← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12300

المشوق إلى القراءة وطلب العلم

علي العمران

Полный текст (129 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

* المؤْتَمن السَّاجي (٥٠٧) - قراءة ((المحدِّث الفاصل)) في مجلس. قال الذهبي في ((السير)) (١) : ((قال السِّلَفيّ: كان المؤتمنُ لا تُمَلُّ قراءتُه، قرأ لنا على ابن الطيوري كتابَ ((الفاصل)) (٢) للرَّامَهرمزي في مجلسٍ. * طلحة بن مظفَّر العَلْثي (٣) الحنبلي (٥٩٣) - قراءة ((صحيح مسلم)) في ثلاثة مجالس . جاء في ترجمته في ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٤) و ((طبقات المفسرين)) (٥) : أنه قرأ - ((صحيحَ مسلم)) في ثلاثةِ مجالس. وكان طلحةُ بن مظفَّر عالمًا متفنِّنًا في علومٍ كثيرة زاهدًا وَرِعًا، وصَفَه الحافظ المنذري بحُسْن القراءة وفصاحتها، فمن ذلك أنه كان يقرأ كتاب ((الجمهرة)) لابن دُرَيْد على ابن القصَّار، فمِنْ سرعة قراءته وفصاحتها قال ابنُ القصَّار: هذا طلحةُ يحفظ هذا الكتاب؟! قالوا: لا.

стр. 72

* العِزُّ بن عبد السلام (٦٦٠) - قراءة ((نِهاية المَطْلَب)) (١) في ثلاثة أيام. قال ابن فَهْد في ((لحظ الألحاظ)) (٢) : ((قال شيخنا الحافظُ برهانُ الدين (أي: الحلبي ٨٤١) : وحُكيَ لي أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان يخرج إلى المسجد يوم الأربعاء ومعه ((نهاية إمام الحرمين)) ، فيمكث بالمسجد يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة إلى قُبيل الصلاة، فينظر في هذا الوقت ((النهايةَ)) . فاسْتَبْعَد هذا بعضُ العلماء، ((فقال الشيخ سِراج الدين البُلقيني: ولا استبعد، لأن الشيخ عز الدين لا يُشْكِل عليه منها شيءٌ، ولا يحتاج إلى أن يتأمَّل منها إلا شيئًا قليلاً، أو ما هذا معناه ... )) اهـ.

стр. 73

* ابن الأبَّار (٦٥٨) - قراءة ((مسلم)) في ستة أيام . ذكر الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (١) في ترجمة المحدِّث المعمَّر أبي محمد عبد الله بن محمد الحَجْري الأندلسي ت (٥٩١) أن الحافظ أبا عبد الله بن الأبَّار (٢) ت (٦٥٨) قرأ عليه ((صحيحَ مسلم)) في ستة أيام. * شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٧٢٨) - قراءة ((الغَيْلانيات)) (٣) في مجلسٍ واحد . قال تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي (٧٤٤) في ((مختصر طبقات علماء الحديث (٤) -وهو يُعدِّد مسموعات ومقروءات شيخه-: ((وقرأ بنفسه الكثير، ولازم السماع مُدَّةَ سِنين، وقرأ ((الغَيْلانيات)) في مجلسٍ)) اهـ. وقد وصف ابنُ عبد الهادي شيخَ الإسلام ابن تيميَّة بصفاتٍ تدل على ما بلغه هذا الإمام من محبة العلم والانكباب على تحصيله فقال:

стр. 74

((لا تكادُ نفسُه تشبَعُ من العِلم، ولا تَرْوى من المطالعة، ولا تَمَلُّ من الاشْتِغال، ولا تكلُّ من البحث)) اهـ. وتقدم شيءٌ من خبره، رحم الله الجميع رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جنَّاته. * الحافظ المِزِّي (٧٤٢) - وهذا الحافظ أبو الحجاج المِزي يقرأ ((المعجم الكبير)) للطبراني بحضور الحافظ البرزالي في ستين مجلسًا (١) . * الحافظ شمس الدين الذهبي (٧٤٨) - قراءة ((سيرة ابن هشام)) في (٦) أيام . ذكر الإمام الذهبي عن نفسه (٢) : أنه قرأ ((سيرة ابن هشام)) على أبي المعالي الأبَرْقوهي (٣) في ستةِ أيامٍ فقط. * سراج الدين ابن الملقِّن (٨٠٤) - قراءة المجلدين في الأحكام في يومٍ واحد . وفي ((لحظ الألحاظ)) بعد -حكاية العزّ ابن عبد السلام المتقدمة- قال البرهان الحلبي: فذكرتُ هذه الحِكاية لشيخنا سراج الدين ابنُ الملقِّن، فقال لي عقيب ذلك: أنا نظرتُ مجلَّدين من ((الأحكام)) (٤)

стр. 75

للمحبِّ الطبري في يومٍ واحدٍ)) اهـ. * سراج الدين البُلْقيني (٨٠٥) - قراءة المجلد من كتب الفقه في يومٍ . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه ((المجْمَع المؤسِّس)) (١) نقلاً عن البرهان الحلبي أنه قال: سمعتُه يقول -أي: البُلقيني- ربما طالعتُ المجلَّد كاملاً في اليوم الواحد من كتب الفقه. الحافظ زين الدين العِراقي (٨٠٦) - قراءة ((مسلم)) في ستةِ مجالس . قال الحافظ تقي الدين الفاسي في ((ذيل التقييد)) (٢) : ((وسمع -أي العراقي- ((صحيحَ مسلم)) بقراءته (٣) في سِتة مجالس على محمد بن إسماعيل بن الخبَّاز بدمشق)) . ونحوه في ((لحظ الألحاظ)) (٤) لابن فهد، وزاد: ((في ستة مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلسٍ منها أكثر من ثلث الكتاب، وذلك بحضور الحافظ زين الدين ابن رَجَب (٥) ، وهو معارض بنسخته)) اهـ.

