا أن الفتوى عليه (٢). وقد يقال أن الاختلاف نشأ بسبب اختلافهم في تحديد المدعي والمدعى عليه. فمن رأى أن المدعي الصانع، والمدعى عليه رب الثوب، ولا بينة، فإن القول قول رب الثوب بيمينه لأنه منكر. ومن رأى أن القرائن مثل فتح الدكان والانتصاب للصنعة كافية لتقوية جانب على جانب، قال بأن القول قول الصانع، والله أعلم. وهو أيضاً قول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بالعرف الجاري (٦)، ووجهه أن ما يُعطى للخياط مثلاً هو للعمل بالأجرة عرفاً، والعرف قام مقام القول.

стр. 527

والمسألة إذا افترضنا الخلاف فيها فإن لها ثمرة عملية تظهر في صورة لو أن إنساناً دخل محل الخياطة الرجالية وطلب خياطة الثوب بمواصفات معينة وخرج، وقبل صاحب المحل بدون أن يذكرا الأجرة، ثم جاء صاحب الثوب بعد فترة ليأخذه، لكن منعه صاحب المحل؛ لعدم دفع قيمته، فله ذلك؛ لأن العرف على أن الخياط لا يخيط بلا أجرة، وعلى القول المرجوح عند الحنفية فإن الثوب له، وكل ذلك إذا انعدمت البينة. وفي الوقت الراهن وجود كاميرات المراقبة والفواتير الورقية والإلكترونية، وأن الأجر مقدم في الأغلب كل ذلك من القرائن التي قد تؤثر في تحديد المدعي والمدعى عليه، والله أعلم.

стр. 528

المبحث السابع: إسقاط حق الشفعة بالاحتيال وبتأخير الخصومة والمحاكمة: هذه المسألة مدارها على نفي الضرر وتحقيق المصالح، ولها شقان، شق يتعلق بالاحتيال (١)، وشق يتعلق بالتأخير. إسقاط حق الشفعة بتأخير الخصومة والمحاكمة وأما إسقاط الشفعة بتأخير الخصومة والمحاكمة فقد اختلف أئمة المذهب الحنفي في ذلك؛ فعند أبي يوسف ﵀ أن حق الشفعة يسقط إذا ترك الشفيع مجلساً أو مجلسين من مجالس الحكم، وعنه ثلاثة أيام، لأنه دليل الإعراض، ومحمد ﵀ قدَّر ذلك بشهر (٢)، لأن المشتري يتضرر بالتأخير؛ لنقض تصرفاته، فقدَّره بالشهر؛ لأنه أقل الآجل وأكثر العاجل، ومرادهما إذا ترك لغير عذر. وعند أبي حنيفة ﵀ ورواية أخرى عن أبي يوسف ﵀ (٣) أنه حق ثابت لا يسقط بالتأخير كسائر الحقوق، وضرر المشتري يمكن دفعه بالمرافعة إلى القاضي حتى يوقِّت له وقتاً يوفيه فيه الثمن وإلا بطل حقه بإسقاطه هو (٤)، إلا لعذر مثل مرض أو حبس (٥). والفتوى على قول أبي حنيفة ﵀ (٦).

стр. 529

وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). ويظهر مما سبق أن الفقهاء متفقون على أن الشفعة حق ثابت، ولا يسقط بمجرد التأخير، وإنما إذا فرَّط الشفيع بتأخير المطالبة تأخيراً يضر بالمشتري أو البائع عرفاً، وبلا عذر، وحينها يكون هو من أسقط حقه، والله أعلم. إسقاط حق الشفعة بالاحتيال: أما إسقاط حق الشفعة بالاحتيال فإن الحنيفة يرون جواز ذلك (قبل وجوبها) (٤)؛ للمصلحة أو لدفع الضرر (٥)، فيقولون: إن الشفعة إنما شرعت لدفع ضرر الجوار، فالمشتري إن كان ممن يتضرر به الجيران فلا يحل إسقاطها، وإن كان رجلاً صالحا ينتفع به الجيران، والشفيع متعنت لا يحب جواره فحينئذ يحتال في إسقاطها (٦). ومثال ذلك لو أن شخصاً باع داراً إلا ذراعاً منها في طول الحد الذي يلي دار الشفيع، فالشفيع لا يستحق الشفعة؛ أما في قدر الذراع فلانعدام الشرط وهو البيع، وأما فيما وراء ذلك فلانعدام السبب وهو الجوار (٧).

стр. 530

دراسة المسألة دراسة مقارنة: تحرير محل النزاع: اختلف العلماء في إسقاط الشفعة بالحيل قبل وجوبها على قولين: القول الأول: لا يكره إسقاط حق الشفعة بالحيل قبل وجوبه، وهو قول الحنفية كما سبق. القول الثاني: الحيل مكروهة مطلقاً، ولا يجوز إعمالها لإسقاط حق الشفعة، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بجواز استخدام الحيل لإسقاط الشفعة قبل وجوبها بدليلين: الدليل الأول: التحايل ليس فيه إسقاط حق ثابت، بل منع ثبوت الحق، فلا يعد ضرراً. (٤) يناقش بأن فيه الخداع، ويؤدي إلى الغرر فيكره. الدليل الثاني: الحاجة فيما لو كان الشفيع لا يحب جواره فيسقط حقه دفعاً لضرره (٥).

стр. 531

قد يناقش بأن الجيران تؤثر بعضهم على بعض، فتأثيره عليهم تأثير فرد على جماعة، وتأثيرهم عليه تأثير جماعة على فرد، وتأثير الجماعة أقوى، فاحتمال تحسين ظاهره وباطنه وحوله جيران صالحون مصلحون أظهر من عكسه، والله أعلم. تعليل القول الثاني: علَّل القائلون بمنع استخدام الحيل لإسقاط حق الشفعة بتعليل الغرر -كما عند الشافعية- (١)، والخداع -كما عند الحنابلة- (٢)، وهو ظاهر. الترجيح: بعد عرض القولين وتعليليهما يظهر أن القول بمنع الاحتيال أوفق وأبعد عن الريبة وأقرب إلى أخلاق المسلم السوي، وما ذكروه من الحاجة فيما لو كان الشفيع لا يُحب جواره فليس بقوي، لأن الفرد يرسل إلى بيئة صالحة لإصلاح نفسه والبعد عن المعاصي كما في تغريب الزاني بعد جلده.

