← История

История · id 12318

البدء والتاريخ

المطهر بن طاهر المقدسي

Полный текст (1 267 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بأربع طبائع لم ينفكّ العالم منها قال وقال سائر الفلاسفة بأربع طبائع وخامس معها خلافها لولا هو لما كان للطبائع ائتلاف على تضادّها قال وقال هرمس [١] بمثل مقالة هؤلاء فاثبت العالم ساكناً ثم تحرّك والحركة معنىً وهو زوال وانتقال والسكون ليس بفعل قال وقال بلعم بن باعوراء العالم قديم وله مدّبر يدبّره وهو خلافه من جميع المعاني وأثبت الحركات فقال أنّ الحركة الأولى هي الثانية معاودة لأنّ من قوله أنّ الحركة مع أصل العالم والعالم قديم عنده قال وقال أصحاب الأصطرلاب بمثل مقالة بلعم إلاّ أنّهم زعموا أنّ العالم لم يزل متحرّكاً بحركات لا نهاية لها وأنكروا أن يكون الحركة لها أوّل وآخر لأنّها ليست بمحدثة قال وقال أصحاب الجثّة أن العالم لم يزل مصوّراً قديماً جُثّةً مُصْمتةً فانقلعت الجثّةً وكان الخلق كامناً فيها فظهر على نحو ما يظهر في النطفة والبيضة والنواة قال وقال أصحاب الجوهرة أن العالم جوهرة قديمة وأحديّة الذات وإنما اختلفت على قدر التقاء [٢] الجوهرة وحركاتها فإذا كانا جزءين كانا حرّا

стр. 142

وإذا كان ثلاثة أجزاء صار برداً وإذا كانت أربعة صارت رطوبة وزعم أنّ حركة قبل حركة إلى ما نهاية وقد جمع الناشي مذاهب هؤلاء كلّهم بلفظة واحدة فقال هم أربع طبقات فطبقة قالت [٢٧] بِقدَم الطينة وحَدَث الصبغة وطبقة قالت بحدث الطينة والصبغة وطبقة شكّت فلم تدرِ أقديمة هي أم حديثة لتكافئ الأدلّة عندها وقد قال جالينوس وما على أنْ لم أدرِ أقديمة هي أم حديثة وما حاجتي إلى ذلك في صناعة للطبّ، ذكر مقالات الثنويّة والحرّانيّة أصل اعتقاد هؤلاء في الجملة أنّ المبدأ شيئان اثنان نور وظلمة وأنّ النور كان في أعلى العُلْو وأنّ الظلمة كانت أسفل السُفْل نوراً خالصاً وظلمةً خالصةً غير مماسّين على مثال الظلّ والشمس فامتزجا فكان من امتزاجها هذا العالم بما فيه هذا الذي يجمع أصل عقائدهم ثم اختلفوا بعد ذلك فزعم ابن ديصان أن النور خالق الخير والظلمة خالقة الشرّ بعد قوله بأنّ النور حيّ حسّاس والظلمة موات فكيف يصحّ الفعل من الموات ولما رأى من فنون ما لحق المانويّة والديصانيّة من التناقض والفساد أحدث مذهباً زعم أنّ الكونين النوري والظلامي قديمان ومعهما شيء

стр. 143

قديم ثالث لم يزل خلافها وخارجاً عن خارجهما وهو الذي حمل الكونين على المشابكة والامتزاج ولولا ذلك المُعَدّلُ بينهما لما كان من جوهر هما إلّا التباين والتنافر وزعم كنّان أنّ أصل القديم ثلاثة أشياء الأرض والماء والنار غير أنّ المدبّر لها اثنان خير وشرّ، وأمّا الحرّانيّة فمختلف عندهم في الحكاية زعم أحمد ابن الطيب في رسالة له يذكر فيها مذاهبهم أنّ القوم مجمعون على أنّ للعالم علّة لم يزل ويقولون المدبّرات سبع واثنا عشر ويقولون في الهيولي والعدم والصورة والزمان والمكان والحركة والقوّة بقول ارسطاطاليس في كتاب سمع الكيان وزعم زرقان أنّهم يقولون مثل قول المانيّة وقال بعضهم أنّ مذهب الحرّانيّة ناموس مذهب الفلاسفة وما لم يكن يجسر أحدٌ أنْ يُظهر خلافهم، وأمّا المجوس فأصناف كثيرة ولهم هوس عظيم وترّهات متجاوزة الحدّ والمقدار لا يكاد يوقف عليها فبعضهم يقول بقول الثنوية وبعضهم على مذهب الحرّانيّة والخُرّميّةُ جنسٌ منهم يتستّرون بالإسلام ويقولون مبدأ العالم نور وأنّه نسخ بعضه فاستحال ظلمةً وأمّا أهل الصين فعامّتهم الثنويّة إلى كثير ممّن يليهم من التُرك وفيهم المعطّلة الذين يقولون بقدم الأعيان وأنّ العالم لا صانع

стр. 144

له ولا مدبّر والهنود أصناف كثيرة وتجمعهم البراهمة والسمنيّة والمعطلّة الأخرى يقولون بالتوحيد غير أنّهم يُبطلون الرسالة ومنهم المهادرزيّة يزعمون أنّ المبدأ ثلاثة أخوة أحدهم مهادرز فاحتال أخواه في المكر به فعثرت به دابّته فسقط ميتاً فسلخا جلده وبسطاه على وجه العالم فصار من جلدته هذه الأرض ومن عظامه الجبال ومن دمائه الأودية والأنهار ومن شَعْره الأشجار والنبات هذا ما بلغنا من مذاهب سكّان الأرض والقدماء في هذا الباب وقد أشرنا إلى فساد مذهبهم ومذهب مَنْ يقول بقدم العالم أو شيء مع الله تعالى بما فيه كفاية وغُنية وهذه الحكايات كلّها إن لم يكن شيء منها زُمراً أو ألغازاً أو تمثيلاً أو روايةً عن كتاب من كتب الله أو رسول من رُسل الله أو بوفاق ما جاء منهم أو بشهادة العقول قاطبةً فمردودة غير مقبولة ومحمولة على تمويه واضعها وتزوير مبتدعها وليس في كثرة الترداد والتكرار كثير فائدة ومتى مرّنْتَ نفسك على تحفّظ مسألة إحداث العالم استغنيتَ عن كثرة الخوض في الفروع التي بنيت على أصل القدم [٢٨] لأنّه إذا وَهَى البناء وضعُف لم يَثْبُت فروعُه ولا قامت أركانه،

