← Фикх общий

Фикх общий · id 1230

المسائل الفقهية في ضوء ما اتفق عليه في الطهارات

عبد الله نذير قشلان

Полный текст (204 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حديث أبي هريرة ﵁ أنه توضأ حتى وصل إلى الرجلين، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: (هَكَذَا رَأَيْتُ رسولَ اللهِ يَتَوَضَّأُ) (١). ويلزم عند الأئمة أيضاً غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحها والدليل على ذلك: منها: عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ رأى رجلاً لم يغسل عقبه، فقال: (ويل للأعقاب من النار) (٢). وثبوت الأحاديث الدالة على وجوب الغسل دون المسح كثيرة ومستفيضة، مع إجماع الصحابة على الغسل فكانت حينئذ موجبة لحمل قراءة (وأرجلِكم) بالكسر على حالة نادرة مخالفة للظاهر، ولا يجوز حمل المتنازع فيه عليها، وعطفها على (برؤوسِكم) بالجر للمجاورة (٣)، وأما قراءة النصب، فهي عطف على اليدين في الغسل.

стр. 72

والخلاصة: أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة: [غسل الوجه، واليدين والرجلين مرة واحدة، والمسح بالرأس مرة واحدة]. وأما التثليث فهو سنة كما سيأتي.

стр. 73

المطلب الثالث- شروط الوضوء: شروط الوضوء نوعان: شروط وجوب، وشروط صحة. شرائط الوجوب: هي التي إذا اجتمعت وجبت الطهارة على الشخص. شرائط الصحة: ما لا تصح الطهارة إلا به. ١) شروط الوجوب: لم يتفق الأئمة الأربعة إلا على شرطين من شرائط الوجوب وهما (١): ١ - عدم الحيض. ٢ - عدم النفاس: بانقطاعهما شرعاً فلا يجب على الحائض والنفساء. ٢) شروط الصحة: اتفق الأئمة الأربعة على ثلاثة أشياء تشترط لصحة الوضوء وهي (٢): ١ - عموم البشرة بالماء الطهور: بأن يعم الماء جميع أجزاء العضو المغسول، بحيث لا يبقى من شيء إلا وقد غسل، فيغمر الماء جميع أجزاء البشرة، فلو بقي مقدار مغرز إبرة لم يصبه الماء من المفروض غسله، لم يصح

стр. 74

الوضوء. أما تحريك الخاتم من أجل وصول الماء إلى البشرة فلم يتم الاتفاق على اشتراطه. ٢ - إزالة ما يمنع وصول الماء إلى العضو: أي ألا يكون على العضو الواجب غسله حائل يمنع وصول الماء إلى البشرة، كشمع وشحم ودهن ودهان، ومن عماص العين، والحبر الصيني المتجسم، وطلاء الأظافر للنساء، أما الزيت ونحوه فلا يمنع نفوذ الماء للبشرة. ٣ - عدم المنافي للوضوء: أو انقطاع الناقض من خارج أو غيره: أي انقطاع كل ما ينقض الوضوء قبل البدء به، لغير المعذور، من دم حيض ونفاس وبول ونحوهما، وانقطاع حدث حال التوضؤ، لأنه بظهور بول وسيلان ناقض لا يصح الوضوء. والخلاصة: أنه لا يصح الوضوء لغير المعذور حال خروج الحدث أو وجود ناقض للوضوء.

стр. 75

المطلب الرابع- سنن الوضوء: ميز الحنفية بين السنة والمندوب (١)، فقالوا: السنة: هي المؤكدة، وهي الطريقة المسلوكة في الدين من غير لزوم على سبيل المواظبة، إن كان النبي ﷺ تركها أحياناً، وحكمها: الثواب على فعلها، وفي تركها العتاب لا العقاب. المندوب: فهو ما لم يواظب عليها النبي ﷺ وقد فعله مرة أو مرتين. وحكمه: الثواب بفعله وعدم اللوم على تركه. ولم يفرق الأئمة الثلاثة الأخر: بين السنة والمندوب. اتفق الأئمة الأربعة على ست سنن من سُنن الوضوء وهي (٢): ١ - غسل اليدين إلى الرسغين قبل إدخالهما الإناء: لغير المستيقظ من النوم ليلاً.