стр. 532

المبحث الثامن: تذكية الصيد إذا أدركه المرسل (١) حيًّا: تأتي هذه المسألة في كتاب الصيد عند ذكر أحكام الجوارح -وهي حيوانات معلمة (٢) -، وصورة المسألة لو أن صائداً أرسل كلبه المعلم، وذكر اسم الله عليه عند إرساله وجرح الكلب الصيدَ أي المصِيدَ فمات ولم يأكل منه حل أكله (٣)، لكن لو وجد المرسل الصيدَ حيًّا، فلا يخلو إما أن يتمكن من ذبحه أو لا، فإن تمكن من ذبحه ولم يذبحه حتى مات لم يؤكل سواء كانت الحياة فيه بينة أو خفية (٤)، وإن ذبح حل عند الجميع (٥)، وذلك إذا كان يتوهم بقاء الصيد على قيد الحياة، وأما إذا شق الكلب المعلم بطنَ الصيد مثلاً وأخرج ما فيه، ثم وقع في يد المرسل حيًّا حل عند الصاحبين؛ لأن ما بقي فيه من الحياة اضطراب المذبوح فقط ولا عبرة بذلك، كما إذا وقعت شاة في الماء بعد ذبحها، وأما عند أبي حنيفة فلا يؤكل؛ لأنه وقع في يده حيًّا، فلا يحل إلا بذكاة الاختيار (٦)، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقد استثناه مطلقًا من غير فصل، وعليه الفتوى (٧).

стр. 533

دراسة المسألة دراسة مقارنة: تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن المرسل إذا أدرك الصيد وبه حياة مستقرة، ويتوهم بقاؤه على قيد الحياة فإنه لا يحل إلا بالتذكية (١)، واختلفوا فيما لو أدركه وبه حياة غير مستقرة على قولين: القول الأول: لا يحل أكله إلا بعد التذكية، وهو قول الحنفية كما ذُكر، وعليه الفتوى، والمالكية (٢). القول الثاني: يحل أكله ولا حاجة إلى التذكية، وهو القول المرجوح في المذهب الحنفي، وقول الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 534

الأدلة والمناقشات: دليل القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بعدم حل أكل الصيد إذا أدركه الصائد وبه حياة غير مستقرة بدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وجه الدلالة: أن الله – استثنى كل ما سبق بإطلاق من غير فصل، والآية تشمل ما أدركه الصائد وبه حياة (١). قد يناقش بأنه استثناء من التحريم وليس من المحرمات (٢). دليل القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بجواز أكل الصيد إذا أدركه الصائد وبه حياة غير مستقرة بقياس هذا الصيد على الصيد الميت بجامع أن الموت سببه الجارحة، وما فيه من الحياة في حكم الميت ولا عبرة بها (٣). الترجيح: بعد استعراض القولين ودليليهما يظهر أن القول الثاني أوفق وأقرب؛ لقوة دليله، وما ورد من المناقشة على دليل القول الأول، والمسألة لها أثر يظهر فيما لو أن إنساناً أرسل كلبه المعلم ليصيد الأرنب مثلاً فشق بطنه وأخرج ما فيه، فأدركه المرسل يتحرك حركة المذبوح، فعلى القول الأول لا يحل أكله حتى يذكيه ما دام فيه حياة، وعلى القول الثاني يحل أكله؛ لأنه مات من العقر، وذلك ذبحه.

стр. 535

المبحث التاسع: في مسائل البيوع المطلب الأول: ما يُعرَض بالأنموذج رؤية بعضه كرؤية كله: فقهاء الحنفية يذكرون أنواعاً من الخيارات مثل خيار الشرط وخيار العيب وخيار الرؤية وغيرها، ومسألة ما يعرض بالأنموذج من مسائل خيار الرؤية (١). ومن أمثلته أن يرى المشتري نموذجاً من المبيع دون سائره، كما لو كان المبيع طاولات متعددة من نمط واحد لا تختلف عرفاً، فيشتريها المشتري بعد أن يرى عيِّنات منها. وحينها يسقط خيار الرؤية (٢)؛ لأن رؤية بعض المبيع كرؤية كله، وذلك عند الصاحبين -رحمهما الله- للحاجة، وجريان التعامل به، ولأن المقصود معرفة الصفة وقد حصلت (٣)، وعند أبي حنيفة ﵀ الخيار لا يبطل وإن كان مما يباع عدداً، والفتوى على قولهما (٤). دراسة المسألة دراسة مقارنة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

стр. 536

القول الأول: يصح بيع ما يعرض بالنموذج، ورؤية النموذج أو العينة من المبيع تبطل خيار الرؤية في كله، وهو قول الحنفية المفتى به -كما سبق-، والمالكية (١)، والشافعية (٢)، وقول عند الحنابلة (٣). القول الثاني: لا يصح بيع ما يعرض بالنموذج، وعليه لا خيار رؤية، وهو قول أبي حنيفة ﵀ كما مضى، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٤). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بصحة بيع ما يعرض بالنموذج بأدلة، منها: الدليل الأول: العرف، فقد تعارف الناس على التعامل به، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً (٥) أي أن ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم قائم مقام الشرط في الالتزام والتقيد، وإن لم يُذكر صريحًا، وعليه فلا خيار الرؤية إذا لم يذكروه في العقد. الدليل الثاني: لأن رؤية بعض ما يعرض بالنموذج توجب العلم بالمقصود، وهو معرفة الصفة. الدليل الثالث: الحاجة تدعو إلى مثل هذه البيوع (٦).

