← Фикх общий

Фикх общий · id 1230

المسائل الفقهية في ضوء ما اتفق عليه في الطهارات

عبد الله نذير قشلان

Полный текст (204 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والمرأة تتطيب في بيتها، وتمنع من الطيب في غير بيتها لأنه يؤدي إلى الفتنة والفساد. والدليل على النهي: حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَالْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا كَذَا: يَعْنِي زَانِيَةً) (١). ٢ الانتعال وإطالة الثياب: يكره بلا عذر المشيء في نعل واحد للنهي الصحيح عنه، ولئلا يختل توازنه ومشيه، كما يكره الانتعال قائماً للنهي الصحيح عنه أيضاً، ولأنه يخشى من السقوط. والدليل على أن التنعل بنعل واحد مكروه، عن أبي هريرة ﵁ قال: أن رسول الله قال: (لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعاً أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً) (٢). وكذلك يستحب البدء بالتنعل باليمين، وينزع نعله باليسرى، والدليل على ذلك: حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله صلى الله عليه

стр. 107

وسلم قال: (إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا انْتَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، لِتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وآخِرَهُمَا تُنْزَعُ) (١). وسيأتي في بحث الحظر والإباحة إن شاء الله تعالى مزيد بيان لأحوال الإنسان وعاداته في اللبس واستعمال الأواني والنظر واللمس واللهو والطعام والشراب.

стр. 108

المبحث الثالث: المسح على الخُفين وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: معنى المسح على الخفين: المسح على الخفين بدل من غسل الرجلين في الوضوء. ومعناه لغة: إمرار اليد على الشيء. وشرعاً: إصابة اليد المبتلة بالماء (البلّة) لخف مخصوص، في موضع مخصوص، وفي زمن مخصوص (١). والخف شرعاً: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه. والموضع المخصوص: ظاهر الخفين لا باطنهما. والزمن المخصوص: هو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ولم يحدد المالكية مدة للمسح. المطلب الثاني: مشروعية المسح على الخفين: حكمه: أنه شرع رخصة. واتفق الأئمة الأربعة (٢) على جوازه في السفر والحضر، للرجال والنساء، تيسيراً على المسلمين وبخاصة في وقت الشتاء والبرد، وفي السفر، ولأصحاب

стр. 109

الأعمال الدائمة كالجنود، والشرطة والطلاب المواظبين على العمل في الجامعات ونحوهم. مشروعيته: ثبتت مشروعيته بالسنة النبوية في طائفة من الأحاديث منها: ١ - عن جرير ﵁ أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيّه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه. قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة (١). ٢ - عن علي ﵁ قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه لقد رأيت رسول الله يمسح على ظاهر خفيه (٢). ٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مَسير، فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه وغسل ذراعيه ومسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه، فقال: (دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) (٣).

стр. 110

قال النووي في شرح مسلم: وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة، وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين منهم العشرة المبشرون بالجنة. وقال الإمام أحمد بن حنبل: فيه أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعة (١). قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين (٢). والقول بالمسح قول علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وبلال وحذيفة، وبريدة، وخزيمة بن ثابت، وسلمان، وجرير البجلي وغيرهم ﵃. وشرع المسح على الخفين في السنة التاسعة من الهجرة، ولم يكن منسوخاً بآية المائدة، وهو قوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: ٦] لأن آية الوضوء هذه نزلت في غزوة المريسيع في السنة السادسة للهجرة، ومسحه ﷺ في غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، فنسخ المتأخر المتقدم إجماعاً (٣).

стр. 111

المطلب الثالث- كيفية المسح على الخفين ومحله. لم يتفق الأئمة الأربعة على كيفية المسح على الخفين وذلك لتعارض الأثر وهو حديثان (١). المطلب الرابع - شروط المسح على الخفين: اتفق الأئمة الأربعة (٢) على اشتراط شروط ثلاثة في المسح على الخفين لأجل الوضوء وهي ما يأتي: ١ - لبسهما على طهارة كاملة والدليل عليه: حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مسير فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه، وغسل ذراعيه، ومسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه، فقال: (دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ)، فمسح عليهما (٣).