стр. 76

وابنُ الخبَّاز (٧٥٦) هذا قال الحافظ ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) (١) نقلاً عن العِراقي قال: إنه كان مُسْنِد الآفاق في زمانه، وتفرَّد برواية مسلم بالسماع المتصل ... وكان صبورًا على السَّماع، يتكسَّب بالنسج، قال: فكنَّا نقرأ عليه وهو يعمل في منزله من بُكرةٍ إلى العصر. - قراءة ((المسند)) في ثلاثين مجلسًا . جاءَ -أيضًا- في ((ذيل التقييد)) (٢) أن الحافظ العراقي قرأ ((مسند الإمام أحمد)) على ابن الخبَّاز -المتقدِّم- في ثلاثين مِيْعَادًا. * مجد الدين الفيروزآبادي (٨١٧) - قراءة ((مسلم)) في أربعة عشر مجلسًا . قال السخاوي في ((الضوء اللامع)) (٣) في ترجمة مجد الدين: ((وقرأ ((مسلمًا)) على البياني بالمسجد الأقصى في أربعة عشر مجلسًا)) . - قراءة ((مسلم)) في ثلاثة أيام . ذكر السخاوي في ((الضوء اللامع)) (٤) ، و ((الجواهر والدرر)) (٥) ،

стр. 77

والمَقَّري في ((أزهار الرياض)) (١) أن الفيروزآبادي قرأ ((صحيح مسلم)) بدمشق بين بابَي النَّصْر والفَرَج، تُجَاه نَعْل (٢) النبي ﷺ على شيخه ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن جَهْبَل (٣) ، في ثلاثة أيامٍ، وقال ذاكرًا ذاك مُفْتخرًا به: قرأتُ بحمدِ اللهِ ((جامعَ مسلمِ)) ... بجوفِ دمشقَ الشامِ جوفَ الإسلامِ على ناصرِ الدين الإمامِ ابنِ جَهْبَلِ ... بحضرةِ حُفَّاظٍ مشاهيرَ أعلامِ وتمَّ بتوفيقِ الإلهِ بفضْلِهِ ... قراءةَ ضبطٍ في ثلاثةِ أيَّامِ (٤) وقال المَقَّري عن هذه القراءة السَّريعة مع الضبط: (( [إنها] من أغرب ما منحَ الله تعالى المجدَ مؤلف ((القاموس)) ! ... فسُبحانَ المانح الذي يؤتي فضله من يشاء!)) . واعتبر السخاوي أن ما وقع لشيخه الحافظِ ابن حجر من قراءة ((صحيح مسلم)) في أربعة أيام سوى مجلس الختم أَجَلّ مما وقع

стр. 78

للفيروزآبادي. وسيأتي استيفاء ذلك عند الكلام على الحافظ ابن حجر ومقروءاته. * الحافظ ابن حَجَر العسقلاني (٨٥٢) وما وقع للحافظ ﵀ من ذلك عجيب! وهو يدلّ على همة عاليه، وجَلَد غير معهود، وتفرُّغ تام، يحف ذلك تيسير إلهي، وتوفيق ربَّاني. وقد وصف تقيُّ الدين الفاسي -صاحبُ ابنِ حجر ورفيقه- قراءَتَه بأنها سريعة (١) ، وكذا وصفها السخاوي بالسرعة والحُسْن (٢) ، وشبَّهها بقراءة الخطيب. - قراءة ((المسند)) في ثلاثةٍ وخمسين مجلسًا . قال الحافظ في كتابه: ((المَجْمَع المؤسِّس للمُعْجم المُفَهْرِس)) (٣) في ترجمة شيخه عبدِالله بن عمر بن علي الهندي أبيَ المعالي ت (٨٠٧) : ((وكان صبورًا على إسماع الحديث، لا يمل ولا ينعس ولا يتضجَّر (٤) ...

стр. 79

قرأت عليه ((مُسْند أحمد)) جميعه بزياداته (١) ... وكَمُلت قراءتي عليه للمسند كله في ثلاثةٍ وخمسين مجلسًا)) اهـ. وقال في ((إنباء الغمر)) (٢) : ((قرأتُ عليه ((مسند أحمد)) في مدةٍ يسيرة في مجالسَ طوال، وكان لا يضجر ... وفي الجملة، لم يكن في شيوخ الرواية من شيوخنا أحسن أداءً ولا أصْغَى للحديث منه)) اهـ. - قراءة ((البخاري)) في عشرة مجالس . قال السخاوي في ((الجواهر والدرر)) (٣) : ((ومن الكتب الكِبار التي قرأها في مدةٍ لطيفة: ((صحيح البخاري)) ، حدَّثَ به الجماعةَ من لفظه بالخانِقاه البيبرسية في عشرة مجالس، كل مجلسٍ منها أربع ساعات)) اهـ. وذلك بعد سنة (٨٢٠) . ثم سأل السخاويُّ شيخَه: هل وقع له استيفاء يومٍ كاملٍ في القراءة، كما وقع للخطيب؟ فقال: لا، ولكن قراءتي ((الصحيح)) في عشرة مجالس، لو كانت متوالية لنَقَصت عن هذه الأيام، ولكن أين الثُّريا من الثَّرى؟! فإن الخطيبَ ﵀ قراءته في غاية من الصحة والجودة والإفادة وإبلاغ السامعين. انتهى كلام الحافظ.

стр. 80

قال السخاوي: إنما استدركَ ﵀ جَرْيًا على عادتنا في التأدُّب وتواضُعًا، وإلا فقراءته -أيضًا- كانت كذلك، وهكذا كان دأبه: هضْم نفسِه على جاري عادة أهل العلمِ والدين (١) . - قراءة ((مسلم)) في خمسة مجالس . قال الحافظ في ((المجمع المؤسِّس)) (٢) في ترجمة محمد بن محمد ابن عبد اللطيف بن الكُوَيْك ت (٨٢١) : ((وقرأتُ عليه ((صحيح مسلم)) في خمسة مجالس)) اهـ. وقال في ((إنباء الغمر)) (٣) : ((وقرأتُ عليه كثيرًا من المرويَّات بالإجازة والسماع، من ذلك ((صحيح مسلم)) في أربعة مجالس سِوى مجلس الخَتْم)) اهـ. وفَصَّل السخاوي صِفة القراءة ووقتها فقال (٤) : وقرأ ((صحيح مسلم)) ... في أربعة مجالس سِوى مجلس الخَتْم (٥) ، وذلك في نحو

стр. 81

يومَيْن وشيء، فإنه كان الجلوس من بُكْرة النهار إلى الظهر ... )) ، وكان سنة (٨١٣) . وعلى هذا الحِسَاب اعتبر السخاوي أن ما وقع لشيخه ابن حجر أجلّ مما وقع للفيروزآبادي من قراءة ((صحيح مسلم)) في ثلاثة أيام على ابن جَهْبَل (١) . - قراءة ((السنن الكبرى)) للنسائي في عشرة مجالس . قال السخاوي في ((الجواهر)) (٢) : ((وكذا قرأ كتاب النسائي الكبير على الشَّرَف (ابن الكُوَيك) المذكور في عشرة مجالس، كلُّ مجلسٍ منها نحو أربع ساعات، وسمعه بقراءته الفضلاء والأئمة ... وانتهى في يومِ عاشوراء سنة أربع عشرة وثمان مئة)) اهـ. - قراءة ((السنن)) لابن ماجه في أربعة مجالس . قال السخاوي في ((الجوهر)) (٣) -أيضًا-: (( [و] قد قرأ ((السنن)) لابن ماجه في أربعة مجالس)) اهـ. - قراءة ((المعجم الصغير)) للطبراني في مجلس واحد . قال الحافظ في ((المجمع المؤسِّس)) (٤) في ترجمة عمر بن محمد

стр. 82

ابن أحمد البالِسِي ثم الصالحي ت (٨٠٣) : ((قرأتُ عليه الكثير ... فمما قرأتُ عليه ((المعجم الصغير)) للطبراني، قرأته عليه في مجلسٍ واحدٍ بين الظهر والعصر)) اهـ. وعدَّ السخاويُّ (١) وابنُ فهدٍ هذه القراءة أسرعَ شيءٍ وقع للحافظ ابنِ حجر، ذلك أن هذا الكتاب يشتمل على نحوٍ من ألف وخمس مئة حديث، لأنه -أي الطبراني- خرَّج فيه عن ألف شيخٍ، عن كل شيخٍ حديثًا أو حديثين (٢) .