стр. 537

دليل القول الثاني: استدل القائلون بعدم صحة بيع ما يعرض بالنموذج بعدم رؤية المبيع وقت العقد (١). وقد يُناقش بأن رؤية المبيع حصلت برؤية النموذج، ولا فرق بين النموذج والآخر، ثم في منعه حرج شديد على الناس وبخاصة إذا كانت البضاعة كثيرة. الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الأول أقرب لقوة دليله وورود المناقشة على دليل القول الثاني، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك خاصة مع التجارة الإلكترونية التي تتيح شراء بضاعة من أقصى الدنيا، ولا سبيل إلى رؤية كلها إلا بالنموذج، ثم الصناعة اليوم وصلت منتهى الدقة والانضباط في أوصاف السلعة المنتجة حجماً وشكلاً، وفي مثل هذه البيوع مصلحة اقتصادية كبيرة للمتعاقدين طالما انتفى الضرر، والله أعلم. والمسألة له ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة من المعاملات، منها: - لو أن إنساناً له محل بيع الأجهزة الإلكترونية وسافر إلى الصين مثلاً ليجلب البضاعة، وقد رأى النماذج منها والذي سيشتريه يصل إلى آلاف القطع، فعلى القول الأول صح البيع؛ لأن رؤية العينة كرؤية الكل، ولا خيار الرؤية، ولو ظهرت البضاعة أردأ من العينة فإن له خيار العيب، وعلى القول الثاني لم يصح البيع حتى يرى جميع البضاعة. - لو أن شخصاً أراد أن يشتري بضاعة كثيرة مختلفة من موقع أمازون (التجارة الإلكترونية) والمعروض صورة عينة فقط لكل نوع من أنواع البضاعة؛ فعلى القول الأول يصح البيع؛ لأن رؤية صورة العينة الواحدة كرؤية جميع العينات؛ لتطابقها حجماً وشكلاً وجودةً وغير ذلك، وعلى القول الثاني لا يصح البيع؛ لعدم رؤية جميع البضاعة. - لو أن شخصاً له محل بيع فواكه وخضروات، وذهب إلى السوق العامة ليجلب البضاعة، فأراد أن يشتري عشرة كراتين تمر، وقد رأى بعضها فقط دون سائرها، فعلى القول الأول يصح البيع ولا خيار رؤية، وعلى الثاني لم يصح البيع حتى يرى البضاعة كلها.

стр. 538

- ولو أراد أن يشتري خمسين حبة من البطيخ فالبيع لا يصح على القولين؛ لأن البطيخ يتفاوت حجمه في الغالب، فلا بد من رؤيتها كلها.

стр. 539

المطلب الثاني: الرجوع بنقصان العيب في الطعام بعد أكله: هذه المسألة من مسائل خيار العيب -وقد سبقت الإشارة إليه في المسألة السابقة-، ومعناه لو اطلع المشتري على عيب (١) في السلعة بعد العقد فله أخذها بجميع الثمن وله ردها (٢). ومن صور المسألة شخص اشترى طعاماً فأكل بعضه ثم علم بالعيب فيه، فعند أبي حنيفة –﵀ (ليس له أن يرد الباقي) (٣)، ولا أن يرجع بنقصانه (٤)؛ لأن الطعام كشيء واحد فلا يرد بعضه دون بعض كما إذا باع البعض، وعندهما يرجع بنقصان العيب في كله (٥) (وليس له أن يرد الباقي؛ لأن الطعام كالشيء الواحد فيتعيب بالتبعيض؛ لأن أكل الكل لا يمنع الرجوع فالبعض أولى) (٦)، ورواية أخرى عنهما أنه يرد ما بقي، ويرجع بنقصان ما أكله (٧)؛ لأنه لا يضره التبعيض، وعليه الفتوى (٨). دراسة المسألة دراسة مقارنة اختلف الفقهاء في مسألة الرجوع بنقصان العيب في الطعام بعد أكله على ثلاثة أقوال:

стр. 540

القول الأول: لا يجوز الرجوع فيه بنقصان العيب بأن يرجع بنقصانه ويرد الباقي، وهو قول منسوب لأبي حنيفة ﵀ (١). القول الثاني: يجوز الرجوع فيه بنقصان العيب في كله، ولا يرد الباقي، وهو قول الصاحبين الأول (٢). القول الثالث: يجوز الرجوع فيه بنقصان العيب في كله ويرد الباقي، وهو قول للصاحبين الثاني (٣). وهو قول المالكية (٤)، والشافعية تخريجاً (٥)، وكذلك الحنابلة (٦). الأدلة والمناقشات: تعليل القول الأول: علّل القائلون بعدم جواز الرجوع بنقصان العيب في الطعام بتعليل عدم تبعيضه، فهو كشيء واحد، فإذا أكل بعضه كأنه أكل كله (٧). قد يناقش بأن الأطعمة ليست على شكل واحد، فمنها ما يتبعض ولا يضره ولا يتعيب بذلك.

