من بَيْنِ يَدَيْهِ وَمن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ من أَمْرِ [الله] ١٣: ١١ وروى هشام ابن عمّار بن عبد الرحيم بن مطرف عن سعيد بن سلمة عن ابان عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال أنّ للَّه ملكاً له ألف رأس في كلّ رأس ألف وجه في كلّ وجه ألف فم في كلّ فم ألف لسان يُسبّح الله ويُقدسّه كلُّ لسان بألف لغة من التسبيح فهذا وما أشبهه موقوف على صحّة الخبر وصدق الراوي إذ ليس يمتنع عن البارئ شيء وما عسى أن يقوله قائل وهو مُصَدق بابتداع الله أعيان هذا العالم لا من عين سابقة فمن لم يعجز عن هذا فليس عن اعجب منه بعاجز وإذا كانت أحوال الملائكة كما وصفنا من إطلاق اسم الملائكة على الجماد والموات فغير بديع ما حُكى عنهم وقد قيل الريح ملك وقيل من نَفَسِ مَلَك وأَذْكُرُ أنّي حاجنّي رجل من البهافريديّة [١] وهم صنف من المجوس أطلبهم للخير وآلفهم عن الأذى في دفننا موتانا ما تعنينا بذلك فقال أنّ الأرض مَلَكٌ وانتم تلقمونه الموتى فكيف تستحسنون ذلك وقد يرى بعض الناس انّ الشياطين كلّ
стр. 177
شرّير داعر [١] والملك كلّ خير فاضل ومذهب الدنانير ما حكيناه ووصفناه،
القول في الملائكة أمكلّفون أم مجبورون وهم أفضل أم صالحو المسلمين
قال قوم هم مضطرّون إلى أفعالهم مجبورون عليها وروي عن ابن عبّاس أنّه قال في قوله يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ٢١: ٢٠ أن التسبيح لهم بمنزلة النفس لنا وقال آخر هم مكلّفون مجبورون لأنّ الله تعالى يقول وَمن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ من دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ٢١: ٢٩ ولا يصحّ الوعيد على غير المقدور عليه وقد قال إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ٢: ٣٠ فدلّ هذا القول منهم على اختيارهم وقال لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ٦٦: ٦ ولو لم يكونوا قادرين على المعصية لما كان يمدحهم بترك المعصية ومعنى قوله يسبحون الليل والنهار لا يفترون مدح لهم على المواظبة على الطاعة أو لا يقطعهم عنها ما يقطع الناس من الحوائج والأشغال وقول ابن عبّاس ﵁ أنّ
стр. 178
التسبيح سهل عليهم كالنفس [٣٤] في سرعة المؤاتاة والمطاوعة ويجوز أن يكون من تسبيحهم ما هو اضطرار ومنه ما هو اختيار فإن قيل إذا كانت الطاعة منهم باختيار فهل لهم على ذلك من ثواب فمن قائل أن ثوابهم تقريب المنزلة ورفع الدرجة وآخر أنه زيادة القوّة على الطاعة وتجديد الجِدّ والنشاط في العبادة وآخر أنه اخدامهم أهل الجنّة وليس الثواب كلّه المطعمُ والمشربُ لأنهم ليسوا بذوي أجسام مجوّفة فيُلجئهم الحاجة إلى ما يحتاج إليه ذوو الأجسام المجوّفة وقد قيل أنّ ثوابهم أن يستجيب دعاؤهم في الموحّدين وذلك قوله تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ به ٤٠: ٧ ويستغفرون للذين آمنوا ربّنا وسعت كلّ شيءٍ رحمة وعلما الآية فطاعتهم مذخلقوا ان يستجاب في الموحّدين ولهم مسألة وتضرّع وطاعتهم بعد ذلك بشكر وبعرف [١] واختلفوا في الملائكة وصالحي المؤمنين أيّهم أفضل فذهب كثير من المسلمين إلى تفضيل الملائكة واحتجّوا بقوله تعالى قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ٦: ٥٠
стр. 179
وقوله تعالى فيما يحكى عن الشيطان ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا من الْخالِدِينَ ٧: ٢٠ وقول صواحب يوسف ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ١٢: ٣١ وقوله تعالى لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ٦٦: ٦ وقوله تعالى يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ٢١: ٢٠ وقوله وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ من الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ١٧: ٧٠ فلمّا لم يقُلْ على من خلقنا علمنا أن هاهنا من هو أفضل منهم قالوا وهل يستوي حال من لا يُعصى قطّ وحال من لا يتعرّى عن معصيته وكيف بفضيلة عمل مَنْ أقصى عُمره مائة سنة وفضيلة مَنْ عُمره الأبد وذهب إلى أنّ صالحي المؤمنين أفضل لمكابدتهم مشقّة الطاعة مع منازعة الشهوة وممانعة الشيطان والعمل بالغيب خوفاً وطمعاً وإنّى يقع طاعة من أُصْفِي عن شوائب الهوى وأُخْلص من مزاحمة [١] الشهوة وأُمِدّ بظلّ العصمة وحُرسَ من الوساوس من طاعة مجبول على الهوى مطبوع على الشهوات موكّل به أعداء من نفسه وجنسه وشيطانه وانّما يستحقّ
стр. 180
العمل تمام الفضيلة باحتمال الكدّ والعناء والمشقّة فيه قالوا وليس ينكر [١] أن الملائكة أفضل من الناس ومن كثير من أهل الإسلام حتّى تكرمنا [٢] ما تلاه خصمنا من الآيات وإنّما تفضيلنا فاضلي المؤمنين وصالحيهم وقد أسجدهم الله لصفيّه آدم عم فهلاّ كان ذلك على سَبْقه بالفضيلة وقال جلّ وعزّ وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ الله هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ٦٦: ٤ فقدّم صالحي المؤمنين بالذكر لفضيلتهم على كثير من الملائكة وليس في وجوب الإيمان بهم أكثر فضيلة من وجوب الإيمان بالمؤمنين قال الله يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ٩: ٦١ ثم هم مع ذلك خَوَلٌ لبني آدم وحفظة عليهم وقد رُوي في الحديث أنّ الملائكة سألوا الجنّة فقال الله سبحانه لا أجعل صالح من خلقتُ بيديّ كمن قلتُ له كن فكان ورُوينا عن كعب أنّه قال ركب الله في الملائكة العقل بلا شهوة وفي البهائم الشهوة بلا عقل وفي ابن آدم كليهما فمن غلب عقله
