ثم خروج أخيه أبر [هيم] بن عبد الله بالبصرة
في ثلاثين ألفاً ويقال في سبعين ألفاً واشتدت [١] مخافة أبي جعفر وأعد الرواحل للهرب ونقل ديوانه وأهل بيته الى دمشق وبعث عيسى للقاء إبراهيم ويئس أبو جعفر من الأمر وقال أترون أن هذا الذي بلغنا باطلاً إن الأمر لا يزال فينا حتى تلعب به صبياننا فقال له سهل لا بأس فإن الظفر لكم فلم يلبث أن جاء عيسى برأس إبراهيم فتمثّل ابو جعفر بقول الشاعر [طويل]
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر
[F؟ ٢١٦ r؟] ومن ثم مر إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن [٢] ابن علي بن أبي طالب إلى المغرب فهم بها الى اليوم،،،
خروج استادسيس بخراسان
قالوا واجتمع من الغزية نحو ثلاثمائة ألف مقاتل من أهل هراة وباذغيس وكنج رستاق [٣] وسجستان ونواحيها ومعهم المرور [٤] والمساحي والفؤوس ورئيسهم استادسيس
стр. 1227
وغلبوا على عامة خراسان فوجه أبو جعفر خازم بن خزيمة فقاتلهم قتالاً شديداً وقتل منهم في المعركة تسعين ألفاً وهزمهم وفرق جمعهم وسبى ذراريهم،،،
قتل عمر بن حفص بن أبي صفرة بإفريقية
كان أبو جعفر ولاها إياه فخرج عليه أبو عادي وأبو حاتم الأباضيان في أربع مائة ألف رجل من البربر والمغاربة منهم ثلاثمائة وخمسة عشر ألفاً رجالاً وخمسة وثمانون ألفاً فرساناً فغلبوه وقتلوه وغلبوا على المغرب فوجه أبو جعفر يزيد بن حاتم في خمسين ألفاً وأنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستين ألف ألفَ درهم يكون بالأوقار ألفي وقر وثمانين وقراً وكل وقر ثلاثون ألفاً فقتل ابو عادى وابو حاتم وحمل رءوسهما إليه واستوت له بلاد المغرب وبنى أبو جعفر مدينة بغداذ سنة خمس وأربعين ومائة وبنى قصر الخلد سنة سبع وخمسين ومائة ونقل الأسواق من مدينة السلام إلى باب الكرخ وباب المحول وخندق على الكوفة وسوّرها وكذلك البصرة خندق عليها وخلع عيسى بن موسى وعقد البيعة لابنه محمد المهدي [١] ولعيسى بن موسى من بعده ومات أبو جعفر في طريق مكة ببئر
стр. 1228
ميمون وفي أيامه صار عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك سنة ستين إلى الأندلس فملكها ثم ابنه هشام [١] بن [عبد الرحمن] [٢] عشرين سنة وكان وقوع عبد الرحمن إليها سنة ثمان وثلاثين فهم ولاتها الى اليوم،،،
ذكر خلفاء بني العباس
أولهم أبو العباس عبد الله بن محمّد بن عليّ ابن عبد الله بن العباس بويع يوم الجمعة لاثني عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهو أبو العباس أمير المؤمنين المرتضى بن محمد بن علي السجاد ذي الثفنات بن عبد الله الحبر بن العباس ذي الرأي بن عبد المطلب شيبة الحمد وأم أبي العباس ريطة بنت عبيد الله بن عبد المدان وهو الذي انتشرت الأخبار بإفضاء الخلافة إليه وكان أبو العباس رجلاً طوالاً أبيض اللون حسن الوجه ولد بالشراة [٣] في أيام هشام بن عبد الملك ولما قدم الكوفة نزل بحمام أعين في موضع عسكر أبي سلمة فسمى الهاشمية ثم تحول من الهاشمية إلى الحيرة ثم تحوّل من
стр. 1229
الحيرة إلى الأنبار وبنى بها مدينة ومات سنة ستّ وثلاثين ومائة وكانت ولايته أربع سنين وثمانية أشهر وكان سنة أربعاً وعشرين سنة وخلف أربعة أقمصة وخمس سراويلات وأربع طيالسة وثلاث مطارف خز ورثاه أبو دلامة [كامل]
من مجمل [١] في الصبر عنك فلم يكن ... جزعي ولا صبري عليك جميلا
يجدون أبدالاً وإني عالم ... ما عشت دهري ما وجدت بديلا
إني سألت الناس بعدك كلهم ... فوجدت أجود من سألت بخيلا
[F؟ ٢١٦ V؟] فقالت له امرأة أبي العباس ما أصيب به غيري وغيرك فقال أبو دلامة وكان مزاحاً ولا سوء لك منه ولد ولا ولدي منه وكانت ولدت له محمد بن أبي العباس ودفن في قصره بالأنبار وفي تأريخ خرّزاذ أنه بلغ من السن ثلاث وثلاثين سنة والله أعلم وكان يكره الدماء ويحابي على أهل بيت رسول الله ﷺ وكان مختصّا بسليمان بن هشام بن عبد الملك وعبد الله بن الحسن ابن الحسن [٢] بن علي بن أبي طالب وكان يقعد عبد الله بن
стр. 1230
الحسن عن يمينه والأموي عن يساره فلما أنشده عبد الله ألم تر حوشباً نفاه إلى المدينة ثم لما أنشأ يقول سديف [خفيف]
لا يغرنك ما ترى من رجالٍ ... إن تحت الرجال داء دويا
فضع السيف وارفع السوط عنهم ... لا ترى فوق ظهرها أمويا
ثمّ أمر بسليمان فقتل،،،
بويع أخوه أبو جعفر المنصور
وهو عبد الله بن محمد بن العباس سنة سبع وثلاثين ومائة وأمه بربرية يقال لها سلامة ولد بأرض الشراة [١] في أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان وكان أكبر من أبي العباس بثماني عشرة سنة وذكروا أنه كان رجلاً أسمر نحيفاً طويل القامة قبيح الوجه دميم الصورة ذميم الخلق أشح خلق الله وأشده حباً للدينار والدراهم سفاكاً للدماء ختاراً بالعهود غداراً بالمواثيق كفوراً بالنعم قليل الرحمة وكان جال في الأرض وتعرض للناس وكتب الحديث وحدث في المساجد وتصرف في الأعمال الدنية والحرف الشائنة وقاد القود لأهلها وضربه سليمان ابن حبيب بالسياط في الجملة والتفصيل كان رجلا دنيا خسيسا
