ما علم كان عاجزاً جاهلاً وهذه هي مناظرة بين الفريقين مليحة مفيدة قالوا لهم أليس في قولكم أن الله لم يزل عالماً بأن فرعون لا يؤمن قالوا بلى قالوا فكان فرعون يقدر أن يؤمن وقد علم الله أنه لا يؤمن قالوا نعم قالوا فكان فرعون يقدر على إبطال علم الله وتجهيله قالوا لو علم الله أن فرعون لا يقدر أن يؤمن كما علم انّه لا يؤمن ثمّ قلنا أنه آمن أو يؤمن لكنا مبطلين مجهلين ولكنا قلنا علم الله أنه لا يؤمن وعلم أنه يقدر أن لا يؤمن ولم يؤمن فلم نكن مبطلين ولا مجهلين ثم قلبوا عليهم السؤال فقالوا أليس الله عالماً بأنه يقيم القيامة في وقتها وهو القادر على أن لا يقيمها قالوا بلى قالوا فهل يجوز القول بأن الله قادر على إبطال [علمه] علمه وتجهيل نفسه إذا كان قادراً على أن لا يفعل ما علم أنه يفعله وعلى أن يفعل ما علم أنه لا يفعله قالوا وليس علم الله أن فرعون لا يؤمن وأمره بأن يؤمن فهل أمره بتجهيل علم الله فيه واختلفوا في جواز وصف الله بالقدرة على المحال كإدخال العالم في جوزة أو بيضة فقال الجمهور من أهل العلم لا يجوز ذلك لأنه يقتضي العلم مقدوراً كما يقتضي العلم معلوماً فكل ما هو غير مقدور
стр. 107
عليه محال إجازة القدرة عليه وزعم بعضهم أنه قادر عليه واختلفوا في وصف الله تعالى بالقدرة على الظلم والجور فأحاله قوم لأن ذلك مذموم لا يفعل إلا عن نقص أو حاجة ولو جاز ذلك لم يكن مأموماً أن يقع ولجاز وصفه بالقدرة على الجهل والعجز وكان أبو هذيل يقول هو قادر على ذلك ولكن لا يفعله لرحمته وحكمته وليس يفعل الظلم والكذب غير مقدور عليه فيكون محالاً واختلفوا في قدرة الله تعالى هل هي علم الله أم غيره وكذلك الحيرة فالقدم وسائر صفات الذات وزعمت طائفة أن علم الله ليس قدرته ولا غيرها لأنه لو كان العلم والقدرة لكان ما علم فقد قدر عليه وهو يعلم نفسه ولا يصلح القول بأنه يقدر على نفسه ولو كان علمه غير قدرته لكن يجوز وجود أحدهما مع عدم الآخر ولو جاز هذا لجاز أن يكون البارئ في حال عالماً غير قادر أو قادرا غير عالم وزعم داود بن على أنّ علمه غير قدرته وأما المعتزلة فليس من قولهم أن له علماً وقدرة حتى يلزمهم التفصيل بينهما واختلفوا في التعديل والتجويز من خلقه أفعال العباد وما هم يكتسبوه من المعاصي والمآثم وقضائه إياها عليهم وإرادته منهم وعقوبته لهم
стр. 108
عليها بعد أن أوجدها منهم فقال قوم كل ذلك منه وفعله وهو عدل وحكمة لأن الخلق خلقه والأمر أمره لا يكون منه ظلم ولا جور ولو جاز حدوث حادث بغير مراده أو مشيته وإيجاده لكان عاجزاً مغلوباً وقال آخرون لو كان كما يزعمون لما كان الخلق ملومين ولا معاقبين ولا من يفعل بهم هذا حكيماً ولا عالماً [٢١] ولا رحيماً وهذا من باب الحير والقدر والاختلاف فيه قائم مذ وجد في العالم حيان ناطقان ولا يجوز غير ذلك لتكافئ الدلالة وأعدل الأمور أوساطها فقد قيل الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس لا يزداد على طول النظر ألا حيرة ودهشاً ومن طاوعته نفسه بالإمساك عن الخوض فيه والاقتصار على ما في الكتاب رجوت أن يكون من الفائزين
стр. 109
الفصل الرابع في تثبيت الرسالة وإيجاب النبوة
أقول أن منكري الرسل صنفان أحدهما المعطلة الذين ينكرون إثبات البارئ سبحانه فلا وجه للكلام معهم إلا بعد إقرارهم بالتوحيد والثاني البراهمة أقروا بالصانع وأنكروا الرسالة واحتجوا بأن الرسول لا يأتي إلا بما في العقل أو بخلافه فإن كان يأتى بموجب العقل فما في العقل كاف مما يجب للَّه تعالى على العباد من معرفته وتوحيده وشكره وعبادته واستعمال الحسن واستقباح القبيح وأن كان يأتي بخلافه فلا وجه لقبوله لأن الخطاب وقع على نوى العقول والقضيّة لها والتمييز اودعتاها فأجابهم المسلمون بأن الرسول أبداً لا يأتي إلّا بما في العقول إيجابه أو تجويزه وحاشا للَّه ولرسوله أن يأتوا بخلاف ما في العقول ولكن من الأشياء مما يغمض ويلطف حتى يخطئه العقل أو يخفى ويحتجب حتى
стр. 110
يقصر دونه العقل كانتفاع الإنسان بما ينزع إليه نفسه ويشتاق إليه طبعه من ملاذ الاغذية والملاهي المقوّية فإنه حسن في العقل الأخذ منها بقدر الحاجة بل واجب وغير حسن إذا كان لا يملكها الإنتفاع بشيء منها إلا بعد الإذن من مالكها فصار فعل العقل في حال خلاف فعله في حال فدل أن العقل لا يستغني بنفسه ولم يضامه شيء من السمع مع أن العقل محتاج إلى الرياضة والتمييز والسمع والتجارب لا غير موهوم لو أن أكمل الخلق عقلاً وأوفاهم فطنة غيب عن الناس وليداً حتى لم يسمع شيئاً إلى أن بلغ فأدرك أنه يمكنه استخراج علم الفلسفة والهندسة والطبّ والتنجّم وغير ذلك فدل هذا كله أن العقل غير مكتف به ولا بد من معلم ومعرف وهاد ومذكر ولا يجوز أن يقع العلم بهذه الأشياء إلهاماً ضرورياً لأنا ليس نشاهد ذلك في أجناسها وأمثالها وأن لا يكون كلها بالاستخراج والاستنباط من غير مقدمة وأصل سابق فإن قيل إذا كان البارئ مريداً لصلاح خلقه غير بخيل [١] ولا عاجز ولا يمسه تكلف ولا علاج فيما يفعله فهلا جعل خلقه رسلا وألهمهم من
стр. 111