стр. 145

ذكر مقالات أهل الكتاب في هذا الباب ، قرأت في كتاب موسوم بشرائع اليهود أن جماعة من علمائهم نهوا عن التفحص عن هذا الباب والشروع فيه وزعموا أنه لا ينبغي للإنسان أن يبحث عما يتعجب منه ويخفى عليه وزعم بعضهم أن الشيء الذي خلقه الله تعالى في الابتداء سبعة عشر شيئاً خلقها الله بلا نطق ولا حركة ولا فكرة ولا زمان ولا مكان وهي المكان والزمان والريح والهواء والنار والماء والأرض والظلمة والنور والعرش والسموات وروح القدس والجنة وجهنم وصور جميع الخلائق والحكمة قال ومخلوقه ذو جهات ست وهو محصور بين هذه الجهات التي هي الأمام والخلف والعلو والسفل واليمين والشمال وزعم بعضهم أن أول ما خلق الله سبعة وعشرون شيئاً فذكر هذه السبعة عشر وأضاف إليها كلام موسى الذي سمعه وجميع ما رأته الأنبياء والمن والسلوى والغمام والعين التي ظهرت لبنى إسرائيل والشياطين واللباس الّذي ألبس آدم وحوّاء وكلام الجبّار الذي كلم به بلعام هكذا الحكاية عنهم والمسطور في أوّل سفر من التوراة بالعبرانيّة برشست بارا ايلوهيم ايث هشومائم وانث هو اورس وهو اورس هو ننو ثوهم

стр. 146

وحوشخ على هي تهوم يقول أول شيء خلقه السماء والأرض وكانت الأرض جزيرة خاوية مظلمة على الغمر وريح الله يزف على وجه الأرض كذا فسره المفسرون فلا أدري كيف خالفته الحكاية عنهم ضمن التورية ولعل ما ذكروه في بعض أسفارهم لأنّ التوراة مشتملة على عدة كتب من كتب الأنبياء والله أعلم وأما النصارى فدينهم في هذا دين اليهود لانّهم يقرءون التوراة ويقرون بما فيها والصابئون محرون في مذهبهم فأكثر الناس على أن دينهم بين دين اليهود والنصارى فإن كان كذلك فقولهم قولهم وحكى زرقان أن الصابئين يقولون بالنور والظلمة على نحو ما يقوله المنانيّة والله أعلم، ذكر قول أهل الإسلام في المبادئ وما جاء من الروايات فيها ، حدثنا الحسن ابن هشام ببلد قال حدثني ابراهيم بن عبد الله العبسي حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي طبيان عن ابن عباس ﵁ قال أول ما خلق الله من شيء القلم قال اكتب فقال أي ربي وما أكتب قال القدر فجرى القلم بما هو كائن من ذلك اليوم إلى يوم القيامة قال ثم خلق النون فدحا الأرض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات فاضطربت النون

стр. 147

فمارت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال تنفجر على الأرض إلى يوم القيامة وحدثنا عبد الرحمن بن أحمد المروزي بمرو حدثنا السراج محمد بن إسحاق حدثنا قتيبة بن سعد حدثنا خالد بن عبد الله بن عطاء عن أبي الضحا عن ابن عباس ﵁ قال أول شيء خلق الله ﵎ القلم فقال له اكتب ما يكون إلى يوم القيامة ثم خلق نون فكبس عليها الأرض يقول الله تعالى ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ٦٨: ١ وحدثني محمد بن سهل باسوار حدثنا أبو بكر بن زيان حدثنا [؟] عنه عيسى بن حماد [٢٨] عن الليث بن سعد عن ابى هانئ عن ابى عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال كتب الله بقادر [١] كل شيء قبل أن خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام وقد اختلفت الروايات عن ابن عبّاس رضى الله عنه فروى عنه أول ما خلق الله القلم وروى عنه سعيد بن حبير أول ما خلق الله العرش والكرسي وروى أول ما خلق الله النور والظلمة وروينا خلاف ذلك كله عن الحسن أنه قال أول ما خلق من شيء العقل وروى عنه أوّل ما خلق الله

стр. 148

الأرواح وفي رواية أبي الوليد عن أبي عوانه عن أبي بشر عن مجاهد قال بدء الخلق العرش والماء والهواء وخلقت الأرض من الماء وحدثني حاتم بن السندي بتكريت حدثنا أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم كما وصف لكم وأما حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطا عن وكيع بن حرس عن عمه أبي رزين العقيلي أنه قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن خلق السموات والأرض قال كان في عماء ما تحته هواء ولا فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء فإنه إن صح وصح تأويل من تأول العماء السحاب والغمام دل أن خلق الغمام المذكور في الخبر والقرآن كان قبل خلق السموات والأرض وقد روى أن النبي ﷺ قال كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام [١] ووضعه على العرش فإن صحت الرواية دل أن خلق العرش كان قبل سائر الخلق وفي كتاب أبي حذيفة عن حبير عن الضحاك عن ابن عباس رضى

стр. 149

الله عنه أن الله لما أراد أن يخلق الماء خلق من النور ياقوتة خضراء ووصف في طولها وعرضها وسمكها ما الله به عليم قال فلحظها الجبار لحظة فصارت ماء يترقرق لا يثبت في ضحضاح ولا غير ضحضاح يرتعد من مخافة الله ثم خلق الريح فوضع الماء على متن الريح ثم خلق العرش فوضعه على متن الماء فذلك قوله تعالى وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ١١: ٧ وروى عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن ابن حبير قال سألت ابن عباس ﵁ عن قوله تعالى وكان عرشه على الماء فعلام كان الماء قبل أن يخلق شيئاً قال على متن الريح فإن صحت الرواية عن الضحاك دل أن النون قبل خلق الماء وامّا محمّد بن إسحاق فإنّه يقول في كتابه وهو أول كتاب عمل في بدء الخلق لقول الله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ١١: ٧ فكان كما وصف نفسه ﵎ إذ ليس إلا الماء عليه العرش ذو الجلال والإكرام والعزة والسلطان فكان أول ما خلق النور والظلمة ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما وجعل النور نهاراً مضيئاً مبصراً ثم سمك السموات السبع من دخان الماء حتى استقللن ثم دحا الأرض