стр. 1231
كريهاً شريراً فلما أفضى الأمر إليه أمر بتغيير الزي وتطويل القلانس فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل فقال أبو دلامة في هجره [طويل]
وكنا نرجي من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى [١] بالقلانس
تراها على هام الرجال كأنها ... ديار يهود جلّلت بالبرانس
وأمر بعدد دور أهل الكوفة ووظف خمسة دراهم [٢] على كل دار فلما عرف عددهم جباهم أربعين درهماً أربعين درهما فقالوا [رمل]
يا لقوم ما لقينا من أمير [٣] المؤمنينا ... قسم الخمسة فينا وجبانا أربعينا
وحج غير مرة وزار القدس وبنى مدينة المصيصة ومدينة الرافقة بالرقة على قدر مدينة السلام ووسع طرق المدينة وأرباضها وأمر بهدم ما شخص عنها ووسع المسجد الحرام وجمع من المال ما لم يجمعه أحد قبله ولذلك قيل له أبو الدوانيق وخرج محرما بالحجّ
стр. 1232
فعرض له وجع ببئر ميمون هاض له بطنه ثم انقض كوكب في إثره إلى طلوع الشمس ومات فحمل إلى مكة فدفن مكشوف الرأس وخلف من الصامت تسع مائة ألف ألف درهم وستين ألف ألف درهم سوى سائر الأصناف ولم يروا منها بشيء وزعم زاعم أنه وقف عليه [F؟ ٢١٧ r؟] أعرابي في طريقه قبل موته بستّ أيّام فأنشده [طويل]
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا بد واقع
أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... بحيلته عنك المنية دافع
ويقال بل هتف به في نومه ورثاه مروان بن أبى حفصة [طويل]
أبا جعفر صلّى عليك إلهنا ... لموتك أمسى أعظم الحدثان
بكى الثقلان الإنس والجن إذ ثوى ... ولم يبك ميتاً قبلك الثقلان
خبر أبي مسلم صاحب الدعوة
اختلف الناس في اسمه وبلده فأكثرهم على أنه أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم ولد بأصبهان ونشأ عند إدريس بن عيسى جد أبي دلف فكان مع ولده في المكتب إلى أن حفظ القرآن وروى الأشعار وقال بعضهم هو
стр. 1233
ابو إسحاق إبراهيم بن عثمان وأمه وشيلة بنت فلان وزعم قوم أنه كان من قرية من قرى مرو [و] يقال بل كان من العرب وقيل كان عبداً وأما أبو دلامة فإنه نسبه إلى الأكراد حيث هجاه وقالوا في حليته وهيأته أنه كان قصير القامة أسمر اللون دقيق البشرة حلو المنظر طويل الظهر قصير الساق لم ير ضاحكاً ولا ممازحاً يأتيه الفتوح العظام فلا يعرف بشره في وجهه وينكب النكبة العظيمة فلا يرى مكتئباً لها قليل الرحمة قاسي القلب سوطه سيفه قتل من الأصناف كلها بدأ بمضر في خراسان فأفناهم ثم اليمن ثم الربيعة ثم القضاة ثم القراء ثم الملوك ثم الدهاقين والمرازبة والنصارى والدماوندية والنهاوندية واليهود وقتل ستمائة ألف ممن يعرف صبراً سوى من لا يعرف ومن قتل في الحروب والهيجاء وقتل ولم يترك داراً ولا عقاراً ولا عبداً ولا أمةً ولا ديناراً ولا درهماً وكانت عنده ثلاث نسوة وكان لا يطأ المرأة منهن في السنة إلا مرة واحدة ويقول يكفي الإنسان أن يختن نفسه في السنة مرة وكان من أغير الناس لا يدخل قصره أحد غيره وفيه كوى يطرح لنسائه منها ما يحتجن إليه قالوا وليلة زفت إليه أمرأته أمر بالبرذون الذي ركبته
стр. 1234
فذبح [١] وأحرق سرجه لئلا يركبه ذكر بعدها قال ابن شبرمة دخلت على أبي مسلم ليلاً فرأيت في حجره مصحفاً وفي يده سيفا فقال يا ابن شبرمة إنما هما وأشار إليهما أترهب هذا أم السيف قلت أصلح الله الأمير من أشجع الناس فقال كل قوم في إقبال دولتهم وكان أقل الناس طمعاً وأكثرهم طعاماً يخبز في مطبخه كل يوم ثلاثة آلاف مآزف ويطبخ مائة شاة سوى البقر والطير وكان له مائة طباخ وآلة المطبخ تحمل على ألف ومائتين من الدواب ولما حج نادى في الناس برئت الذمة ممن أوقد ناراً فكفى العسكر ومن معه أمر طعامهم وشرابهم في ذهابهم ومنصرفهم وهربت الأعراب فلم يبق في المناهل منهم أحد لما كانوا سمعوا به من ولوعه بسفك الدماء وتناشدوا له بيتا قال نصر بن سيّار [بسيط]
[F؟ ٢١٧ V؟] فمن يكن سائلاً عن دين قومهم ... فإن دينهم أن يقتل العربا
وكان مروان بن محمد كتب إلى أهل مكة يهجو أبا مسلم وانه
стр. 1235
يحرق المصاحف ويهدم المساجد فلما سمعوا بقدومه خرجوا ينظرون إليه فلما بلغ الحرم نزل عن دابته وخلع نعليه ومشى حافياً على رجليه إعظاماً للبيت وقضى نسكاً قل ما قضاه أحد من الملوك غيره فقالوا ما رأينا سلطاناً أعظم الحرم إعظامه وولد سنة مائة واثنتين وقتل [سنة] سبع وثلاثين وهو ابن خمس وثلاثين سنة وخلف بنتاً يقال لها فاطمة بنت أبي مسلم يتولاها الخرمية ويزعمون أنه يخرج من نسلها رجل يستولي على الأرض كلها ويسلب بنى العبّاس ملكهم وفيه يقول [طويل]
أبا مجرم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد
وفي دولة المهدي حاولت غدرة ... إلا إن أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مجرم خوفتني الفتك فانتحي ... عليك بما خوّفتني الأسد الورد
وبويع بعده ابنه المهدي