стр. 181
شهوتَه فهو خير [٣٤] من الملائكة ومن غلب شهوتُه عقلَه فهو شرٌّ من البهائم واحتجّ بعضُ المتأخّرين بقول شاعر يمدح ابن موسى الرضا ويقال هي لأبى نواس [خفيف] قيل لي أنت أوحد النّاس في كلّ مقالٍ من الكلام النَبيهِ
لك من جيدَ الكلام نظامٌ ... يُجتَنَى الدُرُّ من يَدَي مُجْتَنِيهِ
فلماذا تركتَ مَدْحَ ابن موسى ... والخصالَ الّتي يجمعْنَ فيهِ
قُلْتُ لا أَهتدي لمدح إمامٍ ... كان جبرئيل خادماً لأبيهِ
ذكر ما جاء في الحجب
أعلم أنّ الحجاب لا يوجب حدًّا على الإرسال لأنّ الله محجوب عن خلقه ولا يطلق القول بأنه محدود لأنّ الحجاب يحتمل وجوهاً من المعاني وروى وهب بن أبي سلام سأل رسول الله ﷺ هل احتجب الله بشيء عن خلقه غير السموات فقال نَعَمْ بينَه وبين الملائكة الذين هم حملة العرش سبعون حجاباً من نور وسبعون حجاباً من نار وسبعون حجاباً من ظلمة حتّى عدّ خمسة عشر وفي حديث المعراج فانتهيتُ إلى بحر من بحر أخضر فنودي ان ارج محمّدا في النور رجا وذكر عدّة بحار من أنوار ومن المسلمين من يستعظم
стр. 182
القول بالحجاب كيف وقد روى حمّاد بن سلمة عن عمران الحرّاني عن زُرارة بن أوفي قال قال رسول الله ﷺ يا جبرئيل هل رأيتَ ربّك قال يا محمّد بيني وبينه سبعون حجاباً من نور لو دَنَوتُ من أدناها لاحترقتُ وفي حديث أبي موسى الأشعريّ لو انكشفت سُبُحاتُ وجهه لاحترق ما عليها من شيء ويسير هذا كلّه ما روي عن الحسن أنه قال ليس شيء أقرب إلى الله تعالى من اسرافيل وبينه وبين ربّ العزّة سَبْع حجب من حجاب العزّة وحجاب الجبروت والعظمة وليست ممّا يوجب الحد في الاحتجاب لأنّها ليست بأجسام حاملةٍ بين الحاجب والمحجوب ولكنّه يمتثل في بُعد وقوع الحواسّ وقطع الأطماع في الإحاطة به والاختصاص بالعظمة والسلطان دون خلقه ومثل هذا أبلغ عند العبّاد وتعظيم البارئ وتفخيم قدره للرغبة إليه والرهبة منه إذ أكثرهم يرون ما لا يُدركه حواسّهم ولا يتصوّر في أوهامهم بإطلاق لا شيء ويدلّ على هذا التأويل ما روى في الخبر العظمة إزارى والكبرياء ركابي [١] فمن نازعنيهما أَلقَيْتُه في النار ولا أبالى فهل
стр. 183
يعرض لسامع شك في أنّ العظمة لا يتّزر بها والكبرياء لا يتردّى بها ولكنّ الوجه ما ذهبنا إليه والله اعلم، وصفة الحجب موجودة في أشعارهم قال بعضهم [طويل]
لك الحمدُ والنعماءُ والشكرُ رَبَّنَا ... فلا شيء أَعْلَى مِنْكَ حَدًّا وأَمْجَدُ
مليكٌ على عرش السماء مُهيمِنٌ ... لِعزَته تَعْنُوا الوجوهُ وتسجُدُ
فلا بَشَرٌ يسمو إليه بطَرْفه ... ودُونَ حجاب النور خَلْقٌ مُؤَيَّدُ
ذكر ما جاء في سدرة المنتهى
وهي مذكورة في كتاب الله روى أنها على هيئة شجرة [٣٥] يمرّ الراكب في ظلّ فَنَنٍ منها [١] سنة قبل أن يقطعها ثمرها كالقلال وورقها كآذان الفيلة يأوي إليها أرواح الشُهداء والصِدِّيقين في صورة فراش من ذهب بقول الله عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ٥٣: ١٤- ١٦ وقد ذكرها حَسّانُ في شعره
مقام لدى سدرة المنتهى ... لأحمد لا شكّ للمرتضى
стр. 184
وقوله تعالى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ٥٣: ١٥ يرُدُّ قول من يزعم أنّ السدرة الشجرة التي كان النبيّ ﷺ [تحتها بحراء إذ نزل عليه جبرئيل بالوحي اللَّهمّ ألا أن يشبهه بقوله] [١] إِنّ منبري هذا [نزعة] [٢] من نزع الجنّة وقوله عم بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة فيكون مذهبا وكذلك قوله عم الجنّة تحت ظلال السيوف غير أنّ الأخذ بالظاهر على القول الأوّل أعرف وأشهر والأخبار به أكثر قالوا وإنّما سُميّت سدرة المنتهى لأنّها منتهى علم العلماء فلا يعلم أحدٌ من الملائكة والأنبياء ما وراءها إلاّ الله وحده وسمعتُ بعض القرامطة يتأوّلها نعلهم [٣] بحرّاء محمّد ﷺ ما علمه وأفشاه السرّ إليه لما رأى فيه من الامارات وتوسّمه فيه فضّ الله أفواههم وخيّب آمالهم،
ذكر الجنّة والنار
لا أعلم أحداً من أهل الأديان يُنكر الجزاء من الثواب والعقاب وإن اختلفوا في صفته واسمه ومكانه ووقته لأنّ في إبطال الجزاء إبطال الأمر والنهي والوعد والوعيد وإجازة إهمال الخلق وارسالهم ويؤدّى ذلك
стр. 185
إلى تسفيه الصانع وتجهيله أو الإلحاد والتعطيل وهذه المسألة مُعَلّقة بأصل التوحيد وذلك أنّه لمّا قامت الدلالة على إثبات البارئ جلّ وعزّ وقدرته وحكمته لم يجز أنْ يكون شيء من أفعاله غير حكمة وصواب فعلمنا أنّ الحكيم لم يخلق هذا الخلق عبثاً ولا لعباً ولا سهواً ولم يأمرهم ولم ينهّهم إلاّ للثواب الذي عرضهم له والعقاب الذي حذّرهم وحاشى للَّه على أن نظنّ به غير الحقّ فالجزاء يوجبه مُوجب التوحيد وحجّته حجته ثم لطباق أكثر أهل الأرض على الإقرار به من أعظم الحجج إذا كانت العارضة يكشفها حجّة العقل واجتماع الخلق فأيّ عذر بعدها لمتخلّف عنها أو مائل إلى ضدّها وإن أحسّ من نفسه بنفرة فأَولى به أن يَتهم عقله دون عقل المؤمنين والأمم والأجيال فإمّا القول في أينيّة الجزاء وماهيّته أجنّة ونار [أم] غيرهما فشيء يتبع فيه الأخيار ولو شاء الله يجزئ بغيرهما كما شاء ولكن المعلوم من الثواب النعمة والاغتباط والمعلوم من العقاب المكروه والنكال ولا نعمة أعظم من دوام البقاء ولا عقوبة أبلغ من النار التي هي آكلة الأضداد