стр. 112

واختلف الأئمة الأربعة في اشتراط تلك الطهارة هل تكون بالماء، أو بغيره. ٢ - أن يكون الخف طاهراً، ساتراً المحل المفروض غسله في الوضوء: وهو القدم بكعبين من سائر الجوانب، لا من الأعلى، فلا يجوز المسح على خف غير ساتر الكعبين مع القدم، كما لا يجوز المسح على خف نجس، كجلد الميتة قبل الدباغ عند الحنفية والشافعية، وكذلك بعد الدباغ عند المالكية والحنابلة، لأن الدباغ عندهم غير مطهر، والنجس منهي عنه. ٣ - إمكان متابعة المشي فيه بحسب العادة، واختلفوا في تقدير ذلك الإمكان.

стр. 113

المطلب الخامس- مدة المسح على الخفين: لم يتفق الأئمة الأربعة في توقيت مدة المسح، فالجمهور حدد ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وخالف المالكية في ذلك فقالوا: لا يقيد بمدة .. (١).

стр. 114

المطلب السادس: مبطلات (أو نواقض) المسح على الخفين: اتفق الأئمة الأربعة (١) على بطلان المسح على الخف في حالات أربع وهي: ١ - نواقض الوضوء: ينتقض المسح على الخف بكل ناقض للوضوء، لأنه بعض الوضوء، ولأنه بدل فينقضه ناقض الأصل، وحينئذ يتوضأ ويمسح. ٢ - الجنابة ونحوها: إن أجنب لابس الخف، أو حدث منه موجب غسل، كحيض في أثناء المدة بطل المسح، ووجب غسل الرجلين، فإن أراد المسح على الخف بعد الغسل، جدد لبسه، والدليل على نقض المسح بالجنابة ونحوها: عن صفوان بن عسال ﵁ قال: (كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْراً ألا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أيامٍ ولياليهِنَّ إلا من جنابةٍ، لكنْ منْ غائطٍ وبولٍ ونومٍ) (٢). وقيس بالجنابة غيرها، ممّا هو في معناها، كالحيض والنفاس والولادة. ٣ - نزع أحد الخفين أو كليهما:

стр. 115

ولو كان النزع بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف، ينتقض بذلك، لمفارقة محل المسح مكانه، وللأكثر حكم الكل. وفي هذه الحالة: لم يتفق الأئمة الأربعة إلا في حالة واحدة وهي: هل يغسل قدميه أم عليه الوضوء من جديد؟ والمخالف هنا الحنابلة في الرواية المشهورة عن أحمد (١). وعلى كلّ: لا يكتفي بغسل الرجل المنزوع خفها، وإنما لا بد من غسل الرجلين، إذ لا يجوز الجمع بين غسل ومسح. ٤ - ظهور بعض الرجل بتخَرُّقٍ أو غيره: ولم يتفق الأئمة الأربعة في تقدير هذا الظهور للقدم. واختلف الأئمة في بقية النواقض، وبعض النواقض لم يذكرها بعضهم (٢).

стр. 116

المطلب السابع- المسح على العمامة: لم يتفق الأئمة الأربعة في جواز المسح على العمامة، وما يأخذ حكمها، مثل القلنسوة، والبرقع والقفازين (١). المطلب الثامن - المسح على الجواب: اتفق الأئمة الأربعة على جواز المسح على الجوربين (٢)، إذا كانا مجلدين أو منعلين (٣). واختلفوا في الجور بين العاديين.