стр. 83

وكانت هذه القراءة في رحلته الشامية. - قراءة ألف جزءٍ حديثي، وكتابة (١٠) مجلدات في مئة يوم . قال البرهان البِقاعي في ((عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران)) (١) ((سمعتُ شيخَنا صاحبَ الترجمة (أي: الحافظ ابن حجر) غيرَ مرَّة يقول: إنه أقام في دمشق إذ ذاك (أي: في رحلته الشامية) (٢) مئة يوم، فسمعَ بها نحو ألفَ جزءٍ (٣) حديثي، لو جُلِّدت لكانت تقارب مئة مجلد، وكتب فيها عشر مجلدات، منها: [أطراف] (٤) المختارة)) . قلت (البقاعي) : هذا مع قضاءِ أشغاله، والتنقُّل في أحواله. وكتابةٍ بيِّنة وتطبيق (٥) ما طبقه من الأجزاء، وهذه كرامة لا شكَّ فيها، فالله تعالى

стр. 84

ينفعنا به آمين)) اهـ. وذكر السخاوي في ((الجواهر والدرر)) (١) خبرَ هذه الرِّحلة، وما وقعَ له فيها من قراءةٍ للكتب في أقصرِ مدَّة، ثم قال: ((فمن هذه الكتب ما يكون مجلَّدةً ضخمة، ومنها ما يكون مجلَّدة لطيفة، فتكون نحو الثلاثين مجلدًا ضخمة، تكون نحو أربع مئة وخمسين جزءًا حديثيَّة، خارجًا عن الأجزاء الحديثية، وهي تزيد على هذا القَدْر. هذا وقد علَّق ﵁ في غضون هذه المدة بخطه، من الأجزاء الحديثية، والفوائد النثرية، والسماعات التي يُلحقها في تصانيفه، ونحوها: ثمان مجلدات فأكثر، وأطراف كتاب ((المختارة)) للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في مجلد ضخمٍ، لو لم يكن له عَمَلٌ في طول هذه المدَّة إلا هي، لكانت كافية في جلالته)) اهـ. * الحافظ الدِّيَمِي (٩٠٨) - قراءة ((البخاري)) في أربعة أيّام . قال السخاويُّ في ((الضوء اللامع)) (٢) في ترجمة عثمان بن محمد أبي عَمْرو الدِّيَمِيّ الشافعي ت (٩٠٨) لما عدّد مقروءاته في رحلته المدنيَّة:

стр. 85

((وقرأ وهو هناك ((الصحيح)) (١) بتمامِه في الروضة الشريفة في أربعة أيامٍ)) اهـ. * العلاَّمة القَسْطَلاَّني (٩٢٣) - قراءة ((البخاري)) في خمسة مجالس . قال السخاوي في ((الضوء اللامع)) (٢) في ترجمة أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني صاحب: ((إرشاد الساري)) ت (٩٢٣) عند تَعْداد مقروءاته: ((وقرأ ((الصحيح)) بتمامه في خمسةِ مجالس على النَّشاوي)) اهـ. * إبراهيم البِقاعي الحنبلي (٩٣٥) - قراءة ((البخاري)) في ستة أيام و ((مسلم)) في خمسة . ذكر النجم الغَزِّي في ((الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة)) (٣) في ترجمة إبراهيم البقاعي أنه قرأ على والده (البدر الغزي) البخاريَّ كلاملاً في ستة أيام، سنة (٩٣٠) ، و ((صحيح مسلم)) كاملاً في سنة إحدى وثلاثين في خمسة أيامٍ متفرِّقة -في عشرين يومًا-. وفي ترجمة الشيخ ابن باز المسمَّاة بـ ((الإنجاز)) أن أحد الطلبة قرأ على الشيخ ((سنن النسائي)) في سبعة وعشرين مجلسًا. إلى هنا وأقول: لعلِّي قد أطلتُ فأمْلَلْتُ، وما زال في الوِفَاظ الكثيرُ

стр. 86

والكثيرُ، لكن فيما تقدم كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد، والإكثار لا ينفع العيون العُمي ولا الآذان الصُّمّ ولا القلوب الغُلْف!!. لكن لابدَّ لي هنا من الإشارة إلى كتابين اثنين (١) فيهما خَبَرُ ما لم أذكره هنا مما وقع للعلماء من ذلك. الأول: كتاب ((فِهْرِس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات)) للعلامة عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني ت (١٣٨٢) : (٢/ ١٠٤٣- ١٠٤٩) فقد ذكر من تلك الأخبار عددًا صالحًا (منه ما ذكرته ومنه ما لم أذكره) ثم قال في خاتمة بحثه: ((وجامع هذه الشَّذْرة محمد عبد الحي الكتاني، قرأ ((صحيح البخاري)) تدريسًا بعنزة القرويين وغرها قراءةَ تحقيق وتدقيق في نحو خمسين مجلسًا، لم يدع شاذَّةً ولا فاذَّةً تتعلَّق بأبوابه ومحل الشاهد منها إلا أتى عليها، مع غير ذلك من اللطائف المستجادة، ولعلَّه أغرب وأعجب من كلِّ ما سبق!! والله خالق القُوَى والقدر!)) اهـ. الثاني: كتاب ((ذيل التقييد لرواة السنن والمسانيد)) للحافظ تقي الدين الفاسي ت (٨٣٢) وهذه مواضعها: (١/ ١٥٦، ٢٢١، ٢٢٥، ٣٠٨) ، (٢/ ٦٨، ٧٣، ١٣٤، ٢٢٦، ٢٦٩) ، (٣/ ٤٨، ٦٩، ١٨٢، ٢٤٤، ٢٨٣، ٣٢٩) .