стр. 186
ذكر اختلاف الناس في الجنّة والنار
قرأتُ في شرائع الحرّانيّة أنّ البارئ وعد من أطاع نعيماً لا يزول وأوعد من عصى العذاب بقدر استحقاقه وهذا ناموس أكثر القدماء ومنهم من يزعم أن النفس الشرّيرة الّتي عاثت في هذا العالم وأفسدت وآذت إذا فارقت هيكلها حُبست في الأثير وهي نار في أعلى علو العالم والنفس الخيّرة التي استفادت الفضائل تعود إلى عنصرها الأزليّ ومنهم من زعم أنّ الفاضل يعلو في العُلو والراذل يتسافل فيبقى في الظلمة والخمود وقد قال أرسطاطاليس [٣٥] أن العُلُو الأعلى محلّ الخلود وإنّ السفل [١] الأسفل محلّ الموت وعامّة أهل الهند يُقرّون بالجزاء والذين يهلكون أنفسهم بأنواع العذاب من القتل والحرق والغرق يزعمون أن جواري الجنّة يختطَفْنَهُ قبل زهوق نفسه وإنّما أثبتُ هذا لأُبَيّن لك إقرارهم بالجنة في كفرهم وجهلهم وأهل الكتاب مجمعون على الإقرار به لأن ذكر الجنة والنار في غير موضع من كتابهم إلا أنهم مختلفون في صفاتها بالجنة فتسمى بالعبرانية برديسا وبالعبريّة كنعاذن ويزعم طائفة
стр. 187
من اليهود أنه إذا كان يوم القيمة أظهرت جهنم من وادي [١] وأحرثت ناراً في الوادي ونصب عليه جسر وأظهرت الجنة من ناحية بيت المقدس وأمر الخلق أن يسيروا عليه فمن كان منهم برئاً جرى مثل الريح ومن كان منهم آثماً تهافت في النار وزعمت فرقة منهم أن الجنة والنار يفنيان وذلك بعد ألف سنة من وقت أن صار الناس إليهما ثم يصير أهل الجنة ملائكة وأهل النار رميماً وزعم آخرون أنهما لا يفنيان أبداً وأما المتناسخة وأنهم يرون الجزاء في النسخ والمسخ ويزعمون أن من استمر على طبع من طباع السباع والبهائم حول إلى صورته عقوبة له ومن تعاطى الحق وكف عن الأذى وتجمّل بالجميل حول في صورة ملك أو قائد أو رئيس وهذا مذهب كثير من القدماء، ومن المعطلة من لا ينكر الجزاء في الدنيا بالفقر والفاقة والآلام والأحزان ما ارتكبه من قبيح والسعة في الدنيا والراحة والفرح واللذة جزاء ما عمله من جميل ويزعم السمنية من الهنود أن من كان قليل الخير
стр. 188
يصير كاسف البال رث الهيئة يأتي لأبواب فلا يتصدّق عليه ومن كان كثير الخير يصير ملكاً عظيماً عزيزاً فمن أطعم الطعام أصاب القوة لأن البدن تقوى بالطعام ومن كسا الثياب أصاب الجمال ومن أوقد في الظلم أصاب حسن العيش لأن الصباح يطرد الظلمات،
ذكر اختلاف المسلمين في الجنة والنار
اعلم أنهم فيها على ثلث فرق فزعمت المعتزلة إلا أبا الهذيل وبشر بن المعتمر أنهما لم يخلقا بعد وأنهما يخلقان يوم القيامة وأجاز النجار أن يكونا خلقتا وأن لم يخلقا بعد وأنهما يخلقان يوم القيامة وقال سائر المسلمين أنهما مخلوقتان مفروغ منهما واحتجوا بأي من القرآن وأحاديث من السنة فمنها قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قال يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ٣٦: ٢٦ وقوله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ٣: ١٦٩ وقوله تعالى وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ٣: ١٣٣ فهل يجوز أن يعد غير مخلوق وجاء في الحديث أن الله خلق الجنة كذا وكذا بصفات مضبوطة في الكتب وقال وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ٣: ١٣١ وقال النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ٤٠: ٤٦ وقال وَيا آدَمُ اسْكُنْ
стр. 189
أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ٧: ١٩ وقال مخالفوهم أن الجنة والنار ثواب وعقاب والثواب والعقاب لا يستحقان إلا بعد وجود الأعمال الموجبة لهما قالوا ولو كانت الجنة مخلوقة فأين مكانها وهي لا تسعها السموات والأرض لقوله عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ٣: ١٣٣ وتأولوا كل ما في القرآن والسنة من ذكرهما على العدة المنتظرة وقد قال الله إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ٨٢: ١٣- ١٤ فأخبر عنهم وليسوا في الوقت قالوا وغير ممتنع على الله تعالى أن يخلق كل يوم جناناً ويفنيها أو يبقيها [١] [٣٦] كما يشاء وأن ينعم أرواح المطيعين في جنة يخلقها لهم أو في غير جنة ويعذب أرواح الظالمين في نار أو في غير نار وقالوا وقد سبقت عدته في إفناء ما خلق وثوابه وعقابه غير فانيين أبداً فإن كانا موجودين فلا بدّ من فنائهما وذلك خلاف وعده لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ١٨: ٢٧ قال خصماؤهم ليست الجنة والنار ثواباً ولا عقاباً إنما هما مقر الثواب والعقاب فيهما يثاب ويعاقب والاستثناء قد تناولهما من الفناء والهلاك لقوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ١١: ١٠٧ ولحكمه عليها بالسرمديّة
стр. 190
والأبدية وكما أنه وعد أن يفنى الخلق فكذلك وعد أن لا يفنيهما ثم اختلف هؤلاء في مكان الجنة فقال بعضهم هي في الآخرة والآخرة مخلوقة وقال بعضهم بل هي في عالم لها وللَّه عوالم الخلق ما يشاء وقال بعضهم بل هي في السماء السابعة سقفها عرش الرحمن وروى خبراً وزعم بعضهم أنها مخلوقة ولا يدري أين هي وليس بعجب أن يمسكها الله في مكان كما أمسك العالم لا في مكان قالوا والنار تحت الأرض السابعة السفلي وروى فيه خبراً