стр. 150

وأرساها بالجبال وقدر فيها الأقوات ثم استوى الى السماء وهي دخان، لا يختلف أحد من المسلمين ومن يدين الله بالكتاب والرسالة أن ما دون الله تعالى مخلوق محدث وإن لم يذكر خلقه وإحداثه وإنما مرادنا أن نعرف أول ما خلق الله منه إن كان ذلك ممكناً منه اختلف الرواة عن وهب بن منبه وغيره من منى [٢٩] أهل الكتاب فروى عن عبد الله بن سلام أنه قال خلق الله نوراً وخلق من ذلك النور ظلمةً وخلق من تلك [١] الظلمة نوراً وخلق من ذلك النور ماءً يخلق من ذلك الماء الأشياء كلها وعن وهب بن منبه قال وجدت فيما أنزل الله على موسى بن عمران عليه السلم أن الله لما أراد خلق الخلق خلق الروح ثم خلق من الروح الهواء ثم خلق من الهواء النور والظلمة ثم خلق من النور الماء ثم خلق النار والريح وكان عرشه على الماء وسمعت بعض الشيعة يزعمون أن أول ما خلق الله نور محمّد وعليّ ويروون فيه رواية والله اعلم بحقها وقد ذكرت حكماء العرب ومن كان يدين الله منهم بدين الأنبياء في أشعارها وخطبها كيف كان مبدأ الخلق

стр. 151

فمنه قول عدي بن زيد العبادي وكان نصرانيّا يقرأ الكتب [بسيط] اسمع حديثاً لكي يوماً تجاوبه ... عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا إن كيف أبدى إله الخلق نعمته ... فينا وعرفنا آياته الأولا كانت رياحا وماء ذا عرانية ... وظلمة لم يدع فتقاً ولا خللا فأمر الظلمة السوداء فانكشفت ... وعزل الماء عما كان قد شغلا وبسط الأرض بسطاً ثمّ قدّرها ... تحت السماء سواء مثل ما فعلا وجعل الشمس مصيراً لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فضلا قضى لستة أيام خلائقه ... وكان آخر شيء صور الرجلا وقد حكى الفرس عن علماء دينهم وموبذيهم أول ما خلق الله السموات والأرض ثم النبات ثم الإنسان، ذكر تصويب أرجح المذاهب ، أقول أن رأى من رأى تقديم [١] أحد الأركان على غيره هو محتلّ واه لأنّهم يختلفون في الاستحالة والفساد وكيف يصح على رأي تاليس الماء وهو عنده مستحيل من الأرض وعلى رأي يراقليطس [٢] النار وهي مستحيلة عنده

стр. 152

من الهواء وكذلك سائر الأركان أم كيف يجوز عندهم تولّد حيوان أو تركّب نبات من غير اجتماع هذه الأخلاط الأربع فيها لأن ما تفرد بطبع واحد لا يوجد منه غير حركته الطبيعية أو من زعم بابتداء البسائط ثم العناصر المركبة فإنه يفحش قوله لأن البسائط أعراض لا تقوم بذواتها ولا بد لها من حامل فكيف يصح وجودها بلا حامل وكذلك من زعم النور والظلمة لأنهما عرضان لا جسمان والأصح على مذهب هؤلاء ما رأى اثمادقليس من تقدم الاسطقسات الأربع وفساد هذا ظاهر عند المسلمين بأن الاسطقسات لا تخلو أن تكون أعراضاً فإن كانت أعراضاً فالعرض لا يقوم بنفسه أو يكون أجساماً وحد الجسم ما ذكرناه وإثر الحدث مقارن له أو يكون لا أجساماً ولا أعراضاً فهذا غير معقول عند المسلمين إلا البارئ ﷻ فإنه خلاف خلقه من جميع الوجوه وإذا لم تكن [٢٩] أجساماً ولا أعراضا عندهم فلا بدّ أن يكون هو الهيولى الموهوم في مذهبه وهذا شيء لو كان موهوماً لما جاز وقوع الاختلاف فيه إلا من معاند كما لا يجوز وقوع الاختلاف في المعقول إلا من معاند مع أن الوهم لا يحصر ما لا حدّ له ولا صفة من

стр. 153

لون أو مقدار أو شيء من الأعراض المحسوسة وجملة هذا القول في هذا الباب مراعاة إثر الحدث فيما سوى البارئ ﷻ فإذا ثبت ذلك علم أن ما كان محدثاً فلا بد له من ابتداء وإذا كان لا يقول بحدث العالم إلا الموحدون لم يوجد ابتداء ذلك إلا من جهتهم وهم يختلفون في الرواية عن علمائهم في الظاهر ومتفقون في المعنى إذا انعموا النظر فأما أهل الكتاب وما حكى عنهم فمحتمل غير أنه لا يجوز القطع به ما لم يصدقه كتابنا أو خبر نبينا ﷺ لما وقع فيهم من التحريف والتبديل ولأنه خلاف ما ذكر في أوّل التوراة في ابتداء الخلق فالذي يوجبه العقل أن يكون مكان كل متمكن سابق له وإن لا يحل حركة إلا في جسم ولا يوجد إلا في زمان وإن لا يصح فعل اختيار وتدبير إلا من حي عالم وإن لا يحدث شيء إلا من شيء وإن الأركان الأربع سابقة للأجسام فمن قال بقدم هذه المذكورات دخل في جملة المخالفين ونقضت عليه آثار الحدث فيها ومذهبه ومن قال بحدثها فما حاجته إلى تقديم ما قدم منها وقد أقر بأن الله أحدث الزمان من غير زمان والمكان في غير مكان والأركان من غير أركان اللَّهمّ إلا أن يعمد فيه شيئاً

стр. 154

من كتب الله فليس يجد في كتاب أول ما خلق ما هو فيقضي على ما خالفه بالرد والإنكار ولا بد لكل حادث من غاية ينتهي إليها كقولنا الساعة من اليوم واليوم من الأسبوع والأسبوع من الشهر والشهر من السنة والسنة من الزمان والزمان من الدهر فقد انتهى إلى الزمان والزمان غايته وكما نقول فلان من فلان وفلان من فلان كما ترفع مثلاً نسب رسول الله ﷺ إلى أدم ثم يقال وآدم من تراب فالتراب آخره وكذلك سائر الأشياء الحادثة لا بدّ لها من غاية هذا ما يعاينه ويشاهده فلذلك وضعنا ما روينا عن أهل الكتاب على وجه الاحتمال فقد ذهب بعض أهل الإسلام إلى أن أول ما أحدث الزمن العلوي وهو وقت يظهر فيه الفعل ليس السفلي الذي هو من حركات الفلك ثم المكان الذي هو غير متجزئ ولا متماسك وهو فضاء وبسيط ذاهب خلاء محيط بالعالم قال وليس الهواء من الفضاء في شيء لأن الهواء جسم متجزئ ومنتشر وليس الخلاء بمتجزّئ ولا محسوس ومعنى قوله التجزّي أن الخلاء لا يدخل العالم منه شيء إلا يتحلله بتةً والهواء ما بين السماء والأرض ولا يخلو منه شيء والخلاء ما فيه السماء والأرض