محمد بن أبي جعفر سنة تسع وخمسين ومائة وصار إليه خاتم الخلافة وقضيب النبي ﷺ وبردته فكان كما سمي هادياً مهدياً رد المظالم وشهد الصلوات في جماعة وفرق خزائن المنصور في سبل الخير ورد ولاء آل أبي بكرة إلى رسول الله ﷺ ورد ولاء آل زياد من نسبهم إلى أبي سفيان
стр. 1236
إلى عبيد من ثقيف وكتب بذلك إلى المدن والأمصار ووسع المسجد الحرام ومسجد المدينة وفرق في حجه بمكة والمدينة ثلاثين ألف ألف درهم سوى ما حمل إليه من مال مصر واليمن وحمل إليه محمد بن سليمان الثلج من أرض الموصل ولم يحمله أحد قبله وأمر بنزع المقاصير عن المساجد وتقصير المنابر إلى الحد الذي كان عليه منبر رسول الله ﷺ ووضع دور المرضى وأجرى على العميان والمجذمين والضعفى وأغزى الصائفة ابنة هارون بن المهدي في مائة ألف من المسترقة [١] سوى المطوعة والأتباع وأهل الأسواق والغزاة فقتلوا من الروم خمسة وأربعين ألفا وأصابوا من المال ما بيع البرذون بدرهم والدرع بدرهم وعشرون سيفاً وألزموهم الجزية كل سنة سبعين ألف دينار وفيه يقول ابن أبى حفصة [طويل]
أطفت بقسطنطينة [٢] الروم مسندا ... إليها القفا حتى اكتسى الذل سورها
وما رمتها حتى تفيك ملوكها ... بجزيتها والعرب تغلي قدورها
وكثير من الناس يرون ذلك الفتح الفتح الذي وعد الله به وفي
стр. 1237
أيامه خرج رجل يقال له يوسف البرم [١] واستغوى خلقاً كثيراً وجمع بوشا وأدعى النبوة فبعث إليه جيشاً ففضوا جموعه فأسروه فأمر به المهدي فصلب وخرج حكيم المقنع وقال بتناسخ الأرواح واتبعه ناس كثير وكان حكيم هذا رجلاً قصيراً أعور من قرية من قرى مرو يقال لها كاره وكان لا يسفر عن وجهه لأصحابه فلذلك [F؟ ٢١٨ r؟] قيل له المقنع وزعم أن روح الله التي كانت [٢] في آدم تحولت [٣] إلى شيث ثم إلى نوح ثم الى إبراهيم ثم إلى موسى ثم إلى عيسى ثم الى محمد ثم الى على ثم إلى محمد بن الحنفية ثم إليه وكان يحسن شيئاً من الشعبذة والنيرنجات فاستغوى أهل العقول الضعيفة فاستمالهم فبعث المهدي في طلبه فصار إلى ما وراء النهر وتحصن في قلعة كش [٤] وجمع فيها من الطعام والعلوفة وبث الدعاة في الناس وادعى إحياء الموتى وعلم الغيب وألح المهدي في طلبه فحوصر فلما اشتد الحصار عليه سقى نساءه وغلمانه كلهم السم وشرب هو منه فماتوا عن آخرهم وحمل الى المهدىّ
стр. 1238
وكان وعد أصحابه أن يتحول روحه إلى قالب رجل أشمط على برذون أشهب وأنه يعود إليهم بعد كذا سنة ويملكهم الأرض فهم ينتظرونه ويسمون المبيضة وفي أيامه خرج المحمرة بخراسان وعليهم رجل يقال له عبد الوهّاب فغلب على خراسان وما يليها وقتل خلقاً كثيراً من الناس فانهض إليه المهدي عمرو بن العلاء فقتله وفض جموعه وفي أيامه ظهرت الزنادقة فقتل المهدي بعضهم واستتاب بعضها وعقد البيعة لابنه موسى الهادي وبعده لأخيه هارون الرشيد واعتل المهدي فحمل إلى ماسبذان [١] يتروح إلى ذلك بالهواء فمات فحمل على درابة إذ لم يجدوا جنازة فجزت حسنة [٢] عبيدها ولبست المسوح في وصائفها ولم تزل [٣] كذلك إلى أن فارقت الدنيا وكانت من أجمل النساء فقال أبو العتاهية [رمل]
رحن في الوشي وأصبحن ... عليهنّ المسوح
كلّ نطّاح وإن عاش ... له يوم نطوح
نح على نفسك يا مسكين ... إن كنت تنوح
стр. 1239
لتموتنّ ولو عمّرت ... ما عمر نوح
بين عيني كل حيٍ ... علم الموت يلوح
كلنا في غفلة و ... الموت يغدو ويروح
وتوفّى المهدىّ سنة ست وستين ومائة وكان ابن ثمان وأربعين سنة وولايته عشر سنين وشهر وقيل فيه [طويل]
وأفضل قبر بعد قبر محمد ... نبي الهدى قبر بماسبذان [١]
عجبت لأيد حثت التراب فوقه ... غداة فلم يرجع بغير بنان
وبويع الهادي
وتولى له البيعة هارون وهو بجرجان فأقبل الى بغداذ على دواب البريد وخرج عليه الحسين بن على بن الحسن ابن على بن أبي طالب بالمدينة في الطالبيين يحيى وإدريس وإسماعيل الذي يقال [له] طباطبا وعلي وعمر الذي يقال له الأفطس وأخرجوا عامل المدينة ونهبوا بيت المال ثم قصد الحسين بن على مكة وبعث الهادي موسى بن عيسى [٢] فأدركه على فرسخ من مكة فقتله وحمل رأسه إلى المهدي وتفرق من كان معه من آل أبى
стр. 1240
طالب فوقع إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن [١] بن على [ابن] أبي طالب إلى الأندلس وغلب عليها وأخوه يحيى بن عبد الله إلى جبال الديلم فأما إدريس فولى إلى [F؟ ٢١٨ V؟] تلك الناحية وولده إلى اليوم بها وأما يحيى فإنه آمنة هارون [٢] وأخرجه ثم غدر به وبنى على بطنه اسطوانة وغضب الهادي على موسى بن عيسى في قتل الحسين بن علي من غير موافقة وتركه أن يقدم به عليه فيرى فيه رأيه فقبض على أمواله وضياعه وتتبع الهادي الزنادقة فقتلهم أبرح قتلٍ منهم ازديادار كاتب يقطين بن موسى نظر إلى الناس في الطواف يهرولون فقال ما أشبههم ببقر تدوس البيدر فقال الشاعر فيه [سريع]
ماذا ترى في رجل كافر ... يشبه الكعبة بالبيدر
وقال آخر [سريع]
قد مات ماني منذ أعصارٍ ... وقد بدا إزدايادار
حج إلى البيت أبو خالد ... مخافة القتل أو العار
стр. 1241
وود والله أبو خالد ... لو كان بيت الله في النار
لا يقتل الحيات في دينه ... كفراً ولا العصفور في الدار