стр. 76

والدليل على السُّنية: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) (١). ٢ - السواك: سنة بالاتفاق (٢)، وسنخصص له مبحثاً مستقلاً. ٢ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم: وتكره للصائم خوف الإفطار. والدليل على ذلك: حديث لقيط بن صبْرة ﵁ قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: (أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) (٣). ٤ - تخليل اللحية الكثة والأصابع: يسن تخلل اللحية الكثة بكف ماء من أسفل، وتخليل أصابع اليدين والرجلين أيضاً. والدليل على تخليل اللحية الكثة، حديث عثمان ﵁ (أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ) (٤).

стр. 77

والدليل على تخليل الأصابع: حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ أَصَابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ) (١). ٥ - تثليث الغسل: اتفق الفقهاء على أنه يسن تثليث الغسل (٢) والدليل على ذلك: حديث أبيّ بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ دعا بماء فتوضأ مرة مرة، وقال: (هَذَا وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ) أَوْ قَالَ: (وُضُوءٌ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْهُ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً)، ثُمَّ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: (هَذَا وُضُوءٌ مَنْ تَوَضَّأَهُ، أَعْطَاهُ اللَّهُ كِفْلَيْنِ مِنَ الْأَجْرِ)، ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَقَالَ: (هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِي) (٣). ٦ - البداءة بالميامن في غسل اليدين والرجلين (٤). والدليل على ذلك: حديث عائشة ﵂ قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي نَعْلَيْهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ) (٥).

стр. 78

المطلب الخامس: آداب الوضوء أو فضائله: عبّر الحنفية عن ذلك بالآداب جمع أدب: وهو ما فعله النبي ﷺ مرة أو مرتين ولم يواظب عليه. وحكمه: الثواب بفعله وعدم اللوم على تركه. وآداب الوضوء عندهم أربعة عشر شيئاً، وعبّر عنها المالكية بالفضائل أي الخصال والأفعال المستحبة، وهي عندهم عشرة، والفرق بينها وبين السنة: أن السنة: ما أكد الشارع أمرها، وعظم قدرها. وأما المندوب أو المستحب: فهو ما طلبه الشارع طلباً غير جازم، وخفف أمره، وكل منهما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. فاتفق الأئمة الأربعة على خمسة أشياء مندوب إليها عند الحنفية، ومن الفضائل عند المالكية وهي (١): ١ - استقبال القبلة: لأنها أشرف الجهات ولأنها حالة أرجى لقبول الدعاء، واعتبره الحنابلة والشافعية سنة، إذ لم يفرقوا بين السنة والأدب.

стр. 79

٢ - الدعاء بالمأثور: أي المنقول عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، في أثناء الوضوء ولكن لا أصل له في كتب الحديث كما قال النووي ﵀ (١). ٣ - تحريك الخاتم الواسع، وتحريك الخاتم الضيق وإن علم وصول الماء، مبالغة في الغسل. والدليل على ذلك حديث أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ (كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ) (٢). ٤ - كون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى، والامتخاط باليسرى لامتهانها. والدليل على ذلك عن علي ﵁ أنه دعا بوَضوء فتمضمضَ واستنشقَ، ونَثَرَ بيدهِ اليُسرى، فَفَعَلَ هَذَا ثَلَاثاً، ثم قال: (هَذَا طَهُورُ نَبِيِّ اللهِ ﷺ (٣). ٥ - الإتيان بالشهادتين والدعاء بعد الوضوء: وهو أن يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من

стр. 80

المتطهرين سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك و أتوب إليك). ويسن الصلاة والسلام بعد الوضوء على النبي ﷺ ، فيقول: (اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد). والدليل على النطق بالشهادتين والدعاء: حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ) (١). ولأحمد وأبي داود: (مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ) (٢). وزاد الترمذي: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ) (٣).