стр. 117

المطلب التاسع المسح على الجبائر: وفيه ثمانية مسائل: المسألة الأولى: معنى الجبيرة: الجبيرة: هي عيدان من جريد تُلّفُّ بورق وتربط على العضو المنكسر (١). أو هي خشب أو قصب يُسوّى ويُشد على محل الكسر أو الخلع لينجبر (٢). وفي معناها: جبر الكسور بالجبس. وفي حكمها: عصابة الجراحة ولو بالرأس، وموضع الفصد والكي، وخرقة القرحة، ونحو ذلك من العمليات الجراحية (٣). المسألة الثانية: مشروعية المسح على الجبيرة: المسح على الجبائر جائز بالاتفاق والدليل على ذلك السنة والمعقول: أما السنة: فأحاديث كثيرة، منها: ١ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: انكسرت إحدى زندي، فسألت النبي ﷺ (فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ) (٤).

стр. 118

٢ - عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. قال: فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: (قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا؟! فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعَيِّ السُّؤَالُ، إِنَّما كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ - شك موسى - عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) (١). أما المعقول: فهو أن الحاجة تدعوا إلى المسح على الجبائر، لأن في نزعها حرجاً وضرراً (٢). قال المرغيناني في الهداية: إن الحرج فيه فوق الحرج في نزع الخف، فكان أولى بشرع المسح (٣).

стр. 119

المسألة الثالثة- حكم المسح على الجبيرة: اتفق الأئمة الأربعة (١) على أن المسح على الجبائر بالماء فرض (٢)، استعمالاً للماء بما أمكن، وقياساً على الخفين بجامع الضرورة وبطريق الأولى والدليل على الفرضية: حديث علي بن أبي طالب السابق ذِكْرُه قال: انكسرت إحدى زندي، فسألت النبي ﷺ ، (فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ) (٣). ولا يجوز اتفاقاً المسح على جبيرة رِجْل مع مسح خف الأخرى الصحيحة وإنما يجمع بين المسح والغسل.

стр. 120

المسألة الرابعة- شرائط المسح على الجبيرة: يشترط لجوازه ما اتفق عليه الأئمة الأربعة (١) وهي ثلاثة شروط: ١ - ألا يمكن نزع الجبيرة، أو يخاف من نزعها بسبب الغسل حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر البرء كما في التميم؛ وذلك إذا كان الجرح ونحوه في أعضاء الوضوء في حالة الحدث الأصغر، أو في الجسد في حالة الحدث الأكبر. ٢ - ألا يمكن غسل أو مسح نفس الموضع بسبب الضرر، فإن قدر عليه فلا مسح على الجبيرة، وإنما يمسح على عين الجراحة إن لم يضر المسح بها، ولا يجزئه المسح على الجبيرة، وإن لم يستطع المسح على الجبيرة. ٣ - ألا تتجاوز الجبيرة محل الحاجة، فإن تجاوزت الجبيرة محل الحاجة: وهو ما لا بد منه للاستمساك، وجب نزعها، ليغسل الجزء الصحيح من غير ضرر؛ لأنها طهارة ضرورية فتقدر بقدرها، فإن خاف من نزعها تلفاً أو ضرراً، تيمم لزائد على قدر الحاجة، ومسح ما حاذى محل الحاجة، وغسل ما سوى ذلك فيجمع إذن بين الغسل والمسح والتيمم. ولم يتفق الأئمة الأربعة على اشتراط وضع الجبيرة على طهارة مائية.

стр. 121

المسألة الخامسة- القدر المطلوب مسحه على الجبيرة: لم يتفق الأئمة الأربعة على القدر الواجب مسحه على الجبيرة والمخالف الواحد هم الأحناف (١). المسألة السادسة- هل يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم؟ أيضاً لم يتفق الأئمة الأربعة في حكم الجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم (٢). المسألة السابعة- هل تجب إعادة الصلاة بعد البُرء؟ بناء على اختلافهم في اشتراط وضع الجبيرة على طهارة، اختلفوا أيضاً في أنه هل تجب إعادة الصلاة بعد البُرء (٣)؟

стр. 122

المسألة الثامنة- نواقض المسح على الجبيرة: لم يتفق الأربعة (١)، إلا على ناقض واحد من أصل ناقضين وهو (الحدث) فيبطل المسح على الجبيرة بالاتفاق بالحدث، لكن إذا أحدث صاحب الجبيرة اختلف ماذا عليه؟ أما نزعها وسقوطها: فلم يتفق الأئمة الأربعة على بطلان المسح عليها، والمخالف الوحيد هم الحنفية (٢).