ذكر صفة الجنة والنار
أجمع ما في القرآن لوصفها قوله تعالى وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ٤٣: ٧١ وأجمع خبر فيها خبر أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وبله ما اطلعتم عليه قال أبو هريرة ﵁ ومصداق هذا في كتاب الله فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ٣٢: ١٧ ورواه حمزة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن محمّد بن
стр. 191
الخفيّة [١] أن النبي ﷺ قال حدثوا عن الجنة بما شئتم فلن تحدثوا عنها بشيء إلا وهي أشد منه فمن هاهنا استجاز من استجاز صفة الجنة والنار بما لم يأت في الرواية لأن الواصف وإن أفرط في الوصف لم يعد مدى خاطر همته وغاية معرفته لا بلغ كنه ما فيها ولا بعضه لأن نعم الله ونقمه فوق ما يحصيه المحصون إذ لا غاية لها ولا نهاية أبداً وقد سئل رسول الله ﷺ عن أهل الجنة فقال جرد مرد مكحلون من أبناء ثلث وثلاثين سنة هذا من طريق حماد بن سلمة عن علي بن مريد عن المسيب عن أبي هريرة وفي رواية أخرى من أبناء ثلث وثلاثين سنة على سن عيسى وصورة يوسف وقلب إبراهيم وطول آدم وصوت داود ولسان محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين وقال أبو هريرة إن أهل الجنة ليزدادون جمالاً وحسناً كما يزدادون في الدنيا قباحة وهرماً وأنكر قوم من أهل الكتاب الأكل والوطىء في الجنة وذلك أن منهم من لا يرى البعث إلا للأرواح فكذبهم الله في القرآن بذكر الطعام الحواري التي وصفها في الجنة وروى [٢] عن النبيّ ضلعم
стр. 192
لما يذكر الجنّة قال إن الرجل منهم يعطي قوة ألف رجل في الطعام والجماع قالوا وكيف المس يا رسول الله قال دحماً دحماً إذا قام عنها رجعت مطهرة بكراً بذكر لا يمل وفرج لا يحفى وشهوة لا تنقطع فقال يهود من أكل يغوط فقال النبي ﷺ [٣٦] ولا يتغوطون وانّما هو عرق يفيض من أعراضهم مثل المسك فتضمر له بطونهم وسئل عن النوم فقال ﷺ النوم أخو الموت وأهل الجنة لا يموتون وسئل عن الولد قال فتنة وروى أنه قال لو أرادوا لكان حمله ووضعه ونشوه في ساعة واحدة وسئل عن المرأة التي يكون [١] لها زوجان لمن تكون في الجنة ففي رواية حذيفة أنه قال تكون لآخر زوجيها ولما خطب معاوية أمّ الدرداء قالت لست أبغي بأبي الدرداء بديلاً سمعته يقول قال رسول الله ﷺ المرأة لآخر زوجيها ولذلك حرم أزواج النبي صلى الله عليه من بعده ليكن أزواجه في الجنة وروى عن الحسن أنه قال تخير المرأة فتختار أحسنهما خلقاً وسئل ضمرة بن حبيب أيدخل الجنة فقال نعم واستدل بقوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ٥٥: ٥٦
стр. 193
فللأنس أنسيات وللجن جنيات وسئل أبو العالية عن أوقات الجنة قال كمثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لا شمس فيها ولا قمر ولا ليل ولا نهار وهم في نور أبداً وإنما يعرفون مقادير الليل والنهار بإرخاء الحجب وفتح الأبواب وسئل الحسن عن الحور العين فقال عجائزكم هؤلاء العمش الرمص وتلا إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ٥٦: ٣٥- ٣٦ الآية فقال ويعطون أزواجا غيرهنّ من الحور العين وفي حديث ابن المبارك عن رشيد بن سعد عن ابن أنعم أن من دخل من نساء أهل الدنيا الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في دار الدنيا وهذه الأخبار أتينا بها لشهرتها عند عوام الأمة واستغنائها عن الأسانيد وسئل عن قوله وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ٤٣: ٧١ فلو اشتهت ما يستقبحه العقول كالقتل والغضب [١] والظلم ونكاح الأخوات والبنات فأجابهم المسلمون بأن هذا وما أشبهه مما لا يشتهون في الجنة لأنها ليس فيها كما لا يشتهون الموت والمرض والذل والفاقة لأنها ليست فيها فتحبس طباعهم عن التشوق إلى ما يستقبح في العقول وينسون
стр. 194
ذكرها واعلم هداك الله أن كل ما وصف به من ذهبها وفضتها وجواهرها وطيبها وطعامها وسائر ما وصف منها كلها على الحقيقة في الأسماء الكثيفة كما خلقت جواهر الأرض وثمارها بقول الله وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ٢٩: ٦٤ وروى عن ابن عباس ﵁ عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ أنه سئل عن الجنة فقال نور يتلألأ وحدثنا الحسن بن هشام العبسي عن وكيع عن الأعمش عن ابن عباس ﵁ قال ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء،
ذكر صفة النار وأهلها
أجمع أية في وصف النار قوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ من عَذابِها ٣٥: ٣٦ وأجمع خبر فيها خبر محمد بن الحنفية وإن كان مرسلاً حدثوا عن النار بما شئتم فلن تحدثوا عنها بشيء إلا وهي أشد منه والذي يوجب القياس الشديد أن يكون كلّ ما وصف به النار من أغلالها وإنكالها وحياتها وعقاربها وأوديتها ومقامعها وسائر ما ذكر في القرآن والأخبار خلاف ما هو في الدنيا كما قلنا في صفة الجنة وأن يكون الجمع بينهما من جهة الاسم
стр. 195