العلم ما استغنوا به على الرسل أو حبس طباعهم عن التخطي إلى محظور قيل لو فعل ذلك لم ينزلهم دار البلوى والامتحان ولا عرضهم لشرف الثواب وما هو إلا كقول من يزعم لم خلق الله الخلق وأسقط عنهم التكليف وابتدأهم في الجنة وهذا باب التجويز [٢٢] والتعديل وليس كتابنا هذا بنينا له [١] ولكن لو فعل كان له ما فعل فإذا لم يفعل فنقول أساء أو جهل أو عجز وهذا الظن نقض التوحيد وإبطال الدين فيعاد الكلام فيه وتقرر بأنه عادل حكيم لا يفعل إلا الأصلح بخلقه والأعود عليهم ولو جعلهم كلهم رسلاً لوجب أن يسوى بينهم في الفضل والعقل والجاه والمال والقوة ولو فعل لما عرف فاضل فعله ولا قوى قوته ولما شكر وحمد في إسقاط موجبات الشكر والحمد وإباحة الفكر والذم وهذا قبيح في العقل فدل أنه لم يجز التسوية بين الخلق لا في الحال ولا في المال ولا في الرسالة فإن طعنوا في الرسالة بما يوجد فيها من سفك الدماء وذبح البهائم وإيلام الناس فإن العقل لا يرد شيئاً من ذلك إذا كان فيه ضرب من الصلاح كما
стр. 112
يكره الإنسان على شرب الأدوية الكريهة وعلى الفصد والحجامة وقطع بعض الجوارح عند انتظار مخوفة وتأديب الأطفال وغير ذلك فيوجب عليه أن لا يردع ظالماً ولا يفتص من جارحة وهذا قبيح وترخيص في الفساد ومن أعظم الدلائل على وجوب الرسل هذه اللغات المختلفة التي تلفظ الناس بها ويتعارفون بها ما يحتاجون الى معرفته ولا بدّ من معرف ومعلم لها أسماء المسميات باختلاف اللغات وكذلك الصناعات والآلات التي يتوصل بها إليها وليس في وسع الناس استخراج لغة ووضع لفظ يتفقون عليه إلا بكلام سابق به يتداعون ويتواضعون ما يريدون وليس في المعقول معرفة ذلك ولا بدّ من معلّم قال الله وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ٢: ٣١ ثمّ إذا صحّت النبوّة ووجبت الرسالة بقى أن يُعلم الفرق بين النّبي وبين المتنبّي لأنّ الأشخاص متساوية متماثلة ففرّق الله تعالى لما أراد من أقامه حجّته وإظهار دعوته بين الصادق والكاذب منهم بما خصّه به من الآيات الباهرة والعلامات المعجزة الخارجة عن العادة والحسّ وذلك معروف معدود كما
стр. 113
يُحكى عن موسى وعيسى ومحمّد عليهم السلم وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين
القول في كيفيّة الوحي والرسالة ،
أقول أنّ المسلمين ومن قبلهم اختلفوا في هذا الباب اختلافاً كثيراً فزعمت طائفة أنّ الوحي إلهام وتوفيق وزعم آخرون أنّه قوّة الروح القُدسيّ وعند الفلاسفة النبوّةُ علم وعمل والمسلمون يقولون الوحي على وجوه فمنه الإلهام ومنه الرويا ومنه تلقين ومنه تنزيل وهذه مسألة من فصل الصفات أغفلناها في موضعها فحرّرناها في هذا الفصل وهي كيفيّة القول والفعل من الله لأنّ أهل الإسلام في ذلك مختلفون فزعم بعضهم أنّ كلام الله فعل منه فهو به متكلّم وكذلك إرادته ومشيّته وحبّه وبُغضه وقوله كُنْ فَيَكُونُ ٢: ١١٧ تكوين منه للشيء والقول زيادة قالوا لأنّ هذه الأشياء أعراض تحلّ في مواضع لها معلومة وليس هو بمحلّ الأعراض وقال عامّتهم أن الفعل تكوين [٢٢] وإيجاد من غير معالجة بجارحةٍ إلاّ مَنْ شَذّ فزعم أنّه يخلق بيدَيْه والأفعال على وجوه كثيرة فمنه الفعل بالقصد والاختيار ومنه الفعال من غير قصد على السَهْو ومنه الفعل بالاتّفاق والبحث
стр. 114
وكلّها حركات ومنه فعل التولّد كما ينفعل الشيء بطبعه وفعل الله تعالى غير مُشبّه بشيء ممّا ذكرنا وزعم قوم أنّ كلامه ليس من أفعاله وفرقوا بين القول والفعل ولقد امتدّ بنا القول إلى هذه وما كان قصدُنا أن نبلغ كلّه ولكن لما رجونا من الخير وأمّلناه من هُدَاتِهِ الناظر في كتابنا واهتدائه به ولمّا نرى من فساد الزمان وأهله وتحرم طالع الإلحاد والنفاق وإعجاب كلّ ذي حرفين بنفسه لانتقاض العلماء ودروس آثارهم وما قدّمت من عمل هو أَوْكَدَ في نفسي أم لا [١] وأوثق عُدّة من جميع هذا الكلام والاجتهاد في شرحه وأسئل الله الذي منّ وأعان أن يعصم من نزعات الشيطان وينفع به الناظرين والمستفيدين وإن يرحم من عذرنا في تقصير إن كان منّا وقام بتقويم أَوَدِهِ وإصلاح غلطة مشاركاً لنا في ثوابه وأجره فلم يتعمّد فيه خطاءً وتحريفاً ولا حملتنا الحميّة والتعصّب على تزيّد أَو إبطال أو تغيير رواية أو حكاية بل سُقناها على وجهها وأدّيناها بأوجز لفظها لعلمنا بعموم الحاجة إليه من الأعاجم والأمّيّين مبتدئ المتعلّمين،
стр. 115
الفصل الخامس في ذكر ابتداء الخلق
قال أنّ الموحّدين في معنى إيجاد الخلق مختلفون لأنّ الله خلق الخلق لا لاجتلاب منفعةٍ ولا لدفع مضرّة وكلّ فاعل من غير نفع ولا ضرّ فسفيهٌ غير حكيم قال المسلمون هذا إذا كان الفاعل يلحقه المنافع والمضارّ فأمّا إذا كان غنيًّا من احتراز منفعةً ممتنعاً من لحوق ضرر فغير سفيه ولا عابث وقد قامت الدلالة على أنّ البارئ كذلك حكيم غير سفيه ومحال وجود العَبَث من الحكيم فلا يخلو خلقه من الحكمة وإن خفي علينا وجهه لعلمنا بأنّ الحكيم لا يفعل ما هو غير حكمة واختلف آراء الناس في ما لاح لهم من الحكمة في خلقه وإن كان لا يجوز القطع على شيء منه لظنّه معظم علمه عنهم فقال قوم خلق الله الخلق لجوده ولرحمته إذ الجواد بإفاضة
стр. 116
الجودُ على المجود عليه يظهر جوده والقادر بإظهار المقدور يظهر قدرته وقال قوم خلقهم لينفعهم وينفع بهم يعنون لتعبر [١] المتكلّفون بالمخلوق غير المكلّف وقال قوم ليأمرهم وينهاهم وقال قوم خلقهم لاستدعاء الشكر والثناء وقيل لعِلم علمّهُ أَنّه يخلقهم وقال قوم لا نقول شيئاً من ذلك خلقهم لما شاء ولا علم لنا بمشيّته هذا قول من أقرّ بحدوث العالم وأنّ له مُحدثاً سابقاً له فأمّا من أنكر ذلك فإنّه احتجّ للقِدَم والإهمال بأنّه لو كان للعالَم صانع أو مدبّر ناظر لما كان فيه تفاوت خلق ولا تعادي سباع ولا شمول بوار ولا وقوع فساد ولا اعتراض أسقام وأَوْجاع ولا هَرَم ولا موت ولا حزَن ولا فاقة وأيّة حكمة في إنشاء صورة حيوانيّة أو ناميّة ثم في إفنائها ولما استوى حال المعاند والمجيب ولما فضل العالِمَ الجاهلُ بالجاه والمال والمنزلة [٢٣] وهل لا [٢] أخبر الخلق أن كان له خالق على التناصف والتواصل ولِمَ خُلّى بينهم وبين التعادي والتظالم والتباغي والتهارج وهذا كلّه مضمحلّ متلاش بشهادة آثار الخلق