стр. 81

المطلب السادس: مكروهات الوضوء: المكروه عند الحنفية نوعان (١): (أ) - مكروه تحريماً: وهو ما كان إلى الحرام أقرب، وتركه واجب، وهو المراد عندهم حالة الإطلاق. (ب) - مكروه تنزيهاً: وهو ما كان تركه أولى من فعله، أي خلاف الأولى، وكثيراً ما يطلقونه، وعلى هذا إذا ذكروا مكروهاً فلا بد من النظر في دليله، فإن كان نهياً ظنياً يُحكم بكراهة التحريم إلا لصارف عن التحريم إلى الندب، وإن لم يكن الدليل نهياً بل كان مفيداً للترك غير جازم، فهي تنزيهية. ولم يفرق الجمهور غير الحنفية بين نوعي الكراهة، ويراد بها عندهم: التنزيهية. ويكره للمتوضئ ضد ما يستحب من الآداب فلا حصر لها بعدها فمنها ما اتفق عليها الأئمة الأربعة وهي ثمانية (٢). ١ - الإسراف في صب الماء: بأن يستعمل من فوق الحاجة الشرعية، أو ما يزيد عن الكفاية، وهذا إذا كان الماء مباحاً أو مملوكاً للمتوضئ، فإن كان

стр. 82

موقوفاً على الوضوء منه كالماء المعد للوضوء في المساجد، فالإسراف فيه حرام. ومن الإسراف: الزيادة على ثلاث في الغسالات. والدليل على الكراهة: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثاً ثلاثاً، وقال: (هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ) (١). والكراهة تنزيهية حتى عند الحنفية، إلا إذا اعتقد أن ما زاد على الغسلات الثلاث من أعمال الوضوء، فتكون الكراهة حينئذ تحريمية عندهم. وذكر ابن عابدين في حاشيته (٢) أن الكراهة مطلقاً تنزيهية، فإن زاد للنظافة أو للطمأنينة أو قصد الوضوء على الوضوء بعد الفراغ منه فلا كراهة. ٢ - لطم الوجه أو غيره بالماء: والكراهة تنزيهية، لأنه يوجب انتضاح الماء المستعمل على ثيابه، وتركه أولى، وهو أيضاً خلاف التؤدة والوقار، فالنهي عنه من الآداب. ٣ - التكلم بكلام الناس: والكراهة تنزيهية، لأنه يشغله عن الأدعية

стр. 83

حتى عند الشافعية كما قال صاحب الإقناع (١). ٤ - الاستعانة بالغير بلا عذر: وقد عرفنا أن الثابت في السنة جواز المعاونة في الوضوء، لكن حُمل ذلك على حالة العذر، لأن الضرورات تبيح المحظورات. والدليل على ذلك: حديث ابن عباس ﵄ قال: (كانَ رسولُ اللهِ ﷺ لَا يَكِلُ طَهُورُهُ إِلَى أَحَدٍ) (٢). والدليل على الأصل وهو الجواز في المعاونة حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، وأنه ذهب لحاجة له، وأن المغيرة جَعَلَ يصب الماء عليه وهو يتوضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين (٣). ٥ - التوضؤ في موضع نجس: لئلا يتنجس منه، وزاد الحنفية (٤): التوضؤ بفضل ماء المرأة أو في المسجد إلا في إناء أو في موضع أعد لذلك، وإلقاء النخامة والاتخاط في الماء. ٦ - مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق مخافة أن يفسد صومه: والدليل على الكراهة عن لقيط بن صبرة قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن

стр. 84

الوضوء؟ قال: (أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) (١). ٧ - ترك سنة من سنن الوضوء، السابق بيانها في ما مضى، وهو ترك ما واظب عليه النبي ﷺ أو الخلفاء الراشدون من بعده، فيستحق على من تركها بلا عذر حرمان الشفاعة، لقوله ﵊: (فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (٢). ٨ - الوضوء بفضل طهور المرأة إذا استقلت به (٣). فإن اشترك الرجل معها فلا بأس، والدليل على الكراهة عن الحكم بن عمرو الغفاري ﵁ أن رسول الله ﷺ (نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ) (٤) ودلالة الحديث على عدم الجواز، ولكن القول بالكراهة للأدلة الدالة على الجواز، فجمع بين أدلة الجواز وعدمه إلى الكراهة التنزيهية.