وليس يؤذى الفأر في حجره ... يقول روح الله في الفأر
فقتله الهادي وصلبه فسقطت خشبته على رجل من الحاج فقتلته وقتلت حماره ومات الهادي بعيساباذ سنة سبعين ومائة وكان بلغ من السن ثلثا وعشرين سنة وولى سنة وشهرا،،،
وبويع هارون الرشيد
يوم توفي الهادي وولد له المأمون فمات خليفة وولى خليفة وولد خليفة ولما بويع الرشيد ولي الوزارة يحيى بن خالد بن برمك وولى خرسان جعفر بن محمّد بن الأشعث ابن قيس وبذل الأمان للطالبيين وأخرج الخمس لبني هاشم وقسم للذكر ألفا وللأنثى خمسمائة وساوى بين صلبتيهم ومواليهم وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار وعمر طرسوس وأنزل فيها أبا سليمان الخادم في جماعة من الموالي وخرج عليه الوليد بن طريف الشاري بأرض الجزيرة واستولى عليها وعلى أرمينية وآذربيجان وهزم عدة جيوش لهارون وفتك بهم ويقول [سريع]
أنا الوليد بن الطريف الشاري ... أخرجني ظلمكم من داري
стр. 1242
ودامت فتنته قريباً من عشر سنين ثم انتهز بعض الأعراب منه الفرصة فقتله غيلة وحمل رأسه إلى هارون فاعتمر شكراً للَّه على ما أبلاه وكفاه وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة ورثته أخته الفارعة بنت الطريف [طويل]
ألا يا لقوم للحيوف وللبلى [١] ... وللدار لما أزمعت بخسوف
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس همت بعده بكسوف
[F؟ ٢١٩ r؟] ولليث فوق النعش إذ يحملونه ... إلى وهدة ملحودة وسقوف
بكت جشم لما استقلت على العلى ... وعن كل هولٍ بالرجال مطيف
أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن الطريف
فتى لا يعد الزاد إلا من التقى ... ولا الكال إلا من قنى وسيوف
وخرج عليه حمزة الشاري بخراسان فعاش بباذغيس فأفسد ووثب على عيسى بن علي بن عيسى ففض جموعه وقتل فيهم أبرح قتل وانتهت الهزيمة لعيسى إلى كابل وقندهار فقال ابو العذافر [خفيف]
стр. 1243
كاد عيسى يكون ذا القرنين ... بلغ المشرقين والمغربين
لم يدع كابلا وزابلستان ... [١] وما حولها إلى الرخجين [٢]
ثم غرق حمزة في واد بكرمان وتسمى طائفته الحمزية وخرج أبو الخصيب بنسا وغلب عليها وعلى أبيورد وطوس وسرخس ونيسابور وخرب وأفسد وكثفت [٣] جموعه وقوي أمره فبعث إليه هارون [٤] عيسى بن علي فقتله وسبى أهله وذراريه وحمل إليه رأسه واستقامت أحوال خراسان وتحركت الخرمية بأذربيجان فانتدب لهم عبد الله بن مالك فقتل منهم ثلاثين ألفاً وسبى نساءهم وصبيانهم ووافى بهم هارون بقرميسين فأمر بقتل الأسارى وبيع السبى وخطب الفضل بن يحيى إلى خاقان ابنته فحنق لذلك خاقان وخرجت الخزر من باب الأبواب وأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة وسبوا مائة ألف وأربعين ألف إنسان وقتلوا من الرجال والنساء والولدان ما لا يعلم عددهم الّا الله وأحرقوا
стр. 1244
المدن والقرى وانتهكوا من الإسلام ما لم يذكر مثله قبله ولا بعده،،،
قصة البرامكة
قيل أنهم كانوا من أهل بيوتات بلخ ممن يتولون البهار وبيت النار فقيل لهم البرامكة على معنى أنهم سدنة البيت وحجابه فأول ما ولوا من الأعمال في أيام أبي العباس ولي الخراج خالد بن برمك ثم صار يدور فيهم إلى أيام الرشيد فولى الوزارة يحيى بن خالد بن برمك وولي خراسان وما دون باب بغداذ مما يليها ابنه الفضل بن يحيى وولى ابنه الآخر جعفر بن يحيى الخاتم قال بعضهم الوزارة برمكية لا بقي منهم بقية ثم سخط عليهم هارون فأفناهم واختلفوا في السبب الذي حمله على ذلك فقال قوم أنهم أرادوا إظهار الزندقة وإفساد الملك ونقله إلى عثمان بن نهيك الفاسق فقتلهم هارون على ذلك وقال آخرون إن هارون كان مختصاً بجعفر بن يحيى بن برمك حتى أمر فخيط له قميص ذو جيبين يلبسه هارون وجعفر لثقته به واختصاصه به وكان باراً بأخته عباسة [١] مولعاً بها لا يكاد يصبر عنها فزوجها من جعفر بن يحيى على أن لا يمسّها ولا يلمى بها ليكون لها محرما إذا حضرت
стр. 1245
المجلس فقضى من القضاء إن حملت منه وولدت تؤأمين فغضب هارون لذلك وأمر بضرب [F؟ ٢١٩ V؟] عنق جعفر بن يحيى وحبس أخاه الفضل وأباه بالرقة حتى ماتا في الحبس وأمر بجثة جعفر ورأسه إلى مدينة السلام فقطعت بنصفين وصلبت به ثم أحرقت بالنار وكتب إلى العمال في جميع النواحي والبلدان بالقبض على البرامكة وحاشيتهم وأولادهم ومواليهم فكل من هو منهم يسئل [١] والاستيثاق [٢] منهم واجتياح أموالهم واستصفائها منهم وإذكاء العيون على من اختفى منهم وتغيب والاحتيال في القبض عليه حتى إذا علم أنه قد أحاط بهم أو بأكثرهم كتب إلى كل عامل [٣] كتابا مدرجاً مختوماً بأمره أن ينظر فيه يوم كذا من سنة كذا فيمثل ما مثل له فيه فوافق قتلهم كلهم في يوم واحد ثم أمر بعباسة فحطت في صندوق ودفنت في بئر وهي حية وأمر بابنيها كأنهما لؤلؤتان فأحضرا فنظر الهيما ملياً وشاور نفسه وبكى [٤] ثم رمى بهما البئر وطمّها عليهم وقال الأصمعيّ في
стр. 1246
البرامكة [متقارب]
إذا ذكر الشرك في مجلسٍ ... أنارت وجوه بني برمك
وإن تليت عندهم سورة ... أتوا بالأحاديث من برمك