لا من جهة المعنى لأن النار دار خلود كما أن الجنة دار خلود [٣٧] وسئل إبراهيم النخعي عن صفة نار جهنم فقال ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ولقد ضرب بها البحر مرتين ولولا ذلك لما انتفعتم بها وسئل الحسن عن النار فقال يصير البحر ناراً ثم تلا وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ٨١: ٦ فقال يفجر بعضها من بعض ثم يرسل عليها من الجنوب ريحاً ويسلط عليها الشمس حتى يسجرها فتصير [١] ناراً فجعلها الله محبساً لأهل المعاصي وزعم قوم أن النار مخلوقة اليوم وأنها تحت تخوم الأرضين السفلى والبحار هي الحاجزة عن الخلق وأن حرارة الشمس وحمى الصيف مؤخرها [٢] ورووا أن النار اشتكت فقالت أكل بعضي بعضاً فأذن لها في نفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء وأراك أشد ما يكون في الحر والبرد وفي الصحاح من الحديث ابردوا بالظهر فإن في شدة الحر من فيح جهنم واستعظم قوم بقاء ذي روح في النار وذلك لقصور علمهم لأن النار ضروب كالأثير الّذي يزعمون في علو الهواء
стр. 196
وكالنار الكامنة في الحجر والشجر وقد سئل ابن عباس ﵁ فيما رووا فقال النيران أربع نار تأكل وتشرب وهي ناركم هذه ونار لا تأكل ولا تشرب وهي النار في الحجر ونار تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر ونار تأكل ولا تشرب وهي نار جهنم تأكل لحومهم ولا تشرب دماءهم فلذلك يبقى أرواحهم فأخبر أن نار جهنم خلاف النيران التي ذكرها بقول الله بعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ٤: ٥٦ فأخبر سبحانه أنه يبدل لهم الجلود لتبقى لهم الأرواح لا تأتي عليهم النار فيفنيهم وقد أرانا الله من قدرته فيما ركب عليه طباع بعض الحيوانات ما دلنا به على جواز بقاء ذي روح بالنار كالنعام التي تأكل النار ولا يضرها والطائر الذي يدخل النار فلا تحرقه وما أراه جعل ذلك إلا عبرة فدلنا على جواز بقاء الحياة في أهل النار وإلا فما جاز في طباع الحيوان الاغتذاء بالنار والحديدة المحماة وجاء في صفة أهل النار بالعجيب الفظيع فمن ذلك ما روى أنه سئل أبو هريرة رضى الله عنه عن قوله تعالى وَمن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ٣: ١٦١ وكيف يأتي من غل مائة بعير ومائتي شاة فقال
стр. 197
أرأيت من كان ضرسه مثل الأحد وفخذه مثل ورقان وساقه مثل البيضاء ومجلسه ما بين المدينة إلى الرَّبَذَة وعن الربيع بن أنس قال مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه وأنه ليبكي حتى يصير في وجهه أخاديد من الدمع لو طرح فيها السفن لجرت كذا الرواية والله أعلم، وأعلم أن كل ما يوصف من الجنة والنار فسبيله السمع والخبر وما موجب العقل فالأصل الذي هو الجزاء فلا تشتغل بجواب السائل عن الصفات إذا كان منكراً للأصل حتّى يقرّبه،
ذكر اختلاف الناس في بقاء الجنّة والنار وفنائهما
قرات في شرائع الحرانيين أن للعالم علّة لم يزل وأنه واحد لم يتكثر ولا يلحقه وصف شيء من المعلومات كلف أهل التمييز الإقرار بربوبيّته وبعث الرسل للدلالة وتثبيت الحجّة فوعدوا من أطاع نعيماً لا يزول وأوعدوا من عصى عذابا بقدر استحقاقه ثم ينقطع وقال بعض أوائله أنه يعذب سبعة [٣٧] آلاف دور ثم ينقطع العذاب ويصير إلى رحمة الله تعالى والهند على كثرة اختلافها يجمعها نحلتان السمنية المعطلة والبراهمة الموحّدة
стр. 198
وكلهم مقرون بالجزاء وأن العذاب سينقطع يوماً والسمنية تقول أن الثواب والعقاب موجودان في هذا العالم بالحواس جزاء ما اكتسبته النفوس باقية خالدة فاعلة وفعلها الإيجاد بالأجساد وأنها لا يزال ساكنة الأبدان فإذا فارقت جسداً لم تعد فيه أبداً وأنها تتناسخ على فعالها لا يأتي أمراً إلا على قدر هواها وهمتها فإذا اجترحت السيئات أثرت تلك الأفعال في جوهرها وصار غرضاً لازماً لها فإذا فارقت الجسد ذهبت بذلك التأثير إلى الجنس الذي لا يلايم همتها فتلابسه فيصير بذلك السبب إلى المكروه وهو التناسخ في أجساد الحيوان كله من الهوام والأنعام والآنام والطير في البر والبحر قالوا وأشد ذلك كله إذا حولت في جسد حيوان تحت الأرض حيث لا ماء ولا معمورة ويطول عذابها بالجوع والعطش والحر والبرد ثم تجوء [١] إلى جهنم وعذابها وذلك نهاية العذاب وأخراه ثم يعود من جهنم القهقرى إلى وجه الأرض للعمل قالوا والتي عملت الصالحات والأفعال الفاضلة بالضد مما وصفنا فيلابس الجمال والكمال والصحّة والأمن والقوّة والإنس والنشاط
стр. 199
والملك والعز وطيب النفس ويصير آخر ذلك كله إلى الجنة فيمكث فيها بقدر استحقاقها ثم يرجع إلى الدنيا للعمل قالوا والجنة اثنتان وثلاثون مرتبة ويمكث أهلها في أدنى مرتبة منها أربع مائة ألف سنة وثلث وثلاثين ألف سنة وستمائة وعشرين سنة وكل مرتبة أضعاف ما دونها بحساب يطول عدده قالوا والنار اثنتان وثلاثون مرتبة ثم وصفوها بعجائب الصفات من الحريق والزمهرير وزعموا أن من قتل شيئاً من الحيوان دون الناس قتل به مائة مرة ومرة ومن قتل إنساناً قتل به ألف مرة ومرة قالوا وليس عضو من الأعضاء قبح أو سمج خلقته إلا وقد أتى صاحبة بذلك العضو داهية من الدواهي هذا أصل التناسخ ومنهم انتشر في سائر الأمم وليس من أمة من الأمم إلا وهي مقرة بالجزاء كما ذكرنا إما التناسخ وإما الذخر في الآخرة وأجمعوا أن العذاب بقدر الاستحقاق ثم ينقطع وزعم كثير من اليهود أنه إذا أتى على الجنة والنار ألف سنة بعد ما صار إليهما أهلهما فنيتا وتعطلتا وصار أهل الجنة ملائكة وأهل النار رميماً واحتجوا بقول الأنبياء الاثنى عشر [١]