стр. 117
على تفاوته واختلافه في الظاهر من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والأعراض والمقارنة له بمعرفة كمال القدرة ووجوب العبرة في خلق الأضداد وللكاره وإعطاء الخلق القوّة والقدرة والاختيار ليستحقّوا بأعمالهم أشرف الثواب وليرتدعوا بالاعتبار عن الظلم والفساد ولو كانوا مجبورين كما يزعمون أو مجبولين على فعل واحد دون ضدّه لكانوا جماداً مواتاً ولو كانوا على طبع واحد لما عرفوا بحواسّهم ولا وجدوا بعقولهم إلّا الشيء الواحد الّذي يلايم طبعهم فلم يصلح حينئذٍ تكليف ولا وقع منهم تمييز وترك إلحادهم على هذه الصورة أنفع لهم وأبلغ في الحكمة ولا يفعل الله إلاّ الأصلح الأحكم وأمّا فضل الجاهل العالم بالمال والجاه فالعلم أفضل من المال لأنّه السعادة اللازمة والمال من السعادة المفارقة فلو أنصف هذا الزاعم في القضيّة لفضّل الجاهل بالمال على العالم لفضّل العالم على الجاهل بأضعاف علمه لتساوي حالَيْهما وقد سُئل جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه عن هذه القضيّة قال ليعلم العاقل أن ليس إليه من أمره شيء وأي لعمري هو من أدلّ دليل على مُدبّر قدير قاهر وهؤلاء المعطّلة أقلّ الناس عدداً
стр. 118
وأوهنهم عُدّةً وأفيلهم رأياً وأوهاهم عزماً وأنقصهم حجّةً وأخسّهم دعوىً وأدناهم منزلةً وأغربهم ذهناً لا يظهر واحد في أمّة وجيل إلاّ في الدهر والحين لأنّه رأى مشرذل وعقيدة مهجورة وعزم مدحول لا يبدو إلّا من فَدْمٍ جاهلٍ أو معاندٍ وما أَراه انتشر في أمّة من الأمم وزَمَن من الأزمنة انتشاره في زماننا هذا وأمّتنا هذه لتستّر أهله بالإسلام وتحلّيهم تحلية شرائعهم ودخولهم في غمار أهله واحتال من احتال لهم بلطيف التمويه في تسليم الأصول الظاهرة والمصير به إلى التأويلات الباطنة فهم يرقّقون عن صَبُوح ويحتسون في إرتغاء وذلك الذي حقن دماءهم وغمد سيف الحقّ عنهم نابغ في قديم الدهر وحديثه وأبدا صفحته إلاّ عوجل بالاستئصال واحثت منه الأوصال واستنجز العدّة فيهم سنّة الله في الدين خلَو من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلاً زعموا أنّ هذه الدنيا قديمة لم تزل [١] على ما هي عليه ولا تزال [٢] كذلك من صيفةٍ بعد شتوةٍ وشتوةٍ بعد صيفة وليل بعد نهار ونهار بعد ليل ونطفة
стр. 119
من إنسان وإنسان من نطفة ووالد من ولد وولد من والد وبيض من طير وطير من بيض وكذلك جميع الأشياء الحسّاسة والنامية بعضها من بعض بلا صانع ولا مدبّر لا أوّل لها ولا آخر فإنّ هذه دعوى جائزة ومقالة باطلة ولو كان هذا المدَّعى لم يزل مع أزليّة العالم بزعمه لما ساغت له دعواه إن لم يقُمْ له دليل من غيره على أزليّته فكيف وليس هو ممّن هو لم يزل ولا هو ممّن لا يزال وإن اعتمد فيه خبر من كان قبله وإن من أخبره لهو في حاله وحدوثه لم يشاهد من ذلك إلاّ ما شاهد من كان قبله مع معارضة الخصم له [٢٣] في الكون والحدوث لأنّ الدعاوى تصحّ بالحجج لا بالصفات وإن زعم أنّه قاس ما مضى منه بما هو مُستقبَل فيما بعدُ وأنّه غير مُنْقَضٍ فهذا القضاء أجود من الأوّل وأضعف مدّة بل هو نفس دعواه التي خولف فيها والمعارضة قائمة فإن زعم الحال والوقت الذي هو فيه فإنّ هذا رأيُ مَنْ قَصُر عِلمه وسَخُفَتْ معرفته وأوجب أن يكون هو بنفسه لم يزل على ما هو عليه في الحال والوقت لم يكن قط نطفة ولا علقة ولا مضغة ولا جنيناً ولا رضيعاً ولا يتغيّر فيما بعدُ فيكتهل ويشيب ويهرم وتجرى عليه
стр. 120
الحوادث وتنتقل به الأحوال ومعاينة هذه يضطّره إلى الإقرار ويبيّن عنه وجه العناد وإن زعم أنّ حكمه في نفسه خلاف حكم العالم قيل ولِمَ زعمتَ ذلك وهل أنت إلاّ جُزْءٌ من العالم بل قد شبّهت في جميع معانيه فسُمِيّتَ العالم الأصغر وكذلك كلّ ما يعاين من الأشخاص والأنواع العُلويّة والسُفلية من الحيوان والنبات ألا ترى أنّك لو عمدت إلى كلّ جزء من أجزاء العالم فاختصصتَه باسمٍ لحصل العالم لا شيء كما أنّك لو فرقت الجوارح والأعضاء لحصل الإنسان لا شيء فهذا يدُلّك أنّ الكلّ اجتماع الجزء لا غير فإن قال لا يقوم في الوهم ولا يتصوّر في النفس حدوث هذا العالم ولا فناؤه وانقضاؤه عُورض بأنّه لا يقوم في الوهم ولا يتصوّر في النفس قدم العالم ولا بقاؤُه مع أنّ القضاء عليه بالحدث والانقضاء أقرب إلى الأوهام وأشدّ ارتباطاً لنفوس لقيام الدلائل الواضحة والبراهين الشافية فإن قال كيف يمكن اعتقاد حدوث هذا العالم لا من شيء ولا في زمان ولا مكان فإنّ هذا اشتطاطٌ في المطالبة وجَوْرٌ في القضيّة لأنّه تكليف تمثيل ما لا مثل له وإحساس شيء غير محسوس وليس نعلم
стр. 121