стр. 541

تعليل القول الثاني: علّل القائلون بجواز الرجوع في الطعام بنقصان العيب في كله، بلا رد الباقي بأن الطعام يتعيب بالتبعيض فلا يرد الباقي، ولو أكل كله لا يمنع الرجوع فيه فالبعض من باب أولى (١). تعليل القول الثالث: علل القائلون بجواز الرجوع في الطعام بنقصان العيب فيما أُكل منه ويُرد الباقي بأن تبعيض الطعام لا يضره (٢). الترجيح: بعد استعراض الأقوال وتعليلاتها يظهر أن القول الثالث أقرب؛ لقوة تعليله ولأن واقع صناعة الأطعمة اليوم يسانده بحيث لا يضره تبعيضه ولا يتعيب بذلك. والمسألة لها ثمرات عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن إنساناً اشترى فطيرة طازجة في مطعم ما بعشرين ريالاً، وأكل نصفها وعلم بالعيب (مثل ما لو كانت قديمة وليست طازجة)، فله أن يرد ما تبقى منها، ويرجع بنقصان فيما أكله. وتفصيلها فيما يلي: لو كان سعر الفطيرة عشرين ريالاً سليمة وعشرة ريالات معيبة، والفطيرة مقطعة إلى عشرة أجزاء مثلاً، وقد أكل نصفها أي خمسة أجزاء؛ وعليه فإنه سيرد الباقي بقيمته، أي يرجع بنصف الفطيرة بعشرة ريالات، والنصف الآخر يقوَّم سليماً ومعيباً، ويأخذ الفرق وهو الأرش، فالنصف الآخر عشرة ريالات سليماً، وسبعة ريالات مثلاً معيباً، فيرجع بنقصانه وهو ثلاثة ريالات. - ولو كان قد اشترى ساندويتش فإنه لا يقال بهذا القول؛ لأن تبعيض الساندويتش يضره ويتعيب به ولا يباع إلا كاملاً، فيصار إلى القول بأنه يرجع بنقصان العيب في كله؛ لأن ما تبقى من الطعام في حكم المتلف وتعذر الرد.

стр. 542

المطلب الثالث: في مسائل الربا المسألة الأولى: بيع الخبز (١) بالحنطة والدقيق (٢) متفاضلاً (٣): هذه المسألة من مسائل الربا، والربا في اللغة الفضل والزيادة والعلو (٤)، وفي الاصطلاح الزيادة المشروطة في العقد -وهذا إنما يكون عند المقابلة بالجنس-، وقيل: الربا في الشرع عبارة عن عقد فاسد بصفة سواء كان فيه زيادة أو لم يكن، فإن بيع الدراهم بالدنانير نسيئة ربا ولا زيادة فيه، وبه يتبين أن الربا نوعان: ربا الفضل وربا النسيئة (٥). والأصناف الربوية التي نص عليها الشارع ستة، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد" (٦). وقد اختلف الفقهاء في علة الربا في هذه الأصناف، وموضوع المسألة يتعلق بالأصناف الأربعة الأخيرة أي غير الذهب والفضة، والحنفية يقررون أن العلة فيها الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس (٧)، وهذا له أثر بالغ في مسألة بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً.

стр. 543

وفقهاء الحنفية ينصون على أنه يجوز ذلك لأن الخبز بعد صنعه صار عددياً أو موزوناً فخرج من أن يكون مكيلاً من كل وجه، والحنطة مكيلة (فلم توجد علة الربا إذا كانا نقدين) (١)، وذلك عند الصاحبين، وعند أبي حنيفة لا خير فيه (٢)، والفتوى على الأول (٣). دراسة المسألة دراسة مقارنة اختلف الفقهاء (٤) في جواز بيع الخبز بالحنطة والدقيق من جنسه متفاضلاً على قولين: القول الأول: يجوز بيعه بالحنطة والدقيق متفاضلاً، وهو قول الحنفية –كما سبق- والمالكية (٥)، وقول عند الشافعية (٦). القول الثاني: لا يجوز بيعه بالحنطة والدقيق متفاضلاً، وهو قول آخر عند الشافعية، (٧) والحنابلة. (٨) الأدلة والمناقشات:

стр. 544

دليل القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بجواز بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً بكونه أصبح عددياً أو موزوناً وليس بمكيل مطلقاً، والحنطة مكيلة (١)، فهما جنسان. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بعدم جواز بيع الخبز بالحنطة والدقيق بأدلة، منها: الدليل الأول: الخبز فيه الماء، وعليه فإننا نجهل التساوي (٢)، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل (٣). قد يناقش بأنه كذلك، لكن الجهل هنا لا يضر؛ لأنهما جنسان، فلا بأس بالتفاضل. الدليل الثاني: كون الخبز فرعاً لأصل يحرم فيه الربا، فلم يجز بيعه به، كالدقيق بالحنطة (٤). قد يناقش بأن الدقيق هو الحنطة المدقوقة فيمنع، وأما الخبز فيختلف عن الحنطة ودقيقها (٥). الترجيح: بعد استعراض القولين بأدلتهما يظهر أن الترجيح في هذه المسألة ينبني على مسألة علة الربا في غير الذهب والفضة، وأن الخلاف فيها خلاف تنوع، فمن رأى أن علة الربا موجودة في الخبز قال بالمنع، ومن لا فلا.

стр. 545

إلا إذا قلنا: إن الخبز أصبح عددياً -والعددية ليست بعلة-، وهو ظاهر الآن في صناعة الخبز، فإنه يباع بالعدد، ولا يشكل وضعهم وزن الخبز على خارج الغلاف؛ لأن العدد مقصود وليس الوزن، والله أعلم. وعليه فالراجح هو القول الأول، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن إنساناً عنده من الخبز خمسة أكياس واحتاج إلى البر أو دقيقه لغرض ما، فإنه يجوز بيعه بالبر؛ لأن الخبز موزون والبر مكيل، والعلة هي الوزن مع الجنس أو الكيل مع الجنس، أو لأن الخبز عددي، وهذا خارج علة الربا، وهو على قول الحنفية من القول الأول، وعلى القول الثاني لا يجوز ذلك؛ لأن الخبز مطعوم، وعلة الربا الطعم مثلاً. - وإذا قلنا: إن البيع هنا شراء: فلو أن إنساناً عنده أكياس من البر أو دقيقه مثلاً، ولا يقدر على صنع الخبز؛ لانشغاله أو لجهله بصناعته، فيذهب إلى الخباز ويشتري الخبز بما عنده من الدقيق، فعلى القول الأول يجوز؛ لأنهما جنسان، أو لأن الخبز عددي، وعلى القول الثاني لا يجوز؛ لأن الربا طعم وهي موجودة في كليهما.