стр. 123

الفصل الخامس الغُسل وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: خصائصه. المبحث الثاني: موجباته. المبحث الثالث: فرائضه. المبحث الرابع: سننه. المبحث الخامس: مكروهاته. المبحث السادس: ما يحرم على الجنب. المبحث السابع: الأغسال المسنونة. المبحث الثامن: ملحق في أحكام المساجد.

стр. 124

الفصل الخامس: الغُسل المبحث الأول: خصائص الغسل: الغُسل بضم العين لغة: اسم من الاغتسال. وشرعاً: هو تمام غسل الجسد، واسم لما يغتسل به أيضاً. والضم هو الذي اصطلح عليه الفقهاء أو أكثرهم وإن كان الفتح أفصح وأشهر في اللغة (١) وعرفه الشافعية بالفتح وهو المشهور والأفصح لغة: سيلان الماء على الشيء. وشرعاً: سيلانه على جميع البدن بالنية في غسل الميت بشرائط مخصوصة (٢). وبالضم لغة: للماء الذي يغتسل به، وبالكسر: لما يغتسل به من سدر ونحوه. والأصل في مشروعيته (٣): قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]. وهو أمر بتطهير جميع البدن، إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه كداخل العينين خارج عن الإرادة، لما في غسلهما من الضرر والأذى.

стр. 125

والقصد منه التنظيف، وتجديد الحيوية وإثارة النشاط، لأن عملية الجنابة تؤثر في جميع أجزاء الجسد، فتزال آثارها بالاغتسال. وركنه: عموم ما أمكن من الجسد، من غير حرج، بالماء الطهور. وسببه: إرادة ما لا يحل من الجنابة أو وجوبه. وحكمه: حل ما كان ممتنعاً قبله، والثواب بفعله، تقرباً إلى الله. أما الستر للغسل: فيجوز أن ينكشف للغسل في خلوة، أو بحضرة من يجوز له نظره إلى عورته والستر أفضل، والدليل على هذا. حديث يعلى بن أمية: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يغتسل بالبَراز، فصعد المنبر وأثنى عليه ثم قال: (إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِّبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ) (١).

стр. 126

المبحث الثاني- موجبات الغسل: يسمى ما يوجب الغسل (حدثاً أكبر)، كما يسمى ما يوجب الوضوء (حدثاً أصغر). وموجبات الغسل على المكلف (البالغ العاقل) ذكراً أو أنثى المتفق عليها بين الأئمة (١) الأربعة خمسة أشياء وهي: ١ - خروج المنيّ: اتفق الأئمة الأربعة على وجوب الغسل بخروج المني، وهو بروزه إلى الظاهر من فرج الرجل أو المرأة، بلذة معتادة تدفقاً، في حالة النوم أو اليقظة، بنَظَر أو فكر في جماع أو بمباشرة فعلية لإنسان حيّ. والمنيّ: هو ماء أبيض ثخين ينكسر الذكر بخروجه يشبه رائحة الطَّلع. ومني المرأة: رقيق أصفر. ولا غسل للمذي والودي.