стр. 87

الفصل الرابع: في تَكْرار قراءة الكتاب الواحد المرات الكثيرة تحدثنا في ما مضى عن شغف العلماء بالكتب، وملازمتهم لقراءتها وإقرائها ليلهم مع نهارهم، في حلهم وترحالهم، وهذه صورة أخرى من صور الشغف والتعلُّق بالكتب، وهي الانكباب والعكوف على قراءة كتبٍ بعينها، فما إن ينتهي من استيفاء الكتاب قراءةً، حتى يبدأ فيه من جديد، فيقرؤه مرَّةً بعد مرَّة، فهو كالحالِّ المُرْتَحِل. وغَنِيٌّ عن الذكر كم هو ثقيل على النفس أن يُعيدَ المرءُ كتابًا قرأه مرة واحدة! فكيف بقراءته مرَّات!!. ولذلك كان من وصايا الشيوخ (١) : أنك إذا قرَأت كتابًا فلا تفكر في العودة إليه مرةً أُخرى، لأن هذه الشعور سيؤدِّي بك إلى التفريط في فوائد كثيرة، أملاً في استيفائها في القراءة الثانية. وعلى كل حال، فالمسألة تعوُّد، فمن تعوَّدَ قراءةَ الكتاب الواحد مراتٍ، فَبِها، ومن لا، فليستوف غرضَه من الكتاب في أول مرة، مع أن مُعَاودة مطالعة الكتاب الواحد مرَّات -خاصة مع تباعد وقت القراءة-

стр. 88

يُوْقفك على مسائل وفوائد لم تكن لتقف عليها في أوِّل قراءتك، وذلك لتوسع مداركك وزيادة فهمك، وهذا أمر مجرَّب، وسيأتيك خبر المزني مع ((الرسالة)) للشافعي. وقد قيل (١) : إن قراءة كتابٍ واحدٍ ثلاث مرات أنفع من قراءة ثلاثة كتب في الموضوع نفسه. فهذا ذكر ما وقع لنا خبره من العلماء الذين عكفوا على قراءة كتبٍ معيَّنة وأُولعوا بها، حتى استظهرها بعضهم أو كاد، فمع ذلك أصبحت سميرهم وهجِّيراهم لا يُفارقون قراءتها. * قراءة ((الرسالة)) للشافعي (٥٠) سنة . ذكر ابنُ السُّبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢) في ترجمة الربيع ابن سليمان المزني صاحب الشافعي (٢٦٤) قال: ((قال الأنماطي: قال المُزَني: أنا انظر في كتاب ((الرسالة)) منذ خمسين سنة، ما أعلم أني نظرتُ فيه مرَّةً إلا وأنا أستفيد شيئًا لم أكن عرفته)) اهـ. قراءة البخاري (٧٠٠) مرة. جاء في ترجمة الإمام غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمام ابن عَطيَّة المحاربي ت (٥١٨) من كتاب ((الغُنية)) (٣) للقاضي عياض، و ((الصلة)) (٤)

стр. 89

لابن بشكُوال قال: ((قرأتُ بخط بعض أصحابنا أنه سمع أبا بكر بن عطية يذكر أنه كرَّر ((صحيح البخاري)) سبع مئة مرَّة)) اهـ. * قراءة البخاري (١٥٠) مرَّة . وفي ((إنباء الغمر)) (١) في ترجمة سليمان بن إبراهيم بن عمر نفيس الدين العلوي اليمني ت (٨٢٥) قال: ((فذكر لي أنه مَرَّ على ((صحيح البخاري)) مئة وخمسين مرة ما بين قراءة وسماعٍ وإسماعٍ ومُقابلة ... )) اهـ. وجاء في ((فهرس الفهارس)) (٢) نقلاً عن ((طبقات الخواص)) للشرجي أنه أتى على الصحيح (٣٨٠) مرة، قراءة وإقراء وإسماعًا. وجاء في ((البدر الطالع)) (٣) أنه قرأ البخاري أكثر من خمسين مرة. فالظاهر أن الشوكاني لم يعد السماع والإسماع والمقابلة. * قرأ البخاري أكثر من (٤٠) مرة . وفي ترجمة أحمد بن عثمان بن محمد بن الكُلُوتاتي ت (٨٣٥) من ((المجمع المؤسِّس)) (٤) قال: ((ثم حُبِّبَ إليه طلب الحديث، فابتدأ في القراءة من سنة تسع وسبعين (وسبع مئة) وهلُمَّ جرَّا ما فَتَرَ ولاوَنَا، فلعله قرأ ((البخاري)) أكثر من أربعين مرَّة)) .

стр. 90

* قرأ البخاريَّ أكثر من (١٠٠) مرة . وفي ترجمة أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن مقبل القاهري الحنفي المعروف بالتَّاجر ت (٨٠٥) من ((الضوء اللامع)) (١) : ((قال البرهان الحلبي -تلميذه-: أنه أخبره أنه قرأ ((صحيح البخاري)) إلى سنة ثمانين -أي وسبع مئة- خمسًا وتسعين مرة، وقرأه بعد ذلك مرارًا كثيرًا)) اهـ. * قرأ البخاري على ٣٠ شيخًا . ففي ((دُرَّة الحجال)) (٢) لابن القاضي المكناسي، في ترجمة عثمان ابن محمد بن عثمان التوزْرَي ت (٧١٣) أنه قرأ البخاري على أزيد من ثلاثين رجلاً من أصحاب البوصيري. * قرأ البخاري على شيخ واحد أكثر من (٢٠) مرة . وفي ((إنباء الغمر)) (٣) في ترجمة أسعد بن محمد بن محمود الشيرازي ت (٨٠٣) أنه قرأ ((صحيح البخاري)) على شمس الدين الكرماني أكثر من عشرين مرَّة. * قرأ البخاري أكثر من (٦٠) ، ومسلم أكثر من (٢٠) . وفي ترجمة البرهان الحلبي ت (٨٤٠) من ((الضوء اللامع)) (٤) : أنه قرأ البخاريَّ أكثر من ستين مرة، ومسلمًا نحو العشرين، سوى قراءته

стр. 91

لهما في الطلب، أو قراءتهما من غيره عليه. * قرأ ((البخاري)) أكثر من (٥٠) مرة . قال الكتاني في ((فهرس الفهارس)) (١) : ((وجدت في ثَبَت الشهاب أحمد بن قاسم البوني: رأيتُ خطَّ الفيروزآبادي في آخر جزءٍ من صحيح الإمام البخاري قال: إنه قرأ صحيح البخاري أزيدَ من خمسين مرَّة)) اهـ. * قرأ ((المهذب)) أكثر من (٤٠) مرة . ذكر عمر بن سَمُرة الجعدي في ((طبقات فقهاء اليمن)) (٢) في ترجمة الإمام الفقيه يحيى بن أبي الخير العِمْراني ت (٥٥٨) أنه قال عن نفسِه: ((إنه لم يُعلِّق ((الزوائد على المهذب)) إلا بعد أن حفظه غيبًا على الإمام عبد الله بن أحمد الهَمْداني، ثم أعاده في أُحاظه (قرية باليمن) ، ثم طالعه بعد ذلك كلِّه قبل التصنيف أربعين مرة أو أكثر. وكان ﵀ يُطالع الجزءَ من تجزئة أحدٍ وأربعين من ((المهذَّب)) في اليوم والليلة أربع عشرة مرة، لكلِّ فصلٍ منه)) اهـ. * قراءة معجم الأُدباء (٨) مرات . قال الشيخ العلامة عبد العزيز الميمني الراجكوتي ت (١٣٩٨) عن نفسه: ((قرأتُ ((معجم الأدباء)) -لياقوت- على الأقل سبع أو ثماني