كالدنيا دُنياً غيرها فنشبّه هذه بهذه وإنما نحكم بحدوثها لشهادة أَثَر الحدوث بها والعامّي الّذي لا رأى له ولا نظر عنده يطلب الدلائل الظاهرة على الأشياء الخفيّة وذلك مُحال بمنزلة مَنْ يجب أن يرى ما لا يُرى وأن يَسمع ما لا يُسمع أو يسمع ما يُرى ويُرى ما هو مسموع ومن أنصف نفسه أنزل المعلومات منازلها واكتفى من الموهوم بالوهم ومن المحسوس بالحسّ ومن المدلول عليه بالدلالة وقد لعمري لا يتصوّر في الوهم إحداث هذه الجواهر والأعراض لا من غير سابق ثمّ لا يتصور وجود حدث لا من مُحدث فإذا تكافأت الصورتان لزم المصير إلى أشيعهما دلالةً وأدناها إلى الحقّ درجةً فإنّ الدلائل شاهدة بآثار الحدث والقدم موهوم وقضيّة الدلالة عليه من قضيّة الوهم والدليل على أنّ العالم حادث غير قديم كما يزعمون وأنّه لا أوّل له ولا حركة إلاّ وقبلها حادثة لو كان كذلك لما جاز وجود ما هو حاضر في الحال من حركة أو ليل أو نهار أو شخصٍ ما لأنّ ما لا نهاية له في وجوده وعدمه فمحال أن يوصف بأنه قد تناهى وانقضى حدوثه وفُرِغ منه ولأنّ ما لا أوّل له فغير جائز وجود ثانيه
стр. 122
ولا وجود ثالثٍ ما لا ثاني له ولا وجود رابعٍ ما لا ثالثَ له على هذا القياس كما أنّ ما لا غاية له ولا نهاية في المستقبل [٢٤] محال أن يُوصَف بأنّه ينقضي أو ينقطع يوماً كذلك من زعم من الحوادث لم يزل يحدُثُ بلا أوّل فهذا الحادث في الحال والوقت المشاهد لا يخلو من وجود ثلاثة [١] إمّا أن يكون هو الأوّل أو بعد الأوّل ولا أوّل ولا بعد الأوّل فإن كان هو الأوّل وإن كان بعد الأوّل فقد ثبت الأوّل وإن كان لا أوّل ولا بعد الأوّل فهذا فسادة ظاهرة فكأنّه قال شيء لا شيء ولو جاز وجود ما لا أوّل له لجاز وجود العشرات من غير تقدّم الآحاد ووجود المئين من غير تقدّم العشرات ووجود الألوف من غير تقدّم المئّين [٢] لأنّ بالأحد يتمّ الاثنان وبالاثنين يتم الثلاثة ألا ترى أنّ قائلاً لو قال لا تُنبِت الأرض حتّى تمطر السماء ولا تمطر السماء حتّى تتغيّم ولا تتغيّم حتّى يثور البُخار ولا يثور البخار حتى تهبّ الرياح ولا تهبّ الرياح حتّى يحرّكها الفلك ولا يحركها الفلك حتى تكون كذا ويمدّ
стр. 123
في هذا الاشتراط شيئا قبل شيء أبداً إلى غير نهاية ولا غاية لم يجز وجود نبت ولا مطر ولا غيم ولا ريح لأنّه مُعلّق بشرط ما قبله غير جائز وجوده لأنّه غير متناهٍ وكذلك من زعم أنّه لم يكن حركة إلاّ وقبلها حركة ولا إنسان إلاّ وقبله إنسان ولا نَبْت ألاّ وقبله نبت إلى ما لا غاية ولا نهاية فمحال وجود هذا الإنسان والنبت لأنّ وجوده كان معلّقاً بشرائط لا أوّلها وما لا غاية له لا يُوجد ولا يُعلم ولا يُوهم وكذلك لو قال قائل لا أدخلُ هذه الدار حتّى يدخلها زيد ولا يدخل زيد حتّى يدخل عمرو ولا يدخلها عمرو حتى يدخلها فلان ثم كذلك إلى غير غاية لم يجز دخول زيد ولا غيره أبداً وكذلك لو قال لا آكل تفّاحاً حتى آكل قبلها تفّاحة لم يصحّ له اكل تفاحة ابدا لأنّه كلّما ضرب يده الى تفّاحة يأكلها منعه شرط أكل تفاحة قبلها، ومن الدليل على حدث العالم أو أنّ له أوّلاً أنّا لو توهَمنا عند كلّ حركة مضَتْ من حركات الجسم حدوث حَدَثٍ أو ظهور شخص لكان ذلك أجساماً حاضرةً يحضرها العَدَدُ ويأتي عليها الحسابُ وكذلك لو توّهمنا هذا العالم حيّاً عالماً لجاز أن يُعدّ حركاته
стр. 124
وسكناته فيكون ذلك عدداً قائماً معروفاً لمبلغ وما له مبلغ وأتى الحساب عليه فمتناه وكلّ متناه له أوّل وإن لم يتناه ومن الدليل على حدث العالم وأن له أولاً أن ما مضى من حركات الفلك لا يخلو من أن يكون مثل سكناتها متساوية أو أكثر منها أو أقل فإن كانت مثلها فالمثل كالنصف وما له نصف فمتناه والأكثر والأقل تدل الكثرة على تضاعف أجزاء الأكثر على الأقل فإذا ثبت تقدم إحدى الحركات على الأخرى وما له تقدم فمتناه وله أول وهذا من الحجج الواضحة التي يفهمها كلّ سامع وللموحدين في هذا الباب من دقائق النظر بما ألهمهم الله من توفيقه ما لا يظهر عليها إلا اللقن الفطن ولها موضعها من كتابه فإن قيل أليس الحوادث عندكم في المستقبل لا تزال إلى الآخر وإن كان لها أول يريدون قول أهل التوحيد ببقاء الآخرة على الأبد فما أنكرتم أن ما مضى من الحوادث لا أول لها وإن كان لها آخر قيل أنا لا نزعم أن ما له أول لا يجوز أن يكون له آخر وإن الحوادث غير متناهية [٢٤] ولكنّا نقول أن الحوادث لا يزال يحدث منها حادث بعد حادث لا إلى غاية ولا يخرج كلها إلى
стр. 125
الوجود حتى يرى موجوداً لم يبق منه شيء لم يوجد وليس أول الشيء بموقوف على صحة وقوع آخره كما أن آخره موقوف على صحة وقوع أوله لأنه يستحيل وقوع آخر لا أول له ولا يستحيل وقوع آخر بعد آخر أبداً كما يستحيل وقوع فعل لا من فاعل متقدم ثم لا يجب وجود الفاعل بعد فعله باقياً أبداً أو كما أن الأعداد مفتقرة أبداً إلى أول تنشؤ منه وتبتدئ ثم لم يجب وجود تناهيها لتناهى أولها ومن الفرق بين المستقبل والمستدير أنه يجوز وجود ما لا يزال يتحرك ولا يجوز وجود ما لم يزل يتحرك كما أنه يجوز وجود من لا يزال يعتذر من ذنب ولا يجوز وجود من لم يزل معتذراً لأن الاعتذارات لا بدّ لها من أول وقد يجوز أن يكون لا آخر لها كذلك الأفعال لا بدّ أن لها أولاً ولا يجب أن يكون لها آخر ومن هاهنا التزم بعض الموحدين بأن الحوادث لها آخر آخر العلة الحدث وإن زعم أن هذا العالم وما فيه من فعل الطبائع وما أوجبته ذواتها فالطبائع مركّبة من البسائط والتركيب عرض وهو دلالة الحدث فالطبائع إذاً محدثة ثم هي جماد وموات كالحجر والشجر ثم هي مسخرة مقهورة بدلالة أن من شأنها
стр. 126