стр. 127

أما المذي: فهو رقيق أبيض مائل إلى البياض، يخرج عند ملاعبة الرجل أهله. وأما الودي: فهو الغليظ من البول يعقب الرقيق منه. ولا يجب بالاتفاق الغسل على امرأة بمني وصل للفرج ما لم تحبل منه. واتفقوا على أن رطوبة الفرج طاهرة وغسله سنة. والدليل على وجوب الغسل بخروج المني للرجل والمرأة: أ - عن علي ﵁ قال: كنت رجلاً مذاءً فسألت النبي ﷺ ، فقال: (فِي الْمَذْيِ الْوُضُوءُ وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ) (١). ولأحمد فقال: (إِذَا خَذَفْتَ الْمَاءَ (٢) فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ خَاذِفاً فَلا تَغْتَسِلْ) (٣). ب - وعن أم سلمة ﵂ أن أُمَّ سليم ﵂ قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة الغسل إذا

стр. 128

احتلمت؟ قال: (نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ)، فقالت أم سلمة: وتحتلم المرأة؟ فقال: (تَرِبَتْ يَدَاكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا) (١). وليس في المذي والودي غسل، وفيهما الوضوء وغسل الذكر، والدليل على عدم وجوب الغسل من المذي والودي: حديث عبد الله بن سعد الأنصاري ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: (ذَاكَ الْمَذْيُ، وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي، فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ (٢) وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ) (٣). ٢ - التقاء الختانين (٤) ولو من غير إنزال: أو الجنابة بغيب حشفة (رأس الذكر)، أو قدرها من مقطوعها في فرج مطيق للجماع، قبلاً أو دبراً، من ذكر أو أنثى حيّ بالغين، طائع أو مكره، نائم أو يقظان، ولا يشترط الإنزال بالاتفاق.

стр. 129

واختلف الأئمة الأربعة في وجوب الغسل للمراهق والصغيرة التي وطئها بالغ، واختلفوا أيضاً في وجوب الغسل على واطئ البهيمة أو الميتة. وكل هذا الخلاف من غير إنزال، فإذا وجد الإنزال وجب الغسل بالاتفاق من غير خلاف. واختلفوا أيضاً في وجوب الغسل في حالة عدم الإنزال ولكن بإيلاج بحائل، كأن يلف على ذكره خرقة أو يدخله في كيس. والدليل على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين: ١ - القرآن: قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]. ٢ - السنة: منها؛ أ- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ) (١). ولمسلم: (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) (٢). ت - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ مَسَّ الخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ) (٣).

стр. 130

وللترمذي: (إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، وَجَبَ الْغُسْلُ) (١). ج- وعن أبي بن كعب ﵁ قال: إن الفتيا التي كانوا يقولون: (الماء من الماء) رُخصة، كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعدها. وفي لفظ (إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُهِيَ عَنْهُ) (٢). فدل هذا الحديث على أن حديث رافع بن خديج وغيره عند مسلم وأحمد وأبو داود وهو: (الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ) (٣) منسوخ، وبه يرد على الأنصار الذين كانوا يقولون: لا يجب الغسل بِالْإِكْسَالِ (أي من غير إنزال) إذ إن هذه الأحاديث صريحة في إيجاب الغسل من التقاء الختانين، أنزل أم لم ينزل، وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك (٤). وليس المراد من التقاء الختانين تجاورهما أو انضمامهما فقط، وإنما مجاوزة الختان الختان فهو مجاز أريد به الإيلاج، أو إدخال الحشفة في الفرج (القبل أو الدبر) إذ الختانان محلُّ القطع في الختان، وختان المرأة فوق مخرج البول، ومخرج البول فوق مدخل الذكر.

стр. 131

٣ - ٤ الحيض والنفاس: ويوجبان الغسل باتفاق الأئمة الأربعة. والدليل على وجوب الغسل على الحائض: ١ - القرآن: قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]. ٣ - السنة: عن عائشة ﵂ قالت: قالت فاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ لرسول الله ﷺ : إني امرأة أُستحاض فلا أطْهُر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : (إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) (١). وفي رواية للبخاري: (وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي) (٢). والدليل على وجوب الغسل على النفساء. حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (تَنْتَظِرُ النُّفَسَاءُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَمَنْ رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ

стр. 132

طَاهِرٌ، وَإِنْ جَاوَزْتِ الْأَرْبَعِينَ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ) (١). ولأنه دم حيض مجتمع احتبس لأجل الحمل. ولا يجب الغسل بدم الاستحاضة، لكن يندب إذا انقطع. وانقطاع دم الحيض والنفاس شرط وجوب الغسل وصحته، بدليل قوله تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) [البقرة: ٢٢٢] يعني إذا اغتسلن. قيل: منع الزوج وطأها قبل الغسل، فدل على وجوبه عليها. واختلف الأئمة الأربعة في وجوب الغسل على الولادة بلا بلل، والمخالف الوحيد هم الحنابلة (٢). ٥ - موت المسلم غير الشهيد: يجب تعبداً باتفاق المذاهب الأربعة على المسلمين وجوب كفاية غسل الميت المسلم غير الشهيد، الذي لا جنابة منه، والدليل على الوجوب: عن ابن عباس ﵄ قال: عن النبي ﷺ خرَّ رجل من بعيره فَوُقِصَ فمات فقال: (اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القيامةِ مُلَبِّيًا) (٣)

стр. 133

وللنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اغْسِلُوا الْمُحْرِمَ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا) (١) فهو دليل على وجوب غسل الميت، وقد غُسل النبي ﷺ وأبو بكر بعده، وتوارثه المسلمون. واختلف الأئمة الأربعة (٢) في وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم، أو المرتد، أو المميز، هذا إذا لم يكن جنباً، فإذا كان جنباً فيجب الغسل بالاتفاق للأدلة التي مرت معنا في وجوب الغسل من الجنابة. ويلاحظ أنه إذا اجتمع شيئان يوجب الغسل، كالحيض والجنابة، أو التقاء الختانين والإنزال؛ أجزاه غسل واحد، واختلفوا في أنه هل تنوب نية الغسل عن الوضوء، والمخالف هم الحنابلة (٣).

стр. 134

المبحث الثالث: فرائض الغسل: ثبتت فرضية الغسل باتفاق الأئمة الأربعة: ١ - بالقرآن: قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]. وقوله : (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]. ٢ - السنة: صِفَةِ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ كاملة وهي: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ (كان إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ. ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ. فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ. ثم يتوضأ وضوئه لِلصَّلَاةِ. ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ. فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ. حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ، حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ. ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) (١). وفي رواية أخرى: (ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) (٢).

стр. 135

وقد اتفق الأئمة الأربعة (١) على فرائض وواجبات في الغسل وهي: تعميم الجسد-شعره وبشرته-بالماء الطهور: اتفق الأئمة الأربعة على أنه يجب تعميم الشعر والبشرة بالماء مرة واحدة، حتى لو بقيت بقعة يسيرة لم يصبها الماء يجب غسلها، ويجب تعهد مواطن تجاعيد البدن، كالشقوق التي في البدن، أي التكاميش والسرة، والإبطين وكل ما غار من البدن، بصب الماء عليها. وهل يجب نقض ضفائر الشعر؟ اتفق الأئمة الأربعة على أن نقض الشعر غير واجب إن وصل الماء لأصول الشعر، واختلفوا في فروع هذه المسألة بآراء متقاربة، والدليل على ذلك: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: (لَا. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ) (٢).

стр. 136

أما غسل بشرة الرأس: فواجب الاتفاق، سواء أكان الشعر كثيفاً أم خفيفاً، وكذلك ما تحت الشعر كجلد اللحية وغيرها وذلك ثابت بالدليل: لحديث علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا مَاءٌ، فَعَلَ اللهُ تَعَالَى بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ) قَالَ عَلِيٌّ: (فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ شَعْرِي) (١). وزاد أبو داود: وكان يجزُّ شعره ﵁ (٢). واختلف الأئمة إلى فريقين في وجوب غسل المسترسل من الشعر وعدمه. واختلفوا أيضاً في وجوب المضمضة والاستنشاق وعدمه إلى فريقين أيضاً. واختلفوا أيضاً في وجوب النية وعدمها إلى فريقين، وفي وجوب التسمية وعدمه والمخالف واحد (٣).