وحج هارون بابنيه محمد الأمين وعبد الله المأمون وكتب كتاباً بالعهد والبيعة للأمين وبعده للمأمون وأشهد عليه وعلقه على الكعبة فقال إبراهيم الموصلىّ [كامل]
خير الأمور مغبة ... وأحق أمر بالتمام
أمر قضى أحكامه ... في الكعبة البيت الحرام
وكان عقد العهد لمحمد وسماه الأمين وهو ابن خمس سنين وذلك في سنة خمس وسبعين ومائة فقال سلم الخاسر [كامل]
قد وفق الله الخليفة إذ بنى ... بيت الخلافة للهجان الأزهر
قد بايع الثقلان في مهد التقى ... لمحمد بن زبيدة ابنة [١] جعفر
وقال أبان بن حميد اللاحقيّ [طويل]
وما قصرت سن به أن ينالها ... وقد خصّ عيسى بالنّبوّة في المهد
стр. 1247
وفي سنة ست وثمانين ومائة أخذ البيعة للقاسم ابنه بولاية العهد بعد المأمون وسماه المؤتمن فصاروا بعهده ثلاثة الأمين ثم المأمون ثم المؤتمن وخرج رافع بن ليث بن نصر بن سيار بسمرقند وغلب على ما وراء النهر فولى الرشيد هرثمة بن أعين خراسان واستكفاه أمر رافع وقدم المأمون إلى مرو وسار بنفسه فلما بلغ طوس توفي بها فدفن في سنة ثلاث وتسعين ومائة وقد بلغ من السن سبعاً وأربعين سنة وكانت ولايته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وأياماً فرثاه ابو الشيص [رمل]
غربت في المشرق الشمس ... فقل للعين تدمع
[F؟ ٢٢٠ r؟] ما رأينا قطّ شمشا ... غربت من حيث تطلع
فلما مات هارون بايع الناس لولده الثلاثة على الوفاء بالعهد بعضهم لبعض،،،
وبويع محمد الأمين
فنكث وغدر وولى ابنه موسى العراق وهو طفل ولقبه الناطق بالحق وأمر بالدعاء له على المنابر ونهى عن الدعاء للمأمون وأمر بإبطال ما ضرب المأمون من الدراهم والدنانير بخراسان وأغرى الفضل بن الربيع بينه وبين المأمون وزين له
стр. 1248
بكر بن المعتمر خلع المأمون فولّى على بن عيسى بن ماهان الحرب وأخذ البيعة لابنه الناطق بالحق وصيره في حجره وندبه للقاء المأمون ودفع إليه قيداً من ذهب وقال أوثق المأمون ولا تقتله حتى تقدم به علي وأعطاه من الصامت ألفي ألف دينار سوى الأثاث والكراع وبلغ الخبر المأمون فتسمى بأمير المؤمنين وقطع الخراج عن [١] الأمين وألقى اسمه من الطراز والدراهم والدنانير وانهض طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين إلى علي بن عيسى فالتقوا بالري وقتلوا جيوشه واحتووا على أمواله وكتب طاهر ابن الحسين إلى الفضل بن سهل وزير المأمون كتبت إليك ورأس علي بن عيسى في حجري وخاتمه في يدي والحمد للَّه رب العالمين فنهض الفضل بن سهل ودخل على المأمون وسلم عليه بالخلافة فبعث المأمون إلى طاهر بالهدايا والأموال وأمده بالرجال والقواد وسماه ذا اليمينين وصاحب خيل الدين وأمره أن يمضي إلى العراق فأخذ طاهر على طريق الأهواز وأخذ هرثمة على طريق حلوان ورفع المأمون قدر الفضل بن سهل وعقد له على المشرق من جبل همذان إلى جبل سقين وتبت [٢] طولاً ومن بحر فارس والهند
стр. 1249
إلى بحر جرجان والديلم عرضاً وعقد له لواء على سنان ذي شعبتين وسماه ذا الرئاستين رياسة الحرب ورياسة التدبير ولما صار طاهر إلى الأهواز واستولى عليها ثم امتد إلى واسط وتمكن هرثمة من حلوان شغب الجند على محمد الأمين فأعطاهم رزق أربعة وعشرين شهراً ثم وثبوا عليه وهو في قصر الخلد فأخرجوه وخلعوه وحبسوه مع أمه وولده في مدينة أبي جعفر فقال جاء الخبر من العجب لأحد عشر من رجب ثم أخرجوه وبايعوه وكان حبسه يومين ثم تشوشت الدنيا فخرج ابن طباطبا العلوي بالكوفة وبيض ومعه أعرابي من بني شيبان يقال له أبو السرايا وغلبوا على الكوفة والسواد ثم مات ابن طباطبا وهو محمّد بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين ونقش الخاتم [و] الدراهم [١] إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ٦١: ٤ وفي وسطه الفاطمي الأصغر وخرج بالبصرة علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ فغلب وبيض وخرج بمكة ابن الأفطس الحسين بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبى طالب [٢] عليهم السلم
стр. 1250
فغلب وبيض وحج بالناس سنة مائتين وخرج بالمدينة محمد بن سليمان بن [F؟ ٢٢٠ V؟] داود بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب سلام الله عليهم فغلب وبيض وخرج باليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد بن محمد وغلب وبيض وخرج بالشام على بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية يدعو إلى نفسه وحاصر طاهر وهرثمة محمداً الأمين وجعلا يحاربان أصحابه سنة ببغداذ فقتل أصحابه وخفت يده من المال وضعف أمره وكتب طاهر إلى المأمون يستأمره في قتل محمد فبعث إليه بقميص غير مقور فعلم أنه يأمره بقتله وخلص الجيش إلى قصر محمد وأحدقوا به فوجه إلى هرثمة يسأله الأمان فآمنه وضمن له الوفاء من المسلمين فجاء طاهر مسرعاً وحمل على الحراقة بالنفط والحجارة فانكفأت بمن فيها فأما هرثمة فإنه ركب زورقاً قريباً منه وأما محمد فسبح حتى خرج بشط البصرة فأخذه أصحاب طاهر وجاءوا به فقتله من ليلته وبعث برأسه إلى خراسان وخلص الأمر للمأمون وبعث المأمون إلى علي بن موسى بن جعفر فأقدمه خراسان وعقد له العهد من بعده وسماه الرضا وزوجه ابنته أم حبيبة بنت المأمون وخضر الثياب واللباس والرايات وأمر بطرح السواد فشق ذلك
