قال النبي له تقتلك شرذمة ... سيطت لحومهم بالبغي فجار
فاليوم يعلم أهل الشام أنهم ... أصحاب تلك وفيها الخزي والعار
فلما قتل عمار انتبه الناس وكادوا يختلفون على معاوية فقال معاوية إنما قتله علي حيث عرضه للقتل ثم خرج علي فقال علام يقتل الناس بيني وبينك أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقام الأمر له فقال عمرو بن العاص له أنصفك والله يا معاوية فقال معاوية تعلم والله أنه لم يبارزه أحد إلا قتله فيزعم قوم أن معاوية قال فابرز أنت يا عمرو فلبس مدرعة ذات فرجين من قدامها وورائها وبارز علياً فلما حمل عليه وتمكن من ضربه رفع عمرو رجله فبدت عورته فيصرف عنه علي وجهه ويتركه [١] قالوا وخرج يوماً علي في كتيبة وعلى مقدمته الأشتر النخعي فصدقوهم القتال حتى لم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض وقتلوا منهم جماعة كثيرة وكسفت الشمس وأشرف عليّ عم على الفتح فقال عمرو لمعاوية إني لأعلم كلمة لو قلتها لاستقام لك الأمر أفتجعل مصر لي طعمة فقال قد أطعمتك قال مرهم
стр. 1122
فلينشروا المصاحف ففعلوا ونادى ابن [١] يا أهل العراق بيننا وبينكم كتاب الله ندعوكم إليه فقالوا قد أنصفك معاوية فقال عليّ عم ويحكم هذا مكر انّما قاتلناهم ليدينوا بحكم كتاب الله قالوا لا بدّ لنا من الموادعة والإجابة إلى كتاب الله وكان ناشدهم [F؟ ١٩٦ v؟] في ذلك الأشعث بن قيس وهو يقول [طويل]
فأصبح أهل الشام قد رفعوا القنا ... عليها كتاب الله خير قرآن
ونادوا عليّا يا ابن عمّ محمد ... أما تتقي أن يهلك الثقلان
قال عليّ عم هذا كتاب الله فمن يحكم بيننا فاختار أهل الشام عمرو بن العاص واختار أهل العراق أبا موسى الأشعريّ فقال عليّ عم هذا ابن عباس فقال الأشعث بن قيس لا نرضى به والله لا يحكم فينا مضري أبداً فقال الأحنف إن أبا موسى رجل قرى بالقعر اجعلني مكانه آخذ لك بالوثيقة وأضعك من هذا الأمر بحيث تحب فلم يرض به أهل اليمن وفيه يقول الشاعر [بسيط]
стр. 1123
لو كان للقوم يعصون به ... عند الخطوب رموكم بابن عباس
لكن رموكم بوعر من ذوي يمن ... لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس
فكتبوا القضية على أن يحكم الحكمان بكتاب الله والسنة والجماعة غير الفرقة فإن فعلا غير ذلك فلا حكم لهما وصيروا الأجل شهر رمضان على أن يجتمع الحكمان في موضع عدلٍ بين الكوفة والشام ويحكما بذلك القضية [فخرج] الأشعث بن قيس وجعل يقرءها على الناس فمر به عروة بن أدية التميمي فسل سيفه وضرب به عجز دابته وقال تحكمون الرجال ولا حكم إلا للَّه وفيه يقول الشاعر [خفيف]
أعلى الأشعث المعصّب بالتّاج ... شهرت السلاح يا ابن أدية
ذكر خروج الخوارج على علي كرم الله وجهه
وأمر علي بالرحيل من صفين فما ارتحلوا حتى فشا فيهم التحكيم ورحل معاوية إلى الشام وقد أصاب ما أراد من إيقاع الخلاف والفرقة بين أصحاب على عم فلما دخل علي الكوفة اعتزله اثنا عشر ألفاً من القراء وزالوا براياتهم حتى نزلوا حروراء وهي قرية من السواد وأمروا
стр. 1124
على القتال شبث [١] بن ربعى وعلى الصلاة عبد الله بن الكوّاء فناظرهم على عم ستة أشهر وهم ينادونه جزعت من البلية ورضيت بالقضية وقبلت الدنية لا تحكم إلا الله فيقول على عم انتظر بكم حكم الله فيقولون لئن أشركت ليحبطن عملك فيقول فاصبر إن وعد الله حق ثم بعث علي عبد الله بن عباس وصعصعة بن صوحان يدعونهم إلى الجماعة فقال علي أنا موادعكم إلى مدة نتدارس فيها كتاب الله لعلنا نصطلح فمادّوه تسعة عشر ليلة ثم قال ابعثوا إلى خطباء يقومون بحجتكم فبعثوا فقام علي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لم أكن أحرصكم على هذه القضية والتحكيم ولكنكم وهنتم في القتال وتفرقتم علي ودعاني القوم إلى كتاب الله فخشيت أن يتأولوا على قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً من الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ٣: ٢٣ قالت [F؟ ١٩٧ r؟] خطباء الحرورية دعوتنا إلى كتاب الله فأجبناك حتّى قتلنا وقتلنا بالجمل وصفين ثم شككت في أمرك وحكّمت عدوّك فنحن على أمرك الّذي تركت وأنت على
стр. 1125
غيره ولا نرجع إلا أن تتوب وتشهد على نفسك بالضلالة فقال معاذ الله أن أشهد على نفسي بالضلالة وبنا هداكم الله واستنقذكم من الضلالة وإنما حكمت الحكمين أن يحكما بكتاب الله والسنة الجامعة غير المفرقة فإن حكما بغير ذلك لم يكن علي ولا عليكم وإنما تقع القضية في عام قابل فقالوا نخشى أن يحدث أبو موسى شيئاً يكون كفراً قال فلا تكفّوا وأنتم العام مخافة كفر عام قابل فرجع بعضهم إلى الجماعة ثم بعث إليهم ابن عباس ﵁ فقال ما نقمتم على ابن عمّ رسول الله قالوا ثلث خصال إحداهن أنه حكم الرجال في دين الله والله يقول إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ٦: ٥٧ والأخرى أنه غير اسمه من إمارة المؤمنين وإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين والثالثة أنه قتل ولم يسب ولم يغنم فإن كانوا كفّارا حلّ [؟] يهم وإن كانوا مؤمنين فلم قتلتم فقال ابن عباس ﵁ أما قولكم [١] حكم الرجال في دين الله فإن الله قد حكم في أرنب قيمته ربع درهم مسلمين عدلين وحكم في نشوز امرأة مسلمين عدلين فأناشدكم الله أحكم الرجال في أرنب أفضل أم حكمهم في دماء الأمة وإصلاح
стр. 1126
ذات البين وأما قولكم أنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فإن الله تعالى يقول النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ من أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ٣٣: ٦ فهل كنتم تسبون أمكم وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها وأما قولكم أنه أخرج اسمه من إمارة المؤمنين فإن رسول الله ﷺ أخرج اسمه يوم الحديبيّة من النبوّة والله لرسول الله أفضل من علي فرجع منهم ألفان مع عبد الله بن الكواء وأمر الباقون عبد الله بن وهب الراسبي عليهم وأخذوا في الفساد فقال عليّ عم دعوهم حتى يأخذوا مالاً ويسفكوا دماً وكان يقول أمرني رسول الله ﷺ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين فالناكثون أصحاب الجمل والقاسطون أصحاب صفّين والمارقون الخوارج فوثبت الخوارج على عبد الله بن خباب فقتلوه وبقروا بطن امرأته وقتلوا نسوة وولداناً فقال لهم علي ادفعوا إلينا قتلة إخواننا وأنا تارككم فثاروا به وناوشوه القتال فقال علي عم أن يغلب منهم عشرة وأن يقتل منهم عشرة فكان كذلك وهو يوم النهروان بموضع يقال له رميلة الدسكرة وقتل المخدج ذو الثدية وقد ذكرت هذه القصة في فصل مقالات أهل الإسلام فذكر قوم أنه قتل يوم النهروان أربعة آلاف وقيل جملة من قتل علي من الخوارج
стр. 1127
بالنهروان وغيره ستون ألفاً فهذا ما كان من أمر الخوارج وقد قال السيد الحميري [بسيط]
إني أدين بما دان الوصي به ... يوم الخريبة [١] من قتل المضلين
وما به دان يوم النهر دنت به ... وشاركت كفه كفي بصفينا
[F؟ ١٩٧ v؟] تلك الدماء معاً يا رب في عنقي ... ثم اسقني مثلها آمين آمينا
خلافة علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه
ولما قتل عثمان ﵁ بويع عليّ عم بيعة العامة في مسجد رسول الله ﷺ وبايع له أهل البصرة وأهل الكوفة مع أبي موسى الأشعري وبايع طلحة والزبير بالمدينة ولم يبق أحد إلا بايعه إلا معاوية بالشام في أهلها ثم نكث طلحة والزبير وخرجا بعائشة إلى البصرة فسار اليهم عليّ عم فقاتلهم وهي وقعة الجمل ثم سار إلى أهل الشام بصفين ثم حكموا الحكمين وانصرفوا وخرجت عليهم الخوارج فقتلهم بالنهروان وكان علي بعث قيس بن سعد بن عبادة إلى مصر والياً عليها فأجهض معاوية بدهائه ومكايدته [٢] ولم يكن لعمرو بن
стр. 1128
العاص التوصّل الهيا وقد أطعمها إياه معاوية عند تعليمهم التحكيم فاحتالوا في إزالة قيس عنها وذلك أن معاوية كتب إلى بعض بني [أمية] [١] أن جزى الله قيس بن سعد عنّا خيراً فإنه قد كف عن إخواننا من أهل مصر الذين قاتلوا في دم عثمان واكتموا ذلك علياً فإني أخاف إن بلغه ذلك عزله فشاع ذلك في الناس فقالوا بدّل قيس قال عليّ عم معاذ الله قيس لا يبدل فما زالوا به حتى كتب إليه أن اقدم فعلم قيس أنه مكر من معاوية فقال لولا الكذب لمكرت بمعاوية مكراً يدخل عليه بيته وأقبل على علي فبعث علي الأشتر النخعي مكانه فلما انتهى إلى عريش كتب معاوية عليه اللعنة إلى دهقان عريش إن أنت قتلت الأشتر فلك خراجه عشرين سنة فأخرج له سويقاً وجعل فيه سماً فلما شربه الأشتر يبس مكانه فقال معاوية لما بلغه ما أبردها على الفؤاد إن للَّه جنودا من عسل وبلغ الخبر عليّا عم فبعث محمد بن أبي بكر إلى مصر مكانه وبعث معاوية عمرو بن العاص إليها فاقتتلا [٢] بالمسناة وقتل محمد بن أبي بكر وجعلوا جثته في جيفة حمار وأحرقوه بالنار،،،
стр. 1129
ذكر الحكمين
وكان ذلك بعد صفين بثمانية أشهر واجتمع أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص للتحكيم بموضع يقال له دومة الجندل بين مكة والكوفة والشام وأحضروا جماعة من الصحابة والتابعين منهم عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث والمسور بن مخرمة في صلحاء أهل المدينة وبعث علي ابن عباس من الكوفة في جماعة فقال ابن عباس لأبي موسى أنك قد رميت بحجر الأرض وداهية العرب فمهما نسيت فلا تنس أن علياً بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وليست فيه خصلة واحدة تباعده من الخلافة وليس في معاوية خصلة واحدة تدانيه من الخلافة فلما اجتمع أبو موسى وعمرو للحكومة ضربا فسطاطاً وقال عمرو يجب أن لا نقول شيئاً [F؟ ١٩٨ r؟] إلا كتبناه حتى لا نرجع عنه فدعيا بكاتب وكان قال له عمرو قبل ذلك ابدأ باسمي فلما أخذ الكاتب الصحيفة وكتب بسم الله الرحمن الرحيم بدأ باسم عمرو فقال له عمرو أمحه وابدأ باسم أبي موسى فإنه أفضل مني وأولى بالتقديم وكانت خديعة منه ثم قال ما نقول يا أبا موسى في قتل عثمان قال قتل والله مظلوماً قال عمرو أكتب يا غلام ثم قال يا أبا موسى إن إصلاح الأمة وحقن
стр. 1130
الدماء وإبقاء الذماء خير مما وقع فيه علي ومعاوية فإن رأيت أن نخرجهما ويستخلف على الأمة من يرضى المسلمون به فإن هذا أمانة عظيمة في رقابنا قال لا بأس بذلك قال عمرو أكتب يا غلام ثم ختما على ذلك الكتاب وقاما ذلك اليوم وقد تطاول النهار وسيم الكلام وقد ظفر عمرو بما أراد من إقرار أبي موسى بقتل عثمان ظلماً وإخراج علي ومعاوية من الأمر فلما كان من الغد وقعدا للنظر قال عمرو يا أبا موسى قد أخرجنا علياً ومعاوية من هذا الأمر فسم له من شئت قال أسمي الحسن بن علي قال عمرو تراه تخرج أباه من الأمر وتجلس مكانه ابنه قال فعبد الله بن عمر قال هو أورع من أن يدخل في شيء من هذا وسمى أبو موسى عدة لا يرضيهم عمرو ثم قال سم أنت يا أبا عبد الله قال معاوية بن أبي سفيان قال ما هو أهل [١] لذلك فابني عبد الله بن عمرو فعرف أبو موسى أنه يتلعب به فقال أفعلتها لعنك الله إنما مثلك كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ٧: ١٧٦ أو تتركه يلهث فقال له عمرو بل أنت لعنك الله إنما مثلك كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ٦٢: ٥ ثم [قال] عمرو انّ هذا قد خلع صاحبه وأخرجه عمرو خاتمه وأنا
стр. 1131
أيضا خلعته كما خلعت هذا الخاتم من يدي ثم أدخل خاتمه في يده الأخرى وقال أدخلت معاوية في الأمر كما أدخلت خاتمي في يدي وقال قوم خلع علياً ولم يدخل معاوية حتى أتى الشام ثم ركب أبو موسى راحلته إلى مكة وركب عمرو الى الشأم وفيه يقول الشاعر [وافر]
أبا موسى بليت وكنت شيخا ... قريب القعر مجرور اللسان
رمى عمرو صفاتك يا ابن قيس ... بأمر لا تنوء به اليدان
فأعطيت المقادة مستجيبا ... فيا للَّه من شيخ يمان
ولمّا قدم عمرو الشأم ولّى معاوية وبايعوه الناس وبلغ الخبر علياً فقال كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فمن دعا إليها فاقتلوه وعزم على المسير إلى معاوية وبايعه ستون ألفاً على الموت فشغلته الخوارج وقتالهم إلى أن قتل رضوان الله عليه وأخذ معاوية في تسريب السرايا إلى النواحي التي تليها عمّال عليّ عم وشن الغارات وقتل الرجال ونهب الأموال وبعث بسر بن أرطاة إلى المدينة وعلى المدينة ابو أيّوب الأنصاريّ فنخّى عنها وصعد بسر المنبر وتوعد أهل المدينة بالقتل حتى أجابوا إلى بيعة معاوية وأتى مكّة
стр. 1132
وبها عبد الله بن العباس فهابه وخرج نحو علي وقتل بسر جماعة من شيعة عليّ عم وأخذ ابنين صغيرين لعبد الله بن عباس فقتلهما في حجر أمهما [١] وفيهما تقول أمهما [بسيط]
[F؟ ١٩٨ v؟] ها من أحس بنيني اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف
ها من أحس بنيني اللذين هما ... سمعي وعيني فقلبي اليوم مختطف
نبيت بسراً وما صدقت ما زعموا ... من قولهم ومن الكذب الذي وصفوا
وبلغ الخبر علياً فبعث في إثره جارية [٢] بن قدامة ففاته ولم يدركه وكان لبسر هذا ابنان بأوطاس فخرج إليهما رجل من قريش فقتلهما وقال فيها [بسيط]
ما قتلتهما ظلما فقد شرفت ... من صاحبيك قناتي دون أوطاس
فاشرب بكأس ذوي ثكل كما شربت ... أمّ الصّبيّين أو ذاق ابن عبّاس
مقتل عليّ عم
قالوا تعاقد ثلاثة نفر من الخوارج على قتل علي ﵁ ومعاوية وعمرو بن العاص منهم عبد الرحمن بن ملجم عليه
стр. 1133
لعائن الله تترى مرة بعد أخرى قال أنا أقتل علياً والبرك [١] قال أنا أقتل معاوية عليه اللعنة وداود مولى لبني العنبر قال أنا أقتل عمرو بن العاص فاجتمعوا بمكة وشروا أنفسهم على أن يريحوا العباد من أئمة الضلال ومضوا لطيتهم فأما داود فأتى مصر ودخل المسجد وقام في الصلاة فخرج خارجة بن حذافة وكان على شرطة عمرو وعمرو يشتكي فضربه داود فقتله وهو ظنه عمراً فقال عمرو أردت عمراً والله يريد خارجة فذهبت مثلا وأخذوا داود به فقتل وأما البرك [١] واسمه الحجاج فإنه مضى إلى الشام ودخل المسجد فخرج معاوية فافتتح الصلاة فضربه البرك [١] وكان معاوية عظيم العجز فأصابت الضربة فقطعت منه عرقاً انقطع منه الولد فأخذ البرك [١] فقطعت يداه ورجلاه وخلي عنه فعاش وقدم البصرة ونكح امرأة فولدت له فلما كان في أيام زياد بن أبيه أخذه فقال يولد لك ولم يولد لمعاوية فضرب عنقه وأما ابن ملجم عليه لعنة الله فإنه أتى الكوفة وجعل يختلف الى عليّ عم وعلي يلاطفه ويواصله ويتوسم فيه الشر وفيه يقول [وافر]
стр. 1134
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
قالوا وشعف ابن ملجم عليه اللعنة بامرأة يقال لها قطام من الخوارج فخطبها فقالت الصداق قتل علي وكذا وكذا وكان قتل أباها وأخاها بالنهروان فضمن لها ذلك وسم سيفه وشحذه وجاء فبات تلك الليلة بالمسجد هو وروي عن الحسن بن علي ﵉ أنه قال لما أصبح اليوم الذي ضربه الرجل فيه فقال لقد سنخ [١] الى الليلة النبي ﷺ فقلت يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك قال ادع الله أن يريحك منهم قالوا ودخل علي المسجد ونبه النيام فركل ابن ملجم برجله وهو ملتف بعباءة وقال له قم فما أراك إلا الذي أظنه وافتتح ركعتي الفجر فأتاه ابن ملجم عليه لعائن الله فضربه على صلعته حيث وضع النبي ﷺ [F؟ ١٩٩ r؟] يده وقال أشقى الناس أحيمر ثمود والذي يخضب هذه من هذه وروي أنه كان ضربه عليه عمرو بن عبد ودٍ يوم الخندق ولم يبلغ الضربة مبلغ القتل ولكن عمل فيه السم فثار الناس إليه وقبضوا عليه فقال علي لا تقتلوه فإن عشت رأيت فيه رأياً وإن متّ
стр. 1135
فشأنكم به فعاش ثلاثة أيام ثم مات يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان وهو اليوم الّذي أوحى فيه الى النبيّ صله واليوم الذي فتح الله عليه بدراً فقتل ابن ملجم عليه لعنة الله ودفن علي ﵁ واختلفوا أين دفن فقال قوم دفن بالغري وقال قوم دفن بالكوفة وعمي مكانه وقال قوم جعل في تابوت وحمل على بعير يريدون المدينة فأخذه طيِّئ وهم يظنونه مالا فلما رأوا الميت دفنوه عندهم والله اعلم وممّا رثى به عم قول أمّ الهيثم بنت ابى الأسود الدئلي [١] [وافر]
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فلا قرت عيون الشامتينا
أفي الشهر الحرام فجعتمونا ... بخير الناس طراً أجمعينا
رزئنا خير من ركب المطايا ... وخيسها ومن ركب السفينا
وقيل في ابن ملجم وقصّته [طويل]
فلم أر مهراً ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام بين غير مبهم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وقتل عليّ بالحسام السمّم [٢]
فلا مهر أغلى من علي وإن علا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
стр. 1136
ويقول عمران بن حطان في ابن ملجم لعنهما الله [بسيط]
يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا
وروى أنّ عليّا عم كان يقنت على معاوية إلى أن مات ومعاوية يلعن علياً وولده وكتب الوليد بن عقبة الفاسق إلى معاوية يهنئه بقتل علي رضوان الله عليه [وافر]
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فإنك من أخي ثقة مليم [١]
قطعت الدهر كالسدم [٢] المعنى ... تهدر في دمشق فما تريم [٣]
ليهنئك الإمارة كل ركب ... بأنضاء العراق لها رسيم
فإنك والكتاب إلى علي ... كدابغة وقد حلم [٤] الأديم
وكانت خلافة عليّ عم خمس سنين لم يتفرغ إلى أن يحج بنفسه شغلته الحروب،،،
стр. 1137
خلافة الحسن بن علي ﵄
ثم بويع الحسن بن علي ﵄ بالكوفة وبويع معاوية بالشام في مسجد إيليا [١] فقدّم الحسن قيس ابن سعد في اثني عشر ألفاً للقاء معاوية وجاء معاوية [F؟ ١٩٩ v؟] حتى نزل جسر منبج وخرج الحسن حتى ساباط المدائن في أربعين ألفاً قد بايعوا على الموت وأحبوه أشد من حبهم لأبيه فأغذ السير حتى إلى مسكن من أرض الكوفة في عشر ليالٍ ورجلان يقرءان القرآن عن يمينه وعن شماله وفيه يقول كعب بن جعيل [٢] [بسيط]
من جسر منبج أضحى غب عاشره ... في نخل مسكن تتلا حوله السور
وقدم معاوية بسر بن أرطاة فكانت بينه وبين قيس مناوشة ثم تحاجزوا ينتظرون الحسن قالوا ونظر الحسن ما يسفك من الدماء وينتهك من المحارم فقال لا حاجة لي في هذا الأمر وقد رأيت أن أسلمه إلى معاوية فيكون في عنقه تباعة هذا الأمر وأوزاره فقال له الحسين أنشدك الله أن تكون [٣] أوّل من عاب أباه ورغب
стр. 1138
عن رأيه فقال الحسن لتتابعني [١] على ما أقول أو لأشدّنّك في الحديد حتى أفرغ منه فقال له الحسين فشأنك به وإني لكاره فقام الحسن ﵁ خطيبا فذكر رأيه وإيثاره السلامة فقال الناس هو خالع نفسه لمعاوية فشق عليهم ذلك وقد بايعوه على الموت فثاروا به وقطعوا عليه كلامه وخرقوا عليه سرادقه وطعنه رجل في فخذه طعنة أشوته وانصرفوا عنه إلى الكوفة فحمل الحسن إلى المدائن وقد نزف دمه فعولج وبعث إلى معاوية يذكر تسليمه الأمر إليه فكتب إليه معاوية أما بعد فأنت أولى بهذا الأمر وأحق به لقرابتك وكذا وكذا ولو علمت أنك أضبط له وأحوط على حريم هذه الأمة وأكيد للعدو لبايعتك فاسأل ما شئت وبعث إليه بصحيفة بيضاء مختومة في أسفلها أن اكتب فيها ما شئت فكتب الحسن أموالاً وضياعاً وأمانا لشيعة علي وأشهد على ذلك شهوداً من الصحابة وكتب في تسليم الأمر كتاباً على أن يعمل بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء [٢] الماضين وأن لا يعهد بعده إلى أحد ويكون الأمر شورى وأصحاب علي آمنين حيثما كانوا وقيس
стр. 1139
ابن سعد نازل وعلى منازلته عازم فبعث إليه معاوية على طاعة من تنازعني وقد بايعني صاحبك وبعث إليه بصحيفة بيضاء ووضع خاتمه أسفلها وقال سل ما شئت فلم يسئل قيس غير الأمان له ولمن معه فآمنهم وانصرفوا والتقى معاوية مع الحسن على منزل من الكوفة فدخلا الكوفة معاً ثم قال يا أبا محمد نعرض به لقد جدت بشيءٍ لا تجود بمثله نفوس الرجال فقم وأعلم الناس ذلك فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس لو طلبتم ما بين جابلق إلى جابلص [١] رجلاً جده رسول الله ما وجدتموه غيري وغير أخي وأن الله تعالى هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن معاوية نازعني حقاً لي دونه فرأيت أن أمنع الناس الحرب وأسلمه إليه وإن لهذا الأمر مدة وتلا وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ٢١: ١١١ فلما تلا الحسن هذه الآية خشي معاوية الاختلاف فقال له معاوية اقعد ثم قام خطيبا فقال كنت شروطاً في الفرقة أردت بها نظام الألفة وقد جمع الله كلمتنا وأزال فرقتنا وكل شرط شرطته فهو مردود وكل وعد وعدته فهو تحت قدمي هاتين فقام الحسن فقال إلّا وانّى اخترت
стр. 1140
[F؟ ٢٠٠ r؟] العار على النار لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ من أَلْفِ شَهْرٍ ٩٧: ٣ وسار إلى المدينة وقام بها إلى أن مات سنة سبع وأربعين من الهجرة رضوان الله عليه وكانت خلافته خمسة أشهر ويقال ستة أشهر وصحت رواية سفينة عن النبي صله الخلافة بعدي ثلاثون ثم يكون الملك وروى الحسن عن أبي بكر عن النبي ﷺ إن ابني هذا سيد وسيصلح به بين فئتين،،،
تمّ الجزء الخامس
стр. 1141
المجلد السادس
الفصل الحادي والعشرون في ولاية بني أمية إلى آخر أيامهم على الاختصار وما كان فيه من فتنة ابن الزبير والمختار بن أبي عبيد
ولاية معاوية بن أبي سفيان
وصار الأمر إلى معاوية سنة أربعين من الهجرة وكان ولي لعمر وعثمان عشرين سنة ولما سلم الحسن الأمر إليه ولى الكوفة المغيرة بن شعبة وولى البصرة وخراسان عبد الله بن عامر بن كريز وولى المدينة مروان بن الحكم وانصرف معاوية إلى الشام وفي هذه السنة افتعل المغيرة كتاباً من معاوية إلى أهل الموسم في الإمارة وحج بالناس فوقف يوم التروية ونحر يوم عرفة خوفاً أن يفطن الناس بكتابه ثم نزع معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة وولاها زياد بن أبيه ثم لما
стр. 1142
مات المغيرة بن شعبة جمع له العراقين وهما الكوفة والبصرة وهو أوّل من جمع له العراقان،،،
قصة زياد بن أبيه
قالوا أن معاوية أول من ادعى إلى غير أبيه فادّعى زيادا أخا لما رأى من جلده ونفاذه وزياد هو ابن عبيد من ثقيف وأمه سمية وقد قال الحسن والشعبي أن سرك أن لا تكذب فقل زياد بن أبيه وفيه يقول ابن المفرغ [١] [بسيط]
العبد للعبد لا أصل ولا شرف ... ألوت به ذات أظفارٍ وأنياب
وكان زياد كاتباً للمغيرة بن شعبة ثم كتب لأبي موسى الأشعري ثم كتب لابن عامر ثم كتب لابن عباس ثم كتب لعلي بن أبي طالب عم وكان له من الولد ثلاثة وأربعون منهم عشرون ذكراً وثلاث وعشرون أنثى ومات زياد بالكوفة سنة ثلاث وخمسين من الهجرة وذلك أنه كان غشوماً ظلوماً هصوماً جبى العراق مائة ألف ألف وجعل يخطب الحجاز ويهدد أهله بالقتل وكتب إلى معاوية إني قد ضبطت العراق بيميني وشمالي فارغة فضم إليه الحجاز فاجتمع أهل المدينة في مسجد رسول الله ﷺ ودعوا
стр. 1143
عليه فخرجت في يده الآكلة فشغله عن ذلك وكان يناله من عليّ عم فضربه النقاد [١] ذو الرقبة يعنى الفالج فقتله بالكوفة،،،
ذكر موت المغيرة بن شعبة
وقع الطاعون بالكوفة فهرب المغيرة ابن شعبة ثم لما سكن عاد فطعن فمات فقال اعرابىّ [طويل]
ارسم ديار للمغيرة تعرف ... عليه دواني الإنس والجن تعزف
فإن كنت قد لاقيت هامان بعدنا ... وفرعون فاعلم أن ذا العرش منصف
ومات عمرو بن العاص
بمصر يوم الفطر فصلّى عليه ابنه عبد الله ابن عمرو بن العاص ثم صلى بالناس صلاة العيد وخلف عمرو من المال ثلاثمائة ألف دينار وخمسة وعشرين ألف دينار ومن الغلة ما يبلغ ارتفاعها في السنة مائتى ألف دينار ومن الورق ألفي ألف درهم وفيه يقول الشاعر] [F؟ ٢٠٠ v؟] طويل]
ألم تر أن الدهر أذكى عيونه ... على عمرو السهمي تجبى له مصر
ولم يغن عنه كيده واحتياله ... وحيلته حتى أتيح [٢] له الدهر
قالوا وولى معاوية خراسان الحكم بن عمرو الغفاريّ وكانت له
стр. 1144
صحبة وافتتح جبال الغور ومات بمرو ثم ولاها عبيد الله بن زياد فغزا طخارستان وملكتها فتح خاتون فقاتلها وهزمها وانتهب مملكتها سبعاً ثم صارت إلى الصلح فصالحها على مال وخلى لها ملكها ونواحيها ثم غزا ما وراء النهر وأغار على بخارا وغنم منها غنائم كثيرة وعاد إلى البصرة ثم ولاها سعيد بن عثمان بن عفان وغزا ما وراء النهر وصالح أهل سمرقند على أن يدخل باباً من أبوابها ويخرج من الآخر وأخذ منهم رهائن أن لا يغدروا به فدخل وخرج وانصرف بالرهائن وغدر بهم وحملهم الى المدينة وجعل يستعملهم في النخيل والطين وهم أولاد الدهاقين وأرباب النعم فلم يطيقوا ذلك العمل وسئموا عيشهم فوثبوا عليه في حائط له فقتلوه ثم قتلوا أنفسهم بالحبل خنقاً ثم ولاها أسلم بن زرعة وكان غشوماً ظلوماً فأخذ أهل مرو بأن يكفوا عنه نقيق الضفاضع فأخبروه بأن ذلك غير ممكن فضاعف عليهم الخراج مائة ألف درهم وفي أيام معاوية افتتح من الروم روذوس وهو على يومين من القسطنطينية وأقام المسلمون بها سبع سنين وافتتح من خراسان سمرقند وكش ونسف وبخارا وافتتح الربيع بن زياد الحارثي بلخ وما يليها وكان والياً من عند معاوية
стр. 1145
فمات بمرو فلما حج معاوية جاءه الحسن والحسين وابن عباس ﵃ وسألوه أن يفي لهم بما ضمن فقال أما ترضون يا بني هاشم أن نوفر عليكم دماءكم وأنتم قتلة عثمان ولم يعطهم مما في الصحيفة شيئاً،،،
وفاة الحسن بن علي ﵄
وتوفي الحسن في سنة تسع وأربعين وهو ابن سبع وأربعين [سنة] واختلفوا في سبب موته فزعم قوم أنه زج ظهر قدمه في الطواف بزجٍ مسمومٍ وقال آخرون أن معاوية دس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس بأن تسمّ أحسن ويزوجها يزيد فسمته وقتلته فقال لها معاوية إن يزيد منا بمكان [١] وكيف يصلح له من لا يصلح لابن رسول الله وعوضها منه مائة ألف درهم وفي أيام معاوية ماتت عائشة ﵂ وأم سلمة وأبو هريرة وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو وأبو أيوب الأنصاري بالقسطنطينية وكان معاوية قد اذكى العيون على شيعة على عم يقتلهم أين أصابهم فقتل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق في جملة من قتل وقال سعيد بن المسيب أن معاوية أول من غير قضاء رسول الله ﷺ وأول من خطب قاعداً لأنه كان
стр. 1146
بطيناً بادناً وأول من قدم الخطبة على الصلاة [١] خشي أن يتفرق الناس عنه قبل أن يقول ما بدا له وأول من نصب المحراب في المسجد وتوفي وله من الأموال التي استصفاها من مال كسرى وقيصر خمسون [٢] ألف ألف درهم،،،
ذكر أخذ البيعة ليزيد بن معاوية
ثم دعا الناس إلى بيعة يزيد فأول من بايع يزيد معاوية وكتب إلى مروان بن الحكم بأخذ بيعة أهل المدينة ليزيد عليه اللعنة فغضب مروان إذ لم يجعل إليه الأمر فسار إلى الشام فكلمه وجعله ولي عهد يزيد بعده [F؟ ٢٠١ r؟] ورده إلى المدينة فامتنع أهل المدينة من بيعته فجاء معاوية حاجاً في ألف فارس إلى المدينة وتلقاه الحسين وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير فسلموا عليه فلم يرد جواب سلامهم وأغلظ بهم في القول وعنف وذلك حيلة منه فتوجه القوم إلى مكة لما رأوا من جفائه ودخل معاوية المدينة ولم يبق بها أحد لم يبايعه وأخذ بيعة أهلها ليزيد وفرّق فيهم
стр. 1147
أموالاً عظيمةً ثم خرج إلى مكة فتلقاه الحسين بن علي فلما وقع بصره عليه قال مرحباً بابن رسول الله وسيد شباب أهل الجنة دابةً لابن عبد الله ثم طلع عليه عبد الله بن الزبير فقال مرحباً بابن حواري رسول الله وابن عمته دابةً لأبي خبيب ثم كذلك كلما طلع عليه طالع حياه وأمر له بدابةٍ وصلةٍ ثم دخل مكة وهداياه وجوائزه يروح عليهم ويغدو حتى أنماهم الأموال ثم أمر برواحله فعلقت بباب المسجد وجمع الناس وأمر بصاحب حرسه أن يقيم على رأس كل رجل من الأشراف رجلاً بالسيف وقال إن ذهب واحد منهم إلى أن يراجعني في كلامي فاضربوا عنقه ثم صعد المنبر وخطب فقال إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم ولا يبتز [١] أمر دونهم ولا يقضى أمر عن غير مشورتهم وقد بايعوا يزيد فبايعوه بسم الله فأمّا الأشراف فلم يمكنهم تكذيبه ومراجعته وأما سائر الناس فلا جرأة لهم على الكلام ولا علم لهم بشيء مما يقول فأخذ البيعة وركب رواحله وضرب إلى الشام وكان يقول لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي وفيه
стр. 1148
يقول بعضهم [وافر]
فإن تأتوا [١] برملة أو بهند ... نبايعها [٢] أميرة مؤمنينا
إذا ما مات كسرى قام كسرى ... بنوه بعده متناسقينا [٣]
خشينا الغيظ حتى لو سقينا ... دماء بنى أميّة ما شفينا
ومات معاوية بدمشق سنة ستين وهو ابن ثمانين سنة وكان رجلاً طوالاً جسيماً بادناً أبيض جميل الوجه قبيح الفعال إذا ضحك انقلبت شفته العلياء وبايع أهل الشام يزيد بن معاوية على الوفاء بما أخذ له معاوية من بيعتهم،،،
بيعة يزيد بن معاوية عليه اللعنة
قالوا مات معاوية وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعلى العراق عبيد الله بن زياد فلما ورد نعي معاوية قال مروان بن الحكم للوليد بن عتبة [٤] أبعث إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فإن بايعا وإلا فاضرب أعناقهما فاستدعاهما في جوف الليل ونعى اليهما معاوية
стр. 1149
وأخذهما بالبيعة ليزيد فقالا حتى نصبح وانصرفا من عنده وخرجا من تحت الليل إلى مكة وأبيا أن يبايعا وبلغ أهل الكوفة تلكؤ الحسين في بيعة يزيد فكتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم وبعثوا بحمل بعير وكتبوا البيعة فأرسل الحسين مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليأخذ البيعة من أهلها فجاء حتى نزل على هانئ بن عروة واجتمع إليه خلق كثير من الشيعة يبايعون الحسين وخرج [F؟ ٢٠١ V؟] الحسين بأهله وولده وبلغ الخبر عبيد الله بن زياد عليه اللعنة وهو بالبصرة فهم إلى الكوفة فسار إليه الشيعة وقاتلوه حتى دخل قصره وأغلق بابه فلما كان عند المساء وتفرق الناس عن المسلم بن عقيل بعث عبيد الله بن زياد خيلاً في خفية فقبضوا على مسلم وعلى هانئ ورفعوا مسلما بين شرف القصر وقتل ادنا من العضادة ثم ضربوا عنقه وفيه يقول [طويل]
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئ في السوق وابن عقيل
ترى رجلاً قد جدع السيف أنفه ... وآخر يهوي من طمارٍ قتيل
ترى جسداً قد غير الشمس [١] لونه ... ونضح دم قد سال كل مسيل
стр. 1150
مقتل أبي عبد الله الحسين بن علي ﵄
ولما بلغ الحسين قتل مسلم بن عقيل هم بالرجوع إلى المدينة فبعث إليه عبد الله بن زياد الحر بن يزيد التميمي في ألف فارس فلقي الحسين بزبالة فقال له الحسين لم آتكم حتى انتهت إلي كتبكم فإن كان رأيكم على غير ما نطقت به كتبكم انصرفت فقال الحرّ ابن يزيد إني لم أؤمر بقتالك ولكن أمرت أن لا أفارقك حتى تقدم الكوفة فإذا أتيت فخذ طريقاً يدخلك الكوفة ولا نزول إلى المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد فانثنى الحسين عن طريق العذيب والحر بن زياد يسايره حتى انتهى إلى الغاضرية فنزل بها وهو يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة إحدى وستين وقدم عليه يوم الجمعة عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف وزعم قوم أن عبيد الله بن زياد قال له إن قتلت الحسين فلك عمل الري وبعث معه بشر بن ذي الجوشن وقال إن لم يقتله فاقتله وأنت على الناس فنزلوا بين نهري كربلا وجرت الرسل بينهم وبين الحسين ومنعوه ومن معه الماء أن يشربوا فقال الحسين لعمر ابن سعد اكتب إلى صاحبك فاعرض أن أرجع إلى الموضع الذي أقبلت منه أو آتي ثغراً من ثغور المسلمين إلى أن ألحق
стр. 1151
باللَّه أو يبعث بي إلى يزيد بن معاوية فيرى في رأيه فإن الرحم تمنعه قتلي فكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد بذلك فلم يقبل من ذلك شيئاً وقال لا إلا أن ينزل على حكمي فقال الحسين والله لا انزل على حكم ابن مرجانة أبداً يعني عبيد الله بن زياد وناهضهم القتال يوم عاشوراء وهو يوم الجمعة ومعه تسعة عشر إنساناً من أهل بيته وانحاز اليه الحرّ التميميّ تائباً من ذنبه فقاتل معه فقتل الحسين عطشان وقتل معه سبعة من ولد علي عم وثلاثة من ولد الحسين وتركوا علي بن الحسين وهو علي الأصغر لأنه كان مريضاً فمنه عقب الحسين عم إلى اليوم وقتلوا من أصحابه سبعة وثمانين إنسانا وزعم قوم ان الحسين ﵁ قتل بعد ما قتل منهم عدة ولولا الضعف الذي أدركه من العطش لكان يأتي على أكثرهم قالوا فرماه الحصين بن تميم في حنكه وضرب زرعة بن شريك كفه وطعنه سنان بن أنس بالرمح ثم نزل فاجتز رأسه وأوطأ الخيل جثته [F؟ ٢٠٢ r؟] وساقوا علي بن الحسين مع نسائه وبناته إلى عبيد الله بن زياد فزعموا أنه وضع رأس الحسين في طست وجعل ينكت في وجهه بقضيب ويقول ما رأيت مثل حسن هذا الوجه فقط فقال أنس
стр. 1152
ابن مالك أما أنه كان يشبه النبي صلى الله عليه ثم بعث به وبأولاده إلى يزيد بن معاوية فذكر أن يزيد أمر بنسائه وبناته فأقمن بدرجة المسجد حيث توقف الأسارى لينظر الناس إليهن ووضع رأسه بين يديه وجعل ينكت بالقضيب في وجهه وهو يقول [رمل]
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً ... ولقالوا يا يزيد لا تسل
فقام أبو برزة الأسلمي ﵁ فقال أما والله لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً لربما رأيت رسول الله صلّى الله عليه يرشفه وقتل الحسين عم سنة إحدى وستين من الهجرة يوم عاشوراء وهو يوم الجمعة وكان بلغ من السن ثمانياً وخمسين سنة وكان يخضب بالسواد ﵁ ثم بعث يزيد عليه اللعنة بأهله وبناته الى المدينة وورثته ابنة عقيل بن أبى طالب [بسيط]
ماذا تقولون أن قال المليك لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدمي
قال وسمع أهل المدينة ليلة قتل الحسين في نهارها هاتفا
стр. 1153
يهتف [كامل]
مسح الرسول جبينه ... فله بريق في الخدود
أبواه من عليا قريش ... وجده خير الجدود
واعلم أن للروافض في هذه القصة من الزيادات والتهاويل شيئاً غير قليل وفي مقدار ما بيناه سقط كثير لأن من الناس من ينكر أن يكون يزيد أمر بقتله أو رضي به والله أعلم بذلك،،،
قصة عبد الله بن الزبير بن العوام
وهو ابن صفية عمة رسول الله ﷺ وأول مولود ولد بالمدينة في الإسلام قالوا ولما بويع يزيد تلكأ الحسين وعبد الله بن الزبير عن بيعته ولحقا بمكة فأما الحسين فخرج إلى الكوفة حتى استشهد بكربلاء وأما عبد الله بن الزبير فامتنع بمكة ولاذ بالكعبة ودعا الناس إلى الشورى وجعل يلعن يزيد وسماه الفاسق المتكبر وقال لا يرضى الله بعهد معاوية إلى يزيد وإنما ذاك إلى عامة المسلمين فأجابه الناس إلى ذلك ورأوا الحق فيه وأظهر ابن الزبير التألد والتنسك وجعل يصوم ويصلي حتى أثر فيه ومال الناس إليه وكتب إلى أهل المدينة أن اخرجوا بني أمية من أظهركم فأخرجوهم وبلغ الخبر يزيد فبعث مسلم بن
стр. 1154
عقبة المرى في جيش كثيف وجعل يرتجز] [F؟ ٢٠٢ V؟] رجز]
أبلغ أبا بكر إذا الجيش سرى ... ومرت الخيل على وادي القرى
عشرين ألفا بين كهل وفتى ... أجمع نشوان من القوم ترى
ذكر وقعة الحرة
قال فجاء مسلم بن عقبة فأوقع بالمدينة وقتل أربع آلاف رجل من أفناء الناس وسبعين رجلاً من الأنصار وبقر عن بطون النساء وأباح الحرم وأنهب المدينة ثلاثة أيام وبايعهم على أنه فيء ليزيد وجعل يفعل فيهم ما شاء وكانت الوقعة بالحرة وهي ضاحي المدينة وبتلك سميت الحرة وسموا مسلم بن عقبة مسرف بن عقبة وكان يسمى ابن الزبير الملحد وقد قال محمّد ابن أسلم الساعدىّ [طويل]
فإن يقتلونا يوم حرة واقمٍ ... فنحن على الإسلام أول من قتل
ثم سار مسلم نحو مكة يريد ابن الزبير فطعن بقديد لدعوة أهل المدينة واستخلف على الجيش الحصين بن نمير اليشكري أوصاه يزيد بذلك وقال له يا برذعة الحمار لولا أن أمير المؤمنين أمرني باستخلافك ما استخلفتك فإذا أنا مت فامض بالجيش عني حتى
стр. 1155
تواقى الملحد ولا تجعل أذنك قمعاً لقريش فأنهم سحرة بالكلام ولكن عليك إذا وافيت بالوقاف ثم النقاف [١] ثم الانصراف ومات مسرف فسار الحصين حتى أتى مكة وحاصر ابن الزبير أياماً ورمى بالمنجنيق والنفاطات الركن فأحرق الأستار فبعث الله على أصحاب المنجنيق صاعقة فأحرقت منهم بضعة عشر رجلاً وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي بايع ابن الزبير على أن لا ينفرد برأي ولا يقضي أمراً دونه فوجه المختار إلى الحصين وقاتله فردّهم عن مكّة فبينا هم كذلك إذ أتاهم نعي يزيد فانصرفوا إلى الشام وكان يزيد ولى سلم بن زياد بن أبيه خراسان وسجستان فغزا ما وراء النهر وامرأة تملك بخاراً يقال لها خاتون فكتبت [٢] إلى طرخان ملك الترك تستمده وتستنجده [٣] على أن تزوجه نفسها وجاء طرخان في جيش عظيم من الترك والسغد وناهضهم القتال فهزمهم وغنم من أموالهم وأولادهم ما يفوت الإحصاء وفي سلم يقول يزيد بن معاوية [طويل]
стр. 1156
عتبت على سلم فلما فقدته ... وجربت أقواماً بكيت على سلم
موت يزيد بن معاوية
ولما احتضر يزيد بن معاوية ولى ابنه معاوية بن يزيد وسلم الأمر إليه وكان ولد يزيد بالماطرون ومات بحوارين [١] وهو ابن ثمان وثلاثين سنة وكان ملكه ثلث سنين وثمانية أشهر وذكر أنه تمثل عند موته بهذين البيتين [طويل]
فيا ليتني لم أغن في الناس ساعةً ... ولم أغن في لذات عيش مفاخر
وكنت كذي طمرين عاش ببلغةٍ ... من العيش حتى صار رهن المقابر
وفيه يقول الشاعر [رجز]
يا أيها القبر بحوارينا [٢] ... ضممت شر الناس أجمعينا
[F؟ ٢٠٣ r؟] ولاية معاوية بن يزيد بن معاوية
ولما مات يزيد صار الأمر إلى ولده معاوية بن يزيد وكان قدرياً لأنه أشخص عمراً المقصوص فعلمه ذلك فدان به وتحققه فلما بايعه الناس قال
стр. 1157
للمقصوص ما ترى قال إما أن تعتدل وإما أن تعتزل فخطب معاوية فقال إنا بلينا بكم وابتليتم بنا وإن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى به وأحق فركب منه ما تعلمون حتى صار مرتهناً بعمله ثم تقلده أبي ولقد كان غير خليق به فركب ردعه واستحسن خطاءه ولا أحب أن ألقى الله بتبعاتكم فشأنكم وأمركم ولّوه من شئتم فو الله لئن كانت الخلافة مغنماً لقد أصبنا منها حظاً وإن كانت شراً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها ثم نزل وأغلق الباب في وجهه وتخلى للعبادة حتى مات بالطاعون في سنة [أربع وستين] اثنتي وعشرين سنة وكانت ولايته عشرين يوماً ويقال أربعين يوماً ويقال ثلاثة أشهر فوثب بنو أمية على عمرو المقصوص وقالوا أنت أفسدته وعلمته فطمروه ودفنوه حيّا وكان قيل فيه [وافر]
تلقفها يزيد عن أبيه ... فخذها يا معاوي عن يزيد
وقال آخر [بسيط]
إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والملك بعد أبى ليلى لمن غلبا
стр. 1158
ذكر فتنة ابن الزبير
كان يدعو الناس في زمن يزيد بن معاوية إلى الإمارة والشورى فلما مات يزيد دعاهم إلى البيعة لنفسه وادّعى الخلافة وظفر بالحجاز والعراق وخراسان واليمن ومصر والشام إلا الأردن فإنهم أرادوا أن يكون الأمر لخالد بن يزيد ابن معاوية ودعوا له على المنابر وبويع بالخلافة فلما تسمى ابن الزبير بالخلافة فارقه المختار بن أبي عبيد من أعماله وقدم الكوفة ودعا الشيعة وقال أنا رسول أبي القاسم محمد بن علي بن أبي طالب وأخذ بيعة الناس له على أن يطلبوا بدم الحسين ﵁ وخرج الضحاك بن قيس الفهري الخارجي واستمال الناس وصلى بهم ينتظر استقرار الخلافة وبويع مروان بن الحكم بالأردن وبويع خالد بن يزيد بن معاوية بعده واجتمع أهل البصرة على عبيد الله بن زياد وكان واليها في أيام معاوية ويزيد ونصبوه أميراً وسألوه أن يطلق عن الخوارج الذين في السجون فأطلقهم وفيهم نافع بن الأزرق وعبيد الله [بن] الماحوز [١] وقطري بن الفجاءة المازني فعاثوا في الأرض وأفسدوا وخافهم عبيد الله بن زياد على نفسه فهرب الى الشأم،،،
стр. 1159
ذكر مروان بن الحكم وأخذ بيعة أهل الشام له ،
بويع له بالأردن سنة أربع وستين وهو أول من أخذ الخلافة بالسيف وكان يلقب خيط باطل لطول قامته واضطراب خلقه وفيه يقول الشاعر [طويل]
لحى الله قوماً أمروا خيط باطلٍ ... على الناس يعطي من يشاء ويمنع
[F؟ ٢٠٣ V؟] وسار إليه الضحاك بن قيس فاقتتلوا بمرج راهط من غوطة دمشق فقتل الضحاك وخرج سليمان بن صردٍ الخزاعي من الكوفة في أربعة آلاف من الشيعة يطلبون بدم الحسين فبعث إليه مروان عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير فالتقوا برأس عين فقتلوا سليمان بن صرد وتفرق أصحابه فمالت الشيعة إلى المختار ابن أبى عبيد وقوى أمره فأظهر الدعوة إلى محمد بن الحنفية والطلب بدم الحسين ومات مروان بدمشق وكانت ولايته سبعة أشهر وأياماً وبايع أهل الشام عبد الملك بن مروان،،،
خبر موت مروان بن الحكم
ذكروا أنه تزوج أمّ خالد بن يزيد ابن معاوية وجرى بينه وبين خالد كلام فقال له يا ابن الطرطبّة
стр. 1160
فأحقدت المرأة فسقته سماً في الشراب فأبطأ القضاء عليه فلما كان في الليل وضعت وسادة على وجهه وقعدت عليها حتّى مات وصار الى جهنّم ومروان يعدى من قتلى النساء واختلفوا في حليته فقيل كان طوالاً وقيل كان قصيراً وكان لدة الحسين بن علي بن أبي طالب والحسين ولد بعد الهجرة بسنتين،،،
ذكر ما جرى بين المختار وبين ابن الزبير
قالوا وغلب المختار على الكوفة ووجه عماله على كور الجبل وأرمينية وأفسدت الخوارج بالبصرة فولى أهلها المهلب بن أبي صفرة قتالهم إذ لم يكن لهم أمير يدفع عنهم وبعث عبد الله بن الزبير عبد الله بن المطيع واليا على الكوفة فخرج المختار ابن أبي عبيد في جماعة من القراء منهم ابو إسحاق الثقفيّ وجابر الجعفىّ وواقع ابن المطيع فطرده وانكفى عنهم وفيه يقول [رجز]
ابن مطيع لجّ في الشقاق، ... يقول لمّا ضيق في الخناق،
يا قوم هل لي فيكم من واق
وبلغ الخبر ابن الزبير فأخذ محمد بن الحنفية بالبيعة له والانقياد فقال محمد بن الحنفية أنا أولى بهذا الأمر منك إن كانت خلافة