стр. 546

المسألة الثانية: بيع الخبز بالحنطة والدقيق نسيئة: هذه المسألة شبيهة بالسابقة، إلا أن هذه في ربا النسيئة، وتلك في ربا الفضل. وربا النسيئة أو النساء عند الحنفية فضل الحلول على الأجل وفضل العين على الدين في المكيلين والموزونين عند اختلاف الجنس أو في غير المكيلين وغير الموزونين عند اتحاد الجنس (١)، وعلته وجود أحد وصفي علة ربا الفضل، وهي الكيل في المكيلات أو الوزن المتَّفِق، ومعناه أن يكونا ثمنين أو مثمنين؛ لأن وزن الثمن يخالف وزن المثمن (٢). وعند المالكية مجرد الطعم على غير وجه التداوي كان مدخراً مقتاتاً أم لا (٣)، وكذا أي الطعم عند الشافعية (٤)، وعند الحنابلة ربا النسيئة كل شيئين -ليس أحدهما نقداً- علة ربا الفضل فيهما واحدة لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسأ، وعلة ربا الفضل عندهم كونه مطعوماً مكيلاً أو مطعوماً موزوناً (٥). ثم الحنفية ينصون على أنه يجوز بيع الخبز بالحنطة والدقيق نسيئة إذا كانت الحنطة نسيئة، وذلك عند الصاحبين، وإن كان الخبز نسيئة يجوز عند أبي يوسف، وعليه الفتوى (٦)، بدليل ما ذكروه أنه خرج من أن يكون مكيلاً، بل صار عددياً أو موزوناً، والحنطة مكيلة، فجاز التفاضل، وإذا قلنا: إنه عددي فلا علة الربا (٧).

стр. 547

ولأنه من باب السلم، وقد أسلم موزوناً (الخبز) في مكيل (الحنطة والبر) يمكن ضبط صفته ومقداره، وكذلك إذا أسلم في موزون (الخبز) إذا كان الخبز نسيئة (١). دراسة المسألة دراسة مقارنة: لم أجد هذه المسألة بعينها في كتب بقية المذاهب، لكن يمكن تخريجها بناءً على ما مر في المسألة السابقة: - فالحنفية جوَّزوا بيع الخبز بالحنطة متفاضلاً؛ لأنهما جنسان، أو لأن الخبز ليس مكيلاً والحنطة مكيلة، وفي بيع هذا بهذا لم يوجد أحد وصفي علة ربا الفضل، فيجوز نسيئة، ويجعلونه سلماً لأجل التأخير. - وأما المالكية فعلة ربا الفضل عندهم الاقتيات والادخار، فجوزوا بيع الخبز بالحنطة متفاضلاً؛ لأنه لا يدخر، لكن علة ربا النسيئة عندهم مجرد الطعم، فيخرج على أنه لا يجوز بيع الخبز بالحنطة نسيئة؛ لأنهما مطعومان. - وأما الشافعية فعلة ربا الفضل عندهم الطعم، وكذا ربا النسيئة، فيخرج قولهم كقول المالكية. - وأما الحنابلة فعلة ربا الفضل عندهم الطعم مع الوزن أو الطعم مع الكيل، وواقع أدلتهم في المسألة السابقة أن الخبز عندهم مكيلاً كالحنطة، وعلة ربا النسيئة هي وجود أحد وصفي علة ربا الفضل، وعليه فإن الخبز والحنطة مطعومان مكيلان، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئة. والذي يظهر في هذه المسألة أن الخبز عددي، وبخاصة في هذا الوقت، والعددي ليس من أموال الربا (٢)، والله أعلم.

стр. 548

المسألة الثالثة: بيع الكرباس (١) بالقطن: جاء في كتب الحنفية ما يدل على صحة بيع الكرباس بالقطن؛ لاختلاف الجنس باعتبار المقصود والمعيار (٢)، ولا خلاف فيه، والقطن (٣) بالغزل يجوز عند محمد؛ لأن الثوب لا ينقض ليعود غزلاً أو قطناً (٤)، وأبو يوسف منعه للمجانسة (٥)، والفتوى على قول محمد –﵏ جميعاً- (٦). دراسة المسألة دراسة مقارنة: لم أجد ذكراً لهذه المسألة بعينها في كتب بقية المذاهب، والذي يظهر أن سبب إيرادها في كتب الحنفية كون القطن من الأموال الربوية عندهم؛ لأنه موزون (٧)، وقد سبق في مسألة بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً أن علة ربا الفضل عندهم الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس (٨). وقد نصوا على أن الثياب ليسب بموزونة، وعليه فيجوز بيع الكرباس الذي هو الثياب المصنوع من القطن بالقطن؛ لأنه بيع غير الموزون، بل بيع العددي بالموزون، فلا علة الربا. وإذا راجعنا ما قاله فقهاء المذاهب غير الحنفية في علة ربا الفضل نجد أقوالهم تدور حول الادخار والاقتيات أو الطعم أو الطعم مع الكيل أو الوزن، والقطن ليس من هذه أصلاً.

стр. 549

وعليه يمكن القول بجواز بيع الكرباس بالقطن عند المالكية والشافعية والحنابلة تخريجاً (١). وإذا كان كذلك فهي من مواضع الاتفاق بينهم، والله أعلم. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن إنساناً يملك مزرعة القطن وأراد أن يبيع بعضه في مقابل الثياب الجاهزة المصنوعة من القطن، فإن ذلك جائز، لأن القطن موزون، والثياب عددية، والصناعة غيرتها فلا تشبهه؛ لأنها لا تنقض لتعود قطناً. - لو أن صاحب محل الخياطة أراد أن يبيع الثياب الشتوية الجاهزة عنده حين حلول الربيع بالغزل أي خيوط القطن، فإن ذلك جائز؛ لما سبق في الصورة الأولى، والله أعلم.