стр. 155

والهواء ثم الأجسام بأعراضها كذا رأيت في بعض كتبهم والله أعلم فإذا سأل سائل عن ابتداء الخلق فجوابه أن ما دون الله مخلوق نعم سؤالك عن العالم العلوي أم العالم السفلي أم عن الآخرة الموعودة أم عن الدنيا الفانية [٣٠] لأن كل شيء من هذه الأشياء ابتدأ منه ابتداء ونشو فإن قيل هل غير الدنيا والآخرة شيء قيل العرش والكرسي والملائكة واللوح والقلم وسدرة المنتهى مخلوقة كلها ولا تعد [١] من الدنيا ولا من الآخرة وكذلك الجنة والنار والصراط والميزان والصور والأعراف والرحمة والعذاب مخلوقة عند كثير من الأمة ثم من بعدهم من أهل الكتاب ولا يعد من الدنيا ولا من الآخرة فإن قيل فقد قال الله تعالى فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ٥٣: ٢٥ ولم يذكر شيئاً غيرهما قيل ولم يذكر الأشياء غيرهما مع أكثر أهل التفسير يقولون معناه للَّه الحكم في الآخرة والأولى وقد قال رسول الله ﷺ ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا إلا الجنة والنار لأنه لا شيء غيرهما وإنما يصح هذا إذا عرفت الدنيا والآخرة ما هما على انّه لا عتب

стр. 156

على من عد ما ذكرناه من أمر الآخرة ولا مضايقة فيه بعد أن اعتقدها كما جاءت به كتب الله وينبغي أن يعلم أن كلما دون الدنيا روحاني حيواني خلق للبقاء والخلود على الأبد لا يجوز عليه الانحلال والدثور بقول الله تعالى وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، ٢٩: ٦٤ ذكر أول ما خلق في العالم العلوي من الحيوانات يدل على أن أول ما أوجده الله تعالى القلم واللوح على رواية أبي ظبيان عن ابن عباس ثم العرش والكرسي على رواية مجاهد وقد قال قائل أن أول ما خلق الروح والعقل على رواية الحسن لأن في رواية ابن عباس أنه قال للقلم اكتب فقال أي رب وما اكتب والأمر في الحقيقة والجواب لا يصح إلا من حي عاقل قال ثم الحجب ومنها الغمام والنور والملائكة ثم الرحمة والعذاب يعني الجنة والنار والصراط والميزان وغير ذلك مما ذكر وأول ما خلق في العالم السفلي من الحيوانات الماء والهواء كما قال مجاهد وخلقت الأرض من الماء فهذه أركان العالم ثم النور والظلمة ومن الناس من يفرق بين النور العلوي

стр. 157

والنور السفلي بأن هذا جسم لطيف وذلك روح خالص مع اختلافهم في الروح أجسم هو أم غير جسم وسيمر بك في بابه مشروحاً مفسراً إن شاء الله فإذا سأل سائل مم خلق الخلق قيل أن الخلق أجزاء مختلفة فعن أي جزء من أجزاء الخلق سؤالك ولن يجاب حتى يشير إلى ما أردنا فإن سأل عن الأرض قيل من زبد الماء كما جاء في الحديث والخبر وان سأل سائل عن السماء قيل من دخان الماء وإن سأل عن الكواكب قيل من ضوء النهار وإن سأل عن الأركان المركبة قيل من البسائط المفردات وإن سأل عن البسائط قيل يمكن أن يكون خلقت مما خلق قبلها ويمكن أن يكون خلقت لا من شيء لأنا نرى الله يخلق الشيء من الشيء ويخلق من لا شيء وقد دللنا على أن لا شيء غير الله تعالى إلا مخلوق وأن الله ابتدعه بدئاً لا من شيء كما شاء ما لا حاجة إلى إعادة القول فيه بقول الله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ٢: ١١٧ وقال الله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ من ماءٍ ٢٤: ٤٥ وقال الله خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ ٤: ١ وقال خَلَقَ الْإِنْسانَ من صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ من مارِجٍ

стр. 158

من نارٍ ٥٥: ١٤- ١٥ مع سائر ما وصفت أنه خلقه من خلق خلقه قبله [٣٠] وكذلك يفعل الشيء بسبب ويفعله بلا سبب موجب قال الله تعالى وَأَنْزَلَ من السَّماءِ ماء فَأَخْرَجَ به من الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ٢: ٢٢ فأخبر أنه جعل سبب إخراج الثمر والنبات إنزال الماء وكذلك جعل سبب كون الإنسان النطفة وسائر ما يوجده ويحدثه وقد أوجد أمهات هذه الأسباب بغير سبب موجب لها بل بقدرته وحكمته وإن سأل سائل فيم خلق قيل فيم سؤال عن المكان ولا مكان ألا وهو مفتقر إلى مكان وقد سبقت الدلالة على فساد الحلول بما ليست له نهاية فلو قال القائل أن العالم لا في مكان لكان قولاً لأنه ليس بأعجب من إقراره بإيجاد الأعيان لا من غير سابقة وقد قيل أنه في خلاء وهو مكان له وزعم آخرون أن العالم بعضه مكان لبعض وفي كتاب وهب بن منبه أن السموات والجنة والنار والدنيا والآخرة والريح والنار كلها في جوف الكرسي فإن صحت الرواية كان الكرسي مكاناً لهذه الأشياء والله اعلم وأحكم،

стр. 159

وإن سأل كيف خلق قيل كيف سؤال يقتضي التشبيه في الجواب وليس نعلم العالم مثلاً غيره فنشبهه به ولكنا مشاهدين له عند أحداثه ولا فعل الله تعالى بحركة ولا معالجة والكيفية منتفية عن فعله كما هي منتفية عنه سبحانه فإن أردت كيف أوجده من عدم فكيف تراه أجساماً وجواهر حاملة للأعراض قال له كن فكان كما أخبرنا عنه وإن أردت شكلاً وهيئة لفعله فهذه من حالات الأعراض التي تتعاقب على المخلوقين فإن سأل سائل متى خلق قيل متى سؤال عن المدة والوقت من الزمان والمدة عندنا من حركات الفلك ومدى ما بين الأفعال وقد قامت الدلالة على حدث الفلك ولا يطلق المسلمون القول بأن الله تعالى لم يزل يفعل لأن ذلك يوجب أزلية الخلق ويؤدي إلى قول من يرى المعلول مع العلة حتى يكون بين فعل سابق له إلى أن فعل العالم مدة وقد زعم بعض الناس أنه أحدث زماناً أوجد فيه العالم كمن قال أنه أحدث مكانا أوجد فيه العالم فقال قوم الزمان ليس بشيء وإن سأل سائل لم خلق قيل لم سؤال عن العلة الموجبة للفعل وفاعل ذلك مضطر غير مختار والمضطر مقهور مغلوب ولا يجوز ذلك في