стр. 92

مرَّات، وأُفضِّله على كتاب ((وَفَيات الأعيان)) (١) اهـ. * قرأ ((التوضيح)) (٧٠) مرة، و ((شرح ابن المُصَنِّف)) أكثر من (٣٠) مرة . وفي ((الضوء اللامع)) (٢) في ترجمة إبراهيم بن حجَّاج بن محرز ابن مالك أبو إسحاق الأبناسي ت (٨٣٦) قال السخاوي: ((وحُكي أنه قرأ ((التوضيح)) (٣) أكثر من سبعين مرة، وابن المصنِّف (٤) ما ينيف على الثلاثين)) . * قرأ ((المدوَّنة)) (١٠٠٠) مرة . تقدَّم (٥) خبرُ ابن التبَّان، وكيف جلده وصبره على القراءة والطلب، وقول القاضي عياض: ((وكان كثير الدرس، ذكر أنه دَرَسَ كتابًا ألف مرة)) -يعني: المدوَّنة-. * كان يدرس الكتاب ألف مرة . ذكر أبو العَرَب التميمي في ((طبقات علماء إفريقية وتونس)) (٦) في

стр. 93

ترجمة عباس بن الوليد الفارسي ت (٢١٨) أنه وُجد في آخر بعض كتبه: دَرَسْتُه ألفَ مرة. * قراءة عددٍ من الكتب مرات عديدة . ذكر القاضي عياض في ((ترتيب المدارك)) (١) في ترجمة الإمام أبي بكر الأبهري ت (٣٧٥) أنه قال عن نفسِه: ((قرأتُ مختصر ابن عبد الحكم خمس مئة مرة، والأسدية خمسًا وسبعين مرة، والموطأ خمسًا وأربعين مرة، ومختصر البرقي سبعين مرة، والمبسوط ثلاثين مرة)) اهـ. * قراءة البخاري والكشاف مرات كثيرة . قال المُحِبِّي في ((خلاصة الأثر)) (٢) في ترجمة العلاَّمة علي بن عبد الواحد بن محمد الأنصاري أبو الحسن السِّجِلْماسِي الجزائري ت (١٠٥٧) أنه ((بلغ الغاية القُصوى في الرواية والمحفوظات وكثرة القراءة، وحكى بعض تلامذته أنه قرأ ((الستة)) على مشايخه دراية، وقرأ ((البخاري)) سبع عشرة مرَّة بالدرس، قراءة بحثٍ وتدقيق، ومرَّ على ((الكشَّاف)) من أوَّله إلى آخره ثلاثين مرة، منها قراءة ومنها مُطالعة)) اهـ. وكان بعضهم من شدة ملازمتهم للكتاب يكاد أن يستظهره ويهذه عن ظهر قلب. ففي ترجمة عبد الله بن محمد بن فَرْحون اليَعْمَري ت (٧٦٩) أنه قال عن نفسه: ((لازمتُ تفسيرَ ابنِ عطية حتى كدت أحفظه)) (٣) .

стр. 94

وفي ترجمة أبي القاسم بن علي بن مسعود الشاطبي أنه كاد يحفظ ((صحيح البخاري)) من كثرة التكرار له في كل رمضان (١) . ومن ذلك- أيضًا- ما ذكره السخاوي في ((الضوء)) (٢) في ترجمة عثمان بن عبد الله أبي عَمرو المَقْسي ت (٨٧٧) ((أنه أكثر من ملازمة المرور على الكتب الأربعة: ((التنبيه)) و ((المنهاج)) و ((البهجة)) وأصلها، قراءةً وإقراءً، حتى صارت له بها مَلكة قوية)) . وفي ترجمة أحمد بن عمر الناشري اليماني (٣) : أنه اشتهر بمعرفة كتاب ((الوسيط)) (٤) حتى كان يعرفُ أين مكان المسألة فيه، وفي أيِّ صفحةٍ هي، بعد أن أُصِيْبَ بالعَمَى.

стр. 95

الفصل الخامس: في تدريس الكتاب الواحد المرات الكثيرة كثيرًا ما ينتخب العالم كتابًا أو كتبًا في فنون العلم، ويُدْمن على قراءتها وإقرائها لطلابه، ويكون هو قبل ذلك قد أخذه عن شيوخه وتمرَّس فيه وخَبَرَه، بحيث لا تخفى عليه جمهور مسائله، وغالب غوامضه ومشكلاته، فيكون هو المرجع وعليه المعوَّل في حلِّ ذلك. بل قد يبلغ الأمر إلى أن يُلَقَّب العالم بذلك الكتاب، كما وقع للشيخ الفقيه جمال الدين أحمد بن محمد الواسطي الأُشْمُومي الشافعي ت (٧٢٩) ، فقد لُقِّب بـ ((الوجيزي)) لحفظه كتاب ((الوجيز)) (١) وعنايته به (٢) ، كما لُقِّب الإمام الزركشي (٧٩٥) بـ ((المنهاجي)) (٣) نِسبةً إلى ((منهاج الطالبين)) للإمام النووي، لعنايته به وإتقانه له فهمًا وشرحًا. وقد وقع للعلماء من ذلك شيءٌ كثير، وهو دالٌّ على صَبْرهم في نشر العلم وتعليم الناس، ودالٌّ -أيضًا- على أهمية هذه الطريقة (أعني المداومة على كتابٍ بعينه) في ترسيخ العلم، واستحضار مسائل الفنّ، وعدم تشتت الذهن، وهو مع ذلك دائم المطالعة في الفن مضيف إليه

стр. 96

ما يحتاجه من تَدْليل وتعقيب وتنكيت وتحقيق. فإلى شيءٍ من ذلك: * إقراء ((المهذَّب)) (٢٥) مرة . ففي ترجمة الفقيه كمال الدين عمر بن عبد الرحيم ابن العَجَمي الشافعي ت (٦٤٢) : أنه ألْقَى كتاب ((المهذب)) (١) للشيرازي في فقه الشافعيةِ خمسًا وعشرين مرَّة (٢) . * إقراء ((مسلم)) أكثر من ٦٠ مرة . وهذا الإمام الثقة عبد الغافر بن محمد الفارسي (٣) ت (٤٤٨) ، كان ملازمًا لإقراء ((صحيح مسلم) فَقُرىء عليه أكثر من ستين مرَّةً، فقد قرأه عليه الحافظ الحسن بن أحمد السمرقندي نيِّفًا وثلاثين مرة، وقرأه عليه أبو سعد البَحِيري نيِّفًا وعشرين مرَّةً. قال الحافظ الذهبي: ((هذا سِوى ما قرأه عليه المشاهير من الأئمة)) (٤) اهـ. * أقرأ ((المقْنِع)) (١٠٠) مرة . قال الحافظ ابن رجب في ترجمة الإمام الفقيه الزاهد إسماعيل ابن محمد