стр. 550

المسألة الرابعة: استقراض الخبز وزناً وعدداً: الاستقراض من القرض، وهو ما تعطيه من مثلي لتتقاضى مثله (١)، وفقهاء الحنفية يقررون بأن الإقراض جائز في كل مكيل وموزون، وكذلك في العدديات المتقاربة مثل البيض؛ لأنها مضمونة المثل، وإنما يختلفون في إقراض الخبز (٢)، وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: المروي عن أبي حنيفة –﵀ أن ذلك لا يجوز وزناً ولا عدداً. والقول الثاني: عند أبي يوسف –﵀ أنه يجوز وزناً ولا يجوز عدداً. والقول الثالث: عند محمد –﵀ أنه يجوز عدداً، واستعظم أن يستقرض وزناً (٣). ودليل المنع كونه لا يوقف على حده معناه أنه يتفاوت بالعجن والنضج عند الخبز، ويكون منه الخفيف، والثقيل، وفي كل نوع عرف (٤). وعند أبي يوسف الخبز موزون عادة، والاستقراض في الموزونات وزناً يجوز، ولا يجوز عدداً؛ لأنه متفاوت، فيه الكبير والصغير (٥).

стр. 551

وعند محمد يجوز عدداً؛ لأنه صنع الناس وقد اعتادوه، -وقد استعظم جواز استقراضه وزناً (١) لأن القياس فيه ما قاله أبو حنيفة: إنه لا يوقف على حده، وإنما ترك هذا القياس (استحساناً) (٢) - ولتعارف الناس (ولحاجتهم) (٣) و (تيسيراً) عليهم (٤)، وذلك في استقراضه عدداً وبقي استقراضه وزناً على أصل القياس، والفتوى على استقراضه عدداً (٥)، وقيل أيضاً: عدداً ووزناً (٦). دراسة المسألة دراسة مقارنة صورة المسألة: لو أن إنساناً استقرض خبزاً من جاره على أن يرد بدله، فهل يجوز ذلك أم لا؟ تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين رئيسين: القول الأول: يجوز استقراض الخبز، لكن اختلفوا في كيفية ذلك: - فمنهم من قال: يجوز وزناً وعدداً، وهو قول الحنفية المفتى به –كما سبق-، والمالكية (٧)، وقول عند الشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 552

- ومنهم من قال: لا يجوز إلا وزناً، وهو رواية عند الحنابلة (١). - ومنهم من قال: يجوز عدداً في الشيء اليسير، وهو رواية أخرى عند الحنابلة (٢). القول الثاني: لا يجوز استقراض الخبز، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٣). الأدلة والمناقشات: استدل أصحاب القول الأول بأدلة، كل بحسب ما تقرر عنده في المسألة، فمن قال بجواز استقراضه وزناً وعدداً استدل بأدلة، منها: الدليل الأول: العرف، وقد تعارف الناس على ذلك، ولا يقصدون البيع (٤). الدليل الثاني: الحاجة داعية إلى مثل هذه المعاملة (٥). الدليل الثالث: في جوازه توسعة على الناس (٦)، وفي منعه حرج شديد. ومن قال بعدم جوازه إلا وزناً استدل بقياسه على الموزونات (٧)؛ لأن المثلية تتحقق بذلك. ومن قال بجوازه عدداً بغير وزن استدل بحديث عائشة –﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الخميرة والخبز نقرضه الجيران فيردون أكثر أو أقل، فقال: "ليس بذلك بأس إنما هو أمر موافق بين الجيران وليس يراد به الفضل" (٨).

стр. 553

وجه الدلالة: ظاهر الحديث دليل على اعتبار العدد في استقراض الخبز والخميرة وليس الوزن، بل اعتبار الوزن في ذلك يشق، والحديث يدل على المسامحة. وقد يناقش بأن الحديث ضعيف ولم يثبت، فلا تقوم به الحجة. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بمنع استقراض الخبز بتعليل كون ذلك يؤدي إلى مقابلة الخبز بالخبز، وبيانه عندهم على النحو الآتي: "وأما إقراض الخبز وكل ما لا يجوز بيعُ بعضِه ببعض ينبني على أن ما ليس من ذوات الأمثالِ يَضمن المقترض مثلَه أو قيمتَه. فإن ألزمناه القيمةَ، والخبز ليس من ذواتِ الأمثال، فيجوز إقراضه، فإنه ليس فيه مقابلة الخبز بالخبز. وإن قلنا: يضمن المقترض المثل، فهذا يؤدي إلى مقابلة الخبز بالخبز" (١). قد يناقش بأن الخبز من ذوات الأمثال وتحقق المثلية أمر ممكن؛ لأن الخبز من يخبزه في بيته متقارب في الغالب، وإن كان يجلبه من خارج البيت من المخابز فالمثلية أوضح وأظهر. الترجيح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها يظهر أن القول بجواز استقراض الخبز عدداً ووزناً أقرب، فمن استقرضه وزناً فإنه يرد مثله بالوزن، وإن استقرضه عدداً فإنه يرد مثله بالعدد؛ وذلك لقوة دليل هذا القول، وورود المناقشة على دليل القول الثاني، ولأن الخبز موزون أو عددي، والمثلية فيه متحققة، وخصوصًا الآن مع تطور صناعة الأفران وغيرها من الآلات التي تضمن مثلية الخبز، مع ضرورة التفرقة بين ما يخبز في بيوتات الناس وبين ما يخبز في المخابز العامة، والله أعلم. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو استقرض إنسان من جاره خبزاً خبزه هو في بيته، فعلى القول الثاني لا يجوز ذلك مطلقاً، وعلى الأول يجوز عند من يقول بالعدد؛ لأن ما يخبز في البيت لا يوزن في الغالب ويشق كما مضى، ولو اشتُرِط ردُّ المخبوز في البيت لكان أوفق؛ لاختلاف صناعة البيت من صناعة المخابز.

стр. 554

وإذا أقرضه خبزاً اشتراه في البقالة، فعلى القول الثاني لا يجوز كذلك، وعلى الأول يجوز عند من قال بالوزن والعدد؛ لأنه يباع بالوزن وبالعدد، وإن كان العدد غالباً على الوزن، ولذلك يجوز أيضاً عند من قال بالوزن فقط أو بالعدد فقط، ولو اشتُرِط أيضاً رد المخبوز في المخابز لكان أوفق لما ذُكر، والله أعلم.