стр. 137

واختلفوا أيضاً في وجوب الدلك والموالاة والترتيب وعدمه والمخالف واحد (١). المبحث الرابع- سنن الاغتسال: بيَّنا كيفية غسل النبي ﷺ وهو دليل لصفة الغسل الكامل الشامل للواجب. والسنة: وهو ما اجتمع فيه اثنا عشر شيئاً كما فهمه الحنفية (٢)، وهو جامع وشامل لسنن الغسل وفضائله وواجباته عند بقية المذاهب وهي: ١ - الابتداء بالتسمية. ٢ - النية. ٣ - غسل اليدين إلى الرسغين. ٤ - غسل نجاسة لو كانت بانفرادها. ٥ - غسل فرجه. ٦ - الوضوء كوضوئه للصلاة. ٧ - تثيلث الغسل ومسح الرأس، ولكنه يؤخر غسل الرجلين إن كان يقف في محل يجتمع فيه الماء.

стр. 138

٨ - إفاضة الماء على بدنه ثلاثاً. ٩ - الابتداء في صب الماء برأسه. ١٠ - يغسل بعدها منكبه الأيمن. ١١ - ثم الأيسر. ١٢ - يدلك جسده. واختلف الأئمة في أصل حد تقدير ماء الغسل والوضوء إلى قسمين هل هو سنة أم لا؟ وآداب الاغتسال: هي آداب الوضوء، إلا أنه لا يستقبل القبلة، لأنه يكون غالباً مع كشف العورة والدليل عليه قد سبق ذكره في بحث الوضوء.

стр. 139

المبحث الخامس- مكروهات الاغتسال: اختلف الأئمة الأربعة في آراء مختلفة في الذي يكره في الغسل، ولكنهم اتفقوا (١) على كراهة الإسراف في الماء، ولو على نهر جار، والدليل على الكراهة: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ مرّ بسعد ﵁ وهو يتوضأ فقال: (مَا هَذَا السَّرَفُ؟) فقال: أفي الوضوء إسراف! قال: (نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ) (٢). ويكره للجنب ومنقطعة دم الحيض والنفاس ترك الوضوء لنوم فقط، ولا يكره تركه لأكل وشرب ومعاودة وطء، وإنما يستحب لهما الوضوء. والدليل على كراهة ترك الوضوء للجنب ومنقطعة دم الحيض والنفاس قبل النوم: أ- عن ابن عمر ﵄ قال: يا رسول الله، أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: (نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ) (٣). ب- عن عائشة ﵂ قالت: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ) (٤).

стр. 140

والدليل على استحباب الوضوء للأكل والشرب للجنب: حديث عمار بن ياسر ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلْجُنُبِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ، أَنْ يَتَوَضَّأَ) (١). والدليل على كون الوضوء يستحب للجنب لمعاودة الوطء: حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ) (٢). وزاد بعضهم: (فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ) (٣). لكن الغسل لمعاودة الوطء أفضل من الوضوء، لأنه أنشط. فائدة: قال الغزالي في الأحياء (٤): لا ينبغي أن يُقلِّم أويحلق أو يستحدّ (٥) أو يخرج دماً، أو يُبيْن من نفسه جزءاً وهو جنب، إذ يُردُّ إليه سائر أجزائه في الآخرة، فيعود جنباً. ويقال: إنّ كل شعرة تطالب بجنابتها.

стр. 141

المبحث السادس: ما يحرم على الجنب ونحوه: اتفق الأئمة الأربعة (١) على أنه يحرم على الجنب والحائض والنفساء ما يحرم على المحدث حدثاً أصغر وغيرها، وهي أربعة أشياء: ١ - الصلاة، ومثلها سجود التلاوة: تحرم على الجنب ونحوه إجماعاً والدليل على الحرمة: أ- قوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [سورة المائدة: ٦]. ب- السنة: عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ) (٢). ٢ - الطواف حول الكعبة، ولو نفلاً، لأنه صلاة والدليل على الحرمة: عن طاووس، عن رجُلٍ قد أدرك النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: (إنَّمَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، فَإِذَا طُفْتُمْ فَأَقِلُّوا الْكَلَامَ) (٣).