стр. 85

ومن أدلة الجواز: عن ابن عباس ﵄ عن ميمونة ﵄ (أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ بِفَضْل غُسْلِهَا مِنَ الْجَنَابَةِ) (١). المطلب السابع: نواقض الوضوء: النواقض: جمع ناقضة، والنقض: إذا أضيف إلى الأجسام كنقض الحائط: يراد به إبطال تأليفها.

стр. 86

وإذا أضيف إلى المعاني كالوضوء: يراد به إخراجها عن إقامة المطلوب بها. والمعنى الثاني هو المراد هنا، فمعنى ناقص الوضوء: إخراجه عن إفادة المقصود منه، كاستباحة الصلاة بالوضوء (١). والنواقض أو المعاني الناقضة للوضوء المبطلة المتفق عليها بين الأئمة الأربعة هي أربعة (٢): ١ - كل خارج من أحد السبيلين معتاد: كبول، أو غائط، أو ريح، أو مذي، أو مدي، فقط قليلاً كان الخارج أو كثيراً. والدليل على نقض الوضوء بالبول والغائط: ١. قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [المائدة: ٦].

стр. 87

٢. عن صفوان بن عسّال ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ) (١). والدليل على نقض الوضوء بالريح: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ) فقال رجل من أهل حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: (فُسَاءٌ أو ضُرَاطٌ) (٢). والدليل على نقض الوضوء بالمذي: حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلَسٌ أَوْ مَذْيٌ، فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ) (٣). واختلف الأئمة الأربعة في حكم الأشياء الأخرى التي تخرج من أحد السبيلين.

стр. 88

٣ - الولادة من غير رؤية دم: وهو الصحيح عند الحنفية، وهو قول الصاحبين (١) وقالا: أن المرأة لا تكون حينئذ نفساء لتعلق النفاس بالدم ولم يوجد، وإنما عليها الوضوء للرطوبة. وقال أبو حنيفة: عليها الغسل احتياطاً لعدم خلوه عن قليل دم غالباً. ٣ - غيبة العقل، أو زواله بالمخدرات أو المسكرات، أو بالإغماء أو الجنون، أو الصرع، أو النوم (٢). والسبب في ذلك، لأنه يترتب عليها غالباً خروج شيء من أحد السبيلين، فيكون ناقضاً للوضوء، لأن زائل العقل لا يشعر بحال، والجنون والإغماء ونحوها أشد تأثيراً من النوم، والنوم: يذهب معه الحسّ. والدليل على نقض الوضوء بالجنون والإغماء والسكر ونحوه: ١ قياساً على النوم، لأن أبلغ في معناه، إذ إن النائم - مهما كان نومه ثقيلاً - ينبته بأقل تنبيه، وأما الجنون أو المغمى عليه أو السكران فإنه لا يتنبه مهما نبه حتى يزول عنه ما هو فيه فلذا كان أولى بالنقص.

стр. 89

٢ ويمكن أن يستأنس لهذا بحديث عائشة ﵂ قالت: ثقل (١) النبي ﷺ فقال: (أَصَلَّى النَّاسُ؟) قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: (ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَب (٢)، قالت: ففعلنا، فاغتسل، … إلى أن قال: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) (٣). والدليل على نقض الوضوء بالنوم. عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (العَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ) (٤). ٤ - لمس المرأة: لم يتفق الأئمة في هذا الباب إلا في مسألة واحدة وهي عبارة الحنفية (٥): ينتقض الوضوء بالمباشرة الفاحشة (٦)، وهي: التقاء الفرجين مع انتشار العضو بلا حائل يمنع حرارة الجسد، أو هي: أن يباشر الرجل المرأة

стр. 90

بشهوة وينتشر لها، وليس بينهما ثوب، ولم يرَ بللاً. وغير هذا فقد اختلف فيه الأئمة الأربعة اختلافاً كبيراً.