стр. 97

ابن إسماعيل بن الفرَّاء الحرَّاني ثم الدمشقي الحنبلي ت (٧٢٩) : أنه ((كان له خبرة تامة بالمذهب، يُقرىء ((المقنع)) و ((الكافي)) ويعرفهما، وكتب بخطه ((المغني)) و ((الكافي)) وغيرَهما. ويقال: إنه أقرأ ((المقنع)) (١) مئة مرَّة (٢) اهـ. * أقرأ ((الحاوي)) (٣٠) مرة . وفي ترجمة الفقيه محمد بن عبد القادر بن عمر السّنجاري المعروف بالسكاكيني الشافعي ت (٨٣٨) من كتاب ((إنباء الغمر)) (٣) للحافظ ابن حجر -عصريّه-: أنه كان مشهورًا بِخِبْرةِ كتاب ((الحاوي)) وحُسْن تقريره (٤) ، بحيث قيل: إنه أقرأه ثلاثين مرَّة)) . * تدريس ((العباب)) (٥) (٨٠٠) مرة . ذكر الزبيدي في ((تاج العروس)) (٦) أن عبد القديم (٧) بن عبد الرحمن ابن حسين النُّزيلي اليماني درَّس ((العُباب)) في الفقه ثمان مئة مرَّة.

стр. 98

* ألقى ((الكشاف)) (٨) مرات . وهذا الشيخ العالم الزاهد صالح بن عبد الله بن جعفر بن الصبَّاغ الكوفي الحنفي ت (٧٢٧) كان فريدًا في علوم التفسير وغيرها، وقد ألقى ((الكشاف)) للزمخشري دروسًا من صدره ثمان مرَّات، مع بحثٍ وتدقيق، وإيرادٍ وتشكيك (١) . * إقراء البخاري مرات كثيرة . ذكر السخاوي في ((الضوء اللامع)) (٢) في ترجمة الشيخ إبراهيم ابن محمد بن صدِّيق الحريري أنه لما جاور بمكة والمدينة، أقرأ البخاري أربع مرات بالمدينة، وبمكة أزيد من عشرين مرة. * إقراء ((المدوَّنة)) كل شهرين مرة . وجاء في ((ترتيب المدارك)) (٣) للقاضي عياض في ترجمة يحيى ابن هلال القرطبي ت (٣٦٧) : أنه كان مقصودًا في السماع، دؤوبًا عليه، لم يُرَ في المحدّثين أصبر منه على المواظبة لذلك، كان يجلس كل يومٍ لاستماع ((المدوَّنة)) من الظهر إلى الليل، فيستوعب قراءتها كل شهرين، تمادى على ذلك عمره. * درَّس ((التذكرة)) (٤٠) مرة . قال محمد بن محمد بن زَبَارة في ((مُلْحق البدر الطالع)) (٤) عن

стр. 99

القاضي إدريس بن جابر العَيْزَرِي اليمني: أنه درَّس كتاب ((التذكرة)) زيادة على أربعين مرة. * إقراء عددٍ من الكتب مراتٍ عديدة . وجاء في ترجمة العلامة المحدِّث أبي عبد الله محمد التاودي ابن سودة المرِّي الفاسي ت (١٢٠٩) من كتاب ((فِهْرس الفهارس)) (١) للكتاني أنه: كان مُثابرًا على إقراء ((صحيح البخاري)) حتى جاوزت ختماتُه الأربعين مرة، فلم يكن يدعه، لا سيما في شهر رمضان، يفتتحه في أول يومٍ منه، ويختمه آخره. وله عليه حاشية تسمَّى بـ ((زاد المجد الساري)) نحو أربع مجلدات. وأقرأ ((الألفية)) في النحو نحوًا من ثلاثين مرَّة، وربما أقرأها في الشهر الواحد بَدْءًا وخَتْمًا. وأقرأ ((مختصر خليل)) نحو ثلاثين مرة. أمَّا ((الآجُرُّمِيَّة)) ، فلم يزل يُقرئها خصوصًا للصِّغار من أعقابه وأبناء أه المودَّة إلى وفاته)) اهـ. * إلقاء المختصرات في أقْصَر مُدَّة . وقد كان بعضُ العلماء لمزيد اعتنائهم ببعض الكتب، وممارستهم لها يُلقونها دروسًا في أسرعِ وقتٍ وأقصرِ مُدة، مع مزيد المثابرة والجهد، فمن ذلك:

стр. 100

* درَّس ((المدوَّنة)) في شهر . ذكر القاضي عِياض في ((المدارك)) (١) : في ترجمة أبي إسحاق الجبنياني -أحد الأئمة- ت (٣٦٩) أنه قال: لقد كنا نجتمع، ولقد ألقينا ((المدوَّنة)) في شهر، ندرس النهار ونُلْقي الليل، فما علمتُ أنا نِمْنا ذلك الشهر. * إلقاء ((الحاوي)) مرات في شهر . ففي ترجمة الإمام العلامة المفتي علي بن عبد الله بن أبي الحسن التِّبْريزي الشافعي ت (٧٤٦) من كتاب: ((أعيان العصر)) (٢) عن ابن رافع السَّلاَّمي (٣) أنه (أي: التِّبريزي) أقرأ ((الحاوي)) للماوردي كُلَّه في نِصف شهر. ثم قال الصفديُّ: وسمعتُ غيرَ واحدٍ من المصريين أنه أقرأ ((الحاوي)) من أوَّله إلى آخره في شهرٍ واحدٍ تِسْع (٤) مرَّات. * إلقاء ((الحاوي)) في أيامٍ يسيرة . قال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني في ((المجمع المؤسِّس)) (٥) في

стр. 101

ترجمة شيخه سراج الدين عمر بن رسلان البُلْقيني ت (٨٠٥) : ((ذكر لي ولده قاضي القضاة جلال الدين أنه كان يُلْقي ((الحاوي)) دروسًا في أيامٍ يسيرةٍ، من أغربها أنه ألقاه في ثمانية أيامٍ)) اهـ. جاء في ((فهرس الفهارس)) (١) -أيضًا- في ترجمة أبي رأس المُعَسْكري محمد بن أحمد بن عبد القادر الجزائري ت (١٢٣٩) : أنه كان مُتْقِنًا لجميع العلوم عارفًا بالمذاهب الأربعة، مُحقِّقًا لمذهب مالكٍ غايةً، لا سيما ((مختصر خليل)) ، فَلَهُ فيه الملَكة التامة، بحيث يُلْقيه على طلَبته في أربعين يومًا، و ((الخلاصة)) في عشرة أيامٍ.