التنافر والتضادّ فلمّا رأيناها متواطئة متوافقة علمنا أنه بقهر قاهر وضبط ضابط ثم هي غير عالمة ولا مميزة وإذا كان هذا هكذا استحال وجود هذه الصنعة المحكمة المتقنة العجيبة البديعة من مسخر غير عالم وليس ننكر فعل الطبائع وتأثيراتها في المطبوعات من الحرّ والبرد في الفصول والأرباع لأن الله تعالى وضعها على ذلك وركب فيها تلك القوة وسخرها لما أراد أن يصرفها عليه وجعلها سبباً لتلك المسببات ومتى شاء سلبها تلك القوة وأبطل فعلها كما جعل الطعام مشبعاً والماء مروياً وكثير من الناس يأتون القول بما أطلقناه تحرزاً لمذهبهم وأن يصح فعل من حي قادر فأما الاختيار والتدبير فغير جائز إلا من قادر حكيم وكذلك على من يزعم أن هذا العالم وما فيه من فعل الفلك والنجوم وغيرها فإن قيل إذا لم تروا حياً قادراً فعل إنساناً وصورة وركب فيه العقل والقوة والسمع والبصر ثم قضيتم بأن في الغائب حياً قادراً يفعل ذلك ما أنكرتم أن يكون الطبائع تصور مثل هذا الإنسان وإن لم تروا مثل هذا في الشاهد قيل وما سواء لأنّا وإن لم نشاهد حيّا قادراً فعل إنساناً فقد شاهدنا
стр. 127
حياً قادراً فعل شيئاً وأبدعه فدلنا أنه لا يجوز فعل في الغائب إلا من حي وليست الطبائع بحية ولا قادرة فإن قيل أليس النار تحرق والماء يرطب قيل فقد يقولون فلان يحرق ويبرد ويضيفون الفعل إلى المختار الحي والموات المضطر ولو كانت الطبائع بذاتها لما جاز عليها الاتفاق مع تضادها فإن قيل شيء تعلمونه خالياً من الطبائع أو غير متولد منها قيل الطباع نفسها متولدة منها وأكثر القدماء على أن الأفلاك ليست من جنس الطبائع وهل يصح القول بأن الحركة والسكون والصوت والعجز والقدرة [٢٥] والعلم والجهل والحبّ والبغض والألم واللذّة والكراهة والإرادة وغير ذلك من الأضداد والأشكال من الطبائع أو أنها ليست بشيء لخروجها من أنواع الطبائع وأما احتجاجهم بالاستحالة فذلك محال إلا بمحيل [١] لأنه لو جاز أن يستحيل الشيء بنفسه لجاز أن يتلاشى بنفسه ولو جاز أن يتلاشى بنفسه لجاز أن يتركب ويخرج إلى الوجود من العدم وهو عدم فلما لم يجز هذا لم يجز ذاك وباللَّه التوفيق، ومن الدليل على حدث العالم أنّه لا يخلو
стр. 128
من أحد الأمرين إما أن قد كان وإمّا أن لم يكن فكان فإن كان قد كان فهذه الحوادث المقارنة له شاهدة بأنه ما كان فدل أنّه لم يكن فكان ثمّ لم يخل هذا من أحد الأمرين إما أنه كان بنفسه وإما أنه كان بمكون غيره فإن كان بنفسه فمحال أن يكون العدم وجوداً لعجز الكائن عن تكوين مثله فكيف يقدر على تكوين ذاته وهي معدوم بقي الوجه الآخر وهو أنه كونه مكون ومن الدليل على حدث العالم أنه لا يخلو أن يكون قديماً أو حادثاً أو قديماً حادثاً أو لا قديماً ولا حادثاً فاستحال القول بأنه لا قديم ولا حادث لمشاهدتنا إياه فاستحال أن يكون قديماً حادثاً لاستحالة اجتماع الضدين بقي القول بالقديم والحدث والدعوى يتساوى فيه لأنه ليس قول من زعم أن العلم كان أولى من قول من زعم بأنّه لم يكن ولا جواب من قال لِمَ لَمْ يكن بأسعد من قول مَنْ قال لِمَ كان فنظرناه فإذا دلائل الحدث يشهد بما لا يشهد دلائل القدم ومتى أراد الملحد أن يعارضك في قولك بالقديم فطالبه بصفات القديم فإن أعطاك فقد أقرّ بالمعنى وبقي الخلاف في التسمية وهذه مناظرة
стр. 129
جرت بين الموحد والملحد من أوضح المسائل وأنفعها لا بد لكل مسلم من تحفظها، إن سأل سائل فقال ما الدليل على حدث العالم قيل الدليل على حدثه أنه جواهر وأعراض والجواهر لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو متفرقة أو ساكنة أو متحركة إلا في حال واحدة ولن يجتمع المجتمع بالاجتماع ولا يفترق المفترق بالافتراق وكذلك المتحرك والساكن والاجتماع والافتراق والحركة محدثة وهو إذا كان كذلك ولم تخل الجواهر منها فهي محدثة لأن ما لم يسبق الحوادث ولم يتقدمها فحادث مثلها مثال ذلك أن فلاناً لو قال أنّ عمروا لم يوجد قطّ في هذه الدار إلّا وزيد معه ثم قال وإنّما وجد فيها زيد أمس فوجب أن عمروا إنما أوجد فيها أمس فإن قيل ليس قد وجدتم الباقي الذي ليس بمنتقض لا يخلو مما لا يبقى وينقضي ولا يوجد بعده متعرياً منه فما أنكرتم أن القديم الذي لم يزل لا يخلو من حادث ولا يوجد سابقا له متعرّيا منه قيل المعارضة فاسدة من قبل أنه ليس مما لا يبقى وينقضي عروضاً للحدث أو المحدث وإنما عروض ذلك لم يبق وانقضى وذلك أن قولك لا يبقى
стр. 130
وينقضي الحالة على وقت يأتي به يستحق الحكم بأنه منقض غير باق فلم يكن منكراً لأن يقارن الباقي حتى لا يخلو منه إذ لم يسبق الوصف المضاد لوصفه وقولك قد حدث حكم قد وجب له في وقته لا ينتظر وجوبه في وقت فاستحال أن يقارن القديم حتى لا يكون [٢٥] القديم سابقاً له فإن قيل فأوجبوا أن يكون الباقي متغرباً ممن لم يبق وانقضى كما أوجبتم أن يكون القديم سابقاً للمحدثات موجوداً قبلها قيل ذلك يفعل وهو الواجب كما أنه سابق للحوادث فكذلك يجب أن يكون باقياً متأخراً عنها ومتى ما لم يكن كذلك لم يكن باقيا كما أنّه لو لم يسبقها لم يكن قديماً فإن قال إذا زعمتم أن المقارن للحوادث حوادث فما ينكرون أن يكون المقارن للحوادث أمس حادثاً أمس قيل لأنا نقول أن الذي يقارن للحوادث حادث بالإطلاق ولكن نقول ما لم يسبقها فحادث مثلها والجسم فإن قارن الحوادث أمس كان موجوداً قبله فلذلك لم يجب أن يكون حادثاً معه وهذه يؤكد ما قلنا له كما وجب أن يكون ما لم يسبق الحادث أمس حادثاً أمس فكذلك يجب أن يكون ما لم يسبق الحوادث