стр. 555

المطلب الرابع: السلم في الخبز: السلم (١) عند الحنفية شراء آجل بعاجل (٢) -وهو بخلاف القياس؛ لأن الأصل أن يكون العوض حاضراً وقت العقد-، ومعناه بيع عوض موصوف في الذمة إلى أجل معلوم بثمن يُعطى عاجلاً، وعليه فإنه لا بد من قبض رأس المال في مجلس العقد وتأجيل المسلَم فيه أي ما وصف في الذمة، وهو جائز في المكيلات مثل الحنطة والذرة والموزونات كالحديد -غير النقدين؛ لأنهما أثمان، والمسلَم فيه لا يكون إلا مثمناً-، والمعدودات التي لا تتفاوت (٣). وكل ما أمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره جاز السلم فيه، وإلا فلا؛ لأنه يصير مجهولاً يفضي إلى المنازعة (٤). والسلم في الخبز من المسائل المختلف فيها لصعوبة ضبط صفته؛ وذلك على قولين: القول الأول: لا يجوز السلم في الخبز لا وزناً ولا عدداً؛ لأن الخبز يختلف بالعجن والنضج وكيفية الخبز، فمنه الخفيف ومنه الثقيل، ومع التفاوت لا يمكن تجويز السلم فيه، فتبقى الجهالة المفضية إلى المنازعة (٥)، وهو قول الطرفين (٦) –رحمهما الله-.

стр. 556

القول الثاني: يجوز وزناً إذا أتى بشرائط السلم (١) لحاجة الناس (٢)، لكن يجب أن يحتاط وقت القبض بقبض الجنس المسمى، حتى لا يصير استبدالاً بالسلم فيه قبل قبضه إذا قبض دون المسمى صفة، وإذا كان كذلك فالاحتياط في منعه؛ لأنه قل أن يأخذ من النوع المسمى خصوصاً فيمن يقبض في كل يوم كذا وكذا رغيفاً، وهو قول أبي يوسف –﵀ (٣). وأما عدداً فلا يجوز بالإجماع (٤)، ومراده إجماع الأئمة الثلاثة من الحنفية، لكن فيه نظر لأنه جاء في رد المحتار مفاده جواز السلم في الخبز عدداً، والفتوى على ذلك (٥). وخلاصة المسألة أن الحنفية يرون جواز السلم في الخبر وزناً وعدداً؛ لأنه صنع الناس وقد اعتادوه (٦). دراسة المسألة دراسة مقارنة: تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في جواز السلم في الخبز على قولين: القول الأول: جواز السلم فيه، وهو قول الحنفية –كما سبق- والمالكية (٧)، والصحيح من مذهب الشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 557

القول الثاني: لا يجوز السلم في الخبز، وهو وجه عند الشافعية (١). الأدلة والمناقشات: استدل أصحاب القول الأول القائل بجواز السلم في الخبز بأدلة، منها: الدليل الأول: حديث ابن عباس –﵄ أن النبي – ﷺ قال: "من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (٢). وجه الدلالة: ظاهر الحديث إباحة السلم في كل مكيل وموزون ومعدود (٣). الدليل الثاني: لأن عمل الناس فيه معلوم بالعادة، ويمكن ضبطه بالنشافة والرطوبة، فصح السلم فيه (٤). الدليل الثالث: العرف، وقد اعتاد الناس على هذه المعاملة (٥)؛ لعدم الجهالة المفضية إلى المنازعة. الدليل الرابع: الحاجة داعية إليه (٦)، وفي منعه حرج شديد. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بعدم جواز السلم في الخبز بأدلة، منها: الدليل الأول: تأثير النار على ما تمسه لا ينضبط، ومن ذلك الخبز، فالنار تؤثر فيه تأثيراً لا يمكن ضبطه. يناقش بأن ما مسته النار لا يفارق ما لم تمسه النار إذا انضبط، فتأثير النار يمكن ضبطه.

стр. 558

الدليل الثاني: لأن الملح الذي يوضع في الخبز يقل ويكثر. يناقش بأنه غير مقصود، فلا ينظر إلى ذلك (١). الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الأول أوفق وأقرب لمقاصد الشريعة، وفيه توسعة على الناس، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن صاحب المطعم أسلم في الخبز عند الخباز خمسين رغيف خبز يومياً طوال العام، فعلى القول الأول يجوز؛ لأنه يمكن ضبط صنع الخبز من حيث الحجم والشكل والمكونات، وعلى الثاني لا يجوز ذلك لتأثير النار عليه تأثيراً لا ينضبط.

стр. 559

المبحث العاشر: ثبوت الوكالة بالقبض وثبوت الوكالة بالخصومة والتقاضي قد يعجز الإنسان عن التصرف في ماله؛ لقلة خبرته وكثرة انشغاله، أو لكثرة ماله، فيحتاج إلى تفويض التصرف إلى الغير بطريق الوكالة (١)، والوكالة تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل (٢). ومسألة ثبوت الوكالة تبين ما يملكه الوكيل من التصرف بموجب التوكيل بعد صحته (٣)، وفقهاء الحنفية يقولون: إن الوكيل بقبض الدين مثلاً وكيل بالخصومة لأجله (٤)، والوكيل بالتقاضي في أمور مالية مثلاً يملك قبضها بالإجماع إذا قضى القاضي له؛ لأنه لا فائدة للتقاضي بدون القبض (٥)، وأما الوكيل بالخصومة فيها فقد اختلفوا في ذلك؛ فعند الأئمة الثلاثة يملك قبضها أيضاً؛ لأن المقصود من الخصومة استيفاء الدين فكان المقصود من الوكالة الاستيفاء فيملكه، ولأن من ملك شيئًا ملك إتمامه وإتمام الخصومة وانتهاؤها بالقبض (٦)، وعند زفر لا يملك؛ لأن الموكل رضي بخصومته لا بقبضه، وليس كل من يصلح للخصومة يؤتمن على القبض (٧).