стр. 91

المطلب الثامن: وضوء المعذور: لم يتفق الأئمة الأربعة في شيء من هذا الباب، وإنما اختلفوا فيه اختلافاً كبيراً (١). المطلب التاسع: ما يحرم بالحدث الأصغر، أو ما يمنع من غير المتوضى: اتفق الأئمة الأربعة على ثلاثة أشياء تحرم على المحدث حدثاً أصغر (٢). ١ - الصلاة ونحوها: اتفق الأئمة الأربعة على أنه يحرم على المحدث غير المتوضئ الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً، ونحوها: كسجود التلاوة، وسجود الشكر، وصلاة الجنازة.

стр. 92

والدليل على الحرمة حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيرِ طَهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ) (١). ٢ - الطواف بالبيت الحرام فرضاً أو نفلاً (٢): لأن الطواف صلاة. والدليل على الحرمة ما ورد عن طاووس، عن رجل قد أدرك النبي ﷺ : قال: (إنَّمَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، فَإِذَا طُفْتُمْ فَأَقِلُّوا الْكَلَامَ) (٣). ٣ - مسّ المصحف: اتفق الأئمة الأربعة على حرمة لمس المصحف كله أو بعضه ولو آية: والمحرم هو لمس الآية ولو بغير أعضاء الطهارة من غير حائل. والدليل على الحرمة: ١. قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة: ٧٩]، أي المتطهرون وهو خبر بمعنى النهي.

стр. 93

فالله أخبر أن هذا القرآن الكريم لا يمسه إلا المطهرون إجلالاً له وتعظيمًا، وجاء الإخبار في الآية بصيغة الحصر فاقتضى ذلك حصر الجواز في المطهرين، وعموم سلبه في غيرهم، والمراد بالمطهرين؛ المطهرون من الأحداث والأنجاس من بني آدم. ٢. عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده ﵃، أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتاباً، وكان فيه: (لَا يَمَسُّ الْقُرآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) (١). واتفق الفقهاء أن غير المتوضئ يجوز له تلاوة القرآن أو النظر إليه دون لمسه، كما أجازوا للصبي لمس القرآن للتعلم، لأنه غير مكلف، والأفضل التوضأ. واختلف الأئمة الأربعة فيما إذا كان اللمس مع حائل.

стр. 94

المبحث الثاني: السواك وفيه أربع مطالب المطلب الأول- تعريف السواك: السواك لغة: الدلك وآلته. وفي الشرع: استعمال عود أو نحوه كأسْنان في الأسنان وما حولها ليذهب الصفرة وغيرها عنها (١). المطلب الثاني - حكمه: اتفق الأئمة الأربعة (٢) على أن السواك من سنن الفطرة (أي من السنة أو من الدين) لأنه سبب لتطهير الفم، وموجب لرضا الله على فاعله، ودليل مشروعيته: عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: (السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ) (٣).

стр. 95

وهذا الحديث يدل على مطلق شرعيته دون تخصيص بوقت معين، ولا بحالة مخصوصة، فهو مسنون في كل وقت، واتفقوا أيضاً على أنه من السنن المؤكدة، لحث الشارع ومواظبته عليه، وترغيبه وندبه إليه، وليس بواجب في حال من الأحوال. والدليل على ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ) (١). ولأحمد: (لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) (٢). وللبخاري تعليقاً: (لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) (٣). واختلف الأئمة الأربعة في وقت سنتية لاختلاف بعض الروايات التي مرت، فمنهم من قال: عند الوضوء، ومنهم من قال: عند الصلاة، ويسن أيضاً كما قال العلماء: لتغير الفم أو الأسنان بنوم أو أكل أو جوع، أو سكوت طويل أو كلام كثير؛ ودليل ذلك: عن حذيفة ﵁ قال: (كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فاه بالسواك) (٤).