стр. 1251
على بني هاشم وغضب بنو العباس وقالوا يخرج الأمر منا إلى أعدائنا فخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي وسموه المبارك وتوجه المأمون نحو العراق فلما بلغ سرخس قتل الفضل بن سهل في الحمام غيلة ومات علي بن موسى الرضا بطوس ودفن عند قبر هارون واختلفوا في سبب موته فمن قائل أنه سم وآخر أنه أكل عنباً فمات وجاء المأمون حتى دخل بغداذ وعليه الخضرة فأمر بطرحها وأمر بإعادة السواد وخلع القاسم المؤتمن وقتل محمد الأمين سنة ثمان وتسعين ومائة وكان سنة ثمان وعشرين سنة وأياماً ولايته أربع سنين وأربعة أشهر وأياماً ويقال خمس سنين وفيه يقول [متقارب]
أضاع الخلافة غش الوزير ... وفسق الأمير وجهل المشير
فبكر مشير وفضل وزير ... يزيدان ما فيه حذف الأمير
وبويع إبراهيم بن المهدي سنة اثنتين ومائتين فخرج إلى الحسن ابن سهل فألحقه بواسط ثم بايع بغداذ المأمون وكانت أيّام إبراهيم بن المهدي سنة وأحد عشر شهراً ودخل المأمون بغداذ سنة أربع ومائتين،،،
стр. 1252
وبويع عبد الله المأمون
سنة أربع ومائتين وكانوا بايعوه بمرو عند ما خلعه أخوه فأحسن السيرة وتفقد أمور الناس وقعد للقضاء وتولّى الصلاة والخطبة وخلع أخاه القاسم وأخذ البيعة لأخيه ابى [١] إسحاق المعتصم من بعده وكتب الناس من عبد الله المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق المعتصم وأمر بامتحان القضاة والمحدّثين ونادى مناديه برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير [٢] وفضله على أحد من الصحابة [F؟ ٢٢١ r؟] وأحيا العلم القديم ونقل إلى لسان العرب وأظهر علم النجوم والفلسفة وكان فاضلاً في نفسه فطيناً ذكياً أبيض البشرة تعلوه حمرة أعين طويل اللحية دقيقها بخدّه خال أسود وأمر ابو إسحاق باتخاذ الأتراك للخدمة وكان يشتري [٣] الواحد منهم بمائة ألف ومائتي ألف وفي أيامه تحركت الخرمية وادعى بابك أنّ روح جاويدان دخلت فيه فبعث إليه المأمون محمد بن حميد فقتل محمد بن حميد وعامة أصحابه وأصاب الناس مجاعة حتى بلغ المد عشرين دينارا ورئي
стр. 1253
قبله الكوكب ذو الذنب ثم وقع بعده موت ذريع أفنى كثيراً من الناس وظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي في زي امرأة يمشي بين امرأتين فعفا عنه وآمنه ونادمه فقال إبراهيم [كامل]
إن الذي قسم المكارم حازها ... من صلب آدم للإمام السابع
فعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع
وغزا الروم غير مرة فافتتح منها حصوناً وقلاعا ومات بها فحمل إلى طرسوس وقال الشاعر [خفيف]
خلّفوه بعرقوة طرسوس ... مثل ما خلّفوا أباه بطوس
هل رأيت النجوم أغنت عن المأمون ... أو عن وزيره المألوس
وتوفّى سنة ثمان عشرة ومائتين وكانت خلافته منذ قتل محمد عشرين سنة وعمره ثمانيا وأربعين سنة وكانت أم المأمون باذغيسية تسمى مراجل وكان المأمون ضربه أبوه في شيء فقال الرقاشيّ يهجوه [رمل]
لم تلذه أمه تعرف ... في السوق التجارا
لا ولا حد ولا خان ... ولا في الحكم جارا
стр. 1254
وبويع ابو إسحاق المعتصم باللَّه
وهو محمد بن هارون سنة ثمان عشرة ومائتين فتخرم كثير من أهل الجبال من مشاهير همذان وماسبذان [١] ومهرجان وتجمعوا فبعث إبراهيم بن إسحاق بن مصعب وقتل منهم ستين ألفاً وسبى ستين ألفاً وهرب الباقون إلى بلاد الروم وخرج العباس بن المأمون ودعا إلى نفسه وبايعه كثير من القواد فحبسه وأمر بلعنه على المنابر وسماه اللعين فمات بالحبس وشغب عليه الأتراك فأمر برد المقاصير في مساجد الجماعة ثم مضى بإنزاله إلى سر من رأى [٢] فابتني فيها واتخذها داراً وقتل بابك الخرمي سنة ثلاث وعشرين ومائتين،،،
قصة بابك الخرمي [٣]
ذكروا أنه كان لغير رشده وأن أمه كانت امرأة عوراء فقيرة من قرى آذربيجان فشعف بها رجل من نبط
стр. 1255
السواد يقال له عبد الله فحملت منه وقتل الرجل وبابك حمل فوضعته أمه وجعلت تكتسب [١] عليه إلى أن بلغ مبلغ السعي وصار غلاما حذروا [٢] واستأجره أهل قريته على سرحهم بطعام بطنه وكسوة ظهره فزعموا أنّه أتته ذات يوم بطعامه وهو قائل في ظلّ حانط فرأت شعر بدنه قد [F؟ ٢٢١ V؟] اقشعر يقطر من رأس كل شعرة قطرة دم فقالت إن لابني هذا شأناً عظيماً وكان في تلك الجبال قوم من الخرمية وعليهم رئيسان يتكافحان ويخالف أحدهما الآخر يقال لأحدهما جاويذان [٣] والآخر عمران فمر جاويذان [٣] في بعض حاجاته بقرية بابك فرآه فتفرس فيه الجلادة فاستأجره من أمه وحمله إلى ناحيته قالوا فمالت إليه امرأة جاويذان [٣] وأفشت إليه أسرار زوجها وأطلعته على دفائنه وكنوزه فلم يلبث إلا قليلاً حتى وقعت حرب بين جاويذان [٣] وعمران فأصابت جاويذان [٣] جراحة فمات منها فزعمت امرأة جاويذان [٣] أن بابك قد استخلف هذا على أمره وتحولت روحه إليه وإن الذي كان وعدكم من الظفر والنصرة