стр. 160

صفة القديم فإن أردت بالعلّة الغرض المقصود في الخلق فهو ما ذكرناه في أول هذا الفصل أنه خلق الخلق لرأفته ورحمته وجوده وقدرته لينفعهم وليأكلوا من رزقه وليتقلبوا في نعمته ويستحقوا شرف الثواب بطاعته،

стр. 161

الفصل السادس في ذكر اللوح والقلم والعرش والكرسيّ والملائكة والصور والصراط والميزان والحوض والأعراف والثواب والعقاب والحجب وسدرة المنتهى وسائر ما يرويه الموحدون مما يعد من أمور الآخرة واختلاف من اختلف فيها ، ذكر اللوح والقلم قال الله تعالى في محكم كتابه ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ٦٨: ١ وقال في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٥٦: ٧٨- ٧٩ وقال وَكُلَّ شَيْءٍ [٣١] أَحْصَيْناهُ في إِمامٍ مُبِينٍ ٣٦: ١٢ وقال ما فَرَّطْنا في الْكِتابِ من شَيْءٍ ٦: ٣٨ وقال في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٨٥: ٢٢ قال أكثر المفسرين أنه لوح وقلم خلقهما الله كما شاء وألهم القلم أن يجري بما أراد وجعل اللوح واسطة بينه وبين ملائكته كما جعل الملائكة واسطة بينه وبين رسله ورسله واسطة بينه وبين خلقه وهذا لا يختلف فيه موحد ولا يسوغ الاختلاف فيه الظاهر

стр. 162

النص من الكتاب والسنة فإن خطر خاطر بأنه أية فائدة في اللوح والقلم فليقل له بأنّ أسرار حكمة الله عن العباد محجوبة إلا ما أطلعهم عليه وما طوى عنهم فليس إلا التصديق به والاستسلام له لقول الله يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ١٣: ٣٩ واعلم ان الكلام في هذا الفصل مع من يؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله لأن هذا سبيله سبيل الخبر والسمع والمسلمون وأهل الكتاب قاطبة قد تلقوه بالقبول وقد قال قائل أن الله ﵎ لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هو كائن وما هو مكونه فأجرى القلم به في اللوح وروى فيه أخبار مسطرة في كتب أهل الحديث رضينا بما صح منها واستسلمنا له وجاء في ذلك القلم أن طوله ما بين السماء والأرض وأنه خلق من نور وفي صفة اللوح أنه لوح محفوظ طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب معقود بالعرش يصك ما بين عيني إسرافيل وهو أقرب الملائكة إلى العرش فإذا أراد الله ﵎ أن يحدث في خلقه شيئاً قرع اللوح جبهة إسرافيل فأطلع فيه فإذا فيه ما أراد الله تعالى بقول الله يَمْحُوا الله ما يَشاءُ

стр. 163

وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ١٣: ٣٩ فيأمر به جبرئيل أو من يليه من الملائكة وأكثر أهل الدين على أنّ البارئ لا يسمع كما أنه لا يلمس وإنما يسمع كلامه كما يلمس خلقه هذا قول أهل الإسلام وقد ذهب قوم من المتسترين بالدين إلى تأويلات مكروهات مردودات فزعم بعضهم أن معنى القلم العقل لأنه دون البارئ جل وعز في الرتبة وجرى بنفسه لأن العقل يدرك الأشياء بغير واسطة قال ومعنى اللوح المحفوظ النفس لأنه دون العقل في الرتبة يدبرها العقل كما جرى القلم في اللوح المحفوظ وزعم أن القلم واللوح غير محدثين ولا مخلوقين وقد دللنا على حدث العقل والنفس في الفصل الثاني بما يجري عليهما من الزيادة والنقصان والسهو والضعف والثقلة [١] والتجزّي بتفرق الهياكل والأجسام وحاجة العقل إلى التجربة والامتحان وحاجة النفس إلى الغذاء والقوام ما فيه كفاية وبلاغ وذلك أن القديم البارئ لا يجوز عليه شيء من هذه العوارض وزعم آخرون أن اللوح هو العالم السفلي والقلم العالم العلوي يؤثر في السفلي وبعضهم يزعم أن القلم هو الروح واللوح الجسد وأهون

стр. 164

الأمور إنكار اللوح والقلم وسائر ما وصف من أمر الآخرة والدخول في الإلحاد المحض حتى يقع الكلام معهم من حيث ينبغي أن يقع لأن هذه الأشياء من شرائع الأنبياء عليهم السلم فكما لم يوجبها العقل فكذلك لا يرد تأويلها إلى العقل بل تسلم كما جاءت، وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن الله تعالى خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء قلمه نور وكلامه بر [٣١] ينظر الله فيه كلّ يوم ثلاثمائة وستين نظرة يحيي بكل نظرة ويميت بكل نظرة ويرفع ويضع ويعز ويذل ويخلق ما يشاء ويحكم ما يريد والله أعلم واحكم وقد دللنا لك أن كل ما كان من أمر الآخرة فروحاني حيواني وإن شارك جسمانياً في الأسامي فمن ذلك قوله درة بيضاء وياقوتة حمراء. ذكر العرش والكرسي وحملة العرش قال الله ﵎ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ من حَوْلِ الْعَرْشِ ٣٩: ٧٥ وقال وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ٦٩: ١٧ فذكر العرش في غير موضع من كتابه وقال وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ٢: ٢٥٥ فلم يجز وقوع الاختلاف فيه بين المسلمين لظاهر شهادة الكتاب وإنما اختلفوا في

стр. 165

التأويل فقال بعضهم أن العرش شبه السرير واستدلوا على قولهم بقوله أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها ٢٧: ٣٨ وبقوله وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ١٢: ١٠٠ وكثير من أهل التشبيه يذهب إلى إنه كالسرير له وهو مذهب أهل الكتاب ومن كان من العرب بدينهم يدل عليه قول أميه بن ابى الصلت [كامل] شد القطوع على المطايا ربنا ... كل بنعماء الإله مقيّد فاصحن [١] وافترش الرحائل شرجع ... نفح على اثباجهن مؤكد بفصوص ياقوت وكظ بعرشه ... هول ونار دونه تتوقد [٢] فعلا طوالات القوائم فاستوى ... فوق الجلود ومن أراد مخلد وقال أيضا [خفيف] مجدوا الله وهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا ذلك المنشئ الحجارة والموتى ... وأحياهم وكان جديرا بالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا شرجعاً لا يناله بصر الناس ... ترى دونه الملائك صورا