стр. 200
أنه مكتوب في سفر يهوشوع [١] أن الله يقول إن تمسكت أمري وأتممت ميثاقي أعطيتك موضعاً وسط هؤلاء الواقفين قدامي وقال في أهل النار يصيرون رميماً تحت أرجل معاشر أهل الجنة وسمعت رجلاً من يهود عليهم اللغة يزعمون أن منهم من يقول أن العالم ينقضي في كل ستة ألف سنة ويجدد وأن يوم السبت يوم الحساب ومقداره ألف سنة ويوم الأحد يوم الابتداء والله أعلم بما قال وكثير منهم يقول ببقاء الجنة والنار على الأبد ويحتجون بقول شعيا في سفره أن أهل الجنة يخرجون ويرون أجساد الذين عصوني لا يموت أرواحهم ولا تخمد نارهم والمجوس يزعم أن المسيء يجازى بقدر استحقاقه بعد موته [٣٨] بثلاثة أيام كفاء ما فعل سواء لا زيادة ولا نقصان ومنهم من يزعم أن الجنة والنار في الدنيا بأرض الهند مع هوس كبير وتخليط ظاهر،
ذكر اختلاف الناس في هذا الفصل
زعمت طائفة منهم أنه لا بدّ من فناء النار وانقضائها يوماً ما رووا فيه روايات فرووا عن ابن مسعود ﵁ انه قال يأتي على جهنم
стр. 201
زمان تخفق [١] أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما لبثوا أحقاباً وعن الشعبي جهنم أسرع الدارين خراباً وعن عمر ﵁ وأرضاه لو لبث أهل النار في عدد رمل عالج لكان لهم يرجون واحتجوا بأشياء من باب التعديل ولم يختلفوا في بقاء الجنة على الأبد وقالوا آخرون أنهما مؤبدتان دائمتان لا تفنيان ولا تزولان واحتجوا بأنه لم يكن لنعم الله انتهاء وجب أن لا يكون لنقمه انقضاء ورووا عن الأوزاعي أنه ذكر هذه الروايات التي احتج بها الأولون وقال قد كان الناس يرجون لأهل النار الخروج عند قوله خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ١١: ١٠٧ وقوله لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ٧٨: ٢٣ فلما نزلت في المائدة وهي آخر ما نزل في القرآن يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا من النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ٥: ٣٧ علموا أنها لا تفنى أبداً فإن قيل كيف يجوز على الحكم العدل أن يعاقب على جرم منقض بعقوبة غير منقضية قيل هو الجزاء على السواء وكما أنه لم تقصر مدة عمره على الكفر في دار الدنيا وجب أن لا يقصر عنه العذاب مدة عمره في الآخرة
стр. 202
وأيضا فإنّ نعمة ما لم تكن منتهية وجب ان لا يكون نقمة منتهية وقد كانت العرب في جاهليتها تؤمن بالجزاء ومن نظر منهم في الكتب كان مقراً بالجنّة والنار فمنه قول أميّة [وافر]
جهنم تلك لا تبغي بقيا ... وعدن لا يطالعها رجيم [١]
إذا جهنم ثم فارت ... وأعرض عن قوابسها الجحيم
يحب بصندل صمّ صلاب ... كأن الصاحيات لها قضيم [٢]
فتسموا ما يعنيها ضواء ... ولا يحبو فيبردها السموم
فهم يطفون كالاقذاء فيها ... لئن [٣] لم يغفر الرب الرحيم
بدانية من الآفات نزه ... برآء لا يرى فيه سقيم
سواعدها تحلب لا تصرّى ... بها الأيدي محلّلة تحوم
يغيض حلابها من غير ضرع ... ولا بشم ولا فيها جزوم
فيحرم عنهم ولكل عرق ... عجيج [٤] لا أحذ ولا يتيم [٥]
فذا عسل وذا لبن وخمر ... وقمح في منابته صريم
ونخل ساقط الأكتاف عد ... خلال أصوله رطب قميم
وتفّاح ورمّان وموز ... وماء بارد عذب سليم
стр. 203
وفيها لحم شاهدة ونحر [١] ... وما فاهوا لهم فيها مقيم
وحور لا يرين الشمس فيها ... على صور الدمى فيها سهوم
نواعم في الأرائك قاصرات ... فهن عقائل وهم قروم
على سرر ترى متقابلات ... الاثم النضارة والنعيم
عليهم سندس وجناب ريط ... وديباج يرى فيها فيوم
وحلوا من أساور من لجين ... ومن ذهب وعسجدة كريم
ولا لغو ولا تأثيم فيها ... ولا غول ولا فيها مليم
وكأس لا يصدع شاربيها ... يلذ بحسن رويتها النديم
يصفوا [٢] في صحاف من لجين ... ومن ذهب مباركة رذوم
إذا بلغوا التي اجروا إليها ... تقبلهم وحلل من يصوم
وخفقت البدور وأردفتهم ... فضول الله وانتهت القسوم
[٣٨] اعلم أن هذه الأشياء ممّا جاءت به الرواية والخبر فمنها ما هو ثواب ومنها ما هو عقاب ومنها ما هو تمييز وتفريق والمسلمون لا يختلفون في أساميها وإنما الخلاف في معانيها فإما الصراط فقد جاء في الحديث أنه ينصب جسر على ظهر
стр. 204
جهنم ويحمل الخلق عليه فمن كان من أهل الجنة جازه ومن كان من أهل النار تهافت فيها وقيل في صفته أنه أحد من السيف وأدق من الشعرة دحص [١] مزلة وفيه كلاليب وخطاطيف وسعدان مضرسة وحسك مفلطحة مسيرة كذا سنة صعوداً وهكذا هبوطاً وكذا وطأ والناس يجوزونه بقدر أعمالهم فمنهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح العاصف ومنهم من يمر كالطير الهادي ومنهم من يمر كالجواد المضمر ومنهم من يمر عدواً ومنهم من يمر هرولة ومنهم من يمشي مشياً ومنهم من يزحف زحفاً ومنهم من يحبو حبواً ومنهم من يحتضنه بكشحه وصدره والزالون والزالات [٢] كثير وقد أجيب من يزعم أي ظلم أعظم من حمل الناس على ما هذه صورته أنه جعل تمييزاً بين أهل الطاعة وأهل المعصية وعلامة للحق على هلاك من هلك ونجاة من نجا وقد جاء في بعض الأخبار أن أهل الطاعة يجوزونه ولا يشعرون به وقيل ينزوي تحت أقدامهم كما ينزوي الجلدة من النار فإذا استقروا في الجنة قالوا ما بالنا لم نجز الصراط ولم نرد النار التي وعدنا فيقال انكم جزتم الصراط
стр. 205