стр. 102

الفصل السادس: في نسخ الكتب وما تحمَّلوه في ذلك عاش أكثر أهل العلم في سالف الدهر وآنِفِه عِيْشةَ الكفاف، فلم يكن همهم جمع المال ولا طلب الدنيا، ورُزقوا من القناعة ما أورثم غِنَى النفسِ، فكان أحدهم غنيًّا من غير مال، عزيزًا من غير حَمِيَّة ولا عَشِيرة، وكانت تلك المعيشة خير مُعِينٍ لهم على الانجماع في طلب العلم وعدم الالتفات إلى غيره، لأنه لا يقبل الشركة. ولما كان حالُهم كذلك = لم يكن لهم ما يستطيعون به اقتناء ما يحتاجون إليه من كتب وأسفار، ولم يكن لديهم ما يمكن به استئجار من ينسخ، فكانوا إما أن يستعيروا الكتب (١) أو ينسخوها بأنفسهم. هذا عدا ما يكتبونه من تأليفهم الخاصة، كما نسخ الحافظ المزِّي كتابيه الضخمين (تحفة الأشراف، وتهذيب الكمال) بيده أكثر من مرَّة (٢) ، وفعل الذهبيُّ الأمرَ نفسِه في أضخم كتبه (تاريخ الإسلام، وسير

стр. 103

النبلاء) وغيرها، وهكذا. وربما افتقر العالم فباع نسخته التي بخطه، كما وقع لأبي علي الجياني (١) ، وللمزي (٢) وغاير واحد. والناظر في تراجمهم وسيرهم يعلم مقدار ما بذلوه من أوقات طويلة، وجهود جبارة، وصبر جميل في نسخ الكتب الكبار، والجوامع الضخمة، التي ينوء بنسخ أقلها اليوم الطالب المُجِدّ، فإلى نماذج منها: ١ - قال السَّهْمي في ((تاريخ جرجان)) (٣) : سمعتُ أبا بكر الإسماعيلي وأبا أحمد بن عدي يقولان: إسماعيل بن زيد (صاحبُ حديثٍ جوَّال) كان يكتب في ليلةٍ سبعين ورقة بخطٍّ دقيق. ٢ - وذكر ابن رجب في ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٤) في ترجمة عبد الوهاب الأنماطي الحافظ عن ابن السمعاني أنه قال عنه: ((جمع الفوائد، وخرَّج التخاريج، لعله ما بقي جزءٌ مرويٌّ إلا وقد حصَّلَ نُسْخَتَه. ونسخ الكتب الكبار مثل: ((الطبقات لابن سعد)) ، و ((تاريخ الخطيب)) ، وكان متفرِّغًا للتحديث، إما أن يقرأ عليه أو ينسخ شيئًا. ٣ - وفي ترجمة الحافظ عبد القادر الرُّهاوي ت (٦١٢) من ((الذيل)) (٥)

стр. 104

أنه: ((كتب بخطه الكثيرَ، من الكتب والأجزاء، وأقام بدمشق بمدرسة ابن الحنبلي مدة، حتى نسخ ((تاريخ ابن عساكر)) ، وسمعه عليه)) اهـ. ٤ - وفيه (١) -أيضًا- في ترجمة أحمد بن عبد الدائم المقدسي ت (٦٦٨) : ((وكان يكتب خطًّا حسنًا، ويكتب سريعًا، فكتب ما لا يوصَف كثرة من الكتب الكبار والأجزاء المنثورة لنفسه وبالأُجرة، حتى كان يكتب في اليوم -إذا تفرَّغ- تسع كراريس أو أكثر، ويكتب -مع اشتغاله بمصالحه- الكراسين والثلاثة. وكتبَ ((الخِرَقي)) في ليلة واحدة، وكتب ((تاريخ الشام)) لابن عساكر مرتين، و ((المغني)) للشيخ موفّق الدين مرَّات. وذكر أنه كتب بيده ألْفَي مُجلَّدة، وأنه لازم الكتابة أزيد من خمسين سنة)) اهـ. ٥ - وفي ((تذكرة الحفاظ)) (٢) للذهبي في ترجمة أبي عبد الله الحُمَيْدي الأندلسي ت (٤٨٨) : ((قال يحيى بن البناء: كان الحُميدي من اجتهاده ينسخ بالليل في الحرّ، فكان يجلس في إجَّانة ماءٍ (٣) يتبرَّد به)) اهـ. ٦ - وفي ((التذكرة)) (٤) -أيضًا- في ترجمة أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي ت (٥٠٧) : وقال السِّلَفي: سمعتُ ابنَ طاهر يقول: كتبتُ ((الصحيحين)) و ((سنن أبي داود)) سبع مرات بالأجرة، و ((سنن ابن ماجه))

стр. 105

عشر مراتٍ بالرَّي)) اهـ. سبحان الله!! ينسخ هذه الكتب هذا العدد من المرات، ولو كُلِّف أحدنا قراءَتَها بنحو هذا العدد لعجز، فلا قوَّة إلا بالله. ٧ - وفي ((التذكرة)) (١) -أيضًا- في ترجمة المؤتمن الساجي ت (٥٠٧) أنه: ((أقام بهَرَاة نحو عشر سنين، وقرأ الكثير، وكتب ((جامع الترمذي)) ست مرات، وكان فيه صَلَف وقناعة وعِفّة واشتغال بما يعنيه)) . ٨ - وفي ((ذيل الطبقات)) (٢) لابن رجب في ترجمة أبي الفرج ابن الجوزي صاحب التصانيف ت (٥٩٧) أنه: ((كان لا يضيع من زمانه شيئًا، يكتب في اليوم أربع كراريس، ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلدًا إلى ستين. وقال سِبْطُه (٣) : ((إنه سمعه على المنبر في آخر عمره يقول: كتبتُ بإصبعيَّ هاتين ألفي مُجلَّدة)) . ٩ - وفي ((ترتيب المدارك)) (٤) للقاضي عياض، في ترجمة الإمام أبي بكرٍ الأبهري المالكي ت (٣٧٥) عن أبي القاسم الوهراني -أحد تلاميذه وله جزء في ترجمته- قال: ((سمعتُه يقول: كتبت بخطي ((المبسوط)) و ((الأحكام)) لإسماعيل -القاضي المالكي-، وأسْمِعَة ابنِ القاسم وأشهبَ وابنِ وهبٍ، و ((موطأ مالك)) ، و ((موطأ ابن وهب)) ، ومن