стр. 166

وقال لبيد [كامل] للَّه نافلة الأجل الأفضل ... وله العلى ولبيت كل مؤثل سوى فأغلق دون غرفة عرشه ... سبعاً طباقاً دون فرع المعقل وقال كثير من المسلمين أن العرش شيء خلقه الله لمنتهى علم عباده وتعبد الملائكة بتعظيمه والطواف حوله ومسألته الحوائج عنده كما تعبد الناس بتعظيم الكعبة واستنجاح الحوائج لديها والصلاة [١] له إليها لا أن يكون ذلك مكاناً له أو حاملاً جل وتبارك البارئ أن يكون محمولاً أو محدوداً أو محاطاً وبعضهم يقول العرش الملك ويتأول قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ٢٠: ٥ قال استولى على الملك واحتج بقول الشاعر [طويل] إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم ... وأودت كما أودت إياد وحمير [٣٢] وأما الكرسي فخلق مثل العرش وقد روينا عن الحسن أنه قال الكرسي هو العرش وجاء في بعض الروايات أن الكرسي بين يدي العرش كدرة بأرض فلاة والسموات السبع

стр. 167

والأرضون السبع وما فيها بجنب الكرسي كحلقة من حلق الدرع في أرض فيحاء ومن المسلمين خلق كثير يذهبون إلى أن الكرسي هو العلم واستدلوا بقوله تعالى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ٢: ٢٥٥ قالوا معناه أحاط علمه بها وبما فيها والكراسي العلماء وانشدوا بيتا [طويل] تحف بهم بيض الوجوه وعصبة ... كراسي بالإحداث حين تنوب وقد روى أصحاب الحديث أن الكرسي موضع القدمين والله أعلم بصدقه وتأويله إن صح لأن مذهبنا تسليم ما قصر عنه علمنا، وأما حملة العرش الملائكة خلقوا لذلك فيوصف من أقدارها وأجسامها ما الله به عليم قالوا وهم اليوم أربعة وجه أحدهم على صورة وجه النسر والثاني كوجه الأسد والثالث كوجه الثور والرابع كوجه الرجل فإذا كان يوم القيمة ضمت إليهم أربعة أخرى بقول الله سبحانه وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ٦٩: ١٧ وفي رواية ابى إسحاق أن رسول الله ﷺ أنشد قول أميّة بن ابى الصلت [كامل]

стр. 168

حبس السرافيل الصوافي تحته ... لا واهن منهم ولا مستوغد رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد فقال عليه السلم صدق هكذا الرواية والله أعلم بصدقها وقد يستدرج أهل الزيغ الأغمار من الأحداث بالأول والثاني والثالث والرابع يعنون بالأول القلم وهو عندهم العقل وبالثاني اللوح وهو عندهم النفس وبالثالث العرش وهو عندهم الفلك المستقيم والضابط للأفلاك وبالرابع الكرسي وهو فلك البروج عند بعضهم لأن المنجمين مختلفون في هذا التقسيم والملائكة الّذين هم حملة العرش الأركان الأربع وهذه الأشياء عندهم لم يزل ولا يزال فكيف يصح الخبر عنها بالأول والثاني والثالث لأن كلها أوائل عندهم كما يزعمون وما الفرق بينهم وبين من عارضهم من المشبهة بأن العرش ممهد والكرسي مستقر القدمين مع وفاق ظاهر اللفظ لتأويلهم لبعده عن تأويل الزائغين لأنا لم نجد شيئاً في كتب المنجمين وأهل الطبائع بأنهم سموا العقل قلماً والنفس لوحاً والفلك عرشاً يعرفونها بأسمائها المشهورة عند سامعيها ونعوذ باللَّه من الخذلان والحرمان وسوء الاختيار والعجز عن إتباع الحق،

стр. 169

في ذكر الملائكة وما قيل في صفاتها ، روى المسلمون أن الملائكة خلقت من نور وذكر ابن إسحاق أن أهل الكتاب يزعمون أن الله خلق الملائكة من نار والنار والنور واحد في معنى اللطافة والضوء ويمكن التوفيق بين الخبرين بأن ملائكة الرحمة خلقوا من نور وملائكة العذاب خلقوا من نار ولا نعلم أحداً ممن يدين الله بدين إلا وهو مقر بالملائكة وإن كانوا مختلفين في قدمها وحدوثها وهيئاتها فمنه قول أمية بن أبي الصلت [كامل] يتنابه المتنصفون بسجرة ... في ألف ألف من ملائك [١] يحشد [٣٢] رسل يجوبون السماء بأمره ... لا ينظرون ثواء من يتقصد فهم كأوب الريح بينا أدبرت ... رجعت بوادي وجهها لا تكرد حذّ مناكبهم على أكتافهم ... زف يزف بهم إذا ما استنجدوا وإذا تلاميذ الإله تعاونوا ... غلبوا ونشطهم جناح معتد نهضوا بأجنحة فلم يتواكلوا ... لا مبطئ منهم ولا مستوغد واختلف المسلمون في عدم البصر والحواس لهم فمن قائل أنّ

стр. 170

البصر يفقدهم [١] للطافة أجسامهم وأجزائهم لا لون لها البصر لا يدرك إلاّ ذا لونٍ وكذلك قالوا أليس نحسّ بها وهي معنا حَفَظة علينا والهواء أغلظ وأكثف من الملائكة فإذا كنّا لا نُحِسّ به حادثاً من حركة واضطراب فكيف بالروحانيّين الذين هم ألطف وألطف وقالوا فيما ناقضهم المخالفون به من صفة الله إيّاهم في كتابه بالغلظة والشدّة فقال مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ ٦٦: ٦ وما جاء من عظيم صفاتهم وعُظم أجسامهم وإن الملك كان يأتي النبيّ ﷺ وعلى آله في صورة الرجل وكذلك سائر الأنبياء أنه غير منكر أن يُحدث الله تعالى في الملك شيئاً ومعنىً يُرى ويُشاهَدُ إذا أراد ذلك كما يحدث في الجوّ فيتركّب وينعقد غمامٌ من أجزاء الهباء لا يدركها البصر ثم ينحلّ ويتفرّق حتى لا يُرى كما كان أوّلاً وكذلك حال الجنّة والشياطين وسائر الروحانيّين من الخلق وأيضاً فإنّ الملك سُمّى هذا الاسم لدُؤُوبه في الطاعة وانقياده لِما يُراد منه تخصيصاً وتفضيلاً فغير بعيد أن يكون الملائكة أصنافاً روحانيًّا وجسمانيًّا ونامياً وجامداً وقد جاء في بعض الأخبار أنّ