стр. 1256
كله صائر إليكم على يدي هذا وذلك أن الخرمية لا يصبحون ولا يمسون إلا على توقع الحركة فأتبعوه قومه وصدقوا المرأة على شهادتها وأمر بابك أصحابه من النواحي والقرى وكان في قلة وذلة وأعطاهم سيوفاً وخناجر وأمرهم أن يرجعوا إلى قراهم ومنازلهم وينتظرون ثلث الليل الأخير فإذا كان ذلك الوقت يخرجوا على الناس فلا يدعون رجلاً ولا امرأة ولا صبياً ولا طفلاً من قريب وبعيد إلا قطعوه وقتلوه ففعل القوم ذلك فأصبح أهل تلك القرى قتلى بأيدي الخرّمية لا يدرون من أمرهم بذلك ولا ما السبب فيه ودخل الناس رعب شديد وهول عظيم ثم لم يمهل أن بعثهم إلى ما نأي عنه من النواحي فيقتلون من أصابوا من الناس من أيّ صنف كان كان صغيرا أو كبيراً أو مسلماً أو ذمياً حتى مرن القوم على القتل وانضوى اليه القطاع والحراب والذعار وأصحاب الفتن وأرباب النحل الزائغة وتكاثفت جموعه حتى بلغ فرسان رجاله عشرين ألف فارس سوى الرجالة واحتوى على مدن وقرى وأخذ بالتمثيل بالناس والتحريق بالنار والانهماك في الفساد وقلة الرحمة والمبالاة وهزم جيوشا كثيرا للسلطان وقتل عدة قواد له وذكر في بعض الكتب أنه قتل فيما حفظ
стр. 1257
ألف ألفَ إنسان من بين رجل وامرأة وصبي وذكر في التاريخ أن جميع من قتل بابك مائتا [١] ألف إنسان وخمسة وخمسون ألف إنسان وخمسمائة إنسان والله أعلم فندب المعتصم الإفشين للقاء بابك وعقد له على الجبال كلها ووظف له كل يوم يركب فيه عشرة ألف درهم صلة ويوم لا يركب خمسة آلاف درهم سوى الأرزاق والأنزال والمعاون وما يصل إليه من عمل الجبال وأجازه عند خروجه بألف ألف درهم فقاومه الإفشين سنة وانهزم بابك من يديه غير مرة وعاوده بابك يلتجئ إلى البذ [٢] وهي مدينة حصينة فلما قرب أجله وضاق أمره خرج هارباً بأهله وولده إلى أرمينية في زي التجار فعرفه سهل بن سنباط [٣] النصراني أحد بطارقة أرمينية وكان في إساره فافتدى نفسه منه بمال عظيم فلم يقبل منه بعد ما ركب من أمه وأخته وامرأته الفاحشة بين يديه وكذا كان الملعون يفعل بالناس إذا أسرهم مع حرمهم فقبض عليه وبعثه إلى الإفشين وكان المعتصم جعل ألفي ألف لمن جاء به
стр. 1258
حيّا وألف ألف لمن جاء برأسه فحمل إلى سهل بن سنباط [١] ألفي ألف وسوغ له عمال ناحيته وحمل الإفشين [F؟ ٢٢٢ r؟] بابك إلى المعتصم وهو بسر من رأى فأمر به فقطعت يداه ورجلاه وصلب سنة ثلاث وعشرين وزعم قوم أن بابك الملعون لما قطعت يده لطخ وجهه بدمه وضحك يري الناس أنه لم يؤلمه القطع وأن روحه ليس تحس بشيء من ذلك وكان ذلك من أعظم الفتوح في الإسلام ويوم قبض عليه كان عيداً للمسلمين وكان يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين فرفع المعتصم قدر الإفشين وتوجه وألبسه وشاحين منطومين بالدر والجواهر وسوره سوارين ووصله بعشرين ألف ألفَ درهم وأمر الشعراء بمدحه وجعل صلتهم عنده فممّا قيل فيه [رمل]
كل مجد غير ما أثله ... لبني كاووس أولاد العجم
إنما الإفشين سيف سله ... قدر الله بكف المعتصم
لم يدع في البذ [٢] من ساكنه ... غير أمثال كأمثال إرم
وفي أيامه خرجت الروم فنزلت زبطرة فتوجه المعتصم اليهم وفتح
стр. 1259
عمورية وقتل ثلاثين ألفاً وأسر ثلاثين ألفاً وفي ذلك الفتح يقول الطائىّ [بسيط]
السيف أصدق أنباء من الكتب
وقال غيره في ذلك [متقارب]
أقام الإمام منار الهدى ... وأخرس ناقوس عمورية
فقد أصبح الدين مستوثقاً [١] ... وأضحت زناد الهدى مورية
وخرج عليه أبو حرب المبرقع بالشام فوجه إليه جيشاً فقتلوا من أصحابه عشرين ألفاً وحملوه إلى المعتصم وهو بسر من رأى وصلبوه وكان يقول بتناسخ الأرواح ثم غضب المعتصم على الإفشين وذلك أنه كاتب مازيار [٢] اصفهبذ طبرستان وسأله الخلاف والمعصية وأراد أن ينقل الملك إلى العجم فقتله وصلبه بازاء بابك ووجده بقلفته لم يختن وأخرجوا من منزله أصناماً فأحرقوها [٣] ومات المعتصم سنة ست وعشرين ومائتين وكانت خلافته ثمان سنين وثمانية
стр. 1260
أشهر وخلّف ثمانية بنين وثماني بنات وهو الذي امتحن أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ وضربه بالسياط وفي أيامه مات ابراهيم بن المهدي وكان عمر المعتصم ثمانياً وأربعين سنة،،،
وبويع هارون الواثق باللَّه
وهو الذي يقول فيه الطائي هارون فيه كأنه هارون ومات وفي أيامه انفرد البحتري بالرياسة في الشعر وفي أيامه أقبلت نار من المشرق فيها دوي كدوي الريح فأحاطت ببيوتات فأحرقت ثم تبعها ريح عاصف فهدمت بيوتاً ومات خلق كثير من الفزع ومات الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وسنّه اثنتين وثلاثين سنة،،،
وبويع جعفر بن ابى إسحاق المتوكل على الله
[F؟ ٢٢٢ v؟] فأخذ البيعة لولده الثلاثة لمحمّد بن جعفر المنتصر باللَّه ولإبراهيم بن جعفر المؤيد باللَّه ولأبي عبد الله بن جعفر المعتز باللَّه وجعل العهد للمنتصر وبعده للمعتز وبعده للمؤيد [١] وعقد لكل واحد منهم لواء وولى المنتصر العراق والحجاز واليمن وولى المعتز خراسان والري والجبال وولى المؤيد أجناد الشأم وفي أيّامه امتنع إسحاق بن إسماعيل