стр. 142

٣ - مس القرآن والدليل على الحرمة: أ- القرآن: قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة: ٧٩]. أي: المتطهرون وهو خبر بمعنى النهي. ب- السنة: عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده ﵃ أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتاباً، وكان فيه: (لا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلا طَاهِرٌ) (١). ولمالك في الموطأ مرسلاً قال: إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: (ألا يَمَسَّ القُرْآنَ إلا طَاهِرٌ) (٢). وقال الأشرم: واحتج أبو عبد الله: يعني أحمد بن حنبل بحديث ابن عمرو: (ولا يُمَسَّ المصحفُ إلا على طَهَارَةٍ) (٣).

стр. 143

وهذه الأمور الثلاثة تحرم على المحدث حدثاً أصغر أو أكبر، ويزاد علها للجنب ونحوه أيضاً: ٤ - الاعتكاف في المسجد، والمكث في المسجد والدليل على الحرمة: أ- عن عائشة ﵂ قالت: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: (وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدُ فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ) (١). ب- وعن أم سليم ﵂ قالت دخل رسول الله ﷺ صرحة هذا المسجد، فنادى بأعلى صوته: (إنَّ المَسْجِدَ لَا يَحِلُّ لحائضٍ ولا لِجُنُبٍ) (٢). واختلف الأئمة في عبور الجنب أو الحائض أو النفساء المسجد إلى فريقين. واختلفوا أيضاً في تقدير الجزء المحرم من قراءة القرآن إلى فريقين أيضاً. ولكنهم اتفقوا على أنه لا يحرم النظر في القرآن لجنب وحائض ونفساء؛ لأن الجنابة لا تحل العين الناظرة.

стр. 144

المبحث السابع: الأغسال المسنونة الغسل قد يكون واجباً: كالغسل من الجنابة والحيض والنفاس. وقد يكون سنة أو مندوباً أو مستحباً. واتفق الأئمة الأربعة (١) على سُنية الأغسال الثمانية التالية: ١ - الغسل لصلاة الجمعة: وذلك للأدلة المتعددة: منها: أ - حديث ابن عمررضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (إذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ) (٢). ب- وعن سمرة بن جنب أن نبيّ الله ﷺ قال: (مَنْ تَوَضَّأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَذَلِكَ أَفْضَلُ) (٣).

стр. 145

واختلف الأئمة هل السنية في يوم الجمعة أم لصلاة الجمعة؟ إلى فريقين، ولكنهم اتفقوا على أنه لا يعتبر الغسل بعد صلاة الجمعة إجماعاً. مسألة: واتفق الأئمة الأربعة على أنه من اغتسل لجنابة، أو نحوها، مع غسل جمعة أو عيد أجزأه الغسل عنهما إذا نوى بالجنابة وأتبعها الجمعة، كما لو اغتسل لفرضي جنابة وحيض اتفاقاً. وغسل الجمعة آكد الأغسال المسنونة للأدلة الكثيرة، ولا يستحب للنساء. ٢ - الغسل لصلاة العيدين: والدليل على السنية: حديث الفاكة بن سعد، ﵁ وكان له صحبته: (أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ)، وكان الْفَاكِهُ بْنُ سَعْدٍ يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام (١). ولأنها صلاة شرعت لها الجماعة، فأشبهت الجمعة. ٣) للإحرام بالحج أو بالعمرة، ولوقوف عرفة بعد الزوال، ولدخول مكة، ومبيت مزدلفة، وطواف زيارة، وطواف وداع.
следующие страницы →