стр. 96

وفي رواية للنسائي عن حذيفة قال: (كُنَّا نُؤْمَرُ بِالسِّوَاكِ إِذَا قُمْنَا مِنَ اللَّيْلِ) (١). وكما أنه يتأكد للصلاة ولتغيير الفم وإصفرار الأسنان، يتأكد أيضاً لقراءة قرآن، أو حديث شرعي، ولعلم شرعي، وعند الاحتضار (٢)، وفي السّحر، وللأكل، وبعد الوتر، وقبل صلاة الظهر وبعده خلاف، ولذكر الله تعالى، ولنوم يقظة، ولدخول منزله وأدلة ذلك: ١ - عن المقدام بن شريح، عن أبيه، قال: قلت لعائشة ﵂: بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (٣). ٢ - عن عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم (٤). ٣ - وعن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان لا يرقد ليلاً ولا نهاراً فيستيقظ إلا تسوك (٥).

стр. 97

٤ - عن ابن عباس ﵄ في قصة نومه عند النبي ﷺ قال: (فلما استيقظ من منامه أتى طهوره فأخذ السواك فاستاك) (١).

стр. 98

المطلب الثالث- كيفيته وأدائه: وفي هذا الباب خلاف في كيفيته وأداته بين الأئمة، وكذلك اختلفوا في أنه هل تحصل السنة بالأصبع عند عدم السواك؟!. ولا يستاك بعود الرمان ولا الآس ولا الريحان ولا الأعواد الذكية الرائحة؛ لأنها تضر بلحم الفم ولم يرد بها الشرع. روي أن النبي ﷺ قال: (لَا تَخَلَّلُوا بِعُودِ الرَّيْحَانِ، وَلَا الرُّمَّانَ، فَإِنَّهُمَا يُحَرِّكَانِ عِرْقَ الْجُذَامِ) (١). ولا يستاك أيضاً بقصب الشعير ولا بعود الحلفاء ونحوهما من كل ما يضر أو يجرح، ولأنهما يورثان الآكلة أو البرص، ولا يتسوك ولا يتخلل بما يجهله لئلا يتضرر منه. ويكره أن يزيد طول السواك على شبر، في البيهقي عن جابر ﵄ قال: (كَانَ مَوْضِعُ سِوَاكِ رسولِ اللهِ ﷺ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ) (٢). ويقول إذا استاك "اللهمَّ طهر قلبي ومحص ذنوبي (٣) ".

стр. 99

أو يقول: " اللَّهُمَّ طهر فمي وَنور قلبِي وطهر بدني وَحرم جَسَدِي على النَّار وأدخلني بِرَحْمَتك فِي عِبَادك الصَّالِحين" (١). أو يقول: "اللَّهُمَّ بَيِّضْ بِهِ أَسْنَانِي، وَشُدَّ بِهِ لِثَاتِي، وَثَبِّتْ بِهِ لَهَاتِي، وَبَارِكْ لِي فِيهِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ" (٢).

стр. 100

المطلب الرابع- فوائد السواك: ذكر العلماء من فوائد السواك (١): أنه يبطئ بالشيب، ويحد البصر، وأحسنها أنه شفاء لما دون الموت، وأنه يسرع في المشي على الصراط، وأنه مطهرة للفم، ومرضاة للرب ومفرحة للملائكة، ومجلاة للبصر، ويذهب البَخَرَ والحَفْر (٢)، ويبيض الأسنان، ويشد اللثة، ويهضم الطعام، ويقطع البلغم ويضاعف الصلاة، ويطهر طريق القرآن، ويزيد في الفصاحة، ويقوي المعدة ويسخط الشيطان، ويزيد في الحسنات، ويقطع المرة، ويسكن عروق الرأس، ووجع الأسنان، ويطيب النكهة، ويسهل خروج الخارج. قال في النهر: ومنافعه وصلت إلى نيف وثلاثين منفعة أدناها إماطة الأذى، وأعلاها تذكير الشهادة عند الموت، رزقنا الله ذلك بمنّه وكرمه. ويوصي الأطباء المعاصرون باستعمال السواك لمنع نخر الأسنان، والقلح (الطبقة الصفراء على الأسنان)، والتهابات اللثة والفم، ومنع الاختلاطات العصبية، والعينية، والتنفسية، والهضمية، بل ومنع ضعف الذاكرة، وبلادة