في الدنيا بأعمالكم ووردتم النار وهي خامدة ومن هاهنا ذهب من ذهب الى تأويل الصراط وما الزم الإنسان وكلف من مشقة الطاعة ومجاهدة النفس فيما ينزع إليه وعلى هذا فسر بعضهم فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ ٩٠: ١١- ١٣ الآية وأما المعتزلة وأهل النظر فإنهم يذهبون إلى أن الصراط هو الدين الذي أمر الله بلزومه والتمسك به وكان أبو الهذيل من بينهم يجيز ما جاء في الخبر كما جاء ويحتج بما ذكرناه بدئاً وأما الميزان فروى كثير من المسلمين أنه خلق على هيئة الميزان التي يتعاطاه الناس بينهم في معاملاتهم ومبايعاتهم يوزن به أعمال العباد والأعمال عندهم مخلوقة وفي كتاب وهب عن ابن عباس ان له كفّتين وعمودا كلّ كفّة طباق الأرض إحداهما من ظلمة والأخرى من نور وعموده ما بين المشرق والمغرب وهو معلق بالعرش وله لسان وصيح ينادي الأسعد فلان والأشقى فلان فإن صحت الرواية فالمعنى فيه ما ذكرناه في الصراط أنه جعل مميزاً فارقاً وهو قول أبي الهذيل يجوز أن ينصب [١] ميزان يجعل رجحانه علامة لمن نجا وخفّته
стр. 206
علامة لمن هلك وقالت المعتزلة غيره وكثير من الأمة أن الميزان مثل لتسوية الجزاء وتحقيق العدل وهو قول مجاهد والضحاك الشعبي واحتجوا بقول الناس للرجل الأمين العدل ما هو إلا كالميزان المستقيم ألا ترى إلى ما يرثى به عمر بن عبد العزيز ﵀ [بسيط]
قد غيب [١] الدافنون الترب إذ دفنوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين
وانشد الفرّاء بيتا [كامل] قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزان [٣٩] ويسمى الحجة ميزاناً والله اعلم واحكم واختلفوا في الموزون فقال قوم يوزن عين الأعمال فتخف السيئة لأنه يأتيها الإنسان بخفة ونشاط وتثقل الحسنة لأنه يأتيها بعناء وكلفة وقالت طائفة بل يوزن صحف الأعمال وهو قول ابن عباس ﵁ ويعضد رواية عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ يؤتى برجل يوم القيامة ويؤتى بتسعة وتسعين سجلّا
стр. 207
كل سجل مد البصر فيها ذنوبه وخطاياه فيوضع في كفة ثم يخرج له قرطاس مثل واشد بطرف سبابته على بعض إبهامه فيه شهادة أن لا إله إلا الله فيوضع في الكفة الأخرى فيرجح به وقال قوم يوزن ثواب الأعمال وذلك أن الله يظهره في صورة ويحدث عند الوزن ثقلاً في الطاعة وخفة في المعصية وكل ما حكى وروى ممكن والله أعلم بالحق وأحكم وأما الأعراف فذكر أنه كسور بين الجنة والنار يوقف عليها قوم إلى أن يقضي الله تعالى بين خلقه مع اختلاف كثير في من يقام عليه ويدل على أنه من الجنة قوله عز وعلا وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا من الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ٧: ٥٠ [١] وفيه يقول أميّة بن ابى الصلت [بسيط]
وآخرون على الأعراف قد طمعوا ... بجنة حفها الرمان والحصر
منهم رجال على الرحمن رزقهم ... مكفر عنهم [٢] الأخباث والوزر
وأما الصور فإن الرواة مختلفة فيه فروى أنه كهيئة القرن
стр. 208
يجمع فيه الأرواح ثم ينفخ منه في الأجساد عند البعث وقال قوم يخلق الصور يوم القيامة وتأوّلوا قوله وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ٦: ٧٣ قال يقول للسماوات كوني صوراً ينفخ فيه وقال بعضهم الصور جمع الصورة وإن صح الخبر كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه وحنا جبهته ينظر متى يؤمر فينفخ لزم التسليم والقول به وأما الحوض جاء في الحديث بروايات مختلفة وقال كثير من أهل التفسير أن الكوثر اسم حوض النبي ﷺ وروى ما بين جنبي حوضي كما بين صنعاء وايلة وآنيته [١] في عدد نجوم السماء ماءه أحلى من العسل وأبرد من الثلج وأشد بياضاً من اللبن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً وقال قوم في تأويل الحوض أنه عمله ودينه وطريقته والله أعلم،
تمّ الجزء الأوّل
стр. 209
المجلد الثاني
الفصل السابع في خلق السماء والأرض وما فيها
قد بينا مقالات الأمم في حدث العالم وقدمه وقد ذكرنا آراءهم في المبادي وكشفنا عن عوار كل من خالف الحق ودللنا على أن مأخذ هذا العالم لا يصح إلا من جهة الوحي والنبوة بما لا مزيد عليه في مقدار الشريطة التي نصبناها في كتابنا هذا والله أعلم والموفق والمعين وقد اختلفت الروايات في هذا الباب عن ابن عباس ومجاهد وابن إسحاق والضحاك وكعب ووهب وابن سلام والسندي والكلبي ومقاتل وغيرهم [٣٩] ممّن يتحرى [١] هذا العلم وينحو نحوه فلنذكر الأصح من رواياتهم والأقسط للحقّ
стр. 210
والأشبه بالصواب ونسوق ما يحكيه أهل الكتاب ولا يكذبهم إلا فيما يتيقنه من وفاق كتابنا أو خبر نبينا ﷺ وروى أبو حذيفة عن رجال أسماءهم أن الله تعالى لما أراد أن يخلق السماء والأرض سلط الريح على الماء حتى خربته فصار موجاً ودهنا ودخأنا فأجمد الزبد فجعله أرضاً وأجمد الموج فجعله جبالاً وأجمد الدخان فجعله سماء وربما يقع تغيير في العبارة لزيادة بيان فليراع الناظر المعنى لا اللفظ وزعم محمد بن إسحاق أن أول ما خلق الله النور والظلمة فجعل الظلمة ليلاً وجعل النور نهاراً ثم سمك السماوات السبع من الدخان دخان الماء حتى استقللن ولم يحبكهن وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها واخرج ضحاها فجرى منها الليل والنهار وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم ثم دحا الأرض وأرساها بالجبال وقدر فيها الأوقات ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ٤١: ١١ قال فحبكهن وجعل في السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها وأوحى في كل سماء أمرها وقريب من هذا ما روى عن عبد الله بن سلام أنه حكى عن التوراة أن خلق البخار [١] الذي خرج من الماء والجبال والأرض من