стр. 131
بإطلاق حادثاً بالإطلاق فإن قيل أليس لم نشاهد والأجسام مقارنة لحوادث إلا وقد كانت موجودة قبلها مقارنة لحوادث غيرها فهلا زعمتم أن ذلك سبيلها وأنها لم تزل كذلك قبل هذا غير واجب لأنا وإن كنا حكمنا بأن الأجسام التي شاهدناها كانت متقدمة للحوادث المقارنة لها مقارنة لغيرها فلم نحكم بذلك من طريق الوجوب ولا لأن الجسم إنما كان جسماً موجوداً لأنّه لا بدّ من أن يكون متقدماً للحوادث المقارنة لها مقارناً لغيره لأن هذا حد [١] الجسم وحقيقته بل إنما حكمنا بذلك لأنا لم نشاهد جسماً حدث في وقت مشاهدتنا له ولأنه صح عندنا بالخبر والدليل أن هذه الأجسام التي شاهدناها قد كانت موجودة قبل مشاهدتنا لها وصح أن الجسم لا يخلو من حادث ولو أنا شاهدنا جسماً في وقت لم نشاهده قبله ثم لم يقم لنا دليل على أنه كان موجوداً قبل تلك الحال ولا خبر صادق بذلك لما حكمنا بأنه قد كان موجوداً قبل الحوادث المقارنة له مقارناً لغيرها بل كنا نخبر [٢] ذلك ونخبر [٣] ان لا يكون سبق ما
стр. 132
هو موجود معه منها، فإن قيل ولم جوزتم هذا وهلا قضيتم على كل جسم غاب أو حضر ورد فيه خبراً ولم يرد قام على تقدمه دليل أو لم يقم بمثل [١] ما شاهدتم عليه هذه الأجسام وقضيتم بها عليها من تقدمها الحوادث الموجودة منها ومقارنتها [٢] لغيرها وإلا فكيف تزعمون [٣] أنكم تقضون بالشاهد على الغائب قيل ليس القضايا بالشاهد على الغائب على ما ظننتموه لأنه ليس يجب إذا شاهدنا جسماً على صفة من الصفات أن تقضي كل جسم غاب عنا كذلك إنما يجب إذا شاهدناه على صفة ما أن ينظر هل هو عليها من جهة الوجوب الذي هو حده وحقيقته أم لا فإن كان كذلك قضينا على كل جسم غاب عنا بحكمه وإلا فلا كما قلتم أن لا جسم في الشاهد إلا مركباً من الطبائع الأربع ولا مركبا من الطبائع إلّا جسما ثم قلتم بأن الأفلاك من طبيعة خامسة ولم يشاهدوا ذلك فكذلك إذا لم نر إنساناً إلا أبيض لم يجب القضاء بأنّ كلّ إنسان
стр. 133
أبيض أو لم نر رمّانا إلّا حلوا لم يلزم أن لا يكون رمّان إلّا حلو وكذلك إذا لم نر جسما مقارنا لحادث إلاّ وقد كان عندنا متقدّماً له مقارناً لحادث غيره فلم يكن جسماً لأنّه كذلك ولا ذلك حدّه بل حدّه أن يكون طويلاً عريضاً عميقاً فلمّا لم يكن جسماً لأنّه يسبق الحوادث فيُوجد مع غيرها لم يجب أن يكون ذلك [٢٦] حال كلّ جسم في كلّ وقت وهذا أيضاً جواب قولهم إذا لم يروا أرضا إلاّ ومن ورائها أرض ولا بيضة إلاّ من دجاجة ولا دجاجة إلاّ من بيضة فكيف قضيتم بخلاف ما شاهدتم فيقال ليس حدّ البيضة أن تكون من الدجاجة ولا حدّ الدجاجة أن تكون من البيضة وإنّما الدلائل قامت على حدثها فإن قال ولِمَ زعمتم أن الجواهر لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو متفرّقة قيل هذا من أوائل العلوم التي تُعرف بالبديهة ولا يعترض عليها بالشبه فإن قال ما الدليل على المجتمع اجتماعاً به كان مجتمعاً وللمفترق افتراقاً دونَ أن يكون مفترقاً ومجتمعاً بنفسه قيل لو كان مجتمعاً بنفسه لما جاز وجوده مفترقاً ما دام نفسه موجودة وكذلك المفترق فدلّ أنّ المجتمع مجتمع باجتماع وكذلك
стр. 134
الافتراق، فإن قيل وما الدليل على الاجتماع والافتراق مُحدَثان قيل الدليل على ذلك أنّا نقصد الجسم المجتمع مفترقة فيُوجد فيه افتراق فلا يخلو ذلك الافتراق من أن كان موجوداً فيه قبل ذلك أو لم يكن فحدث فإن كان موجوداً فيه فقد كان مجتمعاً مفترقاً وهذا محال فثبت أنه حدث عند الافتراق وبطل أن يكون الاجتماع والافتراق كامنين في الجسم فإن قال ما أنكرتم أن يكون الاجتماعات والافتراقات لا نهاية لها وأنّه لا اجتماع إلاّ وقبله اجتماع ولا افتراق إلاّ وقبله افتراق قيل هذا فاسد لأنّه لو كان كذلك لما جاز أن يوجد واحدٌ منهما كما أنّ قاصداً لو قصد إلى جماعة فقال لا يدخلنّ هذا البيت أحدٌ منكم حتّى يدخله قبله آخر ما جاز أن يوجد واحدٌ منهم في ذلك البيت ولو وجد كان في ذلك انتقاض الشرط فإن قيل فما تنكرون أن يكون الاجتماع والافتراق خمسين قيل لو كانا كذلك لم يخلُ من أن يكونا مجتمعين أو مفترقين باجتماع وافتراق هما هما أو غيرهما فإن كانا مجتمعين باجتماع هو هما استحال وجود الافتراق فيهما ما دامت أعيانهما قائمةً وإن كانا مجتمعين باجتماع هو غيرهما
стр. 135
احتاج ذلك الاجتماع إلى اجتماع إلى ما لا نهاية له ولا غاية وكلّ ما لا نهاية له ولا غاية فغير جائز وجود ما في الحال منه وهذه مسألة جارية منذ قديم الزمان ولقد رأيتُ أهل النظر يقحّمون أمرها ويرفعون من شأنها ووجدتها في عدّة كتب بألفاظ مختلفة فلم أجدها أكمل وأتمّ من قول أبي القاسم الكعبي في كتاب أوائل الادلّة فانبثّ بها على وجهها وقد ثبت حدث العالم كما ترى فيجب أن يُنظر أَأَحدث جملةً واحدةً وضربة واحدة أم شيئاً بعد شيء لأنّ ذلك كلّه مجوز في العقل فإن أوجد كما هو فابتداؤه حدوثه وإن أوجد منه شيء بعد شيء فابتداؤه ما أوجد منه وليس ذلك إلى العقل فيُعتمد ولكن سبيله السمع والخبر والناس مختلفون فيه القدماء ومَنْ بعدهم من أهل الكتاب والمسلمون وأنا ذاكر من ذلك ما رُوى ومُرجّح ما وافق الحقّ إن شاء الله ،
القول في ابتداء الخلق
قرأت في كتاب منسوب إلى رجل من القدماء يقال له افلوطرخس [١] ذكر فيه اختلاف
стр. 136