стр. 101

الذهن، وشراسة الأخلاق (١). ما يلحق بالسواك من سُنن العادات الحسنة سنن الفطرة ورد في السنة النبوية أحاديث تبين مجموعة حسنة من الآداب أو السنة الدينية المرتبطة بنظافة الإنسان من أشعار وأظفار ونحوها، يحسن ذكرها كما وردت، ثم تشرح وتوضح على طريقة الفقهاء، ومن أهم هذه الأحاديث اثنان: الأول: فيه خمس من سنن الفطرة. الثاني: ذكر فيه عشر خصال من الفطرة. الحديث الأول: من سنن الفطرة الخمس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الِاسْتِحْدَادُ وَالْخِتَانُ وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ) (٢). التعريف بهذه السنة:

стр. 102

١ - الاستحداد: وهو حلق العانة، وهو سنة باتفاق الأئمة الأربعة، ويكون بالحلق والقص والنتف والنورة (١). والمراد بالعانة: الشعر النابت حول فرج الرجل، أو فرج المرأة. وقال النووي الأفضل الحلق (٢). ٢ - الختان: وهو قطع جميع الجلدة التي تغطي حشفة ذكر الرجل، حتى ينكشف جميع الحشفة، وفي المرأة: قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج واختلفوا في حكمه للأنثى والذكر. ٣ - قص الشارب: وهو سنة بالاتفاق، والقاص مخير بين أن يتولى بذلك بنفسه، أو يوليه غيره، لحصول المقصود، بخلاف الإبط والعانة، والدليل على السنية: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ) (٣). واختلف الأئمة في المراد بالقص هل هو التقصير أم الاستئصال؟ أما إرخاء اللحية أو إعفائها: فهو تركها وعدم التعرض لها بتغيير، ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة، ولا أخذ ما تحت حلقه، واختلفوا في حلقها؟.

стр. 103

والدليل على إرخاء اللحية أو إعفائها: حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ) (١). وزاد البخاري: (وكان ابن عمر ﵄ إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه) (٢). ٤ - نتف الإبط: وهو سنة بالاتفاق أيضاً. قال النووي (٣): والأفضل فيه النتف إن قوي عليه، ويحصل أيضاً بالحلق والنورة. ٥ - تقليم الأظافر: والتقليم: تفعيل من القلم، وهو القطع. وهو سنة بالاتفاق. ويستحب في كل هذه الخصال التي مرّت البدء بالجانب الأيمن، والدليل على استحباب هذا حديث عائشة ﵂: قالت: (كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) (٤). الحديث الثاني- خصال الفطرة العشرة:

стр. 104

عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظَافِرِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ قال الراوي مصعب بن شيبه: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضةُ) (١). وقد سبق بيان معظم هذه الخصال في الحديث السابق وفي سنن الوضوء، وبقي ثلاثة أشياء لم نذكرها (٢): ١ غسل البراجم: والبراجم: عقد الأصابع ومعاطفها كلها. فهو سنة مستقلة ليست بواجبه، قال العلماء: ويلحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وقعر الصماخ، فيزيله بالمسح ونحوه. ٢ - انتقاص الماء: (الاستنجاء): وفي رواية (الانتضاح)، وهو نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينتفي عنه الوسواس. ٣ العاشرة: وقد نسيها الراوي مصعب، وقد شك أن تكون المضمضة، قال القاضي عياض: ولعلها الختان المذكور مع الخمس الأولى، قال النووي: وهو أولى.