стр. 560

والفتوى على قول زفر لفساد الزمان وكثرة ظهور الخيانة في الوكلاء (١). دراسة المسألة دراسة مقارنة صورة المسألة لو أن صاحب عبارة مؤجرة وكل شركة محاماة بالخصومة والتقاضي في قضية استيفاء الديون على بعض سكان عمارته، وإذا قضى القاضي له هل تملك شركة المحاماة قبض الديون أم لا؟ تحرير محل النزاع اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: الوكيل بالخصومة لا يملك قبض الأموال، وهو قول الحنفية المفتى به–كما سبق-، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: الوكيل بالخصومة يملك قبض الأموال، وهو قول الحنفية المرجوح –كما سبق-، وقول المالكية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بأن الوكيل بالخصومة لا يملك القبض بأدلة، منها:

стр. 561

الدليل الأول: كون الإذن بالوكالة لم يتناوله نطقاً، ولا عرفاً (١). الدليل الثاني: لأن الموكل رضي بخصومته، ولا يلزم من ذلك رضاه بقبضه. الدليل الثالث: ليس كل من يصلح للخصومة يؤتمن على القبض (٢). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن الوكيل بالخصومة يملك القبض بأدلة، منها: الدليل الأول: كون الوكيل مأموراً بقطع الخصومة، ولا تنقطع إلا به (٣). قد يناقش بأنه ليس على إطلاقه، بل تنقطع بمجرد إنهائها، والقبض أمر زائد على إنهائها. الدليل الثاني: لأن المقصود من الخصومة استيفاء الدين فكان المقصود من الوكالة الاستيفاء فيملكه (٤). قد يناقش بأن المقصود من الخصومة ليس استيفاء الدين فحسب، بل هناك أمور معنوية تتحقق قبل استيفاء المال مثل رضا النفس والتعديل، ولو كانت الخصومة لأجل استيفاء المال فقط فإن الاستيفاء أمر زائد على الوكالة، فلا تشمله. الترجيح: بعد استعراض القولين يظهر أن القول الأول أقرب؛ لقوة أدلته، وورود المناقشة على أدلة المخالفين، والمسألة لها ثمرة تظهر فيما ذكر من صورتها، فإنه على القول الأول شركة المحاماة لا تملك القبض نيابة عن صاحب العمارة، وعلى القول الثاني تملك ذلك؛ لأن الوكالة تشمل ذلك، والله أعلم.

стр. 562

المبحث الحادي عشر: في مسائل المزارعة والمساقاة المطلب الأول: حكم المزارعة: المزارعة مفاعلة من الزرع والزراعة وهي الحرث والفِلاحَة، وتسمى مخابرة، مشتقة من خيبر؛ لأنه ﷺ دفع خيبر مزارعة، فسُميت المزارعة مخابرة لذلك، أو من الخيبر وهو الإكَّار، أو من الخُبْرَة -بالضم- وهي النصيب، أو من الخَبَار وهي الأرض اللينة، وتسمى المحاقَلة من الحقل وهو الزرع إذا تشعّب قبل أن يغلظ سوقه أو هو الأرض الطيبة الخالصة الصالحة للزراعة. (١) وفي اصطلاح الحنفية عقد على الزرع ببعض الخارج. (٢) وقد اختلفوا في مشروعيتها على قولين: القول الأول: إنها مشروعة، وهو قول الصاحبين -رحمهما الله-؛ لأن النبي ﵊ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع (٣) (٤).

стр. 563

القول الثاني: إنها فاسدة (١)، وهو قول أبي حنيفة –﵀ بدليل أن النبي – ﷺ نهى عن المخابرة (٢) وهي المزارعة، ولأن الأجر مجهول أو معدوم، وكل ذلك مفسد، ومعاملة النبي ﵊ أهل خيبر كانت خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز (٣). والفتوى على قول الصاحبين؛ لحاجة الناس إليها (٤)، ولظهور تعامل الأمة بها، والقياس يترك بالتعامل (٥). دراسة المسألة دراسة مقارنة: تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم المزارعة على قولين: القول الأول: إنها فاسدة، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٦).

стр. 564

القول الثاني: إنها مشروعة، وهو القول المفتى به في المذهب الحنفي -كما سبق-، وقول المالكية (١)، وعند الشافعية تبعاً للمساقة المعقودة على النخيل (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة والمناقشات: دليل القول الأول: استدل أبو حنيفة ﵀ على فساد المزارعة بأن النبي ﷺ نهى عن المخابرة (٤)، وهي المزارعة، والأجر فيها مجهول أو معدوم. نوقش بأن هناك فرقًا بين المخابرة والمزارعة، وهو أن البذر في المزارعة يكون على مالك الأرض وفي المخابرة على العامل (٥). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: استدل أصحاب القول الثاني على مشروعية المزارعة بأن النبي ﵊ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع (٦). نوقش بأن معاملة النبي ﵊ أهل خيبر كانت خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز (٧). الدليل الثاني: حاجة الناس داعية إلى ذلك، وفي منعها مشقة عليهم (٨).

стр. 565

الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلة كل قول يظهر أن القول الثاني أرجح؛ لوجود الفرق بين المزارعة والمخابرة، ولما ورد من المناقشة على دليل القول الأول. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو أن إنساناً ملك أرضاً صالحة للزرع، لكن لم يقدر على العمل فيها؛ لانشغاله بوظيفته في شركة ما أو بتجارته، ودفعها إلى عامل؛ ليقوم بالعمل عليها وما يلزم منه مثل البذور والسماد والآلات وغيرهما على أن له نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه فإنه مشروع على القول الثاني، بخلاف القول الأول.
следующие страницы →