مقالات الفلاسفة ووسمه بكتاب ما يرضاه الفلاسفة من الآراء الطبيعيّة حُكى عن تاليس الملطي [١] أنّه كان يرى مبدأ الموجودات الماء منه بدأ وإليه ينحلّ وإنّما دعاه إلى توهّم [٢٦] هذا الرأي أنّه وجد جميع الحيوان من الجوهر الرَطْب الذي هو المنّى فأوجب أن يكون مبدأ جميع الأشياء من الرطوبة ومتى ما عدمت الرطوبة جفّت وبطلت وحكى انّ فيثاغورس من أهل شاميا وهو أوّل ما سمّى الفلسفة بهذا الاسم وتاليس أوّل من ابتدأ الفلسفة أنّه كان يرى المبادي هي الأعداد المتعادلات وكان يسمّيها تأليفات وهندسيّات ويسمّى من جملة ذلك اسطقسات ويقول الواحدة والثانية لا حدّ لهما في المبادي ويرى أنّ أحد هذه المبادي هي العلّة الفاعلة الخاصّة [٢] وهي الله والثاني العقل والثالث العنصر وهو الجوهر القابل للانتقال وعنه كان العالم المدرك يحسّ البصر وأنّ طبيعة العدد تنتهي [٣] إلى العشرة وإذا بلغها
стр. 137
رجع إلى الواحد وأنّ العشرة بالقوّة في الأربعة وذلك إذا اجتَمعت الأعدادُ من الواحد إلى الأربعة استكملت عدد العشرة وقد ذكر ابن رزام هذا الفصل في كتاب النقض على الباطنيّة قال افلوطرخس وكذلك كان الفيثاغوريّون [١] يقولون في الأربعة قسماً عظيماً ويأتون في ذلك بشهادة الشِعْر إذْ يقولون لا وحقّ الرباعية التي تدبر أنفسنا التي هي أصلٌ لكلّ طبيعة التي تسيل دائماً كذلك النفس التي فينا مركّبة من أربعة أشياء وهي العقل والعلم والرأي والحواسّ ومنها تكون كلّ صناعة وكل مِهْنَة وبها كنّا نحس أنفسنا فالعقل هو الواحدة وذلك أنّ العقل إنّما يجري وحده وإمّا الثانية التي ليست بمحمودة فالعلم وذلك أن كلّ برهان وكلّ إقناع فمنه وأمّا الثالثة فالرأي لأنّ الرأي لجماعة والرابعة الحواسّ وحكى عن نرافليطس أنّه كان يرى مبدأ كلّ شيء النار واليها انتهاؤها وإذا انطفأت النار يشكّل به العالم وأوّل ذلك أنّ الغليظ منه إذا تكاثف واجتمع بعضه إلى بعض صار أرضاً وإذا تحلّلت الأرض وتفرّقت أجزاؤها بالنار صارت ماء والنار يحللّ الأجسام ويثيرها وحُكى عن
стр. 138
انعمامس انه كان يرى الهواء أوّل الموجودات منه كان الكلّ وإليه ينحلّ الموجودات مثل النَفْس التي فينا وانّ الهواء هو الذي يحفظ فينا الروح والهواء يُمسكان العالم كلّه والروح والهواء يقالان جميعاً لأنّ على معنى واحد قولاً متواطئاً وحُكى عن فيثاغورس [١] أنّه كان يرى أنّ مبدأ الموجودات هو المتشابه الأجزاء وأن الكائنات يكون بالغذاء الذي تغتذي به ومن هذه الكائنات يكون معنى المتشابه الأجزاء وعنده أنّ الأشياء [٢] يدرك بالعقل لا بالحسّ وهي أجزاء الغذاء وإنّما سمّيت متشابه الأجزاء من أجل أنّ هذه الأعضاء المكوّنة من الغذاء متشابهة بعضها يشبه بعضاً فسميّت متشابهة الأجزاء وجعلها مبادي الموجودات وصيّر المتشابه الأجزاء عنصراً وحُكى عن ارسلاوس أنّه يرى مبدأ العالم ما لا نهاية له وقد يعترض فيه التكاثف والتخلخل فمنه ما يصير ماءً ومنه يصير ناراً وحكى عن أبيقورس أنّه كان يرى الموجودات أجساماً مدركة عقولاً لا خلاء فيها ولا كون سرمديّة غير فاسدة لا يحتمل التكسّر والتهشّم
стр. 139
ولا يعترض في أجزائها خلاف ولا استحالة وهي مدركة بالعقل لا بالحواسّ وهي لا يتجزّأ وليس معنى قوله لا يتجزّأ أنّها في غاية الصغر لكن لا تقبل الانفعال والاستحالة وحُكى عن اثمادقليس أنّه [٢٧] لا يرى الاسطقسات الأربع التي هي الماء والنار والهواء والأرض وأنّ المبدأ مبدءان [١] وهما المحبّة والغلبة واحدهما يفعل الإيجاد والآخر يفعل التفرقة وحكى عن سقراط بن سقريقس وأفلاطون بن آرسطو الإلهيّ أنّهما يريان المبادئ ثلاثة [٢] الله والعنصر والصورة زعم المفسّرون أنّ معنى قولهم الله هو العقل العالم ومعنى العنصر هو الموضوع الأوّل للكون والفساد ومعنى الصورة جوهر لا جسم في التخييلات وحُكى عن ارسطاطاليس بن توماجس صاحب المنطق أنّه يرى المبادئ الصورة والعنصر والعدم والاسطقسات الأربع وجسم خامس هو الأمر غير المستحيل وحكى عن دينوهرماوس أنّه يرى المبادئ هي الله تعالى وهي العلة الفاعلة والعنصر المنفعل والاسطقسات الأربع فهذا جملة ما حكاه
стр. 140
افلوطرخس [١] من أقاويل الفلاسفة في المبادئ وزعم أيوب الرهاوي في كتاب التفسير أنّ المبادئ هي العناصر المفردة يعني الحرّ والبرد والبلّة واليُبْس فكُوِّنت النارُ من تركيب الحرّ مع اليُبْس وكُوِّن الهواء من تركيب البرد مع البلّة وكوّن الماء من تركيب البرد مع البلّة وكُوِّنت الأرض من تركيب البرد مع اليبس فصارت هذه العناصر المركّبة ثم كُوِّنَ من تركيب هذه العناصر المركبّة الحيوانُ والنباتُ،
ذكر ما حكى أهل الإسلام عنهم ،
حكى زُرقان في كتاب المقالات أنّ ارسطاطاليس قال بهيولي قديم وقوة معه لم يزل وجوهر قابل للأعراض وأنّ الهيولي حرّك القوّة فحدث البرد ثم حرّكها فحدث الحرّ ثم قبلهما الجوهر قال وشبّه إحداث [٢] الهيولى الحركة بإحداث الإنسان الفعل بعد أن كان غير فاعل له والفعل عَرَض وهو غير الإنسان فكذلك الهيولي أحدث أعراضاً هي غيره ولا يقال كيف أحدثها كما لا يقال كيف حدثت هذه الحركة من الإنسان وحُكى [عن] جالينوس أنّه قال
стр. 141