стр. 106

كتب الفقه والحديث نحو ثلاثة آلاف جزءٍ بِخَطِّي، ولم يكن لي قط شغل إلا العلم)) اهـ. ١٠ - وفي ((المدارك)) (١) -أيضًا- في ترجمة سعيد بن خلف الله البصري قال: ((وكتب بيده كثيرًا من الدواوين، قلَّما رأيتُ كتابًا مشهورًا في المذهب إلا وقع إليَّ بخطه، وسواءٌ ذلك من كتب التفسير أو غيرها)) اهـ. ١١ - وفي ترجمة محمد بن مُكَرَّم -بضم الميم وفتح الكاف وتشديد الرَّاء ثم ميم- المعروف بابن منظور صاحب ((لسان العرب)) أنه: اختصر كتبًا كثيرة، من المطوّلات وغيرها. فاختصر ((تاريخ بغداد)) ، و ((ذيله)) لابن النجار، و ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر، و ((مفردات ابن البيطار)) ، و ((الأغاني)) -ورتبه على الحروف- و ((زهر الآداب)) للحُصْري، و ((الحيوان)) للجاحظ، و ((اليتيمة)) للثعالبي، و ((الذخيرة)) لابن بسَّام، و ((نشوار المحاضرة)) للتنوخي. وكتب بخطه شيئًا كثيرًا، ترك منه بعد موته خمس مئة مجلَّد. قال ابن فضل الله العمري: إنه لم يزل يكتب ويسهر الليل في الكتابة حتى كان يقضي الليالي الطوال كلها سهرًا، لا يلم فيها بِكَرَى، ولا يطعم عينه فيها بِهَجْعَة. وكان يتخذ إلى جانبه إناءً فيه ماء، فإذا غلبه السَّهَر، وكاد يصرعه الكرى = أخذَ من الماء فَسَكب في عينيه، فَعَمِيَ في آخر عمره. (٢)

стр. 107

١٢ - وفي ((الرد الوافر)) (١) لابن ناصر الدين الدمشقي، لما ذكر محمد بن إبراهيم ابن المهندس قال: ((كتب الكثير ورحل ودأب ... ونسخ ((تهذيب الكمال)) (٢) تأليف المِزِّي مرتين، ونسخ كتاب ((الأطراف)) (٣) -تحفة الأشراف- للمِزِّي -أيضًا- بخطِّه الواضح الحسن)) اهـ. ١٣ - ذكر أبو سعد السمعاني في ((التحبير في المعجم الكبير)) (٤) -وهو من عجيب ما رآه- في ترجمة أبي عبد الله الحسين بن أحمد البيهقي أنه اتفق أن لحقته عِلَّة ((فَقُطِعت أصابعه العشر، ولم يبقَ له إلا الكفَّان فحسب، ومع هذا كان يأخذ القلمَ بكفَّيْه ويضع الكاغِدَ على الأرض، ويُمسكه بِرِجْل، ويكتب بكفيه خطًّا حسنًا مقروءًا مبينًا، وربما كان يكتب في كل يومٍ خمس طاقات (٥) من الكاغد، وهذا من عجيب ما رأيته)) اهـ. ١٤ - وفي ((التحبير)) (٦) -أيضًا- في ترجمة أبي محمد الخواري أنه كان فقيهًا مفتيًا، سريع القلم، نسخ بخطه ((المذهب الكبير)) (٧) للجويني

стр. 108

أكثر من عشرين مرَّة، وكان يكتبه ويبيعه. ١٥ - وذكر النووي في ((بستان العارفين)) (١) عن شيخه أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى المراوي قال: سمعتُ الشيخ عبد العظيم -المنذري- ﵀ يقول: كتبتُ بيدي تسعينَ مجلَّدةً، وكتبت (٢) سبع مئة جُزْءٍ، كلُّ ذلك من علوم الحديث، تصنيفٍ وغيرِه، وكتب من مصنفاته وغيرها أشياء كثيرة. قال المراوي: ولم أرَ ولم أسمع أحدًا أكثر اجتهادًا منه في الاشتغال، كان دائم الاشتغال في الليل والنهار. ١٦ - ذكر الصفدي في ((أعيان العصر)) (٣) في ترجمة العلامة شهاب الدين النُّوَيري ت (٧٣٣) أنه: ((كتب كثيرًا، كتب ((البخاري)) مرّاتٍ، كتبه ثماني مرات، وكان يكتب النسخة ويقابلها، وينقل الطِّباق عليها ويجلدها، ويبيعها بسبع مئة درهم وبألف. وكان يكتب في النهار الطويل ثلاث كراريس، ... وجمع تاريخًا كبيرًا (٤) في ثلاثين مجلدة، رأيتُه بخطِّه)) اهـ. ١٧ - وذكر في ((أعيان العصر)) (٥) -أيضًا- في ترجمة أحمد بن محمد بن أبي المواهب ت (٧٢٣) قال: ((قيل: إنه كتب خمس كراريس

стр. 109

في يومٍ، وهذا أمر قلَّ أن يُعْهد في قوم)) . هذا فيض من غيض، وقليل من كثير، فقد اجتمع عندي أخبارٌ من هذا النمط لو نَثَرْتُها لملأت صفحات وصفحات. ولولا أن يُظنَّ بنا غُلُوّ لَزِدْنا في المقالِ مَن اسْتَزَادا لكني لا أحب أن أُفوِّت الفائدة على القارىء، فرأيت أن أشير إلى مواضع ذلك في مصادره دون ترتيبٍ. ((البدر الطالع)) : (١/ ١٠٦، ٣٥٧، ٤٢٠) (٢/ ٩٤) ، ((ملحق البدر الطالع)) : (٢/ ٨٣) ، ((السير)) : (١٦/ ٢٤٨) ، (٢٣/ ٢٤٨) ، ((أعيان العصر)) : (١/ ٤٨، ١٦٩، ١٧٠، ٤١٥) ، ((إشارة التعيين)) : (ص/ ٤٣) ، ((الجواهر والدرر)) : (١/ ١٠٧) ، ((معرفة القراء الكبار)) : (١/ ٢٦٥) ، ((الطبقات السنية)) : (٣/ ٧١) ، ((المقفى)) : (٧/ ٤١٧) ، ((ذيل التقييد)) : (١/ ١٧٨) ، ((التحبير في المعجم الكبير)) : (١/ ٣٩٠، ٥٩٠) ، (٢/ ١٣٤) .

стр. 110

الفصل السابع: إيقاظات وتنبيهات الأول: ما هي العلوم التي ينبغي التبحُّر فيها ؟ لا شك أن الناس قدرات ومواهب، فينبغي للإنسان أن ينظر بعين البصيرة فيما يمكن أن يحسنه ويُبْدع فيه (وقيمة كل امرىءٍ ما يحسنه) ، فيكرَّس فيه جهدَه ويستنفد فيه وُسْعَه، ويكون مع ذلك ذا همة عالية، فإن ((من شَغَلَ نفسَه بأدنى العلوم وتركَ أعلاها -وهو قادر عليه-، كان كزارع الذُّرَة في الأرض التي يجود فيها البُرُّ، وكغارس الشَّعْراء (١) حيثُ يزكو النخل والزيتون)) . أمَّا ((من مال بطبعه إلى علمٍ ما -وإن كان أدنى من غيره- فلا يشغلها بسواه، فيكون كغارس النارجيل (٢) بالأندلس، وكغارس الزيتون بالهند، وكلُّ ذلك لا يُنجب)) ، كما قال ابن حزم (٣) ﵀. لكن السؤال، ما هي أجلّ العلوم؟ أجل العلوم ما قرَّبك من خالقك، وما أعانك على الوصول إلى
следующие страницы →