стр. 211
الأمواج ودحا الأرض من تحت موضع الكعبة عن الكلبي والسندي أن الأرض كانت تكفأ كما تكفأ السفينة فأشمخ الله جبالها وأرساها بالأوتاد حتى استقرت وتوطدت لقول الله تعالى وَأَلْقى في الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ١٦: ١٥ وفي صدر التوراة [١] التي في أيدي أهل الكتاب أن أول ما خلق الله السماء والأرض وكانت الأرض خربة خاوية وكانت الظلمة على الأرض وريح الله تعالى يزف على وجه الماء فقال الله ليكن [٢] النور فكان النور فرأى الله حسناً فميزه من الظلمة وسماه نهاراً وسمى [٣] الظلمة ليلاً وقال ليكن رفيعاً وسط السماء فليحل [٤] بين الماء والسماء [٥] فكان سقفاً يميز بين الماء الذي أسفل وبين الماء الذي هو أعلى وسماه سماء وقال الله ليجمع الماء الذي تحت السماء وليكن اليبس فكان كذلك فسمى مجتمع الماء البحار وسمى اليبس الأرض وقال الله ليخرج الأرض الزهر والعشب والشجر ذا
стр. 212
الحمل فأخرجت الأرض ذلك ثم قال الله تعالى ليكن نوران في سقف السماء ليميزا بين الليل والنهار وليكونا آيتين للأيام والشهور والسنين فكان نوران الأكبر والأصغر فالأكبر لسلطان النهار والأصغر والنجوم لسلطان الليل فرأه الله حسناً وقال الله تعالى ليحرك الماء كل نفس حية وليطر الطير في جوف السقف وخلق الله ثمانين عظاماً وحرك الماء كل نفس حية لجنسها وكل طائر لجنسه فرأى الله ذلك حسنا فقال انموا وأكثروا واملئوا الأرض وقال الله تعالى نخلق بشراً كصورتنا وشبهنا ومثالنا ويكون مسلطاً على سمك البحار وطير السماء ودواب الأرض فخلق آدم على صورته ومثاله وشبهه، وامّا الفرس فإنّهم يحكون عن علمائهم وموبذيهم [١] أنّ الله خلق في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً ووضع ذلك على أزمنة كاه انبار دين ماه [٢] وأن أول ما خلق الله السماء في خمسة وأربعين يوماً وهو كاه أنبار [دي] ماه وخلق الماء في ستين يوماً وهو كاه أنبار ارديبهشت ماه وخلق النبات في ثلاثين يوما
стр. 213
وهو كاه أنبار ابان ماه هذا ما عليه عامة من يعرفهم [٤٠] من أهل الأرض بحدث العالم والأصدق من ذلك ما نطقت به كتب الله أو جاءت به رسله لأنه لم يشاهد الخلق أحد فيخبر عنه ولا العقل موجب كيفية ذلك ثم لا شيء أحمل للزيادة واخلط في الرواية وأكثر تشويشاً واضطراباً من هذا الباب قال الله ﵎ خَلْقِ السَّماواتِ ٢: ١٦٤ فبدأ بذكر السماء على الأرض في غير موضع من كتابه ثمّ قال أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ٤١: ٩ [١] الآية إلى قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ٤١: ١١ [٢] وقال أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ٧٩: ٢٧- ٢٨ [٣] إلى قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ٧٩: ٣٠ [٤] فأخبر أن خلق السماء كان قبل خلق الأرض وبسط الأرض كان قبل تسوية السماء وما فيها كما ذكره ابن إسحاق،
صفة السماوات
قال الله تعالى خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ٦٧: ٣ [٥]
стр. 214
فأخبر أن بعضها فوق بعض وزعم الكلبي أنّ السماوات فوق الأرض كهيئة القبة الملتصق منها أطرافها وقول الله أحق أن يتبع ما لم يرد تخصيص صادق أو تبيين وروى وهب عن سلمان الفارسي ﵀ أن الله خلق السماء الدنيا من زمردة خضراء وسماها برقع [١] وخلق السماء الثانية من فضة بيضاء وسماها كذا وخلق السماء الثالثة من ياقوتة حتّى عدّ سبع سماوات بأسمائها وجواهرها وروى عن ابن عباس ﵁ أنه قال إن السماء الدنيا من رخام أبيض وإنما خضرتها من خضرة جبل قاف وروى أن السماء موج مكفوف واختلف القدماء فيه فزعم بعضهم أن جوهر السماء من حديد وزعم بعضهم أنه جوهر صلب وجمد بالنار حتى صار مثل الجليد ومنهم من يزعم أنه جوهر ناري وبعضهم يراه جوهراً مركباً من حار وبارد وبعضهم يقول هو دخان من بخار الماء تكاثف وتصلب وبعضهم يراه جواهرا خارجاً من مزاج الطبائع فكلهم يسمون السماوات الأفلاك فالذي يحب أن يعتقد منه أنه جوهر ما آن لو لم يكن كذلك ما قبلت الأعراض التي تراها من سواد الليل
стр. 215
وخضرة واختلاف القدماء فيه دليل على قصور فهمهم عنه وروايات أهل الإسلام لا يوجب اعتقادا ما لم يكن إجماع أو شهادة نص من كتاب أو خبر نبي صادق مؤيد بالمعجزات الباهرة اللَّهمّ إلا أن يكون وفاق في الأسامي لا في المعاني لمخالفة أجسام السفل أجسام العلو وقد شبه أمية السماء بالزجاج من جهة لونه ولم يرو عن أحد من الفلاسفة ولا من أهل الكتاب [كامل]
فكأن برقع والملائك حوله ... سدد تواكله القوائم مجرد
خضراء [١] ثانية تظلّ رءوسهم ... فوق الذوائب فاستوت لا يحصد
كزجاجة الغسول أحسن صنعها ... لما بناها ربنا يتجرد
صفة الفلك
قال الله تعالى لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ٣٦: ٤٠ [٢] قال بعض المفسرين تدور كدوران الرحا وأهل النجوم يزعمون أنه [٤٠] الفلك الأعظم المحيط بالأفلاك السبعة ولها في كلّ يوم وليلة