بأربع طبائع لم ينفكّ العالم منها قال وقال سائر الفلاسفة بأربع طبائع وخامس معها خلافها لولا هو لما كان للطبائع ائتلاف على تضادّها قال وقال هرمس [١] بمثل مقالة هؤلاء فاثبت العالم ساكناً ثم تحرّك والحركة معنىً وهو زوال وانتقال والسكون ليس بفعل قال وقال بلعم بن باعوراء العالم قديم وله مدّبر يدبّره وهو خلافه من جميع المعاني وأثبت الحركات فقال أنّ الحركة الأولى هي الثانية معاودة لأنّ من قوله أنّ الحركة مع أصل العالم والعالم قديم عنده قال وقال أصحاب الأصطرلاب بمثل مقالة بلعم إلاّ أنّهم زعموا أنّ العالم لم يزل متحرّكاً بحركات لا نهاية لها وأنكروا أن يكون الحركة لها أوّل وآخر لأنّها ليست بمحدثة قال وقال أصحاب الجثّة أن العالم لم يزل مصوّراً قديماً جُثّةً مُصْمتةً فانقلعت الجثّةً وكان الخلق كامناً فيها فظهر على نحو ما يظهر في النطفة والبيضة والنواة قال وقال أصحاب الجوهرة أن العالم جوهرة قديمة وأحديّة الذات وإنما اختلفت على قدر التقاء [٢] الجوهرة وحركاتها فإذا كانا جزءين كانا حرّا
стр. 142
وإذا كان ثلاثة أجزاء صار برداً وإذا كانت أربعة صارت رطوبة وزعم أنّ حركة قبل حركة إلى ما نهاية وقد جمع الناشي مذاهب هؤلاء كلّهم بلفظة واحدة فقال هم أربع طبقات فطبقة قالت [٢٧] بِقدَم الطينة وحَدَث الصبغة وطبقة قالت بحدث الطينة والصبغة وطبقة شكّت فلم تدرِ أقديمة هي أم حديثة لتكافئ الأدلّة عندها وقد قال جالينوس وما على أنْ لم أدرِ أقديمة هي أم حديثة وما حاجتي إلى ذلك في صناعة للطبّ،
ذكر مقالات الثنويّة والحرّانيّة
أصل اعتقاد هؤلاء في الجملة أنّ المبدأ شيئان اثنان نور وظلمة وأنّ النور كان في أعلى العُلْو وأنّ الظلمة كانت أسفل السُفْل نوراً خالصاً وظلمةً خالصةً غير مماسّين على مثال الظلّ والشمس فامتزجا فكان من امتزاجها هذا العالم بما فيه هذا الذي يجمع أصل عقائدهم ثم اختلفوا بعد ذلك فزعم ابن ديصان أن النور خالق الخير والظلمة خالقة الشرّ بعد قوله بأنّ النور حيّ حسّاس والظلمة موات فكيف يصحّ الفعل من الموات ولما رأى من فنون ما لحق المانويّة والديصانيّة من التناقض والفساد أحدث مذهباً زعم أنّ الكونين النوري والظلامي قديمان ومعهما شيء
стр. 143
قديم ثالث لم يزل خلافها وخارجاً عن خارجهما وهو الذي حمل الكونين على المشابكة والامتزاج ولولا ذلك المُعَدّلُ بينهما لما كان من جوهر هما إلّا التباين والتنافر وزعم كنّان أنّ أصل القديم ثلاثة أشياء الأرض والماء والنار غير أنّ المدبّر لها اثنان خير وشرّ، وأمّا الحرّانيّة فمختلف عندهم في الحكاية زعم أحمد ابن الطيب في رسالة له يذكر فيها مذاهبهم أنّ القوم مجمعون على أنّ للعالم علّة لم يزل ويقولون المدبّرات سبع واثنا عشر ويقولون في الهيولي والعدم والصورة والزمان والمكان والحركة والقوّة بقول ارسطاطاليس في كتاب سمع الكيان وزعم زرقان أنّهم يقولون مثل قول المانيّة وقال بعضهم أنّ مذهب الحرّانيّة ناموس مذهب الفلاسفة وما لم يكن يجسر أحدٌ أنْ يُظهر خلافهم، وأمّا المجوس فأصناف كثيرة ولهم هوس عظيم وترّهات متجاوزة الحدّ والمقدار لا يكاد يوقف عليها فبعضهم يقول بقول الثنوية وبعضهم على مذهب الحرّانيّة والخُرّميّةُ جنسٌ منهم يتستّرون بالإسلام ويقولون مبدأ العالم نور وأنّه نسخ بعضه فاستحال ظلمةً وأمّا أهل الصين فعامّتهم الثنويّة إلى كثير ممّن يليهم من التُرك وفيهم المعطّلة الذين يقولون بقدم الأعيان وأنّ العالم لا صانع
стр. 144
له ولا مدبّر والهنود أصناف كثيرة وتجمعهم البراهمة والسمنيّة والمعطلّة الأخرى يقولون بالتوحيد غير أنّهم يُبطلون الرسالة ومنهم المهادرزيّة يزعمون أنّ المبدأ ثلاثة أخوة أحدهم مهادرز فاحتال أخواه في المكر به فعثرت به دابّته فسقط ميتاً فسلخا جلده وبسطاه على وجه العالم فصار من جلدته هذه الأرض ومن عظامه الجبال ومن دمائه الأودية والأنهار ومن شَعْره الأشجار والنبات هذا ما بلغنا من مذاهب سكّان الأرض والقدماء في هذا الباب وقد أشرنا إلى فساد مذهبهم ومذهب مَنْ يقول بقدم العالم أو شيء مع الله تعالى بما فيه كفاية وغُنية وهذه الحكايات كلّها إن لم يكن شيء منها زُمراً أو ألغازاً أو تمثيلاً أو روايةً عن كتاب من كتب الله أو رسول من رُسل الله أو بوفاق ما جاء منهم أو بشهادة العقول قاطبةً فمردودة غير مقبولة ومحمولة على تمويه واضعها وتزوير مبتدعها وليس في كثرة الترداد والتكرار كثير فائدة ومتى مرّنْتَ نفسك على تحفّظ مسألة إحداث العالم استغنيتَ عن كثرة الخوض في الفروع التي بنيت على أصل القدم [٢٨] لأنّه إذا وَهَى البناء وضعُف لم يَثْبُت فروعُه ولا قامت أركانه،
стр. 145
ذكر مقالات أهل الكتاب في هذا الباب ،
قرأت في كتاب موسوم بشرائع اليهود أن جماعة من علمائهم نهوا عن التفحص عن هذا الباب والشروع فيه وزعموا أنه لا ينبغي للإنسان أن يبحث عما يتعجب منه ويخفى عليه وزعم بعضهم أن الشيء الذي خلقه الله تعالى في الابتداء سبعة عشر شيئاً خلقها الله بلا نطق ولا حركة ولا فكرة ولا زمان ولا مكان وهي المكان والزمان والريح والهواء والنار والماء والأرض والظلمة والنور والعرش والسموات وروح القدس والجنة وجهنم وصور جميع الخلائق والحكمة قال ومخلوقه ذو جهات ست وهو محصور بين هذه الجهات التي هي الأمام والخلف والعلو والسفل واليمين والشمال وزعم بعضهم أن أول ما خلق الله سبعة وعشرون شيئاً فذكر هذه السبعة عشر وأضاف إليها كلام موسى الذي سمعه وجميع ما رأته الأنبياء والمن والسلوى والغمام والعين التي ظهرت لبنى إسرائيل والشياطين واللباس الّذي ألبس آدم وحوّاء وكلام الجبّار الذي كلم به بلعام هكذا الحكاية عنهم والمسطور في أوّل سفر من التوراة بالعبرانيّة برشست بارا ايلوهيم ايث هشومائم وانث هو اورس وهو اورس هو ننو ثوهم