стр. 105

ما يلحق بخصال الفطرة بناء على الحديثين السابقين وغيرها ١ - الطيب وقلم الظفر والكحل: يسن الادهان في بدن وشعر غبّاً: يوماً فيوماً، والاكتحال وتراً في كل عين قبل النوم، والوتر: ثلاثة في العين اليمنى، وثلاثة في اليسرى، وتقليم الأظافر بادئاً كما يرى الشافعية بسبابة يده اليمنى إلى الخنصر، ثم الإبهام، ثم خنصر اليسرى إلى الإبهام ويستحب غسل رؤوس الأصابع بعد قص الأظافر تكميلاً للنظافة، وينبغي دفن الشعر والأظافر، وإن رمى بها فلا بأس، وقطع الظفر بالأسنان مكروه … (١)، والدليل لما سبق بالترتيب: ١. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمَلِ، طَيِّبُ الرَّائِحَةِ) (٢). ٢. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ) (٣). وتقليم الأظافر من سنن الفطرة مرّ الحديث عنها في الحديثين السابقين.

стр. 106

والمرأة تتطيب في بيتها، وتمنع من الطيب في غير بيتها لأنه يؤدي إلى الفتنة والفساد. والدليل على النهي: حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَالْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا كَذَا: يَعْنِي زَانِيَةً) (١). ٢ الانتعال وإطالة الثياب: يكره بلا عذر المشيء في نعل واحد للنهي الصحيح عنه، ولئلا يختل توازنه ومشيه، كما يكره الانتعال قائماً للنهي الصحيح عنه أيضاً، ولأنه يخشى من السقوط. والدليل على أن التنعل بنعل واحد مكروه، عن أبي هريرة ﵁ قال: أن رسول الله قال: (لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعاً أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً) (٢). وكذلك يستحب البدء بالتنعل باليمين، وينزع نعله باليسرى، والدليل على ذلك: حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله صلى الله عليه

стр. 107

وسلم قال: (إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا انْتَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، لِتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وآخِرَهُمَا تُنْزَعُ) (١). وسيأتي في بحث الحظر والإباحة إن شاء الله تعالى مزيد بيان لأحوال الإنسان وعاداته في اللبس واستعمال الأواني والنظر واللمس واللهو والطعام والشراب.

стр. 108

المبحث الثالث: المسح على الخُفين وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: معنى المسح على الخفين: المسح على الخفين بدل من غسل الرجلين في الوضوء. ومعناه لغة: إمرار اليد على الشيء. وشرعاً: إصابة اليد المبتلة بالماء (البلّة) لخف مخصوص، في موضع مخصوص، وفي زمن مخصوص (١). والخف شرعاً: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه. والموضع المخصوص: ظاهر الخفين لا باطنهما. والزمن المخصوص: هو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ولم يحدد المالكية مدة للمسح. المطلب الثاني: مشروعية المسح على الخفين: حكمه: أنه شرع رخصة. واتفق الأئمة الأربعة (٢) على جوازه في السفر والحضر، للرجال والنساء، تيسيراً على المسلمين وبخاصة في وقت الشتاء والبرد، وفي السفر، ولأصحاب

стр. 109

الأعمال الدائمة كالجنود، والشرطة والطلاب المواظبين على العمل في الجامعات ونحوهم. مشروعيته: ثبتت مشروعيته بالسنة النبوية في طائفة من الأحاديث منها: ١ - عن جرير ﵁ أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيّه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه. قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة (١). ٢ - عن علي ﵁ قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه لقد رأيت رسول الله يمسح على ظاهر خفيه (٢). ٣ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مَسير، فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه وغسل ذراعيه ومسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه، فقال: (دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) (٣).

стр. 110

قال النووي في شرح مسلم: وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة، وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين منهم العشرة المبشرون بالجنة. وقال الإمام أحمد بن حنبل: فيه أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعة (١). قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين (٢). والقول بالمسح قول علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وبلال وحذيفة، وبريدة، وخزيمة بن ثابت، وسلمان، وجرير البجلي وغيرهم ﵃. وشرع المسح على الخفين في السنة التاسعة من الهجرة، ولم يكن منسوخاً بآية المائدة، وهو قوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: ٦] لأن آية الوضوء هذه نزلت في غزوة المريسيع في السنة السادسة للهجرة، ومسحه ﷺ في غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، فنسخ المتأخر المتقدم إجماعاً (٣).
следующие страницы →