стр. 171

الرعد مَلَك والنار ملك والملائكة يسجدون جنودُ الله ورُسُلُه وسفراؤه وأولياؤه بقول الله وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ٤٨: ٤ وقيل الجراد جند من جنود الله والنمل جند من جنود الله ألا ترى أنّه لمّا بلغ معاوية أنّ الاشتر قد أُمّر فسُقي سمًّا في سَوِيق وعَسَل قال ما أبردها على الفؤاد إن للَّه جنودا من عسل وقيل الأرض ملك والسماء ملك حتّى عدد أكثر أجسام العالم واحتجّوا بقول الله قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ٤١: ١١ والقول هو الأوّل فإن كان جائزاً إطلاق اسم الملك على هذه الأشياء فيكون مجازاً لا حقيقةً، ذكر اختلاف الناس في الملائكة ما هي أمّا المسلمون وأهل الكتاب فيقولون هم خلق روحانيّون كما ذكرناه آنفاً وكان مشركو العرب يزعمون أنّ الملائكة بنات الله وأنّه صاهر الجنّ فولدت له قال الله تعالى وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ٦: ١٠٠ وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ٤٣: ١٩ وقالت الحرّانيّة الملائكة النجوم وهي المدبّرات للعالم وهو أحدث الباطنيّة فزعمت انّها سبعة واثنا عشرة وتأوّلت قوله عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ٧٤: ٣٠ والخُرَّميّة يُسمّون رُسُلهم الذين يتردّدون فيما بينهم

стр. 172

ملائكة وأمّا المجوس فلا ينكرون الملائكة وأنهم خلق غائب عنهم ويسمّونهم شتاسبندان في ملّتهم الإقرار بهم والتصديق وزعم قوم أنّ الملائكة هي النفوس الصافية وذلك وانّ الإنسان إذا بالغ في الارتياض [٣٣] بمعرفة حقائق الأشياء واجتهد في اقتناء الفضائل واختيار المحامد اتّصل بالعالم العلويّ فصار عند مفارقة الهيكل عقلاً خالصاً ونفساً صافيةً فيسمّونه حينئذٍ المَلَك قالوا وأقصى الدرجات في الأسفل النبوّة وهي تنال بالعلم والعمل وفي الأعلى الملائكة وهي ينالها من نال النبوّة في الأسفل وزعمت فرقة أنّ الملائكة أبعاضٌ من الله وأجزاء وعندهم أنّه ﵎ شيءٌ بسيط روحانيّ وسمّاهم أُميّة في شعره تلاميذ الله وأعوانه مع مقالات كثيرة متباينة وليس هذا الباب ممّا يدرك بالعقل ولكنّه يُعرَف فإذا كان هذا سبيله فلا معنى لردّ ما سبيله الخبر إلى غير الخبر، ذكر صفات الملائكة روى ابن اسحاق الواقديّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلّم قال أَلاَ أُحدّثكُم عن مَلَكٍ من ملائكة الله أذن لي ربّي في الحديث عنه قالوا بِلى يا رسول

стр. 173

الله قال إنّ للَّه ملكاً قد نفذ بقدمه الأرض السُفلى ثمّ خرج من هواء ما بين ذلك حتّى أنّ هامته لتحت العرش والذي نفس محمّد بيده لو سُخّرت الطير فيما بين عُنُقه إلى شحمة أُذنه لحففت فيه سبعمائة عام قبل أن يقطعه وروى ابن جُريح عن عكرمة عن ابن عبّاس رضى الله عنه أنّ النبيّ ﷺ قال لجبرئيل إنّي أُحبّ أن أراك في صورتك الّتي تكون عليها في السماء قال لا تقوى على ذلك قال بلى قال فأين تُحب أن أتخيّل لك قال في الأبطح قال لا يَسعُني قال بعرفات قال ذلك بالحَرَى فواعده [١] ذلك وخرج النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم للوقت فإذا هو بجبرئيل قد اقبل من جبال عرفات وقد ملأ بين المشرق والمغرب وسدّ الخافقين رأْسُه في السماء ورجلاه في الأرض وله كذا ألف جناح ينتثر منها التهاويل فلمّا رآه النبيّ ﷺ خرّ مغشيًّا عليه فتحوّل جبرئيل عن صورته إلى صورة التي كان يأتيه فيها وهي صورة دحية الكلبيّ وهو ابن خليفة بن فروة الكلّبي فضمّه إلى صدره فلمّا أفاق قال ما ظننتُ أن للَّه تعالى خلقا يشبهك قال يا

стр. 174

محمد فكيف لو رأيت اسرافيل رأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة وإن العرش لعلى كاهله وأنه ليتضاءل أحياناً من مخافة الله تعالى حتّى يصير كالصعوة وما يحمل عرش ربّك إلاّ عظمته وعن ابن مسعود ﵁ قال أنّ للَّه ملكاً البحار كلّها في نقرة إبهامه وعن كعب الأحبار أنه قال أن للَّه ملكا السموات على منكبه يدور بها كما تدور الرحا وعن ابن مسعود ﵁ في صفة ملائكة العذاب قال ما منهم ملك إلاّ ولو أمره الله أن يلتقم السموات والأرض وما فيهما من شيء لهان ذلك عليه لما عظّم الله من أجسامهم وقد جاء في صفة ملائكة الرحمة وملائكة العذاب وصفة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وغير هؤلاء [١] من الملائكة ما يعتقد المؤمن الإيمان به والتسليم له وجاء في صفة حملة العرش أنّهم ملائكة قدرُ قَدَم أحدهم مسيرة سبعة ألف سنة ولهم قرون كقرون الوعول وقيل العرش على كواهلهم وقيل على مناكبهم ناشية في العرش والله أعلم وأحكم، وروى أبو حُذيفة عن مقاتل عن عطاء أنّ الله يبعث

стр. 175

جبرئيل كلّ يوم إلى جنة العدن فيغمس بجناحيه في نهرها ثمّ يجيء فينفُضها [٣٣] فيسقط من كلّ جناح سبعون ألف قطرة يخلق الله من كلّ قطرة ملكاً قال وما يُقطر من السماء إلى الأرض قطرة إلاّ ومعها مَلَكٌ ينزل إلى الأرض ثم لا يعود إليها قال وما في السموات موضعُ شبرٍ إلاّ وفيه مَلَك قائم أو ساجد أو راكع لم يرفع رأسه منذ خُلِقَ فإذا كان يوم القيامة رفع رأسه فيقول سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك قال وللَّه ملك موكّل بالبحار فإذا وضع قدمه في البحر مدّ وإذا رفعها جزر قال والملائكة أربعة جبرئيل ملك الرسالة واسرافيل ملك الصُور وعزرائيل ملك الموت وميكائيل ملك الرزق ورُوي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنّه قال الرعد ملك موكّل بالسحاب يسوقه من بلد إلى بلد معه كذا من حديد كلّما خالفت سحابة صاح بها والبرق مصعه السحاب به وروى ابن الأنباريّ في كتاب الزاهر أنّ السحاب ملك يتكلّم بأحسن الكلام ويبكى ويضحك والرعد كلامه والبرق ضحكه والمطر بكاؤه وعن كعب لولا أنّ الله وكّل بطعامكم وشرابكم في نومكم ويقظتكم مَن يذبّ عنكم ليحفظكم بقول الله تعالى لَهُ مُعَقِّباتٌ