стр. 1261
بتفليس فبعث اليه بغا [١] الكبير فقتل إسحاق وأحرق المدينة وكانت كلها من خشب الصنوبر وأحرق أكثر من خمسين ألف إنسان وهاجت الزلزلة وتقطع الجبل الأقرع وسقط في البحر فمات أكثر أهل اللاذقية من تلك الهدة وتناثرت الكواكب وأخرج احمد ابن حنبل من الحبس ووصله وصرفه الى بغداذ ونفى أحمد بن أبى دؤاد [٢] وقبض على أمواله فقال أبو العتاهية [بسيط]
لو كنت في الرأي منسوباً إلى رشد ... وكان عزمك عزماً فيه توفيق
لكان في الفقه شغل لو قنعت به ... من أن يقال كتاب الله مخلوق
وكتب المتوكل إلى أهل بغداذ كتاباً قرئ على المنبر بترك الجدل في القرآن وانّ الذمّة بريئة ممن يقول بخلق أو غير خلق وولى يحيى بن أكثم [٣] قضاء الشرقية حسان بن قيس وكان أعور وولى قضاء الغربي سوار بن عبد الله وكان أعور فقال بعض الشعراء [وافر]
стр. 1262
رأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة [١] في الخافقين
هما اقتسما [٢] العمى نصفين قسماً ... كما اقتسما قضاء الجانبين
وفي أيامه ظهر رجل بسر من رأى يقال له محمود بن الفرج النيسابورىّ وزعم انّه ذو القرنين ومعه مصحف قد ألف كلاماً وتبعه على ذلك سبعة عشر رجلاً فقيل له كيف ذهبت إلى ذي القرنين من بين الناس قال لأن رجلين ببغداذ يدعيان النبوة فكرهت أن أكون ثالثهما فصفع صفيعات وتاب هو وأصحابه وبنى المتوكّل المتوكّليّة وتحول إليها واتخذها وطناً فاغتيل ليلاً وهو ثمل [٣] فقتل فقيل فيه [بسيط]
حانت منيته والعين هاجعة [٤] ... هلا أتته المنايا والقنا قصد
هلا أتته أعاديه مهاجرة ... والحرب تسعر والأبطال تجتلد
وقتل سنة سبع وأربعين ومائتين وكانت ولايته أربع عشرة سنة
стр. 1263
وعشرة أشهر وأياماً وعمره أربعين سنة ويقال أن ابنه المنتصر دس لقتله فعاش بعده ستة أشهر وروى دعبل بن علي الخزاعي عن الحسن ليلة قتل فيها المتوكل وبويع المنتصر قائلا يقول [بسيط]
خليفة مات لم يأسف له أحد ... وقام آخر لم يفرح به أحد
فمر ذاك ومر الشؤم يتبعه ... وقام هذا فقام النحس والنكد
ولما بويع المنتصر
خلع المعتز والمؤيد ومات بعد ستة أشهر وكان بن أربع وعشرين سنة [ثم بويع] أحمد بن محمد بن المعتصم فحبس المعتز والمؤيد وأطلق الحسن بن الأفشين وإخوته ومواليه من الحبس، وخلع عليهم وعقد لمحمد بن طاهر بن عبد الله على خراسان فشغب الموالي والشاكرية وكسروا باب السجن وأنزلوا المعتز وخلعوا المستعين وكانت أيامه سنتين وتسعة أشهر وفي أيّامه خرج الحسن بن زيد بطبرستان،،،
وبويع أبو عبد الله المعتز
ثم اجتمعت الأتراك والفراغنة [١] فخاموا المعتز وكانت أيامه أربع سنين وتسعة أشهر،،،
وبويع المهتدي باللَّه
محمد بن هارون الواثق سنة خمس وخمسين
стр. 1264
ومائتين وقتل سنة ستّ وكانت ولايته أحد عشر شهراً من أيامه إلى أن توفي المعتز باللَّه وظهر البرقعي بالبصرة وجمع الزنج الذين كانوا يكنسون السباخ وقوي أمره،،،
وبويع المعتمد على الله
وهو أحمد بن جعفر المتوكل [١] سنة ست وستين ومائتين وبايعه ممن أبوه خليفة بنو الواثق وبنو المعتز وبنو المتوكل وبنو المنتصر وبنو المستعين وبنو المعتصم وبنو المعتمد وتوفي سنة تسع وسبعين ومائتين وكانت ولايته ثلاثاً وعشرين سنة وفي أيامه قوي أمر الزنج [٢] بالبصرة وغلب الحسن بن زيد على الري وجرجان وطبرستان وخرج يعقوب بن الليث بسجستان وغلب أحمد بن عبد الله الخجستاني [٣] على خراسان وخرج سرحب الجمال في إخوته منصور ونعمان فغلبوا مرو وسرخس وخرج علويان بالمدينة اسم أحدهما محمد واسم الآخر حسن وقتلا من أهل المدينة مقتلةً عظيمةً وطالبوهم بعشرة آلاف دينار ومات نسوانها وولدانها وضعفاءها جوعاً ولم يصل في مسجد رسول الله ﷺ جمعات ووثب الأعراب على كسوة البيت فنهبوها وصاروا الى
стр. 1265
الزنج بالبصرة وخرجت فزارة وقيس وطيّئ على الحاج فانتهبوهم وسبوا حرمهم واستاقوا إبلهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً ولم يفلت أحد إلا بقطع أو جراحة وخرج علوي بأذربيجان وتسمى الرافع باللَّه وتغلب عليها وجمع الأكراد واستغواهم وخرج أحمد بن طولون بمصر واستعصى على السلطان وعاث رافع بن أعين في أقاصي خراسان وأفسد وصار عبد الله بن الواثق إلى يعقوب بن الليث يستعينه على المعتمد فذلك الّذي أطمعه في قصد بغداذ وكوتب نصر بن أحمد بن أسد شاهان خذاي بولاية ما وراء النهر ولكل واحد ممن ذكرنا قصة وخبر وأخذ المعتمد البيعة لابنه جعفر بن أحمد وسماه المفوض إلى الله وجعل ولي العهد بعده أخاه أبا أحمد الموفق باللَّه فلما توفي الموفق خلع المعتمد ابنه المفوض إلى الله وأثبت العهد لأبي العباس بن الموفق وسماه المعتضد باللَّه وتوفي المعتمد سنة تسع وسبعين ومائتين،،،
وبويع المعتضد باللَّه
[F؟ ٢٢٣ V؟] في هذه السنة ومات [سنة] ست وثمانين ومائتين فكانت ولايته ست سنين وستة أشهر وعشرين يوماً وفي أيامه خرج زكرويه [١] بن مهرويه في كلب على الحاجّ