стр. 176

من بَيْنِ يَدَيْهِ وَمن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ من أَمْرِ [الله] ١٣: ١١ وروى هشام ابن عمّار بن عبد الرحيم بن مطرف عن سعيد بن سلمة عن ابان عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال أنّ للَّه ملكاً له ألف رأس في كلّ رأس ألف وجه في كلّ وجه ألف فم في كلّ فم ألف لسان يُسبّح الله ويُقدسّه كلُّ لسان بألف لغة من التسبيح فهذا وما أشبهه موقوف على صحّة الخبر وصدق الراوي إذ ليس يمتنع عن البارئ شيء وما عسى أن يقوله قائل وهو مُصَدق بابتداع الله أعيان هذا العالم لا من عين سابقة فمن لم يعجز عن هذا فليس عن اعجب منه بعاجز وإذا كانت أحوال الملائكة كما وصفنا من إطلاق اسم الملائكة على الجماد والموات فغير بديع ما حُكى عنهم وقد قيل الريح ملك وقيل من نَفَسِ مَلَك وأَذْكُرُ أنّي حاجنّي رجل من البهافريديّة [١] وهم صنف من المجوس أطلبهم للخير وآلفهم عن الأذى في دفننا موتانا ما تعنينا بذلك فقال أنّ الأرض مَلَكٌ وانتم تلقمونه الموتى فكيف تستحسنون ذلك وقد يرى بعض الناس انّ الشياطين كلّ

стр. 177

شرّير داعر [١] والملك كلّ خير فاضل ومذهب الدنانير ما حكيناه ووصفناه، القول في الملائكة أمكلّفون أم مجبورون وهم أفضل أم صالحو المسلمين قال قوم هم مضطرّون إلى أفعالهم مجبورون عليها وروي عن ابن عبّاس أنّه قال في قوله يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ٢١: ٢٠ أن التسبيح لهم بمنزلة النفس لنا وقال آخر هم مكلّفون مجبورون لأنّ الله تعالى يقول وَمن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ من دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ٢١: ٢٩ ولا يصحّ الوعيد على غير المقدور عليه وقد قال إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ٢: ٣٠ فدلّ هذا القول منهم على اختيارهم وقال لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ٦٦: ٦ ولو لم يكونوا قادرين على المعصية لما كان يمدحهم بترك المعصية ومعنى قوله يسبحون الليل والنهار لا يفترون مدح لهم على المواظبة على الطاعة أو لا يقطعهم عنها ما يقطع الناس من الحوائج والأشغال وقول ابن عبّاس ﵁ أنّ

стр. 178

التسبيح سهل عليهم كالنفس [٣٤] في سرعة المؤاتاة والمطاوعة ويجوز أن يكون من تسبيحهم ما هو اضطرار ومنه ما هو اختيار فإن قيل إذا كانت الطاعة منهم باختيار فهل لهم على ذلك من ثواب فمن قائل أن ثوابهم تقريب المنزلة ورفع الدرجة وآخر أنه زيادة القوّة على الطاعة وتجديد الجِدّ والنشاط في العبادة وآخر أنه اخدامهم أهل الجنّة وليس الثواب كلّه المطعمُ والمشربُ لأنهم ليسوا بذوي أجسام مجوّفة فيُلجئهم الحاجة إلى ما يحتاج إليه ذوو الأجسام المجوّفة وقد قيل أنّ ثوابهم أن يستجيب دعاؤهم في الموحّدين وذلك قوله تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ به ٤٠: ٧ ويستغفرون للذين آمنوا ربّنا وسعت كلّ شيءٍ رحمة وعلما الآية فطاعتهم مذخلقوا ان يستجاب في الموحّدين ولهم مسألة وتضرّع وطاعتهم بعد ذلك بشكر وبعرف [١] واختلفوا في الملائكة وصالحي المؤمنين أيّهم أفضل فذهب كثير من المسلمين إلى تفضيل الملائكة واحتجّوا بقوله تعالى قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ٦: ٥٠

стр. 179

وقوله تعالى فيما يحكى عن الشيطان ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا من الْخالِدِينَ ٧: ٢٠ وقول صواحب يوسف ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ١٢: ٣١ وقوله تعالى لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ٦٦: ٦ وقوله تعالى يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ٢١: ٢٠ وقوله وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ من الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ١٧: ٧٠ فلمّا لم يقُلْ على من خلقنا علمنا أن هاهنا من هو أفضل منهم قالوا وهل يستوي حال من لا يُعصى قطّ وحال من لا يتعرّى عن معصيته وكيف بفضيلة عمل مَنْ أقصى عُمره مائة سنة وفضيلة مَنْ عُمره الأبد وذهب إلى أنّ صالحي المؤمنين أفضل لمكابدتهم مشقّة الطاعة مع منازعة الشهوة وممانعة الشيطان والعمل بالغيب خوفاً وطمعاً وإنّى يقع طاعة من أُصْفِي عن شوائب الهوى وأُخْلص من مزاحمة [١] الشهوة وأُمِدّ بظلّ العصمة وحُرسَ من الوساوس من طاعة مجبول على الهوى مطبوع على الشهوات موكّل به أعداء من نفسه وجنسه وشيطانه وانّما يستحقّ

стр. 180

العمل تمام الفضيلة باحتمال الكدّ والعناء والمشقّة فيه قالوا وليس ينكر [١] أن الملائكة أفضل من الناس ومن كثير من أهل الإسلام حتّى تكرمنا [٢] ما تلاه خصمنا من الآيات وإنّما تفضيلنا فاضلي المؤمنين وصالحيهم وقد أسجدهم الله لصفيّه آدم عم فهلاّ كان ذلك على سَبْقه بالفضيلة وقال جلّ وعزّ وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ الله هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ٦٦: ٤ فقدّم صالحي المؤمنين بالذكر لفضيلتهم على كثير من الملائكة وليس في وجوب الإيمان بهم أكثر فضيلة من وجوب الإيمان بالمؤمنين قال الله يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ٩: ٦١ ثم هم مع ذلك خَوَلٌ لبني آدم وحفظة عليهم وقد رُوي في الحديث أنّ الملائكة سألوا الجنّة فقال الله سبحانه لا أجعل صالح من خلقتُ بيديّ كمن قلتُ له كن فكان ورُوينا عن كعب أنّه قال ركب الله في الملائكة العقل بلا شهوة وفي البهائم الشهوة بلا عقل وفي ابن آدم كليهما فمن غلب عقله